.
انتقلت ملكية مبنى القنصلية الفرنسية القديم 5 شارع الفضل المتفرع عن طلعت حرب بوسط البلد إلي شركة الإسماعيلية. وهى الشركة التي تملك الآن حوالي 20 مبنى تاريخياً في المنطقة ولديها خطة طموحة لترميمها والاستثمار العقاري فيها. هي أيضاً أحد الداعمين لمهرجان “دى-كاف” للفنون المعاصرة بوسط البلد والذي اختتم فعالياته الخميس الماضي.
تجري الإسماعيلية عملية ترميم واسعة على مبنى القنصلية التاريخي، لكنها منحت أحد الأدوار لاستضافة برنامج الفنون البصرية للمهرجان الذي نسقته هذا العام مى أبو الدهب وحمل عنوان “خدع عظيمه من مستقبلكم”، حيث عرض في غرفتين عمل باسل عباس وروان أبو رحمة (المتمردون على الهامش) بينما في ثلاث قاعات آخري عرضت بعد غياب سنوات أعمال الفنان المصري المقيم في سويسرا باسم مجدي.
1
“لقد تعودنا على عدم التساؤل، أمام كل شيء متقن، عن تكوينه، وعلى الاستمتاع بوجوده كما لو أنبثق من الأرض بضربة عصا سحرية.” يفتتح نيتشه فصله عن روح الفنانين والكتاب في كتابه “إنسان مفرط في إنسايته” بهذه العبارة. يسوقها كإشارة لكيف أن جمال الطبيعة وإتقان تكاملها وتصويرها لا يلفت الاهتمام. ولهذا السلوك البشري اتجاه الأعمال المتقنة يعرف الفنان أن نقطة قوة عمله تعتمد على قدرته على جعل المتلقي يعتقد أن فيه شيء من الارتجال. ولتحقيق هذا الأمر فلن يفوت الفنان أن يدخل الفوضى إلي عناصر عمله، وأن يستخدم إضافة إلي هذا كل الحيل المتعددة لتهيئة روح المتلقي بحيث تعتقد في انبثاق مفاجئ للإتقان غير ما اعتادت عليه.
2
نشأ باسم مجدي في محافظة أسيوط، ثم التحق بكلية الفنون الجميلة في القاهرة، وتخرج منها في 2001، وبدأ في عرض أعماله في جاليري “التاون هاوس” بالقاهرة ومنها إلي نيويورك وعدد من دول العالم حتى انتقل عام 2007 إلي الإقامة في سويسرا.
بدأ باسم برسم اللوحات ثم تطورت وتعددت الوسائط التي يعمل معها حيث اشتملت على التصوير، الأفلام، النحت، والتركيب في الفراغ. مستخدماً مجموعة متنوعة في كل معرض من لغات الحواس المختلفة، مازجاً بين الصوت والصورة والرائحة.
أحد الأعمال التي سبق لباسم أن قدمها تضمن “القش” حيث استخدمه لخلق بيئة أكثر اقناعاً على حد تعبيره، فحينما يدخل الزائرون ويشتمون رائحة القش، ستساعدهم الرائحة على تكوين تصورات تنبع من الذاكرة. في عمل آخر وزع عدد من القطع الخشبية الرطبة مما أدى لخلق رائحة كرائحة الغابة. وفي نيويورك في أحد معارضه الأخيرة أحضر الكثير من الرمال والأعشاب البحرية من على الشاطئ في محاولة لخلق رائحة مماثلة لرائحة المحيط.
3
لكن وسط عناصر الفوضى والمفاجأة الغير متوقعة التي يستخدمها الفنان، فهو لا يتخلي عن عدد من المسلمات التي يتمسك بها كحقائق كالغرائبي، الأساطير، الضبابية، والنزوع إلي مد الأمور إلي أقصي أطرافها. يفسر نيتشه نزوع الفنان إلي إصباغ الميتافيزيقيا حتي على الطبيعة قائلاً: “حين يتعلق الأمر بمعرفة الحقائق فإن سلوك الفنان يكون أضعف من سلوك المفكر؛ إنه يرفض رفضاً باتاً أن تنتزع منه رموز الحياة الناصعة والعميقة ويقاوم كل المناهج، كل النتائج المجردة والساطعة. إنه يقاوم، على ما يبدو من أجل رفع كرامة الإنسان وقيمته.”
4
في المعرض الذي استضافه مبنى القنصلية، نصعد الأدوار الخاضعة للترميم وسط آثار رائحة الأسمنت ومواد البناء، متجاوزين الدور الأول الغارق في المياه الجوفية. حتى نصل إلي الدور الذي تعرض فيه أعمال باسم. في حجرة واسعة وعلى شاشتين يعرض بالتناوب فيلمين لباسم. الفيلم الأول يحمل عنوان “الأمور كما هي”، والثاني “أبي يبحث عن المدينة الصادقة”.
في الفيلم الأخير وسط رمال التجمع الخامس وانشاءات المباني الخرسانية يتحرك رجل عجوز، على ضوء النهار يمسك في يده كشاف كهربائي، تقترب الكاميرا منه في لقطة لتؤكد لنا أنها مضاء رغم أن ضوئه غير ملحوظ تحت سطوع الشمس.
بين تعقب قطعان الكلاب الشاردة والأب الذي يبحث عن المدينة وسط أطلال الكتل الخرسانية والرمال والأعشاب التي تكافح للنمو يسير في الفيلم بينما شريط الصوت يحمل أصوات رعد وانهمار الأمطار. من التناقض بين شريط الصوت وسطوع الشمس في الصورة ينصب باسم فخ الوقوع في شرك دراما الرحلة، لكنه يشتت هذا المعنى بالثقة التي تبديها الشخصية في خطواتها حتى وهى تنحدر على جرف رملي بتمهل وبطء. دون استعجال للوصول إلي جهة ما.
رحلة باسم هي ذهاب في طريق اللاعودة. في بداية فيلمه الثاني “عن واقع الأمور” يفتتح الفيلم بمونولوج شاعري يبدأه قائلاً: “الأبدية هي ذهاب بلا عودة”.
في “عن واقع الأمور” تضرب الفوضى المشاهد المتجمعة، في حوار معه يحكى باسم كيف في مرحلة كان يستخدم رشاش الألوان في الرسم، وبالنسبة له ففي حواره مع موقع “دى-كاف” الإلكترونى يقول باسم “كما في الرش بالألوان بدا الأمر مشابها مع تكوينات الفيلم حيث ذكرني بتأثير النقاط التي ينشرها رذاذ الألوان. ا؛ فهي وقد اهتممت كثيراً بالعمل على الفيلم، لكونها تتضمن جميع العناصر التي عملت عليها مسبقً تتضمن الصوت والصورة وطبقات متعددة من الصور التي يمكنك التلاعب بها وتغيير حتى الفيلم ذاته وتنويع مواده”.
بين دفقات الصور والمشاهد والمونتاج العنيف في الفيلم، يبدو باسم مستغرقاً في عملية تنكر استعراضية، تتجلي في المشاهد التي تتعقب فيها الكاميرا واحدة من الكرنفالات التنكرية في مدينة أوروبية ما، حيث المقنعون يسيرون في الشوارع في حالة تقمص واستعراض، لكن كاميرا باسم تركز على اللقطات التي يفلت فيها من هؤلاء الأشخاص تصرفات عادية في لحظات ينسون فيها قناعهم.
5
يتطرف باسم في استخدام الفوضى بمفهوم نيتشه، رافضاً أي محاولة لانتزاع الحقائق. في غرفة آخري تعرض على الحائط مجموعة من صور باسم في إسقاط ضوئي من “بروجكتور” قديم الطراز يعمل بآلية الشرائح. الصور معالجة بما يصفه باسم تقنية “التخليل” يشرح خطواتها التقنية في الحوار قائلاً: “أضع الفيلم في برطمان مليء بالخل وأدعه يؤثر على الفيلم. كل نوع من خام الفيلم يستجيب بشكل مختلف ويترك أثره اللونية على الصورة.
فحساسية الفيلم للضوء تؤثر على استجابته إلى المواد الكيميائية المختلفة، فالفيلم ذو السرعة 100 آزا يستجيب بشكل مختلف عن ذلك ذو السرعة 20 آزا عند تعريض كليهما بنفس المادة الكيميائية ولنفس الفترة الزمنية. فهناك العديد من المتغيرات المختلفة التي تؤثر على النتيجة: نوع الخام، الماركة، الحساسية، نوع المادة الكيميائية المستخدمة خلال عملية التعريض.”
أما الصور نفسها المعروضة فهى صور لأراضي بركانية جرداء في جزيرة لانزارود الأسبانية، حيث تطرح الصور توثيق وهمى لذاكرة قد تحدث في المستقبل. لا تعدنا أعمال باسم بحقيقة تنتصب وسط حديقة من الورود، ولا تأويل أو رمز لأفكار نعرفها. بل تقوم بأحد وظائف الفن التي يعرفها نيتشة “بالفن المستحضر للموتى”. حيث يضطلع الفن بمهمة الحفاظ على بعض الأفكار الآيلة للانطفاء الباهتة وكذلك مهمة إحيائها، حيث يجدل الفن رباطاً يضم مختلف العصور ويبعث روحها من جديد. وهذا الانبعاث يكون ظاهراً من الحياة كظاهر القبر. ومن لقطات الجذر البركانية التي مرت بعملية التخليل، حتى أطلال الخرسانة في رحلة البحث عن المدينة الصادقة. تمنحنا زيارة معرض باسم فرصة لاستعادة إيقاع قديم من الطبيعة التي لا تلفت الانتباه وحتى الفوضى التي تظلل المستقبل
—— -
نشر في أخبار الأدب















Rogers