إجازة تفرغ‮: ‬ الكوميديا الإلهية للفنان المصري ‮ ‬من الستينيات وحتي الآن

تستكمل دار الكرمة ما بدأته العام الماضي في سلسلة مختارات الكرمة،‮ ‬وهي السلسلة التي تحتفي بالمنسي من الرواية العربية بإعادة طباعته في طبعات جديدة أنيقة،‮ ‬حيث صدر عن السلسلة‮ “‬ملك من شعاع‮” ‬لعادل كامل،‮ “‬النزول إلي البحر‮” ‬لعطية إبراهيم،‮ “‬الناس في كفر عسكر‮” ‬لأحمد الشيخ،‮ ‬ورباعية إبراهيم عبد الحليم‮ “‬أيام الطفولة‮” ‬ورواية‮ “‬ثالثة رابع‮” ‬لعلي الشوباشي‮. ‬وأخيراً‮ ‬العمل البارز لبدر الديب‮ “‬إجازة تفرغ‮”.‬
بدر الديب هو الكاتب الخارج عن التصنيف،‮ ‬مغامر خاض أرض الشعر وقصيدة النثر مبكراً‮ ‬بدواوين‮ “‬كحرف الحاء‮” ‬بينما كان الآخرون‮ ‬يسبحون في بركة الشعر الحر،‮ ‬بينما كان الكتاب المصريون في سنوات الستينيات والسبعينيات‮ ‬يسعون للتواصل مع ما تصوراتهم عن المجتمع والفن التنويري والهادف،‮ ‬كان بدر الديب‮ ‬يشيد عالمه الخاص الذي‮ ‬يمكن أن نراه شبحاً‮ ‬في‮ “‬لحم الحلم‮”. ‬وفي شعره كما أعماله النثرية فانشغالات بدر الديب هي في‮ ‬غالبيتها انشغالات فلسفية وليست ايدلوجيا،‮ ‬الأفكار هي الجوهرة النجمة التي‮ ‬يسعي إليه بدر الديب وتحوم حولها أحلامه،‮ ‬والأسئلة الكبري عن الوجود هي ما‮ ‬يقف أمامها عارياً،‮ ‬تماما كبطل روايته‮ “‬إجازة تفرغ‮” ‬الفنان والنحات حسن عبد السلام حينما‮ ‬يقف عارياً‮ ‬أمام بحر إسكندرية لينجز تمثاله الصخري في مواجهة الشمس والموج‮.‬
في إجازة تفرغ‮ ‬يخوض بدر الديب في طين الواقع والتاريخ،‮ ‬ليقدم صورة مختلفة عما عرفناه في أعمال‮ ‬غيره من الكتاب خصوصاً‮ ‬جيل الستينات‮. ‬الحكاية والدراما كلها مخدرات مسلية لا‮ ‬يهتم بها الديب،‮ ‬والرواية بكل تأكيد ليست مناسبة للباحثين عن حكاية مسلية أو سحر الحدوتة‮. ‬بطل الرواية نحات وفنان تشكيلي بعد دراسته الفن لسنوات في إيطاليا الخمسينات والستينات‮ ‬يعود إلي القاهرة ليعمل في أحدي المجلات‮. ‬ولكي‮ ‬يصبح جزءا من النخبة الفنية والثقافية تجري عمليات دمجه وسط أصدقائه الفنانين والكتاب‮.‬
‮>>>‬
يرسم الديب مشهداً‮ ‬رائعاً‮ ‬للحظيرة الثقافية حينما‮ ‬يتقدم بطله إلي إحدي الحفلات الثقافية قائلاً‮: “‬منذ أن أممت الثورة الثقافة وصنعت المجلس الأعلي وأجهزة الوزارة في الثقافة والإعلام،‮ ‬وهذه الأصناف من الناس تتكاثر وتقوي حراشيف التماسيح علي ظهورهم‮. ‬إنهم‮ ‬يتحركون في مستنقع آسن مخضوضر فيه ظلال ودسامة الركود،‮ ‬لا‮ ‬يجهد كل منهم إلا لكي‮ ‬يتخذ ركناً‮ ‬أو مكاناً‮ ‬يمارس فيه شيئاً‮ ‬من السلطة ويستطيع فيه أن‮ ‬يرفع صوته‮.” ‬
بمزيج من الإدانة والحب‮ ‬يحلل الراوي كيف‮ ‬يتحول المثقف داخل هذه الأجهزة إلي خادم لايدلوجية الدولة الواحدة،‮ ‬وكيف‮ ‬يصبح دوره كمثقف‮ ‬يستمد أهميته من الحراسة التي‮ ‬يمارسها علي تراث الناس وحكاياتهم بدعوي حماية الفلكلور والهوية‮.‬
بطل بدر الديب ورغم انطوائه ونقده لبيئته الثقافية إلا أنه لا‮ ‬ينكر كونه جزءاً‮ ‬منها ومستفيداً‮ ‬من حظيرة الخراب الثقافي،‮ ‬يعتبر نفسه محظوظاً‮ ‬لأنه‮ ‬يعمل في مجلة‮ ‬يرأسها رجل‮ ‬يكن له الحب والاحترام،‮ ‬يقدر فنه ولا‮ ‬يضغط عليه بالتزامات العمل الصحفي،‮ ‬يتركه‮ ‬ينجز الرسومات بالطريقة والشكل الذي‮ ‬يرغب في إنجازه‮. ‬لكن حسن عبد السلام ليس رساماً‮ ‬صحفياً،‮ ‬بل هو نحات‮. ‬يسأم فجأة من كل ما سبق وينطلق إلي الإسكندرية بعدما منحه رئيس التحرير إجازة طويلة‮ ‬يخطط حسن لقضائها علي البحر متفرغاً‮ ‬للنحت‮.‬
بعد هذا تبدأ الرواية،‮ ‬صفحات كاملة تختفي فيها الأحداث،‮ ‬عالقين مع حسن عبد السلام،‮ ‬نشاهد انتشاءه أمام البحر حيث تنفجر طاقته في عمل واحد‮ ‬ينجح في إنجازه ويتركه كصخرة صامدة أمام الموج‮. ‬تتلبس حسن نزعة الفنان الساعي للخلود،‮ ‬الذي‮ ‬يتصور في فنه أبداً‮ ‬خالداً‮. ‬وسط‮ “‬مونولوج‮” ‬فكري طويل بلغة بدر الديب البديعة ذات القاموس الخاص‮ ‬يقول‮: “‬الفن هو صلب إنسانية البشر هو تيتانيتهم،‮ ‬وكل القيم مستمدة من تجربة الفن‮. ‬فالأخلاق وقيم المجتمع بل وحتي القيمة التجارية والمعني النفعي للأشياء تقوم علي حجر صلب هو الفن ولولا الفن لتساقطت جميعاً‮ ‬ولم‮ ‬يعد لها تماسك أو اتساق‮. ‬إن فنية الإنسان،‮ ‬قدرته علي صناعة الوجود المقابل‮. ‬هي التي صنعت له تاريخاً‮ ‬ومجتمعاً‮ ‬وأخلاقاً،‮ ‬وليس كل مظهر من مظاهر الحياة البشرية إلا فناً‮ ‬ناقصاً‮ ‬لم‮ ‬يصبر عليه البشر فاختزلوه في شكل آخر من أشكال النشاط البشري واضطروا إليه خدمة لوجود أبدانهم التي تحتاج الطعام والنوم والجنس كي تظل وجوداً‮”.‬
هذا التقديس للفن والتفاني في التبجيل مكون أساسي نلمحه بصيغ‮ ‬مختلفة في أعمال بدر،‮ ‬فالفن عنده ليس وسيلة للتعبير،‮ ‬وليس وسيلة للتسلية بل بحث عن سؤال‮ ‬غامض‮. ‬وحينما‮ ‬يتوه حسن عبد السلام في متاهة هذا البحث،‮ ‬يجلس علي أرضية الاستديو وسط أوراق الجرائد وعلب الطعام المجفف ويبدأ في تذكر مسار حياته بحثاً‮ ‬عن منابع العطب‮.‬
خصوصية بدر الديب تتبدي في ذلك الفصل فلا‮ ‬ينجرف الديب إلي حكي تاريخ الشخصية العائلي بشكل‮ ‬يقدس العائلة ويصبغ‮ ‬صفات الرومانسية،‮ ‬بل‮ ‬يتلاعب بمفهوم الذاكرة والتذكر،‮ ‬وكيفية تغيير مشاعرنا اتجاه الأحداث كلما ابتعدت المسافة‮. ‬يرصد مع أمه كيف تتغير العلاقة من كونه ابنها وطفلها،‮ ‬إلي المسافة التي تقطعها الأم حينما‮ ‬يموت زوجها فلا‮ ‬يتبقي سوي الابن الذكر ومع الوقت تتغير علاقتها به تحاول أن تربيه كرجلاً‮ ‬له صلاحيات الرجال،‮ ‬تعد له الطعام وتلمع له الحذاء‮. ‬لكن هناك مسئوليات كأن‮ ‬يتزوج سميحة قريبته‮. ‬ويرضخ الفنان لرغبات الأم،‮ ‬لكن هذا لا‮ ‬يمنعه من انشاء حياة سرية مع عشيقة إيطاليا أثناء دراسته في إيطاليا،‮ ‬يترك الزوجة مريضة تموت،‮ ‬وتلحقها الأم بعد ذلك‮. ‬ويخسر العشيقة الإيطاليا حينما‮ ‬يعود إلي مصر‮. ‬فيصبح وحيداً‮ ‬بلا عائلة ولا نساء،‮ ‬ليس لديه سوي فنه ومساره المعطوب لا‮ ‬يعرف كيف‮ ‬يحرر نفسه وكيف‮ ‬يحرر فنه وعمله مرة أخري‮.‬
بطل بدر الديب‮ ‬غريب عن محيطه العائلي،‮ ‬ومحيطه الثقافي‮. ‬وحتي الفن نجمة عالية لا‮ ‬يطولها‮.‬
المدهش أن إعادة طباعة‮ “‬إجازة تفرغ‮” ‬هذه الأيام‮ ‬يجعلها تبدو كأنها رواية معاصرة تماما لا لحظة‮ ‬68‮ .‬
‮ ‬يسخر بطل الرواية من كلمات محمد فوزي وهو‮ ‬يشرح عملية إعادة بناء القوات المسلحة ويسخر أكثر من كل‮ “‬البروبجندا‮” ‬التي تتحدث عن عمليات إعادة البناء وذلك كما‮ ‬يقول‮ “‬كنت أحس أن كل الهرج الكبير الذي صاحب إعادة البناء لن‮ ‬يؤدي إلي شيء لأنه‮ ‬يتم في الخفاء ومن سلطة علوية‮”.‬
أما الصدمة التي تجعلنا نشعر وكأننا نعيش داخل كابوس فنانه‮: “‬في سبتمبر كان جمال عبد الناصر‮ ‬يقول نحن نعرف قوي الثورة المضادة بالتفصيل وبالاسم سواء كانت من اليمين أو اليسار‮.. ‬وبدأ‮ ‬يتحدث عن المظاهرات وأن المعتقلين‮ ‬800‮ ‬فقط من أفراد الجهاز السري للإخوان وفي نفس الوقت‮ ‬يعلن أن المعتقلين عام‮ ‬65‮ ‬وهو أول عام لي في القاهرة كانوا‮ ‬6‮ ‬آلاف‮.. ‬من هم‮.. ‬ولماذا وكيف‮…”‬
حتي حينما‮ ‬يرسله رئيس التحرير إلي الجبهة لرسم الجنود واستعدادات الحرب،‮ ‬يعود بلوحة‮ “‬عودة الفجر‮” ‬تصور عودة مجموعة من الجنود من الضفة الشرقية وهم‮ ‬يحملون جندي شهيد،‮ ‬لكن رئيس التحرير‮ ‬يخبره أنه لا‮ ‬يمكن نشر هذه اللوحة في المجلة ولا‮ ‬يمكن إقامة معرض لها لأنها ليست حماسية ولا تخدم الروح المعنوية‮. ‬فيعود مرة أخري إلي عزلته حتي الحروب والصيحات الوطنية ليست إلا أكاذيب مخلقة،‮ ‬يعود إلي عزلته هذا المرة أكثر انتاجاً‮ ‬وأكثر بحثاً‮ ‬عن جسد أنثوي‮ ‬يكمل به دائرة الالهام الفني‮. ‬ثم‮ ‬ينقطع خيط السرد فجأة كما بدأ فجأة‮. ‬تخبرنا رسالة من رئيس التحرير في النهاية،‮ ‬ما هذه الأوراق وهل هي مذكرات أم رواية‮. ‬أما الفنان نفسه فقد قتل دون أن‮ ‬يلتفت أحد إلي الحادثة لأنه مات في ذات‮ ‬يوم وفاة جمال عبد الناصر‮.‬
لغة بدر الديب في الرواية‮ ‬يغلب عليها الفصحي باستثناء مقاطع الحوار القصيرة،‮ ‬لكن النص كله‮ ‬يتضمن الكثير من الإشارات والاقتباسات من‮ “‬الكوميديا الإلهية‮” ‬لدانتي،‮ ‬كأنما‮ ‬الرواية محاكاة حديثة لجحيم‮ ‬68،‮ ‬أو لجحيم‮ ‬2015.

Share
Tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *