هل تخطت المؤسسات الثقافية البديلة مرحلة الفطام؟

1

حفاظاً على سرية المصدر لن نحكى الواقعة التالية بالأسماء أو التفاصيل، وإن كانت ليست حدثاً استثنائياً وإنما نمط متكرر معتاد ومتعارف عليه.

598586_411035178986557_304909219_n

منذ أيام نظمت أحدى المؤسسات الثقافية المصرية المستقلة ورشة عمل بدعم كريم من أحدي المؤسسات الثقافية الأجنبية العاملة في مصر. الورشة هدفت إلى حوار بين المؤسسة الثقافية المصرية وآخرى تقوم بدور مشابهه لما تقوم به في بلد أوروبي، اللقاء بهدف تبادل الخبرات على مدى عدة أيام في القاهرة. حضر الأجانب، جلسوا مع المصريين تحدثوا ليومين وتناولوا الشاي والقهوة ثم غادر الأجانب. قدمت المؤسسة المصرية المنظمة تقريريها وفواتيرها سليمة، وضع المسئول الثقافي الأجنبي ما قدموه له مع ملف إعلامى يحتوى على أخبار نشرت عن الورشة التى لم يعرف بها إلا عدد محدود من الأشخاص، رفع تقاير عن ذلك لرؤسائه في أوروبا، وشملوا التقرير في تقاريرهم إلى المجالس النيابية والجهات الرقابية لتتأكد من الديمقراطية لا تزال بخير، وكشعوب أوروبية يمارسون دورهم في نشر التنوير والتقدم وقيم الحوار والتعاون ونبذ التعصب.

تلتزم الدول الأوروبية –مشكورة على ذلك- بالتعاون في المجال الثقافي ولديها مراكز ثقافية أجنبية رسمية ومدنية ممثلة في القاهرة وأحياناً في مدن آخرى مختلفة من أنحاء الجمهورية. لدى هذه المراكز بالتأكيد توجهات ثقافية وآخرى قانونية كأن تشمل برامجها في مصر مشاركة فنانين من الدول التي تمثلها. ناتج ذلك هو ما يتملل منه المثقفون المصريون أحياناً تحت اسم “المركزية الأوروبية” وهو الاسم الآخر للانغلاق الثقافي.

يكفي أن ننظر سواء قبل 25 يناير أو بعدها على قائمة أسماء الشخصيات الثقافية والفنية التي تحضر في المهرجانات والأحداث المختلفة لنلاحظ غلبة الشخصيات والتوجهات الأوروبية، وذلك لأنهم يستثمرون في المجال الثقافي ونحن لا نملك المال اللازم للعمل في هذا المجال، وحتي إذا تم امتلاكه فلا توجد البنية القانونية والتشريعية التي يمكن أن تقنن وتسهل وتدعم عمل المؤسسات الثقافية وتساعدها على تنويع مصادر تمويلها.

2

كان من الجميل والمثير للفرحة بعد ثورة 25 يناير أن نشاهد كيف تدافع المثقفون المصريون لاجتماعات الأتيلية، وأن تدور النقاشات والمؤتمرات حول كيفية تحرير العمل الثقافي وهيكلة وزارة الثقافة، قدمت الخطط والاقتراحات لكن دارت دورة الحياة حتى أتى صابر عرب وقضي الله أمراً كان مفعولاً. لكن من المدهش كيف أن رؤساء مؤسسات ثقافية مدنية كانوا أكثر الفاعلين في وضع هذه الخطط والانخراط في جلسات برلمانية ولقاءات إدارية وسياسية لبحث سبل هيكلة وزارة الثقافة.

وزارة الثقافة تعانى بالتأكيد من مشاكل جمة وطاقات وإمكانيات يمكن استغلالها بشكل أفضل، وبعد ثورة 25 يناير يستحق الأمر وقفة وإعادة تفكير. لكن ماذا عن المؤسسات الثقافية البديلة، من يحاسبها على اختياراتها أو على انفاقها أو أجندتها؟ لا نقصد بالحساب هنا ما يتعلق بأرقام دقيقة عن جهات تمويلها ومصاريفها ونسبة ما تنفقه على مرتبات ومكافئات العاملين ففي النهاية هذا أمر يهم فقط الجهات الداعمة لها وأصحاب الأموال. وبينما نعرف كشعب مصري ميزانية وزارة الثقافة ومجمل أجور العاملين فيها وما يتم انفاقه على النشاط الحقيقي، فأننا لا نمتلك أي معرفة عن لوائح العمل الداخلى أو الأجور والميزانيات ونسبة النشاط الثقافي الحقيقي في المؤسسات الثقافية المستقلة، لكن هذه ليست أموالنا ومادامت المؤسسات الثقافية والقائمين عليها –الذين يحتكرون مقاعد القيادة وصناعة القرار منذ زمن فاروق حسنى- لا يريدون أن يشركونا في ذلك فلن نسأل.

سيتذمر الفنانون المصريون من الأجور التي يتقاضونها مقابل مشاركتهم في الفعاليات الثقافية المختلفة التي تنظمها تلك المؤسسات لكنهم سيقبلونها، لأنه ما من مجال آخري يمكنه احتوائهم وتقديم الدعم لهم. هذا الوضع يجعل من تلك المؤسسات خصوصاً في المجال الغنائي والموسيقي والفن المعاصر تلعب دور أخطر يتعلق بعملية التقييم الفني من خلال اختياراتها في الفنانين والعروض والبرامج التي تدعمها.

دارت معظم الخطط التي قدمها المثقفون ومعهم مديرين المؤسسات الثقافية المستقلة لهيكلة وزارة الثقافة حول كيفية تحرير ملكيتها وتفكيك سلطتها لصالح تخطيط لا مركزى وشكل إدارة أكثر حرية والتصاقا بالحراك المجتمعى، لكن الغريب أن لا أحد من مديرين المؤسسات الثقافية المستقلة أصحاب تلك الاقتراحات فكر في كيفية تطبيقها على مؤسساتهم التي يعملون بها.

دعوة لندوة ثقافية

دعوة لندوة ثقافية

3

المؤسسات الثقافية البديلة لعبت أدوار آخرى واستغلت ما تلى ثورة 25 يناير لاقتحام المجال العام على حياء والتوسع خارج إطار مركزية القاهرة والخروج بأنشطتها للشارع. كانت الفترة القصيرة من التفاؤل والبهجة التي تلت 25 يناير مرحلة خصبة أيضاً زاد فيه الدعم الموجه من قبل دول الاتحاد الأوروبي لدعم التنمية الثقافية خصوصاً في دول الربيع العربي، وإن حافظت البرامج المقدمة على نفس أجندتها وشروطها وعلى رأسها ضرورة تنفيذ المشاريع مع شريك أوروبي.

لكن المسألة لا تتعلق فقط بحتمية شراكة ترسخ لسيادة المركزية الأوروبية ثقافياً، بل بطلبية احتياجات الشريك الأوروبي الثقافية أحياناً وما يرغب في رؤيته. بعد ثورة 25 يناير طغى الاهتمام بالجرافيتى تزايد الكتب والدراسات والأفلام والورش التي تجمع فنانين جرافيتى من مصر مع فنانين من أوروبا. لكن في اندفاع المؤسسات الثقافية لتلبية الشغف الأوروبي بالثورة وفنها والجرافيتى كان كل شيء مباح حتى لو كان تحويل ما يفترض كونه فن شارع إلى معرض في قاعة بجدران مغلقة كما حدث مع معارض الجرافيتى المتعددة.

4

تربط السياسات الحكومية خصوصاً الأوروبية الثقافة بعملية التنمية، والدعم الموجه يأتي تحت بند دعم “التنمية الثقافية”. هذا الربط نتج عنه حتمية توظيف تلك المؤسسات للفنون التي تدعمها في مجال التنمية، بل وعلى الفنانين أحياناً أن يشكل هذا البعد التنموى جزء أساسي على الأقل من الأوراق التي يقدمون بها مشاريعهم.

هذا العام احتفل جاليري “التاون هاوس” بمرور 15 عاماً على تأسيسه، بينما يكون قد مر أكثر من عشرة أعوام على تأسيس المورد الثقافي. الاثنان ساهما بشكل مؤثر وفعال في المشهد الثقافي العقد الماضي، ولم يقتصر تأثيرهما على ما قدمها من خلال برامجهما فقط، بل دعمهم طوال هذه الفترة والمستمر حتى الآن لعشرات المشاريع والمؤسسات الثقافية والفنية. لم تعد المؤسسات الثقافية تجارب وليدة تستحق التشجيع فقط. ولم يعد التمويل قضية ذات حساسية يهاجمها مثقفوا الستينات فهم مشغولون الآن بتأيد السيسي، بل أصبح جزء رئيسي من اقتصاديات صناعة الثقافة والفن في مصر. مثلما التبرعات والقروض من الدول المختلفة تمثل جزء رئيسي من اقتصاد الدولة المصرية ذاتها.

—— —

نشرت في أخبار الأدب

Share
Tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *