بعد الانقلاب العسكري الذي قام به عمر البشير في سنة 1989 بالسودان، خرجت عائلة السارة ذات التوجهات اليسارية في رحلة هجرة طويلة بدأت باليمن أولاً ثم الولايات المتحدة الأمريكية. في المدرسة ومع صعوبات الاندماج وتعلم لغة جديدة وجدت السارة في فصول الموسيقي مساحة أكبر للتواصل مع الآخرين وللتعبير عن رحلتها والأسئلة المتعددة التي كانت تواجهها.
منذ سن الثامنة وحتي الآن إذا لم تكن “السارة” في جولات فنية وموسيقية حول العالم فهى غالباً تعيش في حي بروكلين بنيويورك والذي تصفه بأنه “مكان لا تشعر فيه أنك غريب، لأن جميع من حولك مهاجرون”. وبعد الشوط الطويل الذي قطعته في رحلتها الموسيقية في لقاءنا بوسط البلد في القاهرة حينما تسألها بشكل مباشر عن الهوية ترد بحسم: “أنا سودانية، سأظل كذلك وكل ما ألمسه أو أنتجه سيكون سودانى، حتى لو بدوت غريبة لبعض الدوائر السودانية. فأنا اخترت ألا أكون جزء من الصورة التي يحاول النظام عكسها عن السودان، لأني أعتقد أن السودان أكثر تنوعاً وأكبر من تلك الصورة.”
عرف الجمهور المصري والعربي “السارة” بشكل واسع حينما شاركت مع مجموعة “مشروع النيل” في إحياء عدد من الحفلات الموسيقية الغرض الأساسي منها تقديم مزيج يجمع بين أنواع موسيقية مختلفة يجمعها الاشتراك في نهر واحد. حيث لفتت السارة الأنظار بطريقتها المميزة في الغناء التي تقدم الايقاعات الخماسية السودانية بأسلوب معاصر وحيوي مختلف عن الموسيقي المعتاد سماعها من السودان، إلي جانب حضورها على المسرح سواء من ناحية الملابس أو أدائها الحركى.
وصول “السارة” إلي مشروع النيل كان محطة وصلتها بعد رحلة طويلة، بدأت من صغرها حينما كانت تتلقي كطفلة سودانية سؤال “أنت منين؟” وللإجابة على هذا السؤال سعت خلال دراستها الجامعية لإنجاز بحثها عن موسيقي الزار في السودان بالتعاون مع د.على الضو من جامعة الفيوم. في الوقت ذاته وبينما كانت تتطور من مهاراتها الموسيقية والغنائية واجهت السارة عمليات التعليب والحصر في أطر موسيقية مختلفة. توضح هذا الأمر قائلة: “حينما تبدأ في الغناء فكل شخص يريدك أن تغنى بطريقته، الكثيرون رفضوا اهتمامى بالموسيقي السودانية الشعبية لأنها في رأيهم موسيقي متخلفة لاعتمادها على السلم الخماسي، وكان الجميع يدفعني إلي غناء الموسيقي العربية الكلاسيكية. كنت أسمع هذه الأراء من الكثير من العرب والسودانيين المقيمين في نيويورك وبطبيعة الحال فقد كانوا الجمهور الرئيسي في الأماكن المتاحة لدى للغناء”.
لفهم أي نوع من الموسيقي تعتقد “السارة” أنه يجب تفهم السياقات السياسية والاجتماعية التي انتجت تلك الموسيقي تقول: “لايمكن أن تفهم موسيقي الراي دون أن تفهم وتعرف التاريخ السياسي والاجتماعى الجزائري”. لكن هذا لا يعنى بالضرورة أن يكون لدى الفنان إلتزام أو موقف سياسي واضح ففي رأى السارة التغيير الاجتماعي أهم كثيراً من التغيير السياسي.
في نيويورك تعرفت السارة على موسيقي أمريكى مهتم بالموسيقي الكلاسيكية والشعبية في “زنجبار” ولأكثر من عام تفرغت “السارة” للتعرف على التاريخ “زنجبار” خصوصاً تحت الاحتلال العمانى، وكيف اختلطت الموسيقي العربية الكلاسيكية التي كانت تعزف للسلطان مع الموسيقي الأفريقية والسواحلية. مشروع موسيقي “زنجبار” لم يكتمل لكنه خلق لدى “السارة” منهجية خاصة في اكتشاف الموسيقي تتعرف من خلالها على الخطابات المهمشة والتي لا تجد تعبير عنها إلا في الأغانى الشعبية. لذا فحينما بدأ السارة أخيراً في الاهتمام بالموسيقي والأغانى السودانية وقعت في غرام ما يعرف يأغانى البنات. وهى الأغانى التي تغنيها البنات في الأفراح والأعراس. وفي العادة لا تلقي هذه الأغانى التقدير الكافي في السياق الرسمي.
لكن “السارة” لم تعتمد في مشروعها الغنائي على غناء الأغانى الشعبية، بل صنعت من هذا الخليط أغانيها الخاصة، وهى تصر دائماً على أن تكتب كلمات أغانيها بنفسها. تقول “السارة”: “هناك عدم احترام للهجة السودانية وعدم احترام أكثر لحكاية المرأة وكأن المغنية يجب أن تغنى كلمات شاعر آخر، أنا لدى حكايتى الخاصة وهو ما أرغب في تقديمه وغنائه”.
لدى السارة الآن ثلاث مشاريع رئيسية تحكى حكايتها من خلالها. المشروع الأول والذي تعتبره بمثابة المشروع الرئيسي هو أعمالها الموسيقية مع فريق “نوبا تونز/The Nubatones” والذي تقدم فيها خليط مما تصفه بموسيقي شرق أفريقيا، وتعتمد بشكل أساسي على الآلات الايقاعية بصحبة العود. ومن التراث الشعري والغنائي السودانى تختار “السارة” ما يعبر عن حكايتها الخاصة وتقوم بتوليف الجمل والكلمات لإنتاج كلمات أغانيها الخاصة.
المشروع الثاني هو الألبوم الذي قدمته مع المنتج والموزع الموسيقي الفرنسي “ديبور/ Debruit” وقد حدث هذا المشروع ببساطة كما تحكيها السارة: “أنا معجبة بشدة بالموسيقي الإلكترونية التي يقدمها، أرسلت له إيميل أخبره فيه أني أحب موسيقاه وأتمنى أن نعمل على أغنية واحدة، لكنه أعجب بعينات الموسيقي السودانية التي أرسلته له وبدأنا أولاً بالعمل من خلال (الايميلات) ثم أتيحت لى الفرصة للسفر إلي بلجيكا حيث يقيم أجرنا شقة صغيرة لمدة أسبوع وبدلاً من أغنية واحدة انتجنا ألبوم (جوال)”
في جوال تعاد هندسة الايقاعات السودانية وتجزئتها إلكترونياً ومع صوت “السارة” يخرج المنتج النهائي أغاني راقصة تتضافر فيها ايقاعات الرقص الشرق أفريقية مع ايقاعات الرقص الحديث. أخيراً تطوف “السارة” حالياً الولايات المتحدة الأمريكية مع مشروع النيل والذي يجمع عدداً من الفنانين من أدول وأماكن حوض نهر النيل في مزيج موسيقي حققوا نجاحاً باهراً في مصر وعدداً من الدول الأفريقية ليكملوا النجاح بجولة في أكثر من 40 ولاية أمريكية.















Rogers