كيف يتحرك سوق الفن في مصر

في عام 1989 دخل رجل الأعمال والملياردير المصري ناصف سويرس إلي أحد المعارض التجارية المقامة في فندق الماريوت، ضم المعرض عدداً من السلع الفاخرة إلي جانب الأثاث والتحف. في زاوية من المعرض كانت شهيرة إدريس وغادة شهبندر يحتلان مكاناً يبيعان فيه عدد من اللوحات والأعمال الفنية لأسماء مهمة في مجال التصوير ذلك الوقت. صبري راغب كان الاسم الأبرز في تلك المجموعة. وكانت السيدتان يخوضان خطواتهما الأولي في مجال جمع وتجارة اللوحات، وتقديراً لدورهما منحهما صبري راغب واحدة من لوحاته المفضلة على سبيل العرض لا البيع إلي جانب لوحتين يمكن بيعهما.

كان لوحة صبري راغب طبيعة صامتة لزهرة حمراء. وكما الحب من النظرة الأولي الذي يكون العالم بعدها مختلف عن العالم قبلها، وقع ناصف سويرس في حب اللوحة. وطلب شرائها. حاولت غادة وشهيرة اقنعه بأن اللوحة ليست للبيع، لكن ناصف تمسك بطلبه. وأمام إلحاحه اتصلت غادة بصبري الذي انفعل وانزعج من طلبها وأخبرها بأن اللوحة ليست للبيع، لكن سويرس أصر على طلبه بشراء اللوحة، فقرر صبري راغب طلب رقم ضخم يساوى ثلاث أضعاف الأسعار المعتادة في السوق. بثقة قال صبري راغب:

-عشرة آلاف جنيه.

وبسرعة وحسم كان رد ناصف:

-موافق.

لتصبح لوحة راغب أغلي لوحة تباع لفنان مصري معاصر وعلى قيد الحياة وقتها حسبما تؤكد غادة شهبندر، في فترة كان السوق يتحرك فيها والأسعار التي كانت لا تتجاوز المئات أصبحت تصل إلي الآلاف. والتمدد العمراني يتنشر لخارج القاهرة ليؤسس مدناً جديد. وغزو صدام حسين الكويت يدفع ما تبقي من مشروع الوحدة العربية الايدلوجيا للانهيار. كانت الخرائط تتغير، وسوق الفن العربي يولد مُتعثراً.

عالم ما قبل 1989

مع تأميم الحياة الثقافية والفنية في الستينات في مصر خضعت الفعاليات الفنية والمساحات الثقافية إلى الاشراف والتنظيم من قبل الدولة. في الثمانيات إلي جانب قاعات الدولة كان عدد الجاليرهات الفنية في القاهرة أرقام بسيطة، والسعر الأقصى لما يمكن أن تباع به لوحة لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه. تتذكر غادة شهبندر الأسماء البارزة في السوق ذلك الوقت جاليري سفر خان، طارق المرصفي جاليري أرابيسك. وجمهور الفن يقتصر على قائمة محدودة من الأسماء التي حتي في حالة اهتمامها وشرائها لأعمال فنية فستكون لفنانين من الأسماء الكبيرة والتي حققت وأثبتت وجودها.

في هذه المرحلة حيث الانسحاب الكبير لأجهزة الدولة من المجال الثقافي والفني، كانت غادة شهبندر مع صديقتها شهيرة إدريس تستثمر مهارتها وذائقتها في الديكور في الاتجار في عدد من التحف والتابلوهات الفنية. بدأ الاثنان أيضاً في زيارة المعارض الفنية والتعرف على الفنانين. وقتها كان قطاع كبير من الفنانين المعاصرين يمتلك استديوهات في وكالة الغوري أو عدد من البيوت الأثرية التي رممتها الدولة ومنحتها لهم كاستديوهات فنية. بالتالي فزيارة مثل هذه الأماكن منح غادة شبكة واسعة من العلاقات مع فنانين من مختلف الأجيال.

كانت لدى الدولة نظام متكامل صحيح يشوبه الكثير من العيوب لكنه يعمل ويقدم مظلة لدعم الفنانين، فالدولة توفر الاستديو هات للفنانين للعمل، وتمتلك الجاليرهات التي تعرض فيها الأعمال الفنية، وتدير لجنة المقتنيات التي تشتري الأعمال ولجان آخري توزع الجوائز على الفنانين.

إقتصاديا كانت مصر تستكمل خطوات التحول إلي نظام السوق الحر، يتم تخصيص المؤسسات الحكومية وبيعها، وبالتالي تتقلص ميزانياتها في كل نواحى الانفاق الخدمي ومنها بالطبع الانفاق الثقافي. يُفتح السوق المصري أكثر فأكثر أمام الشركات العالمية. ولجمهور النخبة الاقتصادية الجديدة كانت تقام معارض خاصة في فنادق الخمس نجوم. وفي هذه المعارض بدأت غادة شهبندر للمرة الأولي في عرض لوحات لفنانين معاصرين.

جذبت عروض غادة وشهيرة انتباه قطاع من الجمهور، فتوسعت أنشطة الاثنين لتمتد لإقامة معارض خاصة. وقتها كانا يستغلا وجود شقة خالية عند أحد معارفهما، لإقامة معرض قد يستمر لأسبوع وبضعة أيام. بتوالي المعارض التي كانت تقيمها غادة توسعت دائرة عملائها، وتوسعت كذلك دائرة الفنانين الذين تتعامل معهم.

كانت قائمة الفنانين الذين تعرض لهم غادة تضم صلاح طاهر، بيكار، سمير فؤاد، جاذبية سري، ناجى باسيلوس. إلي جانب فنانين شباب وقتها، بعضهم استمر وبعضهم غادر كهدى خالد، فاطمة رفعت، وموريس فريد. البعض الآخر كحسن سليمان رفض أن يعرض معهم لأنهم كانوا يعرضون في شقق مؤجرة وليس جاليرهات مجهزة لكنه أعطاهم في الوقت ذاته أسماء لفنانين زملائهم قد يتحمسون للعمل معهم.

صنعت غادة شهبندر أسمها كأحد الأسماء البارزة في سوق الفن وقتها. لكن عائدات الفن المادية لم تكن بالقدر الكبير لذا فلم يكن بإمكانها تأجير مكان بشكل مستمر وتحويلها لجاليري. فضلت العمل بشكل حر. وبدأت في تلقي عروض نوعية مختلفة. فالشركات العالمية التي بدأت في ممارسة نشاطها في مصر بدأت في الاستعانة بغادة لاختيار لوحات فنية لوضعها في مقاراتها أو بعض المكاتب كانت تسعي لتكوين مجموعتها الخاصة للفنانين.

صممت واختارت غادة اللوحات التي كانت تعلق في مقر عدد من الشركات الكبرى وقتها أبرزها “أمريكان اكسبريس”، “كاربت سيتى”. أحياناً كان يطلب منها مهمات بسيطة كاختيار اللوحات في مكتب مدير الشركة أو في دور كامل.

في الوقت ذاته وصلت “ستيفاني” إلي القاهرة عام 1990، في زيارة استكشافية لتأسس جاليري مشربية في وسط البلد، عملت “ستيفاني” قبل قدومها في عدد من الجاليرهات في إيطاليا المتخصصة في الفن المعاصر. وكان طموحها الأساسي تأسيس جاليري يقدم الفن كحالة مكتملة وليس كديكور يتماشي مع الأثاث. تتذكر ستيفاني كيف حينما وصلت القاهرة كانت بعض الجاليرهات تعرض اللوحات وتبيعها مع الكنب وقطع الأثاث بحيث تتماشي اللوحة مع الكرسي المباع.

.

الفن يدخل السوق الحر

.

عملت غادة في سوق الفن من 1986 وحتى منتصف التسعينات، وهي تؤكد أن فترة نهاية الثمانيات تحديداً شهدت اتساع وتغييرات طفيفة في سوق الفن، ارتفاع في الأسعار واتساع في شريحة الجمهور المهتم، تعود هذه القفزة الطفيفة إلي عدة أسباب:

-في نهاية الثمانيات وسعت الحكومة من خططها الانشائية ودعمها للمدن الجديدة، نتيجة لهذا حدث توسع كبير في سوق العقارات خصوصاً في غرب القاهرة وشرقها مع إنشاء مدينة 6أكتوبر ومناطق امتداد مدينة نصر والتجمع الخامس. عادت من جديد لتظهر البيوت الواسعة والفيلات والقصور الفخيمة والباذخة.

-النخبة الاقتصادية الجديدة اتخذت من الفن وسيلة للتباهي وصنع التميز الطبقي، وبالتالي فتعليق أعمال ولوحات فنية أصلية في المنزل إشارة على خصوصية اجتماعية. حيث تميزت هذه الفترة بالبزخ الشديد.

-المؤسسات الاقتصادية العالمية والغربية التي بدأت بالعمل في السوق المصري نقلت تقاليد غربية جديدة في العمل وفي السلوكيات التسويقية. منها الفن كعنصر جمالي وتسويقي يعكس هوية الشركة أو المؤسسة الاقتصادية، ومنها التعامل مع الفن كاستثمارات طويلة المدي ويمكن حفظ المدخرات فيه.

شهدت هذه الفترة ظهور الكثير من الأعمال القديمة للرواد التي كانت مخفية منها تماثيل لمختار ولوحات لمحمود سعيد. وفي سوق جديد بلا قوانين أو مؤسسات ضابطة انتشر التزوير. ووجدت غادة أنه إلي جانب دورها تقوم بدور المحقق خلف كل لوحة.

تتذكر أن أحدهم طلب منها تسعير لوحة لحسين بيكار، فذهبت بها إلي الفنان الذي ابتسم بهدوء وأخبرها أن اللوحة جيدة لكنها ليست له، بل أحدهم يقلد أسلوبه.

.

المقرئ والأساور الذهبية

.

يحكى سلطان القاسمى مدير شركة “باراجيل” لتداول الأوراق المالية أنه ذات مرة أقامت واحدة من الصالات مزاداً على عدد من اللوحات من ضمنها لوحات لمحمود سعيد، وفي الكاتلوج الذي تم توزيعه على رواد المزاد احتوى على لوحات عارية لمحمود سعيد تم تغطيتها ببوستر. كريم فرانسيس مدير جاليري كريم فرانسيس يدافع عن الصالات بأنها تفعل ذلك نتيجة لقوانين البلاد العربية وليس بسبب قوانين تفرضها الصالات نفسها.

بورترية لجورج صباغ

لكن غادة شهبندر تري أن التقييم الأخلاقي للفن أو ضعف الاقبال على اللوحات العارية منبعه الأساسي قيم اجتماعية تتغير أحياناً بتغير العصر والمناخ. في أوائل التعسنيات عرضت لوحة ذات الأساور الذهبية لمحمود سعيد عليها بمبلغ لا يتجاوز المائة ألف جنيه، ومعهد العالم العربي في باريس رفضها وفضل شراء وعرض لوحة المقرئ لأنه رأى أنها تمثل الفن المصري أكثر من لوحة عارية لسيدة سمراء.

“في الثمانيات وبداية التسعينات كان هناك مناخ اجتماعي عام يرفض اللوحات العارية، ولم يكن الأمر بسبب المد الإسلامي فقط بل يشمل المجتمع بمختلف طوائفه.” تشير غادة ونحن جالسين في بيتها إلي لوحة لصبري راغب تظهر فتاة تتزين أمام المرأة ترتدى قميص نوم أسود قصير. اللوحة اشتريتها سيدة من عائلة قبطية برجوازية ثم طلبت تبديلها بعد أيام لأن ابنتها لن تقبل لوحة عارية في المنزل. ولهذا فما تصفه غادة شهبندر بالقيم الاجتماعية المتغيرة يتغلغل ليعبر عن نفسه في ممارسات مؤسسات ثقافية ذات طابع دبلوماسي كمعهد العالم العربي تسعي لتقديم تصورات عن الذات في أرض الآخر، ذات القيم ستمارس حتى على أكثر أشكال التنظيم الاجتماعي الأساسية (الأسرة). تحكى غادة عن عائلات كانت تعرض عليها لوحات لجورج لصباغ لأن الأبناء يرفضون وجود لوحات عارية في المنزل.

من معرض نادين همام فتاة الدبابة

من معرض نادين همام فتاة الدبابة

في 2012 سيعرض في جاليري مصر لنادين همام أعمال متنوعة أنجزت على طوال الفترة التي تلت ثورة 25 يناير تحمل اسم “Tank Girl” (فتاة الدبابة). والكتيب التعريفي المصاحب للمعرض سيخبرنا

“ينطلق صوت الفنانة من خلال عملها الفني الذي حرصت على تسميته “فتاة الدبابة” معتمدة علي إعادة التركيب في الأنماط والأنساق. تحاكي في هذه الإعادة توليفة من تحولات القوة. تجلس فيها المرأة مسيطرة على واحدة من أشرس آلات الحرب: الدبابة كرمز في إشارة منها إلي قدرة المرأة على فرض قوتها وانتصارها في معركة إثبات الوجود”.

سيختتم الكتيب بفقرة بيانية:”تأمل الفنانة من خلال تعاملها مع هذه الرموز المعقدة إيجاد دوراً أكثر فاعلية للمرأة المعاصرة في المشهد السياسي والاجتماعي. فتاة الدبابة تمثل هنا كل امرأة مصرية”.

وفي لوحات من الأكريليك تواجهنا فتاة الدبابة بتكونات أنثوية الطابع في أوضاع استعراضية وقد تطبعت فوق أجسادهن والمساحات التي تملئ الفراغ جرزان أحياناً أو كلمات بالانجليزية شكلت بالواقيات الذكرية. محمد طلعت مدير جاليري مصر سيعلق أن تلك القيم الاجتماعية تغيرت الآن. بالعكس الجمهور الجديد المقبل على شراء الفن ينجذب أكثر إلي الأعمال الأكثر معاصرة والتي تستخدم وسائط متعددة وليس لديه مشكلة مع اللوحات والأعمال التي تحتوى على عري أو حتي تحتوى تتخذ من الجسد أو الإيروتيكيا موضوعاً لها كما في مجموعة “إيروس” لالدسوقي فهمى والتي عرض جزء منها في جاليري مصر أيضاً.

.

مغامرون جدد

.

حتي منتصف التسعينات لم تكن هناك قوانين واضحة لسوق الفن يتم على أساسها تحديد الأسعار والتأكد من صحة الأعمال، لكن كان هناك كود أخلاقي لا توجد جهة تراقبه. الفنانون هم من يضعون أسعار أعمالهم الفنية والجاليرهات تعرض وتتقاضي نسبة مقابل الأعمال المباعة. بعض الفنانين في الثمانيات كان ينظرون بريبة إلي الجاليرهات ويطلبون من الجاليري شراء أعمالهم. أسواء ما يمكن أن يحدث من انتهاك لهذا الكود الاخلاقي أن يعرض فنان لوحة له في جاليري ويبيع لوحة من ذات المجموعة بسعر أقل من المعروض في الجاليري.

بخلاف الأكواد والقيم الأخلاقية لا توجد منظومة قانونية في مصر خاصة بسوق الفن، وعلى سبيل المثال ففي 2005 حينما ظهرت قضية جاليري عايدة أيوب والتي كانت تبيع لوحات مزورة لزبائنها بصفتها أعمال أصلية لرواد الحركة الفنية تعاملت معاها المحاكم المصرية كقضية نصب واحتيال، فلا توجد مواد في القانون المصري تعاقب على عمليات تزوير اللوحات الفنية.

قضية عايدة أيوب ذاتها تكشف جانب من الخلل المحيط بسوق الفن في مصر، فقد بدأت في العمل في سوق الفن بداية من التسعينات وباعت لزبائنها عشرات اللوحات التي كان يقوم بتزويرها الفنان الراحل يسري حين، وكونت عايدة شبكة من العلاقات الثقافية الواسعة منحت بسبب لقب “راعية الفن” من قبل وزير الثقافة وهو لقب شرفي تمنحه الوزارة وتم سحبه منها بعد إدانتها في القضية 2238 3 لسنه 2006. ولم يتم اكتشاف أمر التزوير إلا حينما حاولت مى زيد أحد زبائن عايدة التأمين على بعض اللوحات التي اشترتها منها فاكتشفت بالمصادفة أن كل ما اشترته منها مزوراً.

الحراك الذي شهده سوق الفن المصري كان منبعه تدافع النخبة البرجوازية الجديدة إلي اقتناء الأعمال الفنية، بعضهم تشجع على دخول السوق بذات المنطق التجاري المعتمد على الكسب السريع، لكن البعض كان ينسحب كغادة شهبندر التي توقف عن العمل في مجال سوق الفن في منتصف التسعينات والسبب كما تقول كان نوعية الزبائن التي بدأت تهتم بالفن. في أحد المعارض التي كانت تنظمها تحكي غادة أنها كانت تقف مع الفنانة صاحبة المعرض حينما سمعت زبونة تقول أنها ترغب في شراء اللوحة لأن ألوانها تتماشي مع لون الصالون عندها، شعرت الفنانة بالاهانة ورجت غادة ألا تبيع اللوحة لتلك الزبونة.

أصحاب الجاليرهات الخاصة حتي ذلك الوقت معظمهن كانوا من السيدات، ودخلن السوق بدافع الاهتمام بالفن أولاً ولتحقيق الربح المادى ثانياً. فإلي جانب غادة كان هناك شيرويت الشافعي صاحبة جاليري “سفر خان” والتى بدأت نشاطها ببرنامج في التلفزيون المصري كانت تقدمه في الستينات، ثم افتتحت جاليري سفر خان حيث تحولت إلي العمل في سوق الفن بعد توقف نشاطها الإعلامي في التلفزيون.

بينم لا يزال جاليري سفر خان مستمر في العمل حتي الآن، فغادة شهبندر لم تستطع الاستمرار في السوق لأكثر من عشر سنوات لأنها سئمت من التعامل مع الزبائن وطريقة تعاملهم مع الفن والفنانين وبعد عشر سنوات ستؤسس غادة لحركة شايفنكم لكشف الفساد وعمليات التزوير الانتخابية التى كان يقوم بها نظام مبارك وستصبح غادة من أبرز الأسماء الناشطة سياسياً خصوصاً بعد ثورة 25 يناير.

انسحبت غادة من السوق بينما كان هناك مغامرون جدد يدخلون. كريم فرانسيس كان وقتها في بداية التسعينات في رحلة بحث عن الذات تنقل في عمله بين مجال الاستيراد والتصدير ثم السياحة وأخيراً بدأ يهتم بالفن. خصص كريم ثلاث سنوات يقرأ فيها عن الفن ويتعرف على الفنانين والممارسات الفنية المختلفة. ثم قرر كريم فرانسيس خوض المغامرة وافتتاح الجاليري الخاص به.

في شقة يملكها بشارع الشريفين في منطقة وسط البلد أقام كريم فرانسيس عام 1995 معرضه الأول والذي اتخذ من الهوية عنوان له. كان معرض جماعي لعدد من الفنانين منهم محمد عبلة اتسع ليشمل أعمال أدبية حيث عرضت خلالها مخطوطات للروائي صنع الله إبراهيم.

بينما نجلس وسط منحوتات صبحي جرجس يتذكر كريم فرانسيس البدايات قائلاً: “حينما بدأت العمل في سوق الفن، كان معظم المشترين يقبلون على أعمال الرواد القدامي، المسألة بسيطة كل مشتري يشعر بتماس مع الفنانين الذين ينتمون لجيله، لكن بدافع شغفي الخاص أردت تقديم أسماء جديدة وأفكار جديدة في الفن لم تكن معروضة بعد في السوق، أقمت سلسلة معارض جماعية بعنوان المواهب الجديد سعينا إلي تقديم أسماء تعرض لأول مرة وتجارب وأنواع فنية خارج حتى نطاق لوحة الحامل بل تمتد لتشمل الأعمال المركبة والفيديو آرت “.

فرحة البيع

تغيرت السياسية المصرية لتصبح أكثر انفتاحاً وسعياً للاندماج في السوق العالمي الجديد في التسعينات، ووقعت مصر على الكثير من اتفاقيات الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي وشملت هذه الاتفاقيات بنود واضحة على التعاون الثقافي. بدأت عدد من المؤسسات الثقافية الأجنبية العمل في مصر حيث نظر لها في البداية بالكثير من التشكك، وقاطعها نقاد الفن على الساحة أبرزهم أسامة عفيفي الذي اعتبر ممارسات المؤسسات الثقافية والفنية الأجنبية دخيلة على مسيرة الحركة المصرية وتأتي في إطار خطة لزعزة الهوية الوطنية المصرية. ومن فورد حتي جاليري التاون هاوس ستتعرض المؤسسات الفنية التى لعبت دوراً هاماً في دعم الممارسات الفنية المعاصرة لهجمات من التخوين والتشكيك وصلت إلي حد وصف الناقد الفنى صبحي الشارونى دور هذه المؤسسات بالخبيث في كتابه ” موسوعة الفنون الجميلة المصرية.. في القرن العشرين”.

تعمل المؤسسات الفنية بقواعد إقتصادية مختلفة فنظراً لأنها مؤسسات غير ربحية فلا يمكنها بيع الأعمال الفنية، وهذا النمط الذي لا يعتمد على بيع الفن بل استخدامه ضمن إطار خطط التنمية سمح بانتعاش الممارسات الفنية المعاصرة ومنح الفنانين الشباب مساحات للتوسع والتجريب في الأعمال المركبة والفيديو آرت وهي الأعمال التى يصعب بيعها للجمهور العادى وأحياناً لا يمكن بيعها. هى أيضاً ذات الممارسات التى لم تلقي ترحيب من المؤسسات الفنية الحكومية وتعرض جيل التسعينات من الفنانين للتهميش والنبذ من قبل المؤسسات الرسمية التى تمسكت بعرض وتقديم الفن الذي يمثل الهوية المصرية من وجهة نظرها.

وسط هذا الصراع والتغييرات الفنية كان كريم فرانسيس يحاول خلق نمط ثالث، أقرب ما يكون إلي نمط عمل “ستيفاني” مدير جاليري مشربية التى رفضت التعامل مع الفن الأكاديمي أو عرض لوحات لفنانين راحلين وفضلت التركيز على الفن المصري المعاصر. رفض كريم تحويل الجاليري إلي مؤسسة فنية تعتمد على التمويل وفضل الاستمرار في مغامراته، رفض كريم للتمويل لم يكن بداعي التخوين بل لعدة أسباب آخري يعددها قائلاً:

-” أولاً: لست مقتنع بمسألة تمويل المؤسسات الفنية، أنا شخصياً لو منحتنى المال فلن أعمل ولن أجتهد لعرض الأعمال وتسويقيها. أيضاً مسألة “البيع” في حد ذاتها مهمة للفنان ولى كصاحب جاليري ليس فقط للربح المادي بل أيضاً لأنها تمنح العمل قيمة معنوية. هناك فرحة حقيقية تتملكنى عند النجاح في بيع عمل”.

-“ثانيا: يحول نمط العمل في المؤسسات المدعومة الفنان وصاحب الجاليري إلي موظفين يتلقون تمويل شهري، أما البيع فيمنحك مساحة حرية أكبر.”

-“ثالثا: العمل مع هذه المؤسسات يتطلب الكثير من الأوراق والخطوات الروتينية ومليء استمارات طلبات تلقي التمويل التي تحتوى على أسئلة في رأى ليس لها أي معنى لكنك مضطر للإجابة عليها وتقديم ما تريده المؤسسات الداعمة، أو تغليف ما تريده بأفكارهم ومفاهميمه التنموية. بينما في الجاليري الخاص كل ما تحتاجه الحصول على رخصة وسجل تجاري.

لكن يقبل كريم تمويل تلك المؤسسات لعمل بعض الفنانين خصوصاً أعمال الفيديو آرت المكلفة والتي لا يمكن بعد ذلك تسليعها وبيعها.

كان جاليري كريم فرانسيس من أوائل الأماكن التي فتحت أبوابها لجيل التسعينات من الفنانين الذين أصبحوا الآن نجوم تباع أعمالهم بمئات الآلاف. يتذكر فرانسيس أنه عرض في التسعينات عمل لغادة عامر كان مطروحاً للبيع بخمسة آلاف جنيه ولم يهتم أحد بشرائه الآن نفس العمل تم بيعه بـ165 ألف دولار أمريكي.

فتح كريم الجاليري لمغامرات جديدة، يضحك متذكراً الدهشة التى كانت تعلو وجه زورا الجاليري حينما يشاهدون عمل مركب ويقول: “كان البيع قليلاً جداً ولذلك فكرت لماذا إذن لا ننفتح على تجارب وممارسات جديدة. كان الزوار لا يفهوم ما يحدث وكنت أعرض لهذه التجارب والأعمال في محاولة للفهم والاستيعاب وخلق حوار حول هذه التوجهات الجديدة”.

لعب جاليري كريم فرانسيس وجاليري مشربية بالتعاون مع التاون هاوس دوراً حيوياً في طرح بدائل ومسارات جديدة للحراك الفني، وتعاون الثلاث أماكن في سنة 2000 على إقامة مهرجان “نطاق” الفني الذي أقيم بالتوازى مع بينالي القاهرة. وهو الحدث الذي تصفه نيجار عظيمى في مقال لها: “العلامة الأكثر وضوحا لمشهد الفن المصري الذي اهتز و ما عاد كما عهدناه هي بفعل مهرجان النطاق.”

تفصل عظيمي أسباب تميز المهرجان قائلة: ” قدم نطاق عرضا لميول الفنانين من الجيل الجديد الذين يشتغلون بأدوات تعبير تتحدى أفكار المعاصرة السائدة. هُندس للبدء في نفس يوم الإفتتاح لبينالي القاهرة 2001 و بهذا يكون مهرجان النطاق الثاني بالذات قد أدى دوره ‘الإنحرافي’ بكل معنى الكلمة. بينما أختص بينالي القاهرة بإعتماده على التقاليد في المفهوم و التنسيق، أثبت مهرجان النطاق إنه غير عادي على الإطلاق، مُغيرا المفاهيم الراكدة التي تحيط بإستعمال الفضاء و المواد، و إمكانية أن يُجردّ جسم العمل الفني من المادية البحتة. كـ ‘ما بعد حداثيين’ حقيقيين، كانت الوسيلة المفضلة لفناني النطاق هي العمل الإنشائي المتعدد الوسائط و المواد الذي أنجز بميول ‘مفاهيمية’ .و منذ ذلك الحين انطلق عدد من فناني النطاق، من بينهم لارا بلدي، أمينة منصور، حسن خان، وائل شوقي، و منى مرزوق، للعرض على نحو عالمي واسع.”

رجال المزادات في مدن الصحراء

في حوار معه عبر اسكايب يقول سلطان القاسمي: “حتي التسعينات كان هناك أعمال فنية، لكن لم يكن هناك سوق للفن في مصر، وكان هناك شبه غياب كامل للأعمال الفنية المصرية في الخارج. عدد المقتنين للأعمال الفنية المصرية لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة أبرزهم محمد سعيد فارسي أمينمدينة جدة والأمير القطري حسن بن محمد آل ثاني.”

مع بداية القرن الجديد كانت المدن الجديدة في الخليج العربي تتحول إلي مدينة عالمية وناطحات السحاب في الدوحة تتسابق نحو الأعلي مع ناطحات السحاب في دبي. يروى كريم فرانسيس أنه منذ بداية الألفية بدأ في تلقي دعوات ونصائح من أصدقاء له بضرورة السفر إلي دبي حيث أن هناك سوق للفن ينمو بقوة نتيجة للنمو المتسارع لسوق العقارات. تعرف كريم في هذه الفترة على مهندسة ديكور أوروبية تعمل في دبي، حيث اعتادت التعاون معه لاختيار أعمال فنية تستخدمها في التصميم الداخلي للمشاريع التى تتولاها.

بعد عشر سنوات من العمل في سوق الفن كان كريم فرانسيس قد صنع اسماً بارزاً عالمياً ومحلياً، وذات يوم في 2005 وجد وفد من صالة كريستي للمزادات يزوره ضمن جولة استكشافية للتعرف على الفن المصري والعربي وسوقه. صحبهم كريم فرانسيس إلي عدد من استديوهات الفنانين منهم عدل السيوي، محمد عبلة، وآدم حنين. كان رجال صالات المزادات يقومون بجولات الاستطلاع الأولي لسوق الفن العربي عبر زيارة عدد من المدن والعواصم الأوروبية تمهيداً لافتتاح أفرع لها في دبي والمنطقة الخليجية. وفي دراسة Taymour Grahne المنشورة عام 2012 عن سوق الفن في الشرق الأوسط والتى تحمل The Rise of the Middle Eastern Art Market Since 2006 ، سينقل عن فيليب هوفمان Philipp Hoffmann المدير التنفيذي لمؤسسة Fine Art Fund قوله أن القيمة الإجمالية لسوق الفن في الشرق الأوسط تبلغ 10 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يتضاعف الرقم ثلاث مرات خلال السنوات القادمة.

قبل نهاية 2005 افتتحت صالة مزادات كريستى فرعها الأول في الشرق الأوسط تلتها صالة مزادات Sotheby’s وBonham’s. غيرت صالات المزادات الكثير من وضع الفن العربي يرصد سلطان القاسمى هذه التغيرات قائلاً:

“-وظفت هذه الصالات باحثين ومتخصصين في الفن لدراسة الفن المصري وتقييمه ووضعت تقارير للتحقق من الأرقام المطروحة. أحياناً كنا نسمع عن أعمال بيعت بأرقام خرافية لكن لم يكن لدينا أى طريقة للتحقق من صحة هذه الأرقام، ولذلك فقد عملت الصالات على التحقق من تلك الأرقام.

-قلصت صالات المزادات من التزوير الذي كان يهدد سوق الفن العربي، حيث كانت اللوحات والأعمال المزورة وتمرر وتباع دون التحقق من مدي صحتها وتاريخها.

-انتجت الصالات كاتولوجات موثقة للفنانين المصريين فأصبح هناك “كتالوج روزانه يوثق لكل أعمال محمود سعيد ورمسيس يونان وغيرهم من الرواد لتكون مرجع أساسي لأعمالهم.”

ذهب البرجوازية

حينما سألت الفنان السوري يوسف عبدلكي “لماذا يشتري الناس في دبي وفي الخليج وفي القاهرة الأعمال الفنية بهذه الأسعار؟” كان رده هو الاستعانة بكارل ماركس وواحدة من عبارته حينما قال أن كل ما تلمسه البرجوزاية يصير ذهباً. وصالات المزادات تعمل بشكل أساسي لجني المزيد والمزيد من الذهب. وبالتالي فيجب أولاً انشاء قانون لسوق الفن على أساسه يتم تسعير أعمال الفنان. وفي سوق تتضارب فيه الاقوال والاحكام النقدية يأتي المزاد كأحد الممارسات التي تترك للسوق الحر مهمة تحديد سعر العمل. وعلى هذا الأساس يحصل الفنان على رقم يتحول كما يقول محمد طلعت مدير جاليري مصر إلي مرجع على أساسه يبيع الفنان أعماله التالية.

السوق يدعم أيضاً بالبرجوزاية والأغنياء ومقتنى الفن الذي يضعون استثمارات ضخمة في أسماء بعينه ويقتنون أعمالهم بمنطق حفظ الأموال واستثمارها، فاللوحة التي تبلغ عشرة اليوم يمكن أن تصبح بمائة بعد بضعة أعوام. وبالتالي يسعي هؤلاء على الحفاظ على السوق وقوانينه وفق أساس واضحة لحركته لكى يحافظوا على قيمة استثماراتهم، فانهيار السوق أو أي تغيير جذري في قوانين التقييم والتسعير التي تحكمه يعنى انخفاض مدخرات مقتني الفن وانهيار استثماراتهم.

لكن طلعت يوضح أن سوق الفن وبورصته الأساسية في مزادات الخليج يحتوى على مساحات خلفية مفتوحة للتلاعب. يحكى طلعت كيف تقوم بعض الجاليرهات أحياناً بطرح أعمال لفنانين شباب متعاقدين معهم في المزادات ثم يقومون بشرائها مرة آخري من وسيط في المزاد بأسعار مرتفعة. وبالتالي ترتفع أسعار الفنان فيبدأ مقتني الفنون بالبحث عن أعماله التي يقوم الجاليري بإعادة عرضها وبيعها بعدما يكون سعرها قد ارتفاع اضعاف ما كانت عليه.

يشكو طلعت أيضاً من الانحيازيات القومية داخل السوق قائلاً: “رجال الأعمال والمليونيرات الإيرانيين معظمهم يقيمون في دبي، لذلك يقبلون على شراء الأعمال الفنية الإيرانية التي أصبحت تمثل جزء كبير من سوق الفن تشاركه فيه الاعمال العربية، ولا يكتفي الإيرانيون بالشراء فقط بل يدعمون مشاريع فنية لترويج الفن الإيراني في دبي والدول العربية، أيضاً الجاليرهات الشامية في سوريا ولبنان لديها تكتل واضح في مواجهة الفن المصري حتى أن مدير واحد من الجاليرهات السورية أعلن منذ فترة في حديث صحفي بأنه لا يوجد في السوق الآن غير الفنانين السوريين. في المقابل في الجاليرهات في مصر لا تقوم بأى تنسيق فيما بينها.”

كريم فرانسيس يختلف مع الرأي السابق حيث يقول أنه شخصيا سبق واقام معارض لفنانين مصريين في لبنان وسوريا، ويضيف كريم “الجاليرهات يمكن ان تتعاون فيما بينها على مشروع ما، لكن لا يمكن أن نتعاون او ننسق مع بعضاً البعض لأننا ببساطة متنافسين داخل سوق واحد.” أما عمليات التلاعب وطرح فنانين في المزاد من أجل رفع اسعارهم، فيري سلطان القاسمى أن هذا الامر كان يمكن أن يحدث في البدايات لكن الآن من الصعب أن تحدث مثل هذه العمليات لأن السوق ضيق جداً وإذا قام أحد الجالريهات بهذه اللعبة فسوف يكشف فوراً.لأن السوق صغير وكلنا نعرف ما فيه.”

الفن الحديث في المتحف

تخرج محمد طلعت من كلية الفنون الجميلة عام 1999، وإلي جانب عمله كفنان اهتم طلعت بعملية تنظيم وإدارة المعارض حيث أصبح مديراً لقصر الفنون في الأوبرا عام 2005 حيث عمل مع الفنان محسن شعلان الذي كان وقتها رئيساً لقطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة. يري طلعت أن الفترة التي تولى فيها إدارة قصر الفنون شهدت ما يشبه الانفجار في سوق الفن حيث ظهر نوعية جديدة من مقتني الفنون الشباب، وفتحت أسواق جديدة على المستوى العربي. بينما كانت أجهزة الدولة لا تزال متأخرة خطوة.

شهدت فترة تولى طلعت فتح أبواب الدولة لأسماء من جيل فنانى التسعينات، تم استثنائها لسنوات من العرض في قاعات الدولة كلارا بلدى، بسام البارونى، وائل شوقي، وحسن خان. وقد شهد دخول هذه الأسماء إلي قاعات عرض الدولة صراعاً بينهم وبين التيارات القديمة التي رأت في أعمال هؤلاء الشباب ابتعاداً عن الهوية الوطنية للفن المصري وتجاوزاً لخطوط حمراء وصلت إلي مطالبة عدد من الفنانين ونقاد الفن التشكيلي بالتحقيق مع خالد حافظ ووائل شوقي بتهمة التطبيع واهانة القيم الوطنية.

جزء من الاهتمام الحكومى بهؤلاء الفنانين كانت نتيجة للتقدير الذي حظت به أعمالهم في الخارج، ومحاولة من قطاع الفنون التشكيلية للتنافس مع الجاليرهات المستقلة كالتاون هاوس التي أصبحت مرجعية يستعان بها دولياً لترشيح الفنانين للمشاركة في الفعاليات الغنية الدولية وهو الدور الذي كانت تحتكره أجهزة وزارة الثقافة. لكن رغم الانفتاح ومحاولات التغيير التي حاول محسن شعلان إحداثها في أداء قطاع الفنون التشكيلية كان أداء القطاع محصوراً بسقف الميزانية المنخفض.

لكن منذ منتصف 2010 كما يقول طلعت بدأ أداء قطاع الفنون التشكيلية يصاب بالترهل وهو نفسه بدأ يصاب بالإحباط نتيجة رفض الكثير من المشاريع التي كان يقدمها. خبرة طلعت أهلته ليصبح استشاري لعدد من الشركات العقارية والسياحية حيث كان مسئولا عن اختيار وتكوين المجموعات الفنية لتلك الشركات، وبدأ هو نفسه يستعد لافتتاح جاليري خاص به هو جاليري مصر. وبينما ينسحب القطاع الحكومي المصري من المجال الفني ويقلص أنشطته، تنشط الحكومات الخليجية خصوصاً في الإمارات وقطر في المجال الفني وتتوسع في إنشاء مشاريع المتاحف المختلفة.

توضح Laura Damême في ورقتها البحثية “Re-Inventing the Museum in Abu Dhabi and Qatar?” كيف استخدمت الحكومات الخليجية المتاحف لأغراض مختلفة، ففي كلا البلدين تزيد نسبة العمالة والسكان الأجانب عن 90%. لكن في الإمارات استخدمت الحكومة المتاحف لتقديم هوية عالمية عن البلد لا تشعر المواطنين الأجانب بالاغتراب وتوفر لهم روابط مع الثقافات التي يأتون منها لهذا اختارات أبو ظبي التعاون مع متاحف عالمية لفتح أفرع أو نسخ مصغرة منها كمتحف اللوفر أو جوجنهايم. بينما قطر والتي مرت بتغييرات سياسية واجتماعية جذرية في العقد الأخير تحاول من خلال المتاحف التأكيد على الخصوصية الثقافية والهوية الإسلامية والعربية للمواطنيين القطريين الذين لا يتجاوز عددهم 10% من إجمالي السكان. لهذا كان خيار قطر انشاء المتحف الإسلامي، ثم المتحف العربي للفن الحديث.

يضيف سلطان القاسمي سبباً أخر للاستثمارات الضخمة التي تضخها الدول الخليجية في سوق الفن، فانشاء المتاحف يحمل رسائل سياسية واضحة تساهم في عكس صورة خارجية عن حكومات تلك الدول كحكومات قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها، وإضافة أبعاد قومية وثقافية لهوية تلك الدول.

الاهتمام الخليجي بالفن العربي الحديث بدأ منذ الستينات مع الطلبة العرب الذين عاشوا في مصر للدراسة أو أغراض مختلفة، وكما يوضح سلطان القاسمي فحتي الثمانيات كان هناك أربع مقتنيين للفنون في الخليج العربي، أهمها حاكم جدة محمد سعيد الفارسي صاحب المجموعة الأكبر لأعمال رواد لفن المصري. ومن قطر الشيخ حسن آل ثاني الذي كانت مجموعته الفنية الخاصة النواة الأولي لمتحف العربي للفن الحديث.

تتبع كل البلدين سياسية مختلفة في عملية شراء الأعمال حيث يقول سلطان القاسمي: “في الإمارات الحكومة تشتري وتقتنى الأعمال الفنية من خلال هيئة المتاحف، حيث توجد لجنة من المتخصصين تقوم بدراسة اللوحات وتحديد ما يجب شرائها. هناك لوائح تنظم عملية الشراء فبعض المتاحف لا تشتري الأعمال من المزادات. أما في قطر فقرار الشراء لحظي ويتم اتخاذه بشكل سريع حسب حركة السوق وما هو معروض، كما تشتري قطر من المزادات وأبرز اللوحات التي اشترتها من المزاد كانت لوحة الشادوف لمحمود سعيد التي بيعت بأكثر من 2.4 مليون دولار.

الآن يقول سلطان القاسمي أن المتحف المصري لا يزال صاحب المجموعة الفنية الأكبر حيث تبلغ مجموعته 12 ألف قطعة، وفي المركز الثاني يأتى متحف الفن الجزائري بـ8 آلاف قطعة، لكن متحف قطر والذي ضم لمقتنياته مؤخراً لوحة الشادوف لمحمود يقترب سريعاً لينافس المتحف الجزائري على المرتبة الثانية. أما المتحف المصري فيتحرك ضمن ميزانية محدودة جداً تبلغ 2 مليون جنيه سنوياً.

مال العقارات والبترول

تتجسد الثروة في الشرق الأوسط في سوقين أساسين، العقارات والبترول. والمتابع لتاريخ حركة الفن التشكيلي وحراك سوق الفن في الشرق الأوسط يري بوضوح كيف تلعب الأموال المتدفقة من كلا المصدرين دور أساسي في تشكيل وتغيير ما نعرفه عن سوق الفن.

بدأت علاقة الفن بالعقارات كجزء من عملية الديكور، واحتاج الأمر لمغامرات من أصحاب الجاليرهات الفنية للتمكن من فصل الفن عن الديكور، وتطور وعي المشتريين بعد فترة لإدراك القيمة المعنوية والمادية للأعمال الفنية. فأصبح الفن واقتنائها جزء من عملية التظاهر الاجتماعي للطبقات البرجوازية. ومع توسع حركة العقارات والتمدد العمراني في المدن الجديدة خارج القاهرة، تزايد الاهتمام باقتناء الأعمال الفنية لدى النخبة الاقتصادية المصرية.

برزت علاقة الفن بالعقارات مرة آخري في الدبي لإعادة تسويق المدينة معمارياً وجمالياً كسوق مفتوح للفن والأعمال الفنية. وفي العقد الأخير يلعب الفن دوراً محورياً في صياغة الصورة الخارجية للدول الخليجية تحديداً قطر والإمارات، حيث يتنافس الاثنان على اقتناء المجموعات الفنية في سباق لتأسيس متاحف حديثة تعكس صورة تقدمية عن تلك الدول وتحول الفن إلي أصول مادية لاستثمار وحفظ المال.

لكن رغم الانتعاشة التى أحدثها الاهتمام الخليجي في سوق الفن، فالصالات لا تهتم كثيراً بالفنانين المعاصرين، والوصول إليها صعب. كما تخضع عمليات البيع والتقييم للأعمال الفنية لشروط واعتبارات تتعلق بالثقافات المحلية في تلك الدول أهمها ابتعاد الفن عن الموضوعات الجنسية والدينية والخطوط الحمراء السياسية.

في مصر أيضاً يشهد السوق انتعاشة نسبية، تتعلق بظهور مقتنين شباب للفنون ليس لديهم المحاذير القديمة، ومقبلين أكثر على شراء الأعمال المعاصرة التى تحمل قدراً من روح اللحظة الحالية.

Share
Tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *