شبح مؤسس السيرالية في مكتبته السرية

.IMG_20140630_220411

يعيش شبح جورج حنين متخفياً في حجرة واسعة نسبياً بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة. بلا يأس ولا أمل بعد حياة طويلة عاش الجزء الأكبر منها في البلد الذي وصفه بأنه قادر على تبديد كل يأس وكل أمل.

تتطلب زيارة شبح جورج حنين خطوات معقدة وطويلة لزيارته في عزلته. تبدأ الخطوات بالاتصال أولاً بالمركز الثقافي الفرنسي، وانتظار أن يرد عامل التليفونات لتطلب منه تحويلك إلي مسئولة المكتبة. وإذا تمكنت من إنجاز هذه الخطوات ووصلت لأمينة المكتبة ستراجع معك المواعيد المتاحة التي يمكن لشبح حنين أن يستقبل فيها الزوار.

لظروف اقتصادية فشبح جورج حنين يشارك غرفته مع عدد من طلبة المركز الفرنسي الذين أحياناً ما يأخذون دروسهم في ذات الغرفة التي اختارها الشبح بيتاً لمنفاه الأخير.

تسلمنى مسئولة المكتبة المفتاح ويصحبني “جلال” أحد العاملين للغرفة وهو يسألني للتأكد من وجهتى: “حضرتك جاى تزور الحاج جورج؟”

-أهز رأسي تأكيداً وأتمتم معه ” بس يارب يكون هو موجود”.

نسير داخل طرقات المركز الثقافي الفرنسي المعقدة والمتشابكة حيث بنى المبنى على مراحل ومتعددة، ويبدو أنها مع كل مرحلة كانوا يضيفون جزء جديد ويبتكرون له طريق آخر للوصول، فهناك السلالم، والمصاعد، والسلالم الخارجية المعدنية التي تصعد على جدران المبنى الخارجية وتربط بين أجنحة المبنى. حتى نصل إلي نقطة في الأدوار العائلية فتبدو ساحة المبنى وأشجارها القليلة من الأسفل بعيدة نسبياً، يخفت ضجيج الفرنسية القادم من أفواه المتحدثين في الأسفل، ونسير في الطابق الهادئ حيث يسكن شبح حنين، والذي كصاحبه لازال يفضل الصمت “كى يغترف منه قوة الكلام، في يوم ما بصوت سليم”.

نصل إلي غرفة علق بجوار بابها لافتة كتب عليها بالفرنسية “مكتبة جورج حنين”. يمكنك الآن فتح الباب وإغلاقه خلفك وقضاء الوقت الذي تريده بصحبة الشبح.

جورج حنين في باريس 1946

جورج حنين في باريس 1946

** *

انتقل شبح جورج حنين إلي هذه القاعة عام 2007، حيث تبرع الورثة بمكتبة جورج حين الشخصية إلي المركز الثقافي الفرنسي، وجري افتتاحها عام 2007. تتراص كتب المكتبة في دواليب زجاجية تمتد من الأرض حتى السقف لتغطي كل جدران القاعة، وتحتل الكتب الفرنسية المرتبة الأولي بطبيعة الحال في المكتبة، تليها الإنجليزية والإيطالية وكتب قليلة جداً بالعربية التي كان حنين يقرأ ويكتب بها.

يمكن أن نري في المكتبة انعكاساً لحياة جورج حنين، احتاج الأمر لأكثر من زيارة للمكتبة مع متخصصين في الحركة السريالية وفي أعمال جورج حنين لتعقب أثر الشبح واستحضار روح جورج حنين المختبئة في أوراق مكتبته.

ما أن تدخل إلي المكتبة سنلاحظ أن الخزائن على الجانب الأيمن تحتلها مجلدات ضخمة يتجاوز طول صفحاتها الـ30 سم، وتاريخ طباعة بعضها يعود إلي القرن التاسع عشر، ومعظمها كتب تضم دوائر معارف أو الشعر والأدب الكلاسيكي وهى كتب في رأى أحمد عثمان مترجم كتاب ساران آلكسندريان عن سيرة حنين تعود على الأرجح إلي والده الذي ورث جورج جزء من مكتبته بطبيعة الحال. فعناوين الكتب بعيداً عن اهتمامات جورج حنين وتبدو أكثر تعبيراً عن حياة واهتمامات والده.

ولد جورج حنين في القاهرة 20 سبتمبر 1914، والده كان السياسي والاقتصادي القبطى صادق حنين، والذي بدأ مسيرته مع رموز الحركة الوطنية التي شكلت الوفد المطالب بالاستقلال، وخيرته السلطات الإنجليزية بسبب أنشطته بين الإقامة الإجبارية في الريف أو النفي سنة 1920، لكن تغيير الموقف بعد ذلك وتم اختيار صادق حنين سفيراً لمصر في مدريد سنة 1924. عاش حنين مع والده والدته متنقلاً بين العواصم الأوروبية حصل على شهادة البكالوريا من ليسيه “باستور دونوبي” ودرس بعدها الحقوق والآدب في باريس. إلي أن عاد سنة 1934 إلي القاهرة ليستقر فيها حيث نشر أول بيناتها السريالية في فبراير 1935 بمجلة المحاولون.

تخصص الوالد لدى عودته في الاقتصاد ونشر العديد من البحوث حول سبل إدارة البورصة المصرية، بينما انصرف الابن إلى وظيفة بسيطة في شركة سجائر، وبدأ نشاطه في نشر أطروحته عن الفكر السوريالي كمسار وحيد متاح للتخلص من موت الواقع القريب.

في الرف التالي لأرفف كتب والد جورج القديمة، سنجد الرف المخصص لأعمال الحركة السريالية. داخله عشرات الكتب منها كتب لجورج حنين وعنه بعضها كتب بعض وفاتها مما يجعلنا نخمن أن تلك الكتب تم إضافتها للمكتبة من قبل الورثة. منها كتب لأعضاء آخرين في الحركة التشكيلية كالأعمال الكاملة لأحمد راسم أو أدمون جابييس. في هذا الرف سنجد أيضاً أعداداً من مجلات مختلفة كانت ينشر فيها جورج حنين وشعراء وكتاب السريالية، سنلمح أيضاً كراسات صغيرة منها كراس مجهول مكتوب بخط اليد بالفرنسية. وعلى الأرجح كانت هذه مخطوطات لشعراء السريالية يعرضونها على حنين.

وسط هذا الدولاب سنلمح نسخة من “دليل الطبقة الراقية لسنة 1950” وهو دليل يصدر بشكل سنوي باللغة الفرنسية يحتوى على أسماء الباشوات والشخصيات الهامة في الطبقة الراقية من طه حسين، إلي جنرالات الجيش وقتها، ورجال الأعمال والعائلة المالكية وكبار شيوخ الأزهر. حيث يرد في الدليل الاسم وسيرة ذاتية بسيطة وعنوان ورقم التليفون.

تتوزع بقية كتب المكتب ومواضيعها بين الفن والأدب، بعضها أتى محملاً بإهداءات رقيقة لحنين. داخل ديوان “تصدعات” كتبت جورج حنين إهداء له ولزوجته بولا، تقول فيها محبة وشكرا على كل ما قدماها. وبجوار كتب جورج حنين تتراص كتب وأعمال الكتاب الفرنسيين البارزين في القرن العشرين. يمكن أن نلاحظ أسامى كتاب حرص حنين على اقتناء كل أعمالهم، مثل جورج باتاى، ادمون جابيس، وبالطبع أندرية بريتون.

من مقتنيات مكتبة جورج حنين

من مقتنيات مكتبة جورج حنين

الجانب الأيسر من جدران المكتبة تحتله كتب ذات صبغة مختلفة حيث يطغي عليها الكتب السياسية والتاريخية، نلمح مؤلفات تروتسكى بارزة وتلك التي كتبت عن سيرته الذاتية. كان حنين من أشد المعارضين للسياسات الستالينة، وفي البيانات الأولى لتأسيس جماعة الخبز والحرية نلمح بقوة هذا الصدى لكتابات وأفكار تروتسكى حول الفن الثورى. وفي أخر دولاب بالجانب الأيسر يمكن أن نلمح بين الكتب ذات العناوين الإنجليزية والتي تتعلق بتاريخ مصر ومنطقة الشرق الأوسط كتب قليلة باللغة العربية من ضمنهم جزء من الشوقيات من ديوان أحمد شوقي، وهو جد بولا زوجة جورج حنين ومن الطريف أن بولا لم يكن بإمكانها القرآة بالعربية بينما كان جورج يقرأ ويكتب بالعربية. هناك حديث الأربعاء لطه حسين، أما الغريب وسط المجموعة فهو كتيب صغير بعنوان “اشتراكيتنا” لثروت عكاشة. منبع الغرابة أن حنين كان يشعر بعزلة داخلية قوية بداية من حركة الضباط الأحرار في 1952 وما تلاها، وكان يتعلق لمضايقات متنوعة انتهت بأنه ذهب إلي مكتبة فوجد عقيد من الجيش يزورها لغرض الدردشة والاستجواب، وهو ما دفعه لاتخاذ قرار السفر وترك مصر بعد الزيارة. لكن سبب وجود كتاب ثروت عكاشة منبعه كما يوضح عثمان أن عكاشة كان جاراً لجورج حنين حيث سكنا الاثنان في ذات البناية بالزمالك لسنوات طويلة.

——- — —- - — - - - - - - — - - - - - -

نشرت في مجلة عالم الكتاب، عدد أبريل 2015

Share
Tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *