الفنانون عن المؤسسات المستقلة: رقابة بدعوى التنمية والأدب خارج الخريطة

يأتي “دعم الفنانين والمبدعين” على رأس قائمة أهداف كل المؤسسات الثقافية العاملة في مصر والمنطقة العربية. ساهمت هذه المؤسسات طوال السنوات الماضية في إعطاء الفرصة للكثير من الفنانين أحياناً من خلال توفير أماكن للعرض وأحيانا من خلال الدعم المادى والمعنوي والتمويل والإنتاج. تبدو الصور مشرقة من الخارج، لكن تفاصيل علاقة الفنانين والمبدعين بالمؤسسات الثقافية من الداخل تبدو أكثر تعقيداً.

فوتوغرافيا: Ferdinando Scianna

فوتوغرافيا: Ferdinando Scianna

تبدأ علاقة المؤسسات الثقافية بالمبدعين بصفتهم أولاً من الجمهور المستهدف. مثال على ذلك علاقة المخرج السينمائي شريف زهيري بتلك المؤسسات، يوضحها قائلاً: “في 2004 بدأ نشاط المؤسسات الثقافية في التوسع والانتشار لا في القاهرة فقط بل حتى الإسكندرية. وفي ذلك الوقت كان هناك مساران يمكن للشخص منهم أن يتلقى المعرفة ويتعرف على العروض الفنية المختلفة. المسار الأول هو قصور الثقافة ومهرجانات وزارة الثقافة، وتتميز بالبؤس الشديد والزخرفة المبالغ فيها. فدائماً قبل كل عرض هناك الطقس المقزز الذي يبدأ بتوجيه التحية لرئيس المكان، ووكيل الوزارة، ووزير الثقافة وبعد ذلك يأتي المحتوى وفي الغالب يكون سيء جداً.”

بيروقراطية المؤسسات أعقد من الحكومة

في مقابل عروض وزارة الثقافة يري شريف أن عروض وبرامج المؤسسات الثقافية المستقلة تميزت منذ البداية بالتنوع والبعد عن التنميط، واتساع مساحة الحرية والتجريب. ومثل جيل كامل من فنانين وسينمائي الإسكندرية فقد كان “للجيزويت” كمركز ثقافي أثر كبير على تكوين شريف، وبعد فترة لم يتوقف دور الجيزويت على البرامج والعروض التي يقدمها بل امتد إلى تنظيم الدورات السينمائية ودعم وتطوير قدرات السينمائيين الشباب.

المرحلة الثانية من عمل المؤسسات الثقافية المستقلة في مصر خصوصاً في علاقتهم بالسينما يوضح زهيري أنها بدأت مع دخول بعض هذه المؤسسات إلى مجال التمويل والإنتاج، أصبحوا منتجين للأعمال الفنية لا مجرد وسيط لعرضها. ورغم الدفعة الإيجابية التي أحدثها دخول العديد من تلك المنظمات إلى مجال الإنتاج إلا أن شريف يسجل عدداً من الملاحظات على نشاطها الإنتاجى حيث يقول: “تتحرك معظم المنظمات الثقافية وفق أجندة تنموية، وهذه الأجندة أصبحت تشكل ضغطاً كبيراً على المبدعين. بحيث أصبح هناك منح لإنتاج الأفلام بشرط أن يكون للفيلم علاقة بقضية المرأة أو العشوائيات أو حقوق الإنسان. بل حتى في العرض أصبحنا نسمع عن مهرجان لأفلام حقوق الإنسان أو أفلام المرأة. ومعظم التمويل الموجهة للأعمال الفنية والثقافية أصبح منصباً على التنمية أو أجندات ضيقة جداً،.. هذا يهدر الكثير من الفرص على المبدعين ويضيق من من مساحة حرية الفن”.

شريف سبق له وأن أخرج أكثر من فيلم بدعم وتمويل من مؤسسات ثقافية مختلفة، بعض تجارب تعاونه معهم يصفها بالايجابي والبعض شهدت عوائق مختلفة. يقول شريف أن التعامل مع المنتج التجاري في السينما أفضل كثيراً من التعامل مع المؤسسات الثقافية. فالمنتج التجاري يريد فقط أن ينجح الفيلم ويعود عليه بالمال، لكن المؤسسات الثقافية أحياناً أجندتها لا تكون معلنة. وتدخلاتهم كثيراً ما تكون دقيقة وتمس تفاصيل العملية الفنية.

يضيف شريف موضحاً تلك النقطة: “إذا أعلنت جمعية أهلية أو مؤسسة ثقافية عن دعم فيلم يناقش قضايا المرأة، فيجب أن تقدم فيلماً يتفق مع رؤيتها لمسألة المرأة أيضاً، لن يمكننى مثلا أن أقدم فيلم يهين المرأة، أو يلومها لأنها ضعيفة أو يقدم أي وجهة نظر بخلاف الصور النمطية الحقوقية. هذا عملية رقابة مؤلمة تمارس باسم التنمية أو حقوق الإنسان. وإن كان هذا لا ينفي توافر مساحة من المرونة لدى بعض المؤسسات”.

يختتم شريف زهيري حديثه بالإشارة أيضاً إلى طبيعة المعاملات الإدارية مع المؤسسات الثقافية المستقلة، ومرة آخرى يقارن الأمر بالتعامل مع المنتج التجاري قائلاً: “مع المنتج التجاري أن تقدمه له سيناريو والباقي يتم من خلال المناقشات وجهاً لوجه، لكن مع المؤسسات الثقافية فكل التفاصيل لابد أن تكون مكتوبة، وكل معاملة لابد أن تكون موثقة. البيروقراطية وكمية الأوراق والمعاملات المطلوب من المبدع إنجازها لدى تعامله مع المؤسسات الثقافية ضخمة جدا، ووصلت لمستوى يتجاوز حتى بيروقراطية الدولة المصرية”.

لكن بينما يشكو شريف من بيروقراطية الورق مع المؤسسات الثقافية فمخرج الأفلام التسجيلية أحمد رحال يشكو من التجاهل التام من قبل هذه المؤسسات، يقول أحمد: “اتفهم أن ترفض أحدى المؤسسات تمويل أي عمل فنى، لكن على الأقل يمكن أن يكون هناك رد يوضح أسباب الرفض. الكثير من المؤسسات الثقافية الداعمة للفنون شروطها ومقاييسها لا تكون واضحة، وهذا يؤثر كثيراً على مصداقيتها”.

حتى إذا حصل المبدع على دعم هذه المؤسسات فأبداً لا يكون هذا الدعم كافياً، وأحياناً تضطر إلى التعامل مع أكثر من مؤسسة وأكثر من جهة لتمويل مشروع واحد كما يضيف رحال. أما عن المساحات التي توفرها تلك المؤسسات لعرض الأعمال فيري رحال أنه يجب البحث عن تطوير آخر لهذه الخدمة، فمسألة العرض أصبحت محلولة خصوصاً مع توافر الانترنت.

مريم صالح: لا اتعامل مع المؤسسات المطبعة

بينما لا ينكر الكثير من المبدعين أن المؤسسات الثقافية لعبت دوراً هاماً في تكوينهم من خلال البرامج والعروض التي تقدمها فالمغنية مريم صالح ترى أن تأثيرها كان ضعيف عليها حيث من خلال أسرتها ووالدها المسرحى الراحل صالح سعد، لكن مريم لم تتعرف على أشكال مختلفة من الفنون من خلال والدها فقط بل تضيف: “والدى كان لديه مشكلة مع أي مؤسسة تتلقي تمويل من الخارج، وأنا كنت حاملة لجزء من هذه الأفكار. كان لدى وجهة نظر تعود للنظريات القديمة حول أن أي مؤسسة لديها أجندة وتبع أمريكا، لكن بعد ذلك تغيرت وجهة نظرى على حسب المجموعة المشتركة في التمويل والأهم إعطائي مساحة الحرية اللازمة والتي احتاجها وهو المعيار الأولى بالنسبة ليا”.

رغم تعاملها مع العديد من المؤسسات الثقافية الأجنبية والمحلية لكن مريم ترفض على سبيل المثال التعاون مع أي مؤسسة تعمل في مجال ثقافات البحر الأبيض المتوسط لأنه هذا يعنى في الغالب وجود إسرائيل وهى ترفض العمل معهم.

بدأت مريم الغناء في فرقة الورشة لمدة سنتين حيث اكتسبت معرفتها الموسيقية، وبدأت عروضها الموسيقية في ساقية الصاوى، لكن بعد هذا بدأت تظهر المشاكل مع الساقية بداية من فرضهم نوع محدد من الملابس على الفنانين، والرقابة المسبقة المفروضة من قبل إدارة الساقية، تحكى مريم أنها في إحدى العروض “انزلوا الستارة وأغلقوا المسرح فعلياً وأنا أغنية (شيد قصورك على المزارع) للشيخ إمام”

مثل معظم الموسيقيين تشكو مريم من الأجور التي تمنحها المؤسسات الثقافية للفنانين تقول مريم: “في الثلاث سنوات الأخيرة ضخت الكثير من الأموال في القطاع الثقافي المستقل عن الدولة، لكن للآسف معظم المنظمات استغلت هذه الأموال في تكبير مؤسسساتهم ومساحتها، وهذا جيد لكن المشكلة أن هذا الأنفاق أتى على حساب ما يقدمونه للفنانين. حالياً تأتى بعض المؤسسات وأنا أعرف أن لديهم تمويل ضخم، لكنهم مثلا يعرضون عليك الغناء مقابل نصف الأجر الذي كنت تتقاضه من أربع سنوات. بعض المؤسسات ساعدتنى في بداية مشوارى وأكن احتراماً لهم فحينما يستدعونى اذهب للغناء بغض النظر عن الأجر، لكن الوضع بائس جداً لأن هذه المؤسسات تحتكر معظم المسارح والمساحات الفنية وتفرض شروطها وأجورها على الفنانين وتتركهم بلا خيار سوى البحث عن منحة إقامة في الخارج للحياة بشكل لائق والعمل على مشاريعهم الفنية.”

جحيم الساقية

جحيم الساقية

الساقية: جحيم الرقابة

حصل مريم على منحة من آفاق لإنتاج ألبومها الموسيقي، وتأكد مريم قبلها أن تمويلها يأتي من خلال مجموعات من رجال الأعمال العرب، وفي المجمل تصف مريم تجربة عملها مع آفاق بأنها كانت إيجابية.

تحتل الساقية المرتبة الأولى كأكثر مكان يمارس الرقابة على الفنانين والمبدعين، وفي تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير الأخير عن “الرقابة على التعبير الفني في مصر.. رقباء على الإبداع” تأخذ الساقية مكاناً بارزاً حيث الرقابة تمتد إلى سلوكيات الجمهور والأعمال المعروضة وملابس الفنانين وحتى الطريقة التي يحيي بها الأصدقاء بعضهم البعض. يوسف عطوان من فريق “لايك جيلى” يقول عنهم: “آخر مرة تعاملنا مع الساقية أخبرونى أن أي مخالفة للآداب أو الأعراف سندفع عليها مائة جنيه، فتوقفنا عن الغناء هناك”.

لكن لا تتوقف الرقابة على الساقية بعض المؤسسات الثقافية تطلب منهم في بعض العروض عدم ذكر بعض الكلمات، لكن المشكلة الأكبر في رأى يوسف هي الأجور التي تعرضها هذه المؤسسات على الفنانين يقول يوسف: “لاتوجد مساواة حتى بين الفنانين المصريين والفنانين الذين يدعونهم من الخارج. المؤسسات الثقافية تدفع بالدولار وتتحمل مصاريف السفر والإقامة لاستقدام فنانين عرب إلى جانب مصاريف الدعاية لكن حينما يتعاملوا مع فنانين مصريين فيعرضون أجور مضحكة. المؤسسات تنفق ببزخ على المعدات وتجهيز المسارح لكن بند أجور الفنانين يبدو كأنه أول ما يتم اقتطاعه.” الأزمة في رأى يوسف أن تلك المؤسسات تحتكر المسارح ومساحات العرض وبالتالي تترك الفنانين بلا خيار إلا التعامل معهم والموافقة على شروطهم.

لا مكان للأدب

تتنوع المؤسسات العاملة في المجال الثقافي ما بين المخصصة للفن المعاصر أو الموسيقي أو تلك التي تركز على أكثر من نوع، لكن ولا مؤسسة من تلك المؤسسة تهتم بدعم الأدب أو الترجمة أو حتى القراءة. المترجم والكاتب محمد عبد النبي يحكى أنه منذ سنوات شارك في ورشة للكتابة نظمتها المورد الثقافي بعنوان “صفحة جديدة” لا يزال عبد النبي يذكر أثر تلك الورشة عليه وعلى عمله الابداعى، ويري أن الفضل يعود لها لقيامه بعد ذلك بسنوات بتنظيم ورشته الخاصة للكتابة. لكن برنامج “صفحة جديدة” اختفي من المورد مثلما اختفت كل البرامج الموجهه لدعم الأدب كأنما أصبح خارج النشاط الثقافي.

صاحب “شبح أنطوان تشيخوف” يري أن وجود تلك المؤسسات إيجابي بكل المقاييس يقول عبد النبي: “أنا مع التعدد والتنوع وأن يكون هناك أشكال موسيقية وفنية مختلفة، حتى لو لدى هذه المؤسسات بعض التوجهات فمن حقهم، لا أحد يستطيع أن يقدم كل شيء، وأنا مع دعم هذه المؤسسات وبناء جسور بينها وبين الكيانات الحكومية.”

أما تفسيره لغياب الأدب عن خريطة برامج هذه المؤسسات يقول عبد النبي: “ربما لأن الأدب ليس فيه الجانب الاستعراضي، فالتركيز عليه ليس بما يكفي، أو ربما يرون أن الأدب لا يحتاج إلى الدعم. أنا شخصياً أري أن أكثر ما يحتاجه الكاتب هو الدعم المادى والمنح التي تقدمها هذه المؤسسات للكتاب شيء لطيف، لكن أيضاً ورش الكتابة والتعليم وحتى ورش الكتابة للمحترفين أمر مهم، بعض الأنواع الأدبية تحتاج إلى دعم حقيقي. الشعر مثلا يرفض معظم الناشرين نشره الآن، لماذا لا يكون هناك دعم لحركة نشر الشعر على سبيل المثال؟”

لا ينكر محمد ربيع تأثير تلك المؤسسات على المشهد الثقافي أيضاً ويري أن دورها الأهم بالنسبة له في البرامج والحفلات الموسيقية التي تنظمها واستقدام فنانين من الخارج مما أتاح الفرصة للجمهور المصري بالتعرف على أنواع مختلفة من الموسيقي.

شارك صاحب “عام التنين” منذ سنوات في ورشة نظمتها جائزة البوكر للكتاب الشباب، وقد كان هذا من أفضل الفعاليات الثقافية التي شارك فيها لا على مستوى التعلم فقط بل لقاء كتاب عرب آخرين من العراق واليمن والتعرف على واقع وهموم الكتابة في تلك الدول. نتيجة هذه الورشة كانت انجاز كل كاتب لقصة أو فصل من رواية وترجمتها للانجليزيه حيث من المفترض ان تنشر في كتاب مع الجائزة. يعتقد ربيع أن مثل هذه الورش والنشاطات ذات العلاقة بالأدب لا تحدث في مصر نظراً لتكلفتها المرتفعة، لكنه يتمنى على الجانب الآخر أن تتيح تلك المؤسسات للجمهور المصري التعرف على كتاب عرب وعالميين آخريين مثلما تستدعى الموسيقيين والكتاب.

إسلام شبانة: الشللية تحكم

مسألة أجور الفنانين المشاركين في عروض المؤسسات الثقافية تبدو أعقد من كونها نتيجة لضعف التمويل المقدم لها، فالفنان إسلام شبانة يعلق قائلاً: “هنالك أ أرقام فلكية تسمع على هوامش معارض او مشاريع “معينة” لأسماء فنانين “معينة” أيضا. خصوصا العروض الخاصة بالفنون المفاهيمية ومؤخرا أي عرض له علاقة بالثورة..مهما كان حجم العمل أو تعقيده أو حتى أهميته وجودته كإمتاع بصري أو فكري. وعند زيارة بعض تلك المعارض فنجد أن الجودة قد لا تتخطى جودة طلاب المعاهد والكليات الفنية في أي دولة أوروبية ناهيك عن العروض التي تتسم بصبغة الفلسفة الفائقة التعقيد وأيضا التقليد والفبركة. فأين الفن التجريبي اذن اذا كانت العروض قائمة على “نجوم” بعينهم في المشهد الفني في مصر. هؤلاء النجوم هم من يستطيعون بكل ثقة كسب أي منحة أو أي عرض (مهما كانت جودته) داخل أو خارج مصر تبعا لأي مؤسسة. “

شبانة علق أيضاً على صفحتنا على الفيسبوك على التعليق الذي نشرناه العدد الماضى حول ميزانيات المؤسسات الثقافية قائلا: “أود أن يتم فتح النقاش فيما يخص تمويل الأجيال القادمة والفنانين “الشباب” وهل سيحتاجون لأن يعملوا في شركات الدعاية والإعلان أو الديكور لكي يوفروا لقمة العيش؟ وربما يستطيعون في وقت فراغ ما أن ينتجوا فنا تكون نتيجته أنه نصف فن ملطخ بالشقاء ونكهة التسويق أم سيتم توجيه تمويل تلك المؤسسات جديا لتغطية الفنانين وتوفير لهم الأدوات والتعليم والحياه الكريمة المنتجة. فبعد كل هذه الأرقام المعلنه (وما خفي كان أعظم) ولا نرى نتيجة منطقية لحجم هذا التمويل، والمشهد الفني مازال بجودة إبتدائية ومراهقة للغاية ولا يكتسب شرائح جديدة بل أن “الشللية” والمحسوبية هي سمته الأولى حتى في حضور المعارض

—-

نشرت في أخبار الأدب

Share
Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *