أيام الشمس والموسيقي

1

دافعت الموسيقي البديلة عن اختلافها بتنويع موضوعاتها وعدم اقتصارها على الأغانى العاطفية بكل مشتملاتها وبقاموسها المحدود المقدم في الموسيقي السائدة. كانت “الحرية” أحد الموضوع التي احتلت مساحة بارزة في فضاء الأغنية والموسيقي البديلة. وبعد ثورة 25 يناير والتغيير النسبي في قيم السوق فقد تحول موضوع الحرية، ليصبح هو الموضوع الأساسي، يأتي مصحوباً بكلمات عن الشارع والناس إلى آخر مصطلحات ثورة 25 يناير الجميلة.

لكن الحرية لم تنعكس على المجال العام ولا على صناعة الموسيقي، فلا تزال أماكن العرض محدودة وتخضع لقواعد رقابية مختلفة، وتضيق مسارح القاهرة على جمهور الفرق المستقلة. أضف إلى ذلك استمرار تأميم المجال العام وصعوبة استغلال الفضاء العام في الحفلات الموسيقية باستثناء تجارب ومبادرات قليلة كالفن ميدان. كما أنه بفضل دعم مؤسسات التنمية الثقافية والمجتمع المدنى فالموسيقي البديلة لا تزال بعد كل هذه السنوات في “الحضانة” غير قادرة على صناعة منظومة اقتصادية لا تعتمد على الدعم تحملها وتدعمها وتنظم دورتها الإنتاجية.

لكن الحدث الاستثنائي الذي قدم تجربة مختلفة عن كل ما سبق حدث منذ أسابيع في مرسي على شاطيء البحر الأحمر في مهرجان “عالجنوب” .

2

10271582_10152046140046198_6794822617691023710_nبدأ مهرجان عالجنوب منذ ثلاث سنوات بمبادرة شبهه تلقائية ضمت عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد الواحد من العازفين والفرق المستقلة وبسماعات بسيطة على شاطئ بحر مرسي علم، في أحد “الكامبات” البسيطة التي لا تتجاوز الإقامة فيها الخيم والعشش البسيطة. وهذا العام وصل جمهور المهرجان إلى حوالى ألف شخص ما بين شباب وشابات وعائلات بعضهم أتى بخيمته الخاصة.

يقام المهرجان كل عام في شم النسيم، بلا أي دعم من مؤسسة حكومية أو أهلية أو أياً من منظمات المجتمع المدنى أو المؤسسات الثقافية أو الموسيقية، فالداعم الأول للمهرجان هو الجمهور الذي أتى إلى بقعة خلابة بين الجبل والبحر. الفاعلون الأساسيون في عملية التنظيم مجموعة من المتطوعين عددهم لا يتجاوز الثمانية أفراد في فريق يقوده يوسف عطوان و”مو القوصينى” من فريق “لايك جيلي”.

3

لا يقدم “عالجنوب” نفسه بصفته مهرجاناً جماهيرياً أو حفل تجاري، وإلا كان من الأفضل تنظيمه في القاهرة أو مدينة من المدن المعتادة على مثل هذه الفعاليات. بل هو أشبهه بتجربة تنطلق من سؤال هو “هل بإمكان الأغنية والموسيقي البديلة أن تنتج نموذجها الاقتصادى الخاص الذي يكفل لها الاستمرارية والتطور وللاعبيها التفرغ والحرية؟”، ليخرج من حضانة دعم المراكز الثقافية الأجنبية، وأجندتها التي تربط الفن والموسيقي تحديداً بالتنمية الاجتماعية، أو تأتى الموسيقي كنشاط ترفيهي على هامش الفعاليات التي يكتب في برامجها أن الهدف تنمية الوعى والمجتمع والارتفاع بثقافته.

رغم العثرات المادية لكن “عالجنوب” أثبت إمكانية حدوث هذا. وأن هناك جمهور داخل السوق المصري الواسع يمكنه أن يدعم استمرار مهرجان كهذا لمدة ثلاث سنوات. بل وأن يستقطب فنانين وموسيقيين من لبنان، والسودان ومن مختلف محافظات مصر.

الحرية أيضاً هي القيمة الأساسية في عالجنوب، وهى لا تحضر بصفته شعاراً أو هتافاً في مظاهرة، بل كممارسة. طوال أيام المهرجان المقام على البحر حضرت الشرطة بأعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، راقبوا وشاهدوا ووقفوا بعيداً دون أي حاجة للتدخل. حتى أن هانى الدقاق المغنى الأساسي في فريق مسار إجباري في آخر ليالى المهرجان وعلى المسرح عبر عن اندهاشه كيف بالإمكان يمكن أن يجتمع كل هذا العدد من البشر لثلاث أيام دون مشاكل أمنية كبيرة ودون حادثة تحرش واحدة. هو ذاته الجمهور الذي لم يأت فقط للاستماع للموسيقي بل أيضاً لخلق علاقة مع مكان لا يزوره الكثير من المصريين، فبدفع من منظمى المهرجان استغلوا وجود هذا العدد من الجمهور للمساهمة بجسد بسيط في جمع المخلفات البلاستيكية المختلفة من المحميات والأماكن الطبيعية المهددة في مرسي علم.

4

لكن المهرجان لم يكن مجرد فرق اعتادت تقديم أعمالها لجمهورها في القاهرة والإسكندرية، وانتقلت لتقديمها في مرسي علم بذات الجمهور. عالجنوب كان مفتوحاً حتى لسكان المنطقة من عبابدة ومقيميين. وليس كالمهرجانات السياحية التي تكون مغلقة على جمهورها الخاصة، بل وعلى مسرح المهرجان قدمت الفرق التراثية والشعبية لمنطقة القصير وحلايب وشلاتين عروضها، ومن السودان أتت آسيا مدنى لتغنى للمدينة “جوبا” أجمل مدينة.

10295798_687716721287957_4832477045178838993_n

تقديراً لطبيعة المهرجان فعدد كبير من الفرق والموسيقيين الذين شاركوا تقاضوا أقل من أجرهم المعتاد، وعدد آخر منهم تنازل عن أجره. تنوعت الفرق المشاركة بين فرق معروفة ولديها جمهورها الواسع بداية من مسار إجباري، يسرا الهواري، لايك جيلى. وبعضها أتى “عالجنوب” بطموح تقديم تجارب مغايرة، كمريم صالح التي قدمت حفلتها بمصاحبة زيد حمدان من لبنان مخلقاً الموسيقي الإلكترونية التي أصبحت بصمة مميزة لعمله منذ مشاركته قبل ذلك في فريق “الصابون يقتل” وكتحية للأيام الخوالى وبناء على طلب مريم لعب وغنى زيد أغنية “عرانيس”. إلى جانب مشاركة فريق “أبو والشباب”، وتامر أبوغزالة وفرقته، وفريق “فول تون”. وندى الشاذلى والتي تقدم تجربة فردية خاصة، حيث تكتب وتؤلف وتغنى جميع أغانيها وتولف الموسيقي الإلكترونية ما بين السخرية السوداء والعبث الهزلى للواقع وعلاقات الحب المعاصرة تدور معظم أغانى ندى.

الموسيقي الإلكترونية كانت أيضاً حاضرة بقوة بتجارب مميزة بداية من فريق “سوبر لوكس” وحتى “وايت نوبيين”، أما أكثر الفقرات تميزاً فكانت لموريس لوقا والذي يقود خطاً مغايراً في مجال توليف الموسيقي الإلكترونية حيث يصنعها من تدافع موجات الموسيقي الشعبية ومن بقايا إيقاعات موسيقي المهرجان وضجيج الآلات، ليولف موسيقي ذات إيقاع متدفق في انسيابته. يلعب موريس على الذاكرة الجمعية للأصوات والجمل اللحنية، بحيث يشعر المستمع بألفة غير معلومة المصدر مع ما يقدمه من موسيقي.

التنوع هو الكلمة المفتاح لمهرجان عالجنوب ليس فقط كنتيجة لعدد الفنانين والفرق المشاركة الذي وصل عددهم إلى 19 فنان وفرقة، بل لاشتمال المهرجان على عروض فنية غير موسيقية، فكريم عثمان وعلى هرم قماشي انتصب في منتصف المسرح قدم عروضه في مجال “الفيديو آرت” والتي صاحبت الكثير من الفقرات الموسيقية، وفي خيمة من خيم المهرجان حولها عمر مصطفي إلى جاليري لعرض جزء من معرضه “عفاريت الفنجان”. تتحرك أعمال عمر مصطفي في فضاء يتعامل مع السحر وتراث الماورائيات لا بصفته فلكلوراً شعبياً بل كمنظومة قوانين وفعل ورد فعل لها لغتها الخاصة، معرضه الصغير قدم خلاله عدد من صور الفوتوغرافيا، التقطها لتشكيلات البن في قاع الفنجان بعد شربه، يلتقط مصطفي صورة الفنجان ويتركها معروضها كأشبه ما تكون بفوتوغرافيا للعفاريت وخرائط المصير لأصحاب الفنجان المجهولين.

يتجه المهرجان في المستقبل إلى التوسع في مجالات فنية آخري ليتجاوز توصيفه كمهرجان موسيقي ليأخذ طابع مهرجان ثقافي متعدد الفنون

—- -

نشرت في أخبار الأدب

Share
Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *