التسعينى.. إنسان بجد

يصعب الامساك بملامح وجه الكاتب التسعينى فهى نفس الملامح المصرية الأصيلة التى تحمل –لا مؤاخذة- طين مصر، فلا يختلف وجه الكاتب التسعينى عن الستينى أو السبعينى، لكن تمايز التسعينى ينبع بالأساس من مظهره بداية بذوقه في الملابس، وحتى طريقة إمساكه بالسيجارة.

لا يرتدى التسعينى بدلة الموظفين الصيفى التى يفضلها الكاتب الستينى، ولا يحب التسعينى البناطيل القماشية التى يفضلها الكاتب السبعينى. التسعينى هو ملك الروشنة يرتدى الجينز والتى – شيرت ويفتح أزرار قميصه ليترك شعر صدره يداعب الهواء، لا يجلس في مقاهى المثقفين بل يفضل عليها البارات الراقية رغم أنه لا يشرب كثيراً وغالباً دماغه خفيفة، لكن هذه أحد نقاط التمايز بينه والأجيال السابقة التى تفضل الاحتكاك بالجماهير والجلوس على مقاهى الشوارع وتفضيل الحشيش على المشروبات الكحولية.

يضفى الكحول والإضاءة الخافتة للبارات على التسعينى جواً رومانسياً حزيناً يليق بشخصيته وتجربته كمحارب خسر المعركة قبل أن تبدأ، يخرج التسعينى لسانه للكاتب الستينى ويهاجمه بعنف معلناً موت الأب، وأنه بلا أساتذة لكنه ينهار على الطاولة ويخبطها بيده صارخاً “ليس لدى مشروع.. ليس لدى مشروع، لقد سقط الاتحاد السوفيتى وقامت حرب الخليج الثانية وأنا في الجامعة، أنا متشظ بلا مشروع”

ورغم هذا إلا أننى أعتقد أن جوهر الكاتب التسعينى لا يختلف كثيراً عن جوهر الكاتب الثمانينى أو الستينى أو حتى الأربعينى، فجوهره هو عمق الروح المصرية الأصيلة المزروعة في أرض وادى النيل منذ آلاف السنين والتى أخرجت لنا إبداعات الفنان المصرى القديم في وادى الملوك، وأشعار وأغانى الإنسان المصرى البسيط في القرى والنجوع، لكن التسعينى ليس مجرد ناقل للإبداع الكلاسيكى بل هو محدث ومطور لهذا الإبداع، الأمر الذى يجعله إضافة حقيقية فمثلاً الشاعر التسعينى سوف نجد في قصائده جميع الموضوعات الكلاسيكية من رثاء ومديح وغزل عفيف وغزل صريح لكنه مصاغ بلغة روشه وكلمات شفافه رقيقة لاحظ مثلاً في أحد دواوين الرثاء لشاعر تسعينى كيف يودع أمه دون دموع بجملة حميمية عبقرية في إعجازها اللغوى قائلاً “تصبحين على خير”. ولا يمكن أن ننسى أن التسعينى هو مبتكر تيار اللاوعى والحساسية الجديدة وكتابة اليومى والعادى.

لغة الكاتب التسعينى الشفاهية أيضاً مثلت إضافة جديدة للغة العربية، يمكنك أن تعرف التسعينى إذا وجدته يردد أمامك عبارات من نوع ” حد جميل”، “إنسان بجد”، “حد حقيقى” أو يصف نص يعجبه بأنه فيه حاجة أو يستخدم كلمات من نوع كاتوبه –من الكتابة-، مان –رجل بالانجليزية- مع الاكثار من كلمة حميمى.

* * *

أحد الأشياء التى تزعج التسعينى، هو لقبه كـ”تسعينى”، فهو لا يقبل أن يضعه أحد في درج واحد مع أى شخص آخر، لذلك يسعى دائماً إلى ما يجعله متميزاً مختلفاً حتى عن أبناء جيله التسعينين.

فتسعينى القاهرة ينظر إلى نفسه باعتباره التسعينى الأصلى، هو ابن المدينة المتشظى، ابن الحداثة وما بعدها، نحن في تسعينات القرن العشرين وليس من المعقول أن نكتب عن القرية والريف أو أعمال ذات توجه إيدلوجى أو سياسى مثل كتابة الستينات، وكما قال كاتب تسعينى قاهرى شهير وأحد أمراء الرواية الذهنية “الكاتب الكبير لا يكتب عن الجنس أو السياسية أو الدين”.

التسعينى القاهرى هو أكثر نماذج التسعينى المسلط عليها الأضواء فهو القريب من المراكز الثقافية الأجنبية وهو الصحفى في المجلات الأدبية والفنية. أما التسعينى الجنوبى فهو على النقيض ينظر بحذر إلى التسعينى القاهرى ويراه خطراً على الروح والابداع المصري الأصيل ففى النهاية هو ابن الصعيد وحافظ الإبداع المصرى الحقيقى، بينما تسعينى القاهرة شوهته الامبريالية والعولمة والثقافة الأمريكية، لذلك ينحاز التسعينى الجنوبى في كتابته إلى عالم الهامش والقاع وقري الصعيد على اعتبار أن مصر تتكون فقط من مجموعة من الجياع والفقراء ونساء يرتدين العباءات السوداء. أما تسعينى الدلتا فهو الراقص على السلم، قربه الجغرافى من القاهرة يوفر له قدراً ضئيلاً من الأضواء لكنه قنوع بذلك القدر ولا يسعى إلى ما هو أكثر لأنه أيضاً يخاف أن تبتلعه القاهرة، ويجد نفسه يردد كلمات من نوع “الكاتوبة” أو “مان”، لكن أظرفهم هو التسعينى السكندرى، فهو الرومانسى الجميل المحلق مع النورس فوق بحر المتوسط وفي سماء الأحلام بعيداً بقدر الإمكان عن ضوضاء القاهرة.

لا يفوتنا أيضاً التسعينى المهاجر، وهو الذى تمكن في الوقت المناسب من مغادرة كل هذا والسفر إلى إحدى الدول الأوربية أو الأمريكية، لكن لأنه مصرى أصيل شارب من ماء النيل لم تنقطع صلته بالوطن فمازال يظهر كل عام في نفس الموعد مع معرض القاهرة للكتاب لكى يقابل الأصدقاء ويتفق مع الناشر على كتابه الجديد ثم يعود إلى الغربة لكى يقاسى الحنين.

* * *

الآن يواجه التسعينى أزمة من أصعب أزمات حياته، فهو أولاً لم يعد روش، أصبح لديه ابنه صغيرة، شعره يتساقط، ونما له كرش خفيف ولم يعد يستطيع المنافسة أمام أجيال جديدة تضع الجل على شعرها ولديها قائمة من القراء والمعجبين على الفيس بوك، كما أن الكاتوبة لم تعد تتطاوعه ففى الوقت الذى تستغرق رواية واحدة منه خمس سنوات تكتب الأجيال الجديدة رواية كل عام وربما روايتين ومجموعة قصصية وديوان شعر في عام واحد.

ومؤخراً تلقى التسعينى القاهرى واحدة من أشد الطعنات غدراً حيث استيقظ ذات صباح ليجد أنه لم يعد ينتمى لمحافظة القاهرة بل لمحافظة حلوان أو الجيزة أو 6 أكتوبر وهكذا وجد نفسه قد صار كاتباً إقليمياً.

كل الأيدى تتكاتف على ما يبدو للعبث بالتسعينى لكنه حتى هذه اللحظة مازال متماسكاً، رغم اعتقادى أن عليه أن يدرك أنه لم يعد روشاً وعليه أن يعيش مرحلته العمرية والابداعية الجديدة.

Share
Tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to التسعينى.. إنسان بجد

  1. Anon says:

    بما انك صنفت أغلب الكتاب التسعنيين شايف نفسك فين على الخريطة الرسمتها دي??

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *