محب جميل: حكاية كابوسيّة عن أمّ المدن

يواصل أحمد ناجي (1985) خلق كوابيسه الخاصة وعوالمه المظلمة التي بدأها في روايته الأولى «روجرز» (دار ملامح – 2007)، ليصوّر لنا رحلة عجائبية لشاب في شوارع القاهرة بعد إحدى الكوارث المناخية التي غطت معالمها بالرمال. في روايته الجديدة «استخدام الحياة» (منشورات مرسوم – 2015)، يجعل ناجي القاهرة مسرحاً للحدث. لكن هذا النصّ عصيٌ على التصنيف، ولا يعترف بكليشيهات الكتابة السائدة. ضفائر ملغزة يغزلها الروائي الشاب ببطء ليُشكل في النهاية حكاية كابوسيّة عن القاهرة أم المدن. يترافق هذا النصّ مع مجموعة من الرسوم التوضيحية التي تتداخل معه أو تخرج عن طوعه أحياناً لتكمل الحكاية المركزية.

01font

يمكن اعتبار الرواية هجاءً طويلاً للعاصمة بكل ما تحمله من اضطرابات وتناقضات وعشوائية على مستوى الثقافة والشوارع والعمارة. على طول الخط الروائي، يحاول ناجي خلخلة المفاهيم الثابتة لدى القارئ من خلال قصة بسّام بهجت الذي يجد حاله في حالة غرامية معّقدة يحاول فك خيوطها على امتداد الرواية. خلال ذلك، يشتبك مع إحدى الجمعيات التي تعمل في مجال العمارة، وتطوّر أسلوباً جديداً للتعامل مع عشوائية القاهرة. الحكاية المركزية تدور في ثلاثة أزمنة بين الحاضر والماضي بتفاصيله والمستقبل. تتشكل الرواية من عشرة فصول مُفتتة إلى مقاطع صغيرة عدة، لكن ناجي أحدث حالة من اللانمطية والتشظي في السياق، كأن الحدث الروائي شبيه بمكعبات «البازل» التي تحتاج القارئ ليجمعها كي تتكون الصور النهائية للحكاية.
مغامرة بسام في قلب المدينة هي محاولة للتعامل مع الوضع المزري الذي آلت إليه الأمور. لكن حياته مليئة بالعديد من الشخوص التي يمثل كل واحد منها منعطفاً في الرواية. هناك ريم التي تصلها رسالة من هاتف بسّام مفادها: «أحتاج 400 جنيه ضروري جداً. مطعم «ماجو» شارع شامبليون. بكرة الساعة 1». سيتضح لاحقاً أن ريم التي كانت على علاقة مع بسّام، تعاونت مع المنقذين أعضاء الجمعية الذين التقتهم وعرفوا من خلالها بعض المعلومات عن بسّام. ريم هي فتاة درست في كلية الألسن؛ حيث تعرفت إلى الشاب الذي أحبته سراً. وكعادة كل الشباب، كان الشاب ساخطاً على حال البلد، يتحدث عن السياسة بعنف، ولا يجد حاله هنا. أما هي، فكانت من أسرة محافظة لم تتكيف مع الروتين اليومي، فقررت المغامرة. قررت ريم السفر إلى قطر نتيجة لليأس.
هناك، أمضت ثلاثة أشهر بين الكورنيش الخالي من البشر والمولات التجارية العملاقة، لكنها في النهاية فقدت مذاق الحرية، فقررت العودة إلى مصر. تزوجت ريم من زميلها الشاب الجامعي لا بهدف الحب، بل بدافع اليأس والارتياب. لم تكن العلاقة على ما يُرام، فقررا الانفصال مرات عدة نتيجة الضغوط والمشاكل اليومية.
ما يُميز هذا النص حقاً هو قدرة ناجي على خلق مستويات عدة من اللغة بين العامية والفصحى. ثم تختفي هذه اللغة المكتوبة لتحلّ محلها مجموعة من الرسوم للفنان أيمن الزرقاني (1982) لتشكل مسار الحدث ضمن وحدة عضوية متناغمة، حيث يتداخل النصّ مع الصورة لتنتج الرواية المصورة.
بعد مغامرة طويلة على أنقاض القاهرة، يلتقي بسّام بإيهاب حسن، أحد أفراد الجمعية التي تلخص مهمتها في القاهرة في صناعة سلسلة من الأفلام التسجيلية عن عمارة المدن، وخصوصاً القاهرة أم المدن. إيهاب شخصية محورية في النص. هو أستاذ الأدب المقارن والنقد الثقافي الذي يهتم بالعمارة الحديثة وفلسفتها. كما أن لديه قدرة فائقة على التوغل في ثنايا النفس ليعرف ما تفكر فيه، عدا أنّه شخصية شديدة الجاذبية خصوصاً مع النساء. أما تلك الجمعية المعمارية التي تشبه التنظيم السري، فتحمل في جعبتها تاريخاً من الأسماء والبطاقات والمعرفة المتراكمة عبر آلاف السنين حول المدن والمعالم الإنسانية التي كان لها دور كبير في تأسيس الجمعية.

لا ينفي السارد بسّام بهجت تورط تلك الجمعية في افتعال كوارث بيئية بهدف إعادة تدوير عمارة المدن من جديد. كان أحد حلول إعادة مسار الحياة في القاهرة إلى طبيعتها، هو التخلص من نهر النيل إلى الأبد، وتغيير المسار الذي تحرك خلاله. وبذلك تتجمع التكتلات السكانية في نطاقات جديدة. أرفق ناجي روايته بمعجم داخلي صغير عن شخوص الحياة الجديدة في القاهرة؛ كائنات مشوّهة أفرزها واقع مكبوت مزيف. إنها «حيوانات» القاهرة: «كلاب السكك، الفتاة المحجبة، الصراصير، وحيد القرن البريّ، والتاكسي»…. نجح ناجي في جعل السرد في غاية المرونة والواقعية، فالألفاظ المستخدمة جعلت الحكاية المروية أشبه بالكابوس الذي لا مفر منه. لكن يبدو أن الواقع المُعاش أكثر قسوةً من الخيال. يتميز هذا النصّ بجو فانتازي يشبه في تراكيبه «ألف ليلة وليلة».
لا يعدك أحمد ناجي في هذا العمل بشيء إلا بالمغامرة والكابوسية، ينهل من فيض الواقع ما يريده، ويترك الحواشي لتكمل ثقوب النصّ المتعمدة. إنه عمل صادم، يتجاوز قوالب التصنيف ولا يعتمد اللغة التقريرية في الوصف، جاعلاً من النصّ الروائي أفقاً رحباً بلا كليشيهات.

—- -

نشرت في الأخبار اللبنانية

Share

حسن نصور عن #استخدام_الحياة: انتحار لأجل ولادة مبهمة

.في «استخدام الحياة»، الرواية الثانية لأحمد ناجي (مواليد 1985)، الصادرة عن دار التنوير 2014، بعد روايته الأولى «روجرز»، فرادةٌ في جعل مدينة كالقاهرة تُخرج أحشاءها الى العلن بهذا الوضوح أمام المتلقي. القاهرة، بطبقاتها التحتيّة ومبناها الكهل ودهاليزها وواقعها الديموغرافي والمعماريّ تصير في نصّ ناجي معجما أقرب ما تكون الى هجاء فجّ لمدينة مكبوتة ومستعصية. إنه حفر وإخراج لتفصيلات المجموعات و»الحيوانات البشرية» التي أنتجتها حيوات المدينة، «الفتاة المحجبة، كلاب السكك، المرأة العصريّة المصرية، الصراصير، وحيد القرن البرّي، الدراويش، التاكسي البيولوجي الفأر الأسود…».
رسوم «أيمن زرقاني 1982» القاتمة أريد لها ان تعكس شكلا ومضمونا نصا يوازي بخطابه وايقاعاته المشهدية لغة السرد الكتابيّ. إنها بوجه من الوجوه مرايا قاتمة لدهاليز وجوه غريبة مأزومة ومصنّعة على شاكلتها. يتمّ التعرّيف بها كبطاقة مرفقة بالصور وكهويّات تراقف تصاعد الحديث السرديّ. إنها تصويرات سرديّة لا تشارف على الاختناق الا بقدر ما تستثمر من معجم الواقع المدينيّ الرث. نجد العامية العادية المستثمرة في السرد بواقعية جذابة من غير مبالغة: «يفشخ»، «الخراتيت»…. فيما يشبه طريقة نجيب محفوط في تطويع حواراته الشوارعية المعروفة.
ينسج الراوي، المتكلم، «بسّام بهجت» منتج أفلام وثائقية، سيرةً للمدنية الأم متنقلا بين زمانين سرديين رئيسيّين، قبل الكارثة وبعدها. «النكسة» أو العاصفة الرمليّة التي سوف تهب على القاهرة وتقلب المدينة رأسا على عقب. يتداخل السرد في شبكة من علاقات تشبك حياة «بسام» الشخصية مع ما يسمّى «الجمعية المعمارية» التي ليست في تنظيم للعمل السريّ حول العالم. من خلال إيهاب حسن، أستاذ الادب المقارن والنقد، يكشف السرد على ألسنة أعضاء الجمعيّة تاريخا متداخلا ومتراكما من المعرفة المكتسبة والمشتتة بين طبقات من الاسماء التي لعبت دورا في تأسيس هذه الجمعية منذ آلاف السنين. نعني منذ تأسيس مصر بعد أن اطلع الكاهن «فلمون» صهرَه «مصر بن حام بن نوح» على علوم مصر وكنوزها. جمعيّةٌ سوف ينتهي السرد ببعض جوانبه التاريخية لسياقه إلى تظهير دورها في افتعال الكوارث المناخية التي أصابت مدنا رئيسة في العالم، ومنها القاهرة، لغايات التحكّم وإعادة تشكيل العمارة الكونية بمفاهيم ترتبط بمغزى العمران البشريّ اقتصادا وسياسة واجتماعا وبأشكال المعرفة الانسانية جمعاء.
أحد المسارب المستقبلية لإنقاذ المدنية مثلا «من واقعها الكابوسي هو التخلص من نهر النيل» بتغيير مساره في سبيل إنشاء تجمعات سكانية جديدة والانتقال الى مراكز عمرانية جديدة. يقول الراوي: «أمام (غوغل إيرث) أخذت أتخيّل مسارات متعددة له. يأتي من حلوان ليتجه شرقا متجاوزا محافظة الجيزة بأهراماتها السخيفة الثلاثة ليشق طريقا فاصلا 6 اكتوبر عن كل هذه النفاية في الجانب الآخر، (ص 108)». إنها القاهرة. مدينة كأنها تنتحر في سبيل ولادة مبهمة. أقول إنّ السرد، في نص ناجي يستدرج الكارثة العاصفة أو النكسة، قبل حدوثها. شعورٌ يتولّد من خلال طبائع الحكي والحوارات صعودا ونزولا بين شخوص هذا المبنى الروائي المتين. والحال أنّ الراوي، هنا، لا يعطي انطباعا بوجود مسارب تنقذ المدينة من أوصافها ونعوتها المطروشة، بطبيعة الحال، في نفَسِه على شكل لغة مركّبة وفاحشة إنّما تتناسق مع مجمل العوالم السفليّة لمدينةٍ صار يحتاج فهمها، على الحقيقة بحسب الراوي، إلى ما يشبه فكّ الشيفرة.

————————- —
حسن نصّور في جريدة السفير

Share

مقبرة الموسيكا #فصل جديد من استخدام الحياة

لا أحد يَصفُ ما يحدث الآن بأنه فوضى. يستخدمون مصطلحات وتعبيرات متنوعة في شكلها لكن جوهرها إيجابي فخور.

اللغات التى يمكن أن تسمعها في الشارع حيث تختلط الإنجليزية الحديثة بالصينية والفرنسية وبقايا العربية يقولون أنها دليل لحيوية الواقع واللحظة، الكل أصبح للمرة الأولي يفخر بالتنوع.

في لقائي مع بابريكا في المطعم المطل على الميناء أشارت أثناء تعدادها لمحاسن ما حدث بأن البشرية كانت قد وصلت لمرحلة تحتاج معها للتخلص من أثر الهويات القومية المرسخة بالسلطة العسكرية والدستورية للدولة. الإقتصاد يمكنه أن يفعل ذلك، امنحوا قوة ومجال أكبر للشركات، وأقوى الشركات دائماً هى شركات المقاولات والاستثمارات العقارية، لذا كان يجب أن تتحول الجمعية إلى واحده منهم، إلى أقوى واحدة، وربما الوحيدة، أما التنافس فلنجعله لعبة للتسلية بين أقسام وفروع الشركة المختلفة.

-انظر بسام، أنهم يحبون بعضهم البعض للمرة الأولى. خلصناهم من الماضى وصنعنا مستقبل ليس مشرقاً تماما اتفق معك، لكنه يتجه نحو الضوء الموجود في نهاية النفق.

خسرنا آلاف الفنانين هنا في مصر أثناء العاصفة. وخسرت البشرية أضعاف هذا العدد في معظم المدن الكبري التي شهدت حوادث مشابهه. من كثرة الأسماء لم أكن أعرف من ظل حياً ومن مات ولم أهتم للأمر إلا بعد حوالي السنتين حينما سمعت اثنان يتحدثان بالصدفة في أتوبيس عام ويقولان أن سميرة سعيد قد ماتت في العاصفة. الموت علينا حق ومع ذلك يظل هناك ضوء في نهاية النفق.

والآن بعد عشرين سنة، يتذكرون سميرة سعيد في قسم التاريخ ومعمل التوثيق والأرشفة، توضع بياناتها وأعمالها بجوار أم كلثوم.

الجيل الجديد تختلط في ذهنه سميرة سعيد مع أم كلثوم، فالاثنان في وعى هؤلاء الفتية بناة المستقبل ينتميان إلي الماضي، ما قبل العاصفة حزمة واحدة. عالم مختلف عما بعضها.

أعود ثانية إلى معرض «برقية حب للضفادع» وهو المعرض الذي شارك فيه حوالي تسع فنانين شباب أكبرهم كان عمره خمسة أعوام وقت العاصفة. هناك شاهدت عمل وظف خلاله الفنان واحده من صور سميرة سعيد الضاحكة حيث تلمع حبات أسنانها تحت ضوء الفلاش، واستخدم خط الثلث العربي ليكتب في الخلفية عبارة «فات الميعاد» وفي أعلى اللوحة توجد شمس ذات لون أخضر وعقارب الساعة متوقفة عند التاسعة وربع، أما إطار اللوحة فقد تمت إحاطته بمصابيح كهربائية صغيرة وملونة.

لقد وقفت بعيداً وأخذت أراقب الجمهور الذي كان معظمه من جيل الشباب وهم يعبرون أمام اللوحة، يتوقفون لثوان وأحياناً لدقائق، يتظاهرون بالتأمل أو يتأملون بالفعل. تحدث مع بعض الجمهور وصافحت الفنان صاحب العمل سريعاً. ولا أحد يلتفت للتناقض بين عبارة أم كلثوم وصورة سميرة سعيد، هذا إذا وجد بينهم من يحسن أو يجيد قراءة الأحرف العربية القديمة حيث أصبحت هناك مجموعات كاملة من هؤلاء الشباب يستخدمون الحروف اللاتينية في كتابة اللغة العربية.

في مصر والعالم كله نمت تأويلات جديدة لعلم النفس بعد العاصفة، واندمجت هذه التأويلات مع سياسات شركات الإعمار الجديدة لإعادة هندسة الفرد وبالتالى هندسة الأسرة فالمجتمع ككل. كانت أحد أبرز هذا الآليات ضرورة إحراق الحنين. فحتي بعض علاج الصدمات العصبية التى تولدت عن ألم الخسارة وفقدان الأحبة التى حدثت للكثيرين لم يكن من السهل السيطرة على الارتدادات غير المباشرة التى قد تنشأ بسبب لحن قديم، أو مشهد من فيلم أقدم أو أى منتج ثقافي آخر.

حذرت تقارير كثيرة من مخاطر الاستماع للموسيقي القديمة –يقصد بها موسيقي ما قبل العاصفة- وقدرتها على إثارة الحنين بشكل يدفع للبكاء ويصنع صدمات ارتدادية تستهلك الكثير من طاقة الأفراد التى كانت شركات الإعمار في أمس الحاجة إليها.

انظر للمستقبل.

حين نجتاز فترة هم أو خيبة شيء ما كالبلغم في الحلق يمنعنا من الاستمرار في العيش، ابلعه، اكبته. الذكريات المكبوتة تمحى، يتطلب الأمر زمناً، ولكنها تمحى، بالفعل. هذا ما كان يروج له علم النفس الجديد ومؤسسات التنمية الذاتية وإعادة تهيئة وبناء الفرد الجديد. وكنت ابتسم من كل هذه الدعاية والترويج لمثل هذه الأفكار بسبب إيمان خاص بي بأن التجاوز وهم والنسيان أمر نسبي جداً، والأهم أنى كنت اتابع كيف كانت تتم عملية إعادة صياغة الماضى والذاكرة وإصباغ أوصاف مبالغ فيها عن القاهرة وجمالها وعظمتها وكمالها. كانت العملية دائرة من اللاجدوى، ابتكار ذكريات مبالغ في موضوعيتها أو حدوثها ثم الترويج لها ثم طلب نسيانه وتجاوزها.

هكذا كان عمل الجمعية مع بابريكا، إمتداد لأفكار دائرة الحياة اللانهائية.

Share

Rivoluzione, atto primo. Speranze e pericoli del dopo Mubarak

Share

كومكس: ماذا لو لم يأت البرابرة

 

 

 

 

 

Share

Ferrara Festival internazionale Ahmed Nagi. Blogger egiziano II parte

Share

Ferrara Festival internazionale Ahmed Nagi. Blogger egiziano I parte

Share

ممدوح رزق: عن روجرز أحمد ناجى

كتب ممدوح رزق:

أريد أن أُثبّت بداية نقطة ضرورية : كتب (أحمد ناجي) الرواية التي تتحيز لها ذائقتي : اللعب بالتفكيك وتفتيت العالم السردي وتحويله لشظايا متناثرة تحافظ طوال الوقت على حدتها وتوهجها بما يضمن لإيقاعها المتوتر استمرار القدرة على المراوغة وتنويع أشكال وطاقات الصدم والإدهاش .

بناء على هذا فإن من يقارب ( روجرز ) باحثا عن ( حكاية ) سيكتشف منذ اللحظة الأولى أن عليه أن ينسجها بنفسه بل وألا يتوقف عن خلقها طوال زمن القراءة ومن ثم بعده مدعوما باستسلامه للتورط في متاهة شائكة ومدوخة من التفاصيل والشخصيات والأحداث المشحونة باقتراحات جمالية متشعبة ومتداخلة كأشلاء مختلطة لذاكرة مقطّعة بقصد طفولي يمتلك أسراره الخاصة عن توحد البراءة والعنف .. الحكاية التي تظل ( روجرز ) محفزة لخلقها هي بالأساس اكتشاف في أكثر من اتجاه لـ ( شظاياك الشخصية ) كقاريء يتزامن بحميمية مع اكتشافاتك المتعاقبة للحكاية المبهمة والنشطة في خلفية ( روجرز ) والتي تحرضك على اقتفاء أثرها الإلهامات الملتبسة للرواية .. بالتالي ونتيجة لكونها قائمة على هاجس التحرر من أي تماسك عادي أو منطق طبيعي لصالح غواية تمتزج خلالها النشوة والألم فليس هناك بناء تقليدي لـ ( روجرز ) بل يجب تشييد أبنية خاصة ومختلفة على يد متلقي يستوعب تماما ضرورة ألا يكون مخصيا وأن تتجاوز فكرة إعادة الكتابة بالنسبة له كافة المسارات المستهلكة عن التفاعل مع النص وتتبع المسارات الدلالية وتطويرها وإكمال ومعالجة ما يستقر على اعتباره نقصا وثغرات أسلوبية أو تصحيح أخطاء الوعي بالعالم عند الكاتب وما إلى ذلك من أساليب التلقي التي لا تعدو أكثر من رفاهية ذهنية لقاريء مسالم .. أتحدث عن مواجهة مبتكرة غير مسبوقة مع الماضي الشخصي وتاريخ الحياة والموت وعن استرجاع وتأمل كاشف لمعاني ممكنة وبالأحرى أسئلة جديدة محتملة عن الذات ووجودها وعلاقاتها وحركتها في الدنيا .. لهذا أعتبر ( روجرز ) من الكتابات التي ينبغي التعامل معها كفرصة جيدة لمحاكمة ما يسمى بالحقيقة .. أي حقيقة .. السلطة المعرفية المطلقة التي تحكم تجارب العيش المختلفة لدى القاريء الذي عليه أن ينتشل حكايته من بين الأنقاض التي تركها ( أحمد ناجي ) بين يديه .. ليس انتشالها فحسب بل وتوثيقها أيضا بأي شكل وذلك بمساعدة الطفل الذي كان يقلد سوبر مان والصبي الأسمر الذي انفجرت معدته في حمام السباحة والفتاة التي تتدرب على البيانو أثناء الحرب والحيوانات البلاستيكية داخل شنطة ( عمر افندي ) والشارع الواسع الذي يشبه إله داهية والدراجة الحمراء المنطلقة على الأسفلت الناعم والبحر والبار الزجاجي والأم والجد والشموع والحيتان وبينك فلويد ويعقوب وجميلة المحيا وسليمة والقرنفل وكافة الأشياء التي وفرت بامتياز للرواية السحر اللازم لجعلك خفيفا وفرحا وممتنا لكل لحظة يأس وحنين ولذة وحيرة وحزن عبرت من صفحات ( روجرز ) إلى داخلك .

( وجدت نَفسي أكتب النصوص التي أعجبتني وأسرقها من أصدقائي وأدمجها مع بعض البُهَارات ) .. بدا وكأن فرصة على طيق من ذهب قدمتها هذه الجملة وكان يجب على الباحثين عن بطولة ما في المعارك الشخصية استغلالها جيدا والتسابق لإقامة حفلات ( التقطيع ) على المدونات والمنتديات .. أتذكر الآن ما كتبه الروائي الكبير ( سيد الوكيل ) عن ( أحمد ناجي ) في منتدى القصة العربية : ( أعجبنى الروائى أحمد ناجى وهو من اشهر المدونين العرب ، الذى كتب على غلاف روايته روجرز أنها مسروقة من أكثر من عمل ومن فيلم الجدار ، ومع ذلك فالرواية جميلة وفيها إبداع حقيقى ، ويبدو أن ناجى بهذه الجرأة أراد أن يلفت انتباهنا إلى أحد أهم مفاهيم الكتابة مابعد الحداثية ، أن الرواية الجديدة لم تعد تأليفا خالصا ، بل تناصا واسعا ) .. في المقابل أتذكر أيضا ما كتبه أحد الروائيين الشبان في مدونته عن أن ( أحمد ناجي ) يحتاج للمزيد من النضج وهنا يهمني التأكيد على أن الجملة التي يتحدث فيها عن سرقة النصوص من الأصدقاء هي بمثابة دليل دامغ وإثبات فعلي على أن ( أحمد ناجي ) بدأ ناضجا أكثر مما يتوقع الكثيرون أو بشكل أدق أكثر مما يرغب الكثيرون .. حسنا .. ما الذي يقف وراء هذا الاقتناع عندي ؟ .. قد يكون من الأنسب للإجابة على سؤال كهذا هو عرض محايد لمقتطفات من مقال ( الموضوعة الشعرية عند بورخس في قاعة المرايا ) لـ ( إيستر ريبا ) ـ ترجمة د. سندس فوزي فرمان والمنشور بمجلة ( الروائي ) في 30/12/2025 :

( يقول بورخس في سيرته الذاتية إنه بدأ مسيرته كقاص بسلسلة من تمارين النثر السردي. الأمر يتعلق هنا بمجموعة من الحكايات التي نشرت في 1935 تحت عنوان “حكاية عالمية عن العار”. كانت هذه الحكايات في الحقيقة سير ذاتية واعترف بورخس بخصوصيتها وذلك بكونه استوحاها من نصوص لكتاب آخرين.
قام بورخس بخلق الشخصيات وتغير تاريخ حياتهم انطلاقا من هذه النصوص الأولية المخصصة وبشكل واضح كمصادر في نهاية المجموعة القصصية “حكاية عالمية عن العار”. في فاتحة طبعة عام 1954 أشار بورخس إلى هذه النصوص معتبرا إياها “كلعبة غير مسؤولة من شخص خجول لا يملك الشجاعة الكافية لكتابة الحكايات والذي تسلى في تزوير وتغير (وأحيانا بلا عذر جمالي) تاريخ الآخرين )

(من جانب آخر وفي أحدى المقالات البحثية في مؤلفه “نقاشات” في 1932 والتي كانت بعنوان “ملاحظة عن والت وايتمان” كتب بورخس قائلا : “سخر نيتشه في 1874 من الفرضية الفيثاغورسية القائلة بأن التاريخ هو عملية تكرار دائرية ؛ وفي 1881 استوعب فجأة هذه الفرضية عندما كان في أحد ممرات غابة سيلفابلانا. وما أجده فضا بل ورخيص بوليسيا هو أن نتهمه بالسرقة الأدبية. وعندما سؤل نيتشه أجاب قائلا بأن ما يهم هو ما يمكن أن تغيره فكرة ما في دواخلنا وليس فقط مجرد استيعابها عقليا )

( نجد إن بورخس يعطي الشرعية بأن يقتات من الآخرين متلاعبا على فكرة إن عملية العرض التي نصل من خلالها إلى منطوق مشابه إلى آخر سبقه هي عملية متنوعة دوما وأصيلة ويبرر ذلك قائلا : “إن كان لحمي كإنسان قادر على أن يهضم ويمثل اللحم الحيواني للخروف فلا شيء يمنع أيضا أن نهضم ونمثل الحالات الذهنية لبشر آخرين. على قدر ما فكر نيتشه بفرضية العودة وعانى منها أصبحت له ولم تعد لرجل مات ولم يعد سوى اسما إغريقيا” وهو بذلك يؤيد موقف فاليري الذي كتب يقول : “لا شيء أكثر أصالة ولاشيء يمثل الذات حقيقة غير اقتياتنا على الآخرين. لكن يجب أن نهضم فلحم الأسد من لحوم الخراف التي أكلها وهضمها”
إن كان بورخس يشترك مع فاليري بهذه الفكرة عن الكتابة التي تخلط الحدود بين الأصالة والسرقة الأدبية فهو يشاركه أيضا في مفهومه للأدب كإبداع مجهول وليس للخصوصيات الفردية فيه رواج ؛ وتم إعطاء المثال على هذا المفهوم من خلال فكرة اللعب التي يتبناها المؤلفين ؛يكتب سيرفانتس وبير مينار نفس العمل. وهكذا فإن عمل “الكيشوت” الذي يأخذ بيير مينار على عاتقه إعادة كتابته يعكس هذان المفهومان ) .

لو خيرت بين المنجزات العديدة التي حققتها ( روجرز ) من أجل الاحتفاء بواحد منها فقط لانتقيت دون تردد اللعبة الجميلة التي يمكنني شرحها كالآتي : في لعبة ( بازل ) المعروفة يتم تكوين نسخة من مشهد معد سلفا عبر إخضاع الأجزاء الغير مرتبة لمنطق تقرره معطيات كل جزء وفقا لاتساقها مع معطيات الأجزاء الأخرى .. في ( روجرز ) لا يخضع تكوين المشهد لمنطق أجزاءه المقطّعة بقدر ما ينتج عن شروط اللاعب نفسه ( المتلقي ) حيث لا وجود لأي مشهد معد سلفا من الأساس وبالتالي فإن من أهم منجزات ( روجرز ) هي عدم تجهيز يقين يلزم القاريء بأحكامه بل بالعكس يترك القرارات الدلالية في يد المتلقي ليس فيما يتعلق بالرواية نفسها بل في المقام الأول بحياة القاريء نفسه وعلى هذا فإن ( روجرز ) هي لعبة ( بازل ) ناجحة في جميع محاولاتها لأن أي مشهد ستكوّنه بنفسك سيكون صحيحا لا لشيء إلا لأنه يخصك أنت وحدك .. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد ـ لازلت أتحدث عن منجز واحد فقط ـ بل إن كل جزء من الأجزاء المتناثرة يمثل وحدة قائمة بذاتها وليس مجرد شريك في تكوين وحدة كلية للرواية حيث لا يتيح لك سيل القصص والتأملات والإشارات والملحوظات المتقاطعة إمكانية تغيير وتبديل وحذف وإضافة وتعديل ما تجده يستحق ذلك فحسب بل يتيح لك أيضا أن ترى الرواية بكاملها في كل مقطع وفي كل قصة وفي كل إشارة أو ملحوظة منها وكأننا إزاء تحقق شرس وغير محكوم وحميمي في نفس الوقت لـ ( وحدة الوجود ) ولكنها مضادة لصورها الفلسفية والدينية والصوفية المعتادة حيث الظواهر والتجليات والفيض والضرورة والحتمية هي أشياء متاحة في ( روجرز ) كموضوعات للهدم والبناء والمساءلة والمحاكمة واللهو ومن ثم لإعادة الخلق وفقا لخصوصية التجربة سواء عند الكاتب أو المتلقي .

الطفولة في ( روجرز ) لم تكن مجرد ماضي يتم استعادته وإنما حاضر مستمر ومتدخل وصانع للواقع .. إذن الأمر يتجاوز الحنين والرغبة في العودة إلى جمال أو قبح قديم إلى نوع من السعي إلى الفهم وتصفية الحساب مع ذكريات لم تقف عن حد مكاني أو زمني وإنما امتدت كخطوط مستقيمة تصل بين أي بداية وبين أي لحظة راهنة وبين أي هاجس يريد تمزيق الحصانة المعتمة للغيب .. عليّ الآن أن أقرأ هذا المقطع من ( روجرز ) :

( الأغنية ذكرتني بأمي الجَالسة بجواري صَامته، غير مهتمة بما قلته، لمجرد أن الرأي لا يُرضيها، أنا فقط رغبت في الطيران يا أمي أليس من حقي الطيران بمفردي؟

أليس من حقي أن أركب طائر الرخ وأحلق بعيداً عن الحرب، أليس من حقي أن أقود ماكفير وأحطم كل ما هو مُتشَابك ومُعقد ومؤلم لا أراه، أليس من حقي أن اركب درَاجتي وانطلق مُستمتعاً بالمتعةِ الكونيةِ اللانهائية..وقفت أمي وخرجت من الغرفةِ دون أن ترد علي )

لم يعتبر الكثيرون ( روجرز ) رواية ، و( أحمد ناجي ) نفسه كتب في مدونته : (روجرزهو مجرد لعبة، ليس رواية، ولا قصة، ولا تدوينة، وبالطبع ليس قصيدة ) .. لكنني ببساطة أعتبر ( روجرز ) رواية جميلة يقف وراءها قرار تجاوز في أعماقه الأرق بالرغبة أو بالاحتياج لكتابة رواية إلى نوع من الهوس بكتابة رواية متمردة على كل ما يندرج في نطاق الخبرة الذاتية للروائي نفسه على أنها أشكال وطرق ووصفات عادية وسائدة في كتابة الرواية .. اختيار شخصي أتصور أن على الكاتب أن يحسمه في داخله أولا وقبل أن يحصل على ما يؤكد نجاحه أو فشله من الآخرين حيث لا يكون للأمر هنا علاقة بكتابة رواية جيدة بقدر ما له علاقة بإضافة تعريف جديد ومحتمل للفن الروائي نفسه .

Share