ثلاث مسارات لمهنة الفنان في مصر

توفيت أخت هانى راشد وهى رضيعة بين يديه، لازال بعد كل هذه السنوات يتذكر اللحظة قائلاً: “فجأة بالت عليا وأنا احملها بين ذراعي وتحول لون وجهها للون الأزرق، كنت في السادسة عشر من العمر ووالدي في المستشفى مصاباً بذبحة صدرية، أخذت أجري في الشوارع وأنا أصرخ في الناس طلباً للنجدة”.

وجد راشد نفسه مضطراً للقيام بكل طقوس الكبار ودفن أخته الصغيرة التي ارتبط بها بشدة، وولدت تعانى من مشاكل تنفسية. أثناء مراسم التكفين والدفن قص راشد خصلة شعر صغيرة من شعر أخته، وقرر الاحتفاظ بالخصلة معه في المحفظة. بعد هذه الحادثة القاسية خرج الأب من المستشفى بينما أصيب هانى باكتئاب حاد، كان يحلم بكابوس متكرر حيث يجري في الشارع طالباً النجدة من الآخرين، لكن لا أحد يسمعه، لا أحد يراه، لا أحد يساعده. أغلق باب غرفته على نفسه ورفض الحديث أو التعامل مع أحد. أصدقاء الأب نصحوه بإيجاد عمل لهانى. ظناً منهم أنه إذا خرج للعمل فسيضطر للتعامل مع الناس والاحتكاك بهم، وبالتالي الخروج من أحزانه.

الأب الذي كان موظفاً في”ماسبيرو” نجح في إلحاق ابنه في العمل في ذات الوظيفة. ماسبيرو حيث مقر الإذاعة والتلفزيون وأحد من أعقد أجهزة الدولة البيروقراطية وجد هانى نفسه في قاع السلم الوظيفي في مبنى عملاق يعمل فيه أكثر من أربعين ألف موظف.

ينتظم الأربعون ألف موظف في سلم وظيفي هرمى يعكس التراتبية الطبقية داخل النظام الاجتماعي المصري، فهناك المصورون وهم من حملة المؤهلات العليا، ثم مساعد المصور، ثم الفني، فمساعد الفني وهم من حملة شهادات الدبلوم، والعامل وهو من لا يحمل أي شهادة. ولأن هانى بدأ عمله في التلفزيون أثناء دراسته الالكترونيات في الثانوي الصناعي فقد بدأ عمله في التلفزيون كعامل. لكن في الوقت ذاته لازمه الصمت الطويل وعدم القدرة على التفاعل مع الآخرين. داخل استديوهات التلفزيون كان يجد عشرات الأوراق الملقاة في الاستديو، وبين فواصل ساعات العمل الطويلة بدأ هانى في الرسم على الورق الذي يجده. المصورون العاملون في التلفزيون معظمهم خريجى كلية فنون تطبيقية لاحظوا رسومات هانى وبدأوا في تشجيعه.

سامية الأترابي المذيعة في التلفزيون المصري وقتها والمتخصصة في البرامج الثقافية كانت أحد المعجبين برسومات هانى، وفي أحد حلقات برنامجها الثقافي استضافت الفنان محمد عبلة وعرضت عليها رسومات هانى. أعجب عبلة بالرسومات وكتب رقم تليفونه على جانب أحد الرسومات كرسالة مفتوحة لهانى للتواصل معه.

ذهب هانى لزيارة عبلة، وحكى له حكايته مع وفاة أخته الصغيرة، واختياره الرسم كوسيلة لتعويض الفقد والخروج من حزنه. عبلة كان رأيه أن رسوماته جيدة وتستحق أن يقام لها معرض لكنه أخبره أن لديه حالة فنية قد تصنع معرض جيد لكن ليس شرطاً أن تصنع فنان جيد.

في 1995 بدعم من محمد عبلة استضاف أتيلية القاهرة المعرض الفردي الأول لهانى راشد، كانت سعادته بالغة بأن لديه دعوة وورقة مكتوب فيها اسمه يسبقه لقب الفنان. وجد العامليين في الأتيلية قد وضعوا أسعار على أعماله دون استشارته لكن رغم ذلك لم يبع ولا لوحة من لوحاته. لحظتها شعر هانى راشد بأن الأمر لعبة بلا معنى، فما الجدوى بأن يكون فناناً دون أن يبيع لوحات. مزق أسعار اللوحات التي وضعها العاملون في الاتيلية وذهب ليخبر عبلة بأنه يشعر بأنه نصاب، فهو يرسم ويقيم المعارض دون أن يبيع أعمالاً بالتالي فهو ليس فنان. حاول عبلة إقناعه بأن المسألة ليست هكذا، وأن للفن مسارات مختلفة، والسوق والبيع عالم بقواعد آخري لا يمكنه أن يدخلها إلا عبر البحث عن أسلوبه الخاصة وتجربة فنية يمكنها أن تدخله السوق بهوية متفردة خاصة به.

لوحة من معرض ماسبيرو لهانى راشد

** *

درس عمرو الكفراوى الفن في كلية الفنون الجميلة لمدة أربعة سنوات، وتخرج ليحصل بسهولة على عضوية نقابة الفنانين التشكيلين. في الأوراق الرسمية والمسجلة لدى الدولة هو فنان بما أنه يحمل عضوية النقابة. احتاج الكفراوى لسنوات حتي يعثر على أسلوبه الخاص، عمل لفترة بشكل مجانى مع الفنان عبد الهادى الوشاحي. لكن في مساره الفني أختار الكفراوى مجال تصميم المطبوعات والأغلفة كوسيلة لتحقيق قدر من الاستقلال المادى يمكنه من توفير نفقات الحياة والانفاق على الفن.

خاض الكفراوى طريق طويل اعتمد فيها على المشاهدة، السفر، الإطلاع في رحلة بحث عن أسلوبه الخاص بعيداً عن الدراسة الأكاديمية. و داخل أروقة قطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة يستخدم الموظفون والاداريون لقب “دكتور” حينما ينادون أو يتعاملون مع أي فنان. لم يحصل عمرو الكفراوى على درجة الدكتوراه. لكنه يقول إنه حينما يرد على الهاتف ويجد المتحدث يخاطبه قائلاً يا دكتور فهو يعلم أن الاتصال من وزارة الثقافة.

لوحة من معرض الحشرات لهانى راشد 1999

في الستينات جرت سلسلة طويلة من العمليات لدمج الفنان في النظام الاجتماعي الجديد، حيث أنشأت وزارة الثقافة وخلقت كيانات حكومية مسئولة عن رعاية الفن والفنانين داخل الوزارة، وذلك في إطار استخدام الفن للتوجيه والإرشاد وبث ونشر القيم الجديدة التى تبناها نظام يوليو.

في هذا النظام تم هندسه مجتمع الفنانين بمحددات قانونية وبيروقراطية، ونتج عن هذه العمليات أن نقابة الفنانين التشكيلين على سبيل المثال لا تمنح عضويتها لأى شخص لا يحمل مؤهل أكاديمى. وبالتالي فالدولة حينما تقييم الفنانين تقوم بذلك على أساس درجاتهم العلمية التي يحصلون عليها من الدراسة داخل مؤسسات الدولة التي تم انشائها لهذا الغرض. بالتالي فهانى راشد حتى بعد ثورة وانقلاب عسكري من المستحيل أن يحصل على عضوية نقابة الفنانين التشكيلين، لأنه ببساطة خارج التصنيف الاجتماعي المعترف به من قبل الدولة للفنان. ولأنه لا يحمل من الشهادات سوى شهادة الدبلوم الفني، وحتى حينما كان يعمل في ماسبيرو كان يعمل كعامل بشهادة الإعدادية.

ربما لهذا يكون السبيل لتحقيق الذات، ولكى يجد الفنان موقعاً اجتماعياً له اختياران أما أن يستطيع انتزاع شريعة الاعتراف اجتماعياً من خلال الدراسة، أو من خلال السوق.

قضي راشد سنوات طويلة حياته تنقسم بين العمل في ماسبيرو، التدريب في استديو عبلة، تعليق اللوحات وتنظيف جاليري مشربية، وأخيراً بضع ساعات للرسم. إلي أن كان عائداً ذات يوم سكراناً فقام بإفراغ محفظته على السلم. استطاع ثاني يوم العثور على كل ما فقده ما عدا خصلة شعر أخته التي كان يحتفظ بها. توقف عن الرسم وشعر أنه فقد تيمة حظه. لكن أثناء زيارة أسرية للعائلة في الريف ألتقي بعجوز ذي لحية بيضاء وحكى له الحدوتة، العجوز فسر حكايته قائلاً: “حينما ماتت أختك، تركت لك حظها في الدنيا، وخصلة الشعر هذه كانت تيمة الحظ، وقد فتحت لك الطريق للرسم والفن، الآن أختك أخذت الحظ مرة أخري منك، والاختيار أمامك أما تكمل الطريق الذي فتحته لك أختك، وأما أن تغلق هذا الباب”.

عاد هانى للرسم بعد هذه الحادثة فاز بجائزة صالون الشباب. وفي 2011 استضاف جاليري مشربية معرضه الفردي والذي في مفاجأة غير متوقعة تم بيع أكثر من نصف اللوحات والأعمال المعروض فيه. شعر هانى حينها بأنه قد ولج إلي عالم الفن، وانهالت العروض عليه بعد هذا المعرض لمعارض آخري ولعرض أعماله في مختلف أنحاء العالم.

الفنان والصدق

حصل هانى راشد على إجازة من عمله كفنى في التلفزيون عام 2008، وقدم استقالته بشكل نهائي من التلفزيون في 2010. تجربة عمله في ماسبيرو كان موضوع واحد من معارضه والذي حمل عنوان “ماسبيرو“. بالرغم من إصراره على الفصل بين العالميين، لكن تتسلل المهن الآخر التي يقوم به الفنان غالباً إلي عمله الفني، هذا إذا لم تكن السبب في قيادته نحو مسارات واختيارات فنية جديدة ومختلفة.

نظراً لضعف البنية التحتية لسوق الفن في مصر، يضطر الكثير من الفنانين عند تخرجهم للعمل في وظائف ذات علاقات هامشية بالممارسة الفنية. لدى الفنان المصري فلسفة شهيرة تقوم على الفصل بين “النحت” و “الفن”. حيث “النحت” هي الكلمة التي تستخدم للدلالة على الأعمال الفنية التي يمارسها الفنان بغرض اكتساب دخل مادى، حتى يمكنه الادخار وصناعة مشروعه الفني.

بعض الفنانين يتمكن من تحقيق هذه المعادلة، والبعض الآخر ينشغل في مشاريع “النحت” وينسي الفن، أو يجد حلمه ومشروعه الفني يتبدد من خياله تحت ضغط الانشغال بالأعمال الآخري.

باسم يسري قصة آخري حيث تخرج من كلية فنون جميلة عام 2003، وبعد تخرجه عمل في شركة “موباكو” لتصميم الأزياء كمتخصص في التصميم وطباعة الملابس. قضي يسري في هذا العمل أكثر من سنتين اكتسب فيهم الكثير من المهارات العملية، أبرزها العمل مع الكمبيوتر وتقنيات الطباعة. بفضل هذا العمل ومؤهلات باسم نجح في الحصول على منحة ضمن برنامج “فولبرايت” الغرض من المنح كان دورات دراسية متقدمة في الفن وتصميم الأزياء على أن ينهى منحته التي لا تتجاوز بضعة شهور بمعرض يمزج فيه بين التصوير وتصميم الملابس.

انهى باسم منحته لكنه نجح في الحصول على منحة آخري ليكمل دراسة الفنون في “Kala Art Institute” بكاليفورنيا. ورغم أن دراسة وعمل باسم يسري حتى هذه المرحلة كان ينصب على التصوير واللوحة، إلا أنه وجد نفسه شيئاً فشيئاً يزداد اهتمامه بالفيديو آرت، ثم يتحول ليصبح نظرة كلية لا تتعامل مع الفن بصفته لوحة محدودة الحدود والإطار بل عمل وحوار يقوم بالأساس مع المكان الذي يعرض فيه.

يرفض يسري أن يتحول لفنان سوق، يلبي احتياجات المقتنيين. يرى أن السوق يستهلك الفن ويبدد المعنى الحقيقي للعمل، وبعد فترة يجعل الفنان يفقد “الصدق”. وهو القيمة الأساسية في العمل الفني. يصف باسم عمله قائلاً: “أحاول تقديم أفكار وأشكال فنية تتحدي المتلقي والمتفرج، لا تضايقه لأني أرى في هذا عدم احترام. لكن في الوقت ذاته تستفزه وتتحدى قيمه وتصوراته عن الجمال والفن. لذلك فأنا لا أقدم أعمال فنية يسهل بيعها.”

صورة من تجهيز باسم يسري “إجلالا للثورة المصرية

أعمال باسم يسري تحتوى على تكرارات ويمثل التماثل والنسخ أحد التيمات التي يلعب عليها، في معرضه الذي حمل عنوان “Homage to the Egyptian Revolution 1 Installation” والذي أقيم في جامعة “كنساس” صنع باسم عشرات التماثيل الصغيرة محاصرة داخل جدران الحجرة البيضاء برسومات جنود الأمن المركزى. لا يمكن بيع عمل من أعمال يسري كاملاً، لكنه قد يبيع تمثال من التماثيل المعروضة، وهذا في النهاية لن يؤثر على العمل ككل. المعرض أيضاً أقيم أثناء منحة الإقامة الفنية التى حصل عليها في مارس 2011.

يرى يسري أن كل ما يقوم به هدفه أن يعيش كفنان، لكنه لا في الوقت ذاته لا يريد أن يكون فنان سوق. منذ عام 2011 توقف يسري عن العمل بشكل ثابت في أي شركة، يمارس من حين لآخر الترجمة كمصدر لزيادة الدخل، ويعتمد على العروض التي تأتيه لإقامة المعارض الفنية داخل وخارج مصر.

صحيح أن يسري بطبيعة عمله وتوجهات بعيد عن السوق التجاري، لكنه منتبه لكونه جزء من صناعة الفن المعاصر. حيث هناك متاحف ومساحة عرض هي التي تمول العمل في هذه الحالة لا الجاليرهات التجارية والمشتريين. يحرر هذا النمط الانتاجي الفنان من ضغط واضطرابات السوق، وبينما في حالة فنانى التصوير الذين يتعاملون مع لوحة العمل يكون هناك قلق دائم في انتظار افتتاح المعرض ومدي اقبال الجمهور عليه وتعامل هذه الجمهور مع المعرض أو شراء الأعمال. فالفنانون الذين يعملون خارج هذا السياق يكون لديهم أمان نسبي حيث تمويل المعرض بل وأجر الفنان يكون مدفوعاً قبل افتتاح المعرض. ويعرف يسري أن لهذه الأمان توجهات وضوابط آخري لكن المحك الأول بالنسبة له هو قدرته على الحفاظ على صدقه. يقول يسري: “ليس لدى أي مشكلة في عرض أعمالي في أي مكان، المحك الوحيد بالنسبة أن اتحكم في كل تفاصيل العرض وأن اتحكم في مدى صدق ما اقدمه”.

الصدق أحد القيم النسبية المحيرة في عالم الفنون. يقبل باسم يسري العمل مع “قيم فني/ art curator” يرى أنه أشبه بالمخرج يختار الفنانين ويوظف أعمالهم في عمل واحد كأنه يخرج فيلم سينمائي أو عرض فني. أما هانى راشد والمنغمس في قوانين السوق التجارية فلديه تجربة سيئة مع القيم الفني ومنسقي المعارض، ويري أن المشاركة في مثل هذا المعرض يمثل ضغطاً وانتهاكاً لاستقلاليته كفنان، ويذكره بأيام تلقي الأوامر في عمله في التلفزيون.

يعتبر راشد أن أسوء تجاربه الفنية حينما دعي إلي أحد المعارض في ألمانيا وكانت التيمة الرئيسية هي العمل على مفتاح الحياة الفرعوني، شعر راشد بالسأم وقرر بعدها عدم المشاركة في أي عمل من مثل هذه النوعية حفاظاً على استقلاله وصدقه مع نفسه.

راشد لديه موقف من أماكن كجاليري التاون هاوس، وغيرها من أماكن العرض التي لا تبيع الأعمال. والسبب ببساطة كما يقوله: “إذا الفنان لم يبع أعماله من أين يفترض أن يعيش ويستمر في البقاء والإنتاج”. وعلى عكس باسم يسري فهانى راشد يري أن الاستسلام لآليات التمويل الأجنبي ودعم المشاريع الفنية يجعل الفنان يفقد عنصر صدقه واستقلاليته، ويخلق منظومة إنتاجية بديلة عن السوق تحركها أفكار واهتمامات الآخر وهي في الحالة المصرية معظمها جهات غربية.

يتذكر عادل السيوى كيف انفجر الاهتمام الغربي بالفن المصري والعربي بعد أحداث 11 سبتمبر، وأقيمت عشرات العروض الفنية والمعارض في الخارج للتعريف وعرض الأعمال الفنانين المصريين، لكن ترافق هذا أيضاً مع إقامة معارض تحت عناوين كـ”الآخر” أو “حوار الحضارات” وغيرها من العناوين والمواضيع التي تصدرت المشهد بفضل الأحداث السياسية التي تلت 11 سبتمبر.

السوق كمدرسة للفنان

بينما يمثل “السوق” مسألة حساسة لدى الفنانين الشباب، يعضهم يرغب في التعامل معه مع الحفاظ على استقلاله، والبعض الآخر ينطلق لإنتاج أعمال فنية مناهضة لقواعده المتعارف عليه. فعادل السيوى الذي ينتمى إلي جيل أكبر يبدو أكثر ارتياحاً في تعامله مع مسألة السوق، الذي يصفه بالآلية ذات الشخصية المزدوجة، فهو الذي جعل العمل قابل للتقسيم والتوزيع. وهو الأمر الذي صنع الإنسانية بشكلها الحديث. السوق طبقاً لعادل السيوى هو الذي صنع لوحة الحامل. وفي جوهره فالسوق مسألة ثورية جداً.

ولد عادل السيوى عام 1952، حيث درس الطب في جامعة القاهرة التى تخرج منها عام 1976، ليترك الطب بعد ذلك ويقرر التفرغ لدراسة الفن، وفي سبيل هذه الاختيار انتقل إلي مدينة ميلانو التى عاش فيها منذ 1980 قبل عودته للقاهرة في 1990. درس عادل الفن في إيطاليا، وفي ميلانو لمح امتداد حاضر للجذور التاريخية للممارسة الفنية، وكيف صنع الفن مؤسساته طوال التاريخ للتعامل مع احتياجات السوق المختلفة. يحكى السيوى انه حتي الآن في ميلانو هناك “كومبانيات فنية” وهى مزيج من الشركات والنقابات التعاونية وكان هذا الشكل سائداً منذ قرون حيث يتعاقد المقتنى مع هذه الشركات التي توفر له الفنانين ليقوموا بتنفيذ العمل الفني الذي يرغب فيه.

بشغف يحكى عادل السيوى عن الإحساس العالي بالذات لدى فنانين عصر التنوير مثل ليوناردو دافنشي، لكن كيف حتى هؤلاء كان يتم التنكيل بهم من قبل السوق. يتذكر السيوى لوحة العشاء الأخير (ca. 1492/94–1498) والتي طلبت من دافنشي لوضعها في الغرفة التي يتناول فيها القساوسة الطعام، وبعد سنوات قاموا بعمل باب جزء منه يشق اللوحة لكى يسهل عليهم عملية نقل الطعام من وإلي المطبخ.

يتعامل السيوى مع السوق بخفة، ويقظة أيضاً لتقلباته. يري السيوى أن التسويق أحد العناصر الأساسية في عملية تسويق الفن وبيعه، وعلى الفنان أن يكون يقظاً لهذه العملية وألا يرضخ بسهوله لمتطلبات التسويق والسوق وإلا سيجد فنه بعيداً عن نفسه وأقرب إلي صورته التى يطلبها السوق، بالتالي ستخرج أعماله مكررة كأن الفنان توقف في نقطة يظن أنها ما يطلبه السوق منه، بينما ما سيحدث أن السوق سيلفظه إذا ظل الفنان مكانه غير قادراً على مبارحة النقطة التى توقف عندها، حتى لو كانت ذروة نجاحه الفني والتجاري.

يري السيوي أن على الفنان ألا يغلق عينه عن حركة السوق وعن عروضه ومتغيراته. ذات مرة بعد أحدى معارضه تلقي السيوى اتصالاً هاتفياً من سيدة أخبرته أنها ترغب في عمل من أعماله لكن لديها في مدخل البيت عمودان رئيسيين بعرض متر واحد وارتفاع ثلاثة أمتار، وانها ترغب في عمليين بهذه القياسات. اعتذر السيوى عن قبول العرض وذلك بالرغم من أنه سبق له تنفيذ أعمال بالطلب كالجدارية الضخمة في بهو فندق سميراميس التي تحتوى على أجزاء كثيرة من لوحاته في معرض نجوم زمنا.

بعد يومين جلس عادل يفكر كيف يمكن عمل لوحة بعرض متر وطول ثلاث أمتار، وكيف يمكن التعامل مع حيز الفراغ الطولى هذا. استهوته اللعبة فقرر تجريب الأمر، وبدت النتيجة مرضية له. أعاد الاتصال بالسيدة ليكتشف أن زوجة المغنى عمرو دياب والعمل مطلوب في منزله.

عمل السيوي في بداية حياته مع الفنان حسن سليمان، كان الأخير لديه فلسفة تلخصها عبارة “اشتغل كتير، بيع رخيص، تكسب كتير”. وهى نفس العبارة التي يعتبرها هانى راشد قانونه الأول في التعامل مع السوق. لكن هانى يرفض العمل بتكليف أو إنجاز أعمال في أماكن محددة. في نظر هانى فالفنان إذا رضخ لكل طلبات السوق واعتباراته فسيجد نفسه خارج لعبة السوق.

لوحة من معرض “أساحبي” لهانى راشد مقاسات اللوحة 70* 70 أكريليك على كانفس -
أقيم المعرض بجاليري مشربية عام 2013

“الفن موضة، وعلى الفنان أن يغير أن يتغير السوق، وإذا مشيت وراء ما يطلب منك فستكون دائماً متأخراً خطوة” يقول هانى راشد. لكن التجريب له خسائره أقام هانى في 2013 بجاليري مشربية معرض بعنوان “أساحبي” وظف فيه وحداة من التيمات التى لاقت وقتها شعبية كبيرة، وهى عبارة عن رسم مبسط لوجه ضاحك كان يتم استخدامها على نطاق واسع في التعليقات وفي لغة التواصل على الانترنت.ووظفها ودمجها هانى في معرضه مع تيمات بصرية آخري كانت تلقي رواجاً على الانترنت وقتها. لم يعجب المعرض الكثير من مقتنى الفنون، ولم يبع هاني من هذا المعرض، لكنه طور من التجربة لتخرج في شكل آخر وهو معرض “صنع في الصين” والذي أقيم بجاليري مشربية في 2014 ورسم فيها على قطع من البلاستيك يقوم بتعرضيها للهواء الساخن بعد الانتهاء من الرسم فينكمش البلاستيك ليخرج اللوحات في شكل آخر منسحق وممطوط.

كانت أسعار الأعمال المعروضة وقتها بسيطة تتراوح من ألفين جنيه وحتي ستة آلاف، لكن هانى يعترف أنه باع أعداد معقولة من الأعمال في ذلك المعرض، وفي معرضه القديم يستعد للعمل على نفس الوسيط (البلاستيك) لكن هذه المرة سيرفع قليلاً من الأسعار.

مسارات الفنان في مصر

يمكن تحديد المسارات المهنية للفنان في مصر بثلاث مسارات رئيسية صنعتها الظروف السياسية والاقتصادية أمام من يختار طريق الفن، وممارسته كهوية بتعريفه داخل المجتمع ومهنة يمكن التعايش منها:

-مسار الدولة الرسمي: وهو مسار محدد الخطوات يبدأ بمدارس وكليات الدولة المخصصة لمهمة تعليم الفنون وصياغة مفهوم الهوية الفنية المصرية وكيفية الحفاظ عليها وتصويرها وعكسها. كان هذا هو المسار الوحيد المتاح أمام الفنانين في عهد الدولة الناصرية. فبعد التخرج يجري اختيار الفنانين الذين تتماشى توجهاتهم مع السياقات السياسية للدولة للعمل في مؤسسات الدولة الفنية والثقافية المختلفة.

استمر هذا المسار في الوجود على الساحة حتي بعد تغيير سياسات الدولة المصرية من الاشتراكية وتوقفت عن استخدام الفن في التعبئة والحشد، تعتبر فترة ترأس فاروق حسنى لوزارة الثقافة، أحد الفترات الدالة على القيم المهنية والفنية لهذا المسار. حيث دأب الكثير من الفنانين الذي ترأسوا مواقع قيادية في الوزارة في استغلال أماكن عرض الوزارة لعرض أعمالهم الشخصية. وهو ما يقول عنه عادل السيوي: “أمر معيب أن تكون وزيراً وتستغل الوزارة لتسويق عملك، وحينما يذهب هذا المسئول من الوزارة تجد أن شغله يختفي وقيمته تهبط في السوق”.

-المسار الثاني: السوق التجاري: يري عادل السيوي أن هذا المسار بدأ في الظهور في السبعينات مع سياسات الانفتاح في عهد السادات، وظهور الشركات الأجنبية والكيانات الاقتصادية الضخمة التي بدأت في الاهتمام بالفن. أما القفزة الثانية في رأى السيوى فكانت بعد 11 سبتمبر مع تغيير اهتمام الغرب بالمنطقة وتفجر الفضول لمعرفتها واستكشافها.

لكن نظراً لضعف البنية التحتية ولأن الجاليرهات في مصر كما يوضح عمرو الكفراوى تتعامل بمنطق أنها مساحات عرض فقط، فمسار السوق التجاري يحتاج من الفنان إلي صبر طويل حتى يتمكن من اختراقه، وعلى الأرجح سيحتاج إلي إيجاد بدائل آخري لعمله لكسب الرزق حتى يتمكن من وضع قدمه وترسيخ وجوده.

لنلاحظ هنا أنها على العكس من الخارج، فجاليرهات قليلة هي التي تهتم بالتوقيع مع فنانين محددين وعرض أعمالهم وتسويقها، بحيث يستثمر الجاليري في الفنان وينمو عمل الجاليري مع تطور مسار الفنان. وقد بدأ هذا النمط في الظهور مؤخراً مع جاليري “جبيسوم” الذي تديره عاليا حمزة. لكن بخلاف ذلك فمعظم الجاليرهات كما يوضح كفراوى لا تهتم سوى بعرض أعمال الفنان دون حتى بذل أي جهد لتسويقها، ولذلك إذا لم يسع الفنان لتسويق عمله بنفسه فلن يمكنه تحقيق التقدم في هذا المسار.

-المسار الثالث: ظهر وترسخ في التسعينات مع ظهور عدد من المؤسسات الفنية غير الهادفة للربح. وفي الغالب فالجزء الأكبر من تمويلها يأتي من المؤسسات الغربية. تهتم تلك المؤسسات بالفن المعاصر والمفاهيمى بشكل أساسي، ومسارها الانتاجى يبدأ بتقديم الفنان “العرض التقديمى” وهو مقترح لما يريد أن يفعله، معزز بالبحث والدراسة والأفكار المساندة التي تعطي للعمل أبعاده المختلفة.

لا يهتم هذا المسار بالدعاية أو الترويج للأعمال في بيئتها المصرية أو العربية، فلأن التمويل يأتي من أوروبا يكون الجمهور الأساسي لهذه الأعمال في أوروبا. فهم من يختارون المشاريع التي يرغبون في دعمها. وتؤثر الطبيعة الإنتاجية لهذا المسار على أعمال الفنانين حيث تمنحهم استقلالية عن مسار الدولة الرسمي، وضغوط العمل من أجل السوق المحلي، بينما تعطيهم الفرصة على الاستمرار كجزء من بيئة الفن المعاصر الأوروبي والغربي.

Share
Tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *