نكتب الشك بلغة الشيزوفرانيا

تسليتي السرية في عالم الأدب هي قراءة حيثيات فوز الروايات بالجوائز المختلفة سواء كانت محلية أو عالمية من نوبل إلى جوائز قصور الثقافة. في الغالب تتضمن حيثيات الفوز عبارات من نوع نجح في التعبير عن التغيرات الاجتماعية في مجتمعه، أو ترصد الرواية صراع الانسان وقيم العدالة مع الاستبداد والسلطة. اندهش أكثر حينما أجد مثل هذه الصفات يتم إلصاقها بروايات أحببتها. فأتذكر دهشة نجيب محفوظ حينما أخبروه ذات مرة أن حميدة في زقاق المدق تمثل “مصر” فاستغرب وقال إنه لم يقصد الأمر. لكن بعد ذلك بسنوات في حوار آخر قال إنه فكر الأمر وإنها رمز مصر، وكأنما مل من سوء التأويل فقرر الاستسلام للملل.

كأن الرواية كائن معاق لا يكتسب قيمته إلا من خلال لصقها بالأفكار السطحية عن الأخلاق والقيم أو جعل الرواية مرآة للمجتمع ولتصوراته عن هويته، أو الأدهى هذا الحديث الذي لا ينتهي حول القيم الإنسانية والمثل العليا التي يجب أن تلصق عملك بها ليكتسب الخلود. وكأنفلونزا طائرة تنتقل هذه الأفكار من الجوائز والنقاد إلي الروائيين أنفسهم، ومن يشعر بالحيرة منهم يقف بعيداً ويقول أنا اكتب من أجل البهجة أو متعة الحكاية والحواديت.

وأحسدهم جميعاً على هذه الثقة، وأحاول زرعها في نفسي بقراءة حيثيات فوز الروايات بالجوائز المختلفة حتي أشعر بأن الوقت والجهد الذي أبذله فيما أفعله هو شيء فخيم. لكني حينما انظر فيما كتبت حتي الآن من روايتين وما سأكتب أري كما أن بعيداً عن كل هذا، مشغولاً بهواجس آخري تبدأ من التشكيك في هذا البناء المتماسك عن المعرفة والأخلاق وعظمة المعمار الروائي.

ما أحمله من هذا المجتمع ويظهر فيما أكتبه ينعكس في اللغة المصابة بالشيزوفرانيا، ما بين العامية والفصحي التي تصر على فرض ظلها كمومياء ثابتة منذ مئات السنين ترفض تغيير قواعدها ونحوها محتمية بظل أكبر للكتاب المقدس، لا أريد لغة تعمل كوسيط لتوصيل حكاية، بل لغة لا تخجل مما يعتبره البعض أخطاء نحويه أو ألفاظ “خارجة”. وحجتي أنه طالما استطاعت أن تنشأ علاقة مع القارئ المعاصر فهي لغة صحيحة. والإصرار علي تسمية الأشياء بمسمياتها ليس محاولة للتقرب من لغة الشارع، بل لإعادة الأعضاء المبتورة لمكانها واللعب بها لاستحلاب متعة حقيقية من العبث بمستويات العربية المختلفة ولهجاتها المتنوعة.

يفتح البعض الروايات الآن وبتعبير فيليب سولير يبحثون عن فيلم سينمائي، والرواية ليست فيلم. والثناء الحقيقي لأى رواية في نظري حينما لا يمكنك تلخيصها أو حكايتها لأحدهم بعد قراءتها. ما يمكنني أن احكيه للآخرين لا أكتبه في رواية.

أجد متعة العمل الروائي تقوديني دائماً إلي خارج دائرة ما هو فن مكتفي مغلق على ذاته، حيث الانفتاح على فنون وتجارب آخري، في عملى الأولى “روجرز” كانت الموسيقي جزء أساسي من بنية العمل، والعمل نفسه بعد صدوره كان عنصراً بني عليه الموسيقي الإيطالي “ماسيمو” عمل آخر. وفي روايتى الأخير أخوض تجربه مع أيمن الزرقاني حيث الرسومات المنفذة بطريقة الكومكس تشكل وحدة عضوية مع النص المكتوب. الشكل الذي هو جوهر المضمون لا العمق، والتزاوج والمزج بين الفنون المختلفة يظلان الشغف الذي من أجله أغرق أكثر فأكثر في إدماني الشخصي لكتابة الرواية.

————————————- —

نشرت في السفير، ضمن ملف عن الرواية المصرية

سلفادور دالي

سلفادور دالي

Share
Tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to نكتب الشك بلغة الشيزوفرانيا

  1. كسم الرمزية فعلا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *