بينما تتحرك السيارة من مطار ولاية كيرالا إلى مكان إقامتنا على أطراف مدينة “ثيروفانانثابورام” تلاحظ كيف تسير الحياة بشكل عادى وتبدو تفاصيل البيوت وحركة الناس كأنك في مدينة إقليمية مصرية، مع اختلاف الطبيعة وثرائها وتنوعها المبهر نتيجة الأمطار الموسمية، ثم في كل شارع وعند كل زاوية تشاهد السماعات الضخمة منصوبة، والأغرب أنها جميعها متصلة ببعضها البعض.
ن
ظام صوتى منصوب ومجهز في فراغ المدينة كلها، ثم بصوت خافت بدأت ترتفع الترانيم الهندوسية من المكبرات. “أندرياس” الألماني الجنسية وأستاذ التاريخ الهندى مقيم في كيرالا منذ أكثر من عشرين عاما، يعتذر بينما يرحب بينا عن الضوضاء التي سنضطر لنسمعها، يقول أن حتى سنوات لما يكن “حج أتكال” بمثل هذا الازعاج، لكن في السنوات الأخيرة يحاولون تحويل الحج إلى مهرجان ضخم، باستخدام مكبرات الصوت والسماعات. بسذاجة من لم يتعلم شيئاً من أبراج السبع نجوم في مكة اسأله: “لكن لماذا كل هذا؟”
فيرد لأنهم مضطرون لعمل هذا ولتحويل الحج إلى حدث ضخم، حتى يمكنهم الحصول على المال اللازم لتنظيم حج العام القادم. حج أتكال ليس حج هندوسي رئيسي، بل هو ذو خصوصية ترتبط بولاية كيرلا وبالنساء، ويتم تصنيفه كحج متوسط، معدل مشاركة الحجاج النساء هذا العام بلغ فقط 2.8 مليون امرأة، وهو رقم صغير بالنسبة لشعب المليار.
تقع ولاية كيرالا في جنوب شبهه الجزيرة الهندية، ذات مناخ استوائي وطبيعة خاصة، وطوال أربعة أيام قضيتها هناك لم أشاهد أي نبات أعرف اسمه، الزهور تنبت لوحدها على الرصيف، وكل هذا يطل على شاطئ بحر العرب. صباح يوم الحاج استيقظت مبكراً على صوت آذان الفجر بلهجة تعانى في ضبط مخارج الحروف وجعلها ذات طابع عربي، بعدها ردت عليه الكنيسة التي لم تكتفي برن الأجراس بل وتشغيل ترانيم مسيحية باللغة الهندية في مكبرات الصوت، وفي حدود الساعة 7 بدأ البث الهندوسي في كل شوارع المدينة. صديقة أمريكانية كانت معنا في الرحلة علقت على الأمر بأنه صورة للتعايش السلمى بين الأديان الثلاثة، في حين ابتسمت انا ونويل صديقي الكاتب والمخرج المسرح الهندى. كأبناء للعالم الثالث ولطائفيته تعلمنا انه حينما تتجاور كنيسة ومسجد فهذا لا يعنى الوحدة بقدر ما يعنى أن المسلمين يريدون مسجد مأذنته أطول من الكنيسة، وفي الهند تتحول مكبرات الصوت إلى وسيلة آخر من وسائل “الحط” والتباري في التفاخر.
كانت الأتوبيسات قد تدفقت منذ الأمس، وأصبح من المستحيل الخروج أو الدخول من المدينة، انزلنا سائق التوك توك على حافة المدينة، واعتذر لأنه بسبب الزحام لن يمكنه الدخول، الشوارع كلها افترشتها النساء استعداداً لطقوس حج “أتكال”. الحج مخصص للنساء فقط لأنه يرتبط بالأسطورة الهندية كانجى. وهى أسطورة لأنها حكاية شعبية ذات أثر دينى، لكن تفاصيلها بعيدة تماماً عن الأسطرة بل أقرب لأن تكون تجسيد للمعانة الأبدية للمرأة الهندية.
كانجى ذات الجمال الباهر تزوجت من كافلان ابن التاجر الثري، مرت سنوات حبهم سريعاً، لكن كافلان تركها ووقع في حب راقصة جري ورائها وأنفق عليها كل ثروته. تركته الراقصة فعاد مرة آخرى إلى زوجته، كانجى منحت زوجها آخر ما تبقي لديها “خلخال” أخذه واتجه للسوق لبيعه، لكن في السوق قبض عليه حرس الملك حيث اتهموه بسرقة خلخال الملكة والذي كان شبيها بخلخال زوجته كانجى، دون محاكمة قتل الحرس كافلان.
أتت كانجى ملتاعة تحمل في يدها زوج الخلخال الأخر والذي يحتوى نقوش ويثبت أن زوجها برئ، حينما علمت بمقتل زوجها، لعنت كانجى الملك ومملكته والقرية، وأحرقتها. أصبحت كانجى قديسة وأحد صور الآلهه، يتم تمثيلها غالباً بامرأة غاضبة تحمل في يدها خلخال دليل براءة زوجها. وطلباً للحماية من غضب كانجى، تأتي النساء من أنحاء مختلفة من الهند وأحياناً من سيرالانكا حيث تعبد وتبجل كانجى كقديسة بوذية. ممسكات بأيديهم بالخلخال مطالبات بالعدالة.
منذ الصباح تقف كل امرأة وقد وضعت أمامها ثلاثة أحجاره، يحملن قدراً من الفخر، وبجوارها الرز والموز وأى طعام آخر على حسب المستوى الاجتماعى للسيدة، ومن مكبرات الصوت تأتى أصوات الصلاوات، وفي الزوايا تنتصب شاشات تلفزيونية تذيع طقوس الاستعدادات من المعبد الذي كان من المستحيل الوصول إليه فاكتفينا بالتجوال في شوارع المدينة.
الألفة والبسمة، والجميع بألوان مختلفة من السارى وإن غلب عليها الطابع الأبيض، متأنقات بلا تكلف، المناسبة للحج الدينى لكنها أيضاً عيد شعبي، كنت أسير تائها وسط غابة الألوان، اقتربت الساعة من العاشرة والنصف، وبدأت تعلوا أصوات الأجراس والطبول من كل مكان. عند العاشرة والنصف، يخرج ممثلون عن كاهن المعبد يحمل كل واحد منهم شعلة النار المباركة، تحت القدور الفخارية تكون النساء قد جمعن الحطب والأوراق الجافة، يمر ممثلوا الكاهن وهما في مناسبة كتلك بالآلاف، ويشعلو كل قدور النساء، بعد الساعة العاشرة والنصف، حتى لو لم تكن مؤمناً بالديانة الهندوسية ستشعر بتصاعد الطاقة في المدينة كلها، دخان الحطب المخلوط في الغالب بأغصان الكافور يتصاعد من كل شوارع المدينة، وفي لحظة لا ترى ما خلف ولا أمامك، بل دخان أبيض لا ينتهى وتسير داخله ولا تلمح إلا ألوان الساري النسائي، بين أصوات الطبول التي تتصاعد في كريشندوا بلا توقف والدخان، ستنهمر دموع الجميع، يغلى الماء في القدر وبداخل الرز والأكلات الآخري التي يطبخونها. ما يتم طبخه هي القرابين التي سيتم تقيدمها لكانجى ولشيفاء في صورتها المدمرة.
هناك القرابين لكانيجى، وهناك في مصر لرئيسة الديوان وفاطمة والسيدة نفيسة، يقارن الكثيرون بين أوضاع المرأة في الهند ومصر والدول العربية، لكن الحقيقة أن التراث والتقاليد الهندية أكثر تشدداً من التقاليد العربية وذات تركيبة سلطوية أكثر رسوخاً، لكن المرأة الهندية وفي سنوات بسيطة قطعت أشواطاً طويلة.
وسط التماثيل المنصوبة عند الزاوية أثناء الحج، ستلمح أيضاً أنصاب بسيطة تحمل شعار المطرقة والمنجل، حكم الشيوعيون الهند لعقود طويلة قبل أن يأتي الانفتاح ومعه شركات الخدمات الهاتفية والتكنولوجيا. قدمت تلك الشركات الفرصة للشباب من الجنسيين للعمل بمرتبات تبلغ أضعاف ما يجنيه أبائهم، لكن هناك مشكلة واحدة بسبب فرق التوقيت بين الهند ومقار تلك الشركات في الدول الغربية فالعمل يكون ليلاً.
في التسعينات أحتاج المجتمع الهندى لفترة ليتقبل تلك الصدمة، وتحت ضغط الإحتياج قبلت العائلات الهندية التي كانت لاتسمح لفتياتها بالتأخر خارج المنزل بعد السادسة عصراً، أن تخرج بنتهم للعمل في الثامنة ليلاً وتعود مع الفجر، لكن في حالة واحدة أن توفر الشركة أتوبيسات لنقل الفتيات من وإلى المنزل، بعد أكثر من عقد وبالضرائب المرتفعة التي تدفعها هذه الشركات للمجالس المحلية للمدن تطورت شبكات النقل العام، وفي مدن كانت من عشر سنوات أشبهه بقري عشوائية، كحيدر آباد، أصبح هناك طرق وكباري وخطوط مترو أنفاق، والأهم الكثير من النساء يسرن في كل وقت وكل مكان وبعضهن لا يرتدن السارى بلا ملابس عصرية.
ماذا كانت النتيجة؟
موجة من أعمال التحرش خصوصاً في المدن الرئيسية والولايات الشمالية، تصرف غير مقبول وخارج عن تقاليد المجتمع الهندى العريق، لكن “أندرياس” الألماني يري أن التمييز ووضع المرأة داخل المنظومة الاجتماعية الهندية سيظل هو اللعنة الأبدية، فحتى لو تعلمت الفتاة وحصلت على الدكتوراة وعملت في وظيفة راقية فستحتاج إلى أن تتزوج، ولكى تقوم بذلك يجب عليها إدخار المهر لتدفعه للعريس (العروس هي التي تدفع المهر في الهند)، ونظراً لتركيبة المجتمع فالمرأة متاح لها مرة واحدة للتجربة وإذا فشلت في زواجها أو في علاقة واحدة فهذا يعنى انتهاء الأمر بالنسبة لها، ولن يتزوجها أي شخص آخر. والنتيجة أنه في حالات كثيرة يبتز الشاب العروس أو يحولها إلى حساب بنكى، ويعاملها بالسلطوية التقليدية بداية بأن تأكل بعده من بقايا أكله وحتى السماح لها أن تسير خلفه، حتى لو كانت الفتاة تعمل في شركة تقنية من المستقبل.
لكن لأن النساء بدأن في شغل مساحة هامة من الطاقة الإنتاجية، أصبحن أكثر تأثيراً في المجال العام وأكثر قدرة على فرض شروطهن، في معظم وسائل النقل العام ستجد ملصقات من قبل الشرطة تحذر من التحرش بالنساء وتعدد أنواع التحرش من النظرة حتى التصفير، وحتى حينما تقصر الشرطة في تأمين المجال العام ينتهى الأمر بالنساء في تنظيم أنفسهن في حركات مثل حركة “بينك” للضغط على الحكومة بأشكال مختلفة لتفعيل دور الشرطة.





















Rogers