تحتوى مناهج أقسام الصحافة وكليات الإعلام في غالبية الجامعات المصرية على مادة قانونية تحت عنوان “تشريعات صحفية”. المادة التي أذكر أنها قررت علينا في قسم الصحافة بأكاديمية أخبار اليوم طوال ثلاث من أصل أربع سنوات دراسية، كانت مواد من قوانين الجنح والجنايات يتم تدريسها مع شروح تفصيلية. في سنة آخري تحتوى على القوانين المنظمة لعمل النقابات المهنية وتلك الخاصة بنقابة الصحفيين وبالطبع مقدمات تاريخية ودستورية عن التغييرات في تلك القوانين.
لا خريجي كليات التربية ولا المهندسين أو الأطباء يدرسون عن الجوانب القانونية المحيطة بمهنتهم وطبيعتها ووضعها الاجتماعي مثل الصحفيين. في الوقت الذي تتعلم فيه كيفية كتابة الخبر الصحفي تتعرف على أرقام القوانين التي قد تودي بك إلي السجن إذا أخطأت. وتلك التي تنظم علاقتك المهنية مع السلطة القضائية والسلطة التنفيذية.
لا يتعامل طلبة الصحافة مع مادة التشريعات الصحفية بالجدية الكافية، وحالياً بعد تسع سنوات على تخرجي لا أذكر اسم أو حتى ملامح وجه أي أستاذ ممن درسوا أو بالأحرى تلو علينا هذه التشريعات. لكن هذه المواد التي يحفظها الطلبة ثم ينسخونها في ورقة الامتحان متظاهرين بنسيانها بعد الخروج من لجنة الامتحان، لا يتم نسيانها بل تتحول إلي روح القانون الذي ينطق به الصحفي وحدود سماءه وأرضه.
سواء في الدستور أو بعض المواد القانونية، يمنح القانون مجموعة من الامتيازات النظرية للصحفي. تبدأ من اشتراطات استثنائية لوقوف الصحفي أمام السلطة القضائية حيث يجب حضور ممثلين عن النقابة وعن المؤسسة الصحفية التي يعمل بها، وحتى تخفيضات تمنحها الدولة للصحفيين على تذاكر الطيران، وإمكانية دفع نصف تذكرة عند ركوب المترو. في هذا الجانب فالصحفي يحصل على الامتيازات التي تمنحها الدولة للعاملين في قلبها الصلب، كأعضاء القوات المسلحة أو الشرطة وغيرها من الجهات السيادية التي تحصل على تخفيض عند ركوب المترو. هذا بالرغم من أنه ليس موظفاً في الحكومة.
يرتبط التعريف القانوني للصحفي بحمله لكارنية نقابة الصحفيين. بدون عضوية النقابة لا قيمة لأى أوراق أخري بالنسبة للقانون وأجهزة الدولة المصرية. لكن القانون كذلك حدد الاشتراطات التي على أساسها يجوز للصحفي الحصول على عضوية النقابة وبالتالي الانضمام لزمرة الفئة المختارة من حاملى الكارنية.
بينما يمكن لطلبة الحقوق أو الطب أو أي كلية آخري الحصول على عضوية نقابتهم فور تخرجهم من الجامعة. إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على طلبة الصحافة والإعلام.
يفتت ويقسم القانون عملية إنتاج الصحفي، بالرغم من أن الدولة هي التي تشرف عليها كاملة. فالطلبة يتخرجون من كليات إعلام أو أقسام الصحافة يحملون شهادات موثقة من وزارة التعليم العالي بحصولهم على بكالوريوس صحافة. لكن أمام بقية الوزارات والنقابات لا يتم اعتبارهم كذلك. بالتالي فطالب الصحافة حديث التخرج هو في وضع منزوع الأهلية منزوع الشرعية. بل وطبقاً للقانون إذا مارس العمل الصحفي يمكن القبض عليه وتوجيه تهمة انتحال صفة صحفي إليه. وهو ما حدث مؤخراً في عدد من القضايا التي ألقت فيها الشرطة القبض على صحفيين شباب غير مقيدين في جدول النقابة.
الصحفي العاري يبحث عن بدلة
يتخذ الفيلسوف الايطالي أجامبيون من مصطلح الانسان العاري/ Homo Sacer في العصر الرومانى أداة لاستكشاف طبيعة العلاقة بين النظام المعاصر وفي القلب منه القانون والانسان. في العصر الرومانى فالإنسان العاري هو انسان منزوع الحقوق ليس عضواً في المجتمع ولا يتمتع بامتيازاته كفرد، نتيجة لارتكابها لجرائم محددة أو لعدم عضويته في المجتمع الرومانى.
الصحفي حديث التخرج يكون عارياً كذلك، بلا مؤسسة نقابية تحميه، وبلا أى تعريف قانونى، وبلا أي ثقة في مركزه أو وضعه الاجتماعي. وبالتالي فالخطوة الأولى بعد التخرج هي البحث عن السترة. يشكل الحصول على عضوية نقابة الصحفيين الهدف الأسمى والأولى لمعظم خريجى الصحافة. هو ببساطة اعتراف قانونى من المؤسسة القانوينة يمنح الشاب لقب صحفي. في سبيل هذا الهدف فهو مستعد للتضحية والقبول بالحياة على الهامش وفي الظل بلا أي وضع قانونى.
بعد تخرجي من أكاديمية أخبار اليوم عام 2006 عملت لمدة أربع سنوات كاملة بشكل أساسي في أخبار الأدب، وأحياناً في عدد من المجلات والجرائد المصرية والعربية. طوال هذه السنوات لم أمض أي ورقة رسمية، وعملت في كل هذه المؤسسات دون أي ورق قانوني، لا عقود تعيين ولا حتى عقود عمل مؤقت. بل انسان عاري تماماً خارج النظام القانوني. ولأني خارج النظام القانوني فلا ضرائب، لا إعانات حكومية، لا أجور ذات قيمة مادية محترمة. بل وفي حالة تأخر أي مؤسسة أو شركة من هؤلاء عن الدفع أو حتى عدم دفعهم لمستحقاتي فلا سبيل قانونى لاسترداد هذه الحقوق.
حتي الآن يعمل مئات الصحفيين بهذا الوضع، وأصبح هناك دورة إنتاجية تتم بها إدارة المؤسسات الصحفية، حيث استقطاب مجموعة من الشباب يشرف عليهم صحفيين (نقابيين) ثم مص دم هؤلاء الشباب حرفياً وبمقابل مادى حقير، ثم الاستغناء عنهم بعد عام واستبدالهم بدفعة آخري.
النقابة وعصر ما قبل الانترنت
لكى يدخل الصحفي للنقابة، ويتحول من انسان عاري إلى مواطن كامل الأهلية متمتع بالوجود القانوني الصحفي. فيجب أن يتم تعيينه في واحدة من المؤسسات الصحفية المصرية الحاصلة على ترخيص من المجلس الأعلى للصحافة. بمعنى أن الصحفي حتى لو كان مصري وتم تعيينه في مؤسسة صحفية دولية أو عربية لا يمكنه أن يحصل على عضوية النقابة، بل ويجب عليه في هذه الحالة لمزاولة المهنة في مصر أن يحصل على تصريح من هيئة الاستعلامات للعمل الصحفي في مصر، وهو التصريح الذي يتم منحه للصحافة الأجنبية العاملة في مصر.
أما بالنسبة لمن يعملون كمراسلين أو صحفيين في القنوات التلفزيونية أو المحطات الإذاعية فلا يمكنهم الحصول على عضوية نقابة الصحفيين. ناهيك طبعاً عن العاملين في المواقع الإخبارية والصحفية على الانترنت. كل هؤلاء رغم ممارستهم لمهنة الصحافة لكنهم إنسان عاري ومعزول أمام الدولة بل ومرتكب لجريمة انتحال صحفي. كما أن القوانين المنظمة لنقابة الصحفيين والنقابة ذات نفسها تعيش في عصر قديم ما قبل حتى الشاشات سواء شاشات الكمبيوتر أو شاشات التلفزيون.
بعد التعيين في المؤسسة الصحفية يستكمل الصحفي أوراقه القانونية وتشمل ملف ضريبي وشهادة الخدمة العسكرية وعدد متنوع من الأوراق القانونية البيروقراطية المتعلقة بالتأمينات ووزارة القوى العاملة. ثم الأهم عقد التعيين مع المؤسسة. تفرض المؤسسات الصحفية شروطها على الصحفي، وأغلب المؤسسات الصحفية تضع في العقد بنوداً تسمح لها بفصل الصحفي لأى سبب. وحتى إذا لم توضع هذه البنود في العقود. فالمؤسسات الصحفية تفصل الصحفيين باستمرار دون أي مواقف تذكر من جانب النقابة، وفي السنوات الأخيرة أصبحت بعض المؤسسات الصحفية الخاصة تعيين أعضاء مجلس النقابة كمستشارين وصحفيين فيها لتحييد النقابة في حالة حدوث أي أزمة.
النقابة ذات نفسها سلطة معقدة ومركبة في المشهد الاعلامى. أحد أوجه التعقيد تتعلق بما يعرف بالبدل الصحفي. فوزارة المالية تحصل على كل الإعلانات التجارية ضريبة محددة من المفترض أن تمنح لنقابة الصحفيين. لكن نظراً لأن المنح يتم من قبل وزارة المالية فلقد أصبح الأمر ورقة في يد الحكومة تتفاوض بها مع النقابة.
في أكثر من انتخابات لنقابة الصحفيين كان يظهر مرشحين لمنصب النقيب مواليين للحكومة وآخرين معارضين، وكان مرشح الحكومة كما في حالة خالد الذكر مكرم محمد أحمد يعد برفع قيمة البدل الصحفي. تحصل وزارة المالية الضريبة ثم تمنحها للنقابة التي بدورها توزعها على الصحفيين المقيدين الذين لا يتجاوز عددهم العشرة آلاف. خلال آخر خمس سنوات تضاعفت قيمة البدل الصحفي في إطار سلسلة من عمليات التفاوض السياسي لتصل من 400 جنيه إلي 1200 جنيه.
بعد استكمال الأوراق البيروقراطية والقانونية، يقف الصحفي أمام لجنة من النقابة لاختباره والتأكد من ممارسته العمل الصحفي. وللجنة سلطة رفض طلب القبول. اذكر في المرة الأولى التي تقدمت فيها لطلب العضوية. كان الموعد المقرر لانعقاد اللجنة الساعة الواحدة ظهراً، وفي قاعة النقابة تجمع حوالي 200 صحفي شاب في انتظار حضور أعضاء اللجنة الكرام الذين لم يحضروا حتى الساعة الثالثة ظهراً. وحينما دخلت للسؤال هو سبب كل هذه التأخير كان رد عضو اللجنة وقتها جمال عبد الرحيم شيء من نوعية “أنت مين يا حبيبي؟”. وحينما اكتملت اللجنة كانت تستقبل كل خمس صحفيين حيث تطرح أسئلة عليهم عن عملهم، في دوري كنت الصحفي الوحيد الذي أتى بمصحابة ارشيفه الصحفي مع أربعة آخرين أتوا مرتدين للبدل الرسمية بلا أي أرشيف صحفي حيث كانوا يعملون في قسم الأرشيف او في قسم الميكروفيليم. ومع ذلك صدر قرار اللجنة برفض طلب قبولى وقبول الاخرين، بحجة أننى تطاولت على اللجنة الوقرة. وتطلب الأمر منى إعادة تقديم طلبي مرة ثانية والمرور بذات التجربة الطفولية حيث أعضاء اللجنة يستعرضون سلطاتهم بترك الصحفيين الشباب أكبر وقت ممكن إلي جانب أسلوب الاستظراف والاستخفاف المتبع في تلك اللجنة دون أدنى قدر من المهنية.
في عهود سابقة، لجأت المؤسسات القومية خصوصاً الأهرام إلي تعيين عدد كبير من الإداريين بصفتهم صحفيين رغم عدم مزاولتهم للعمل الصحفي، وذلك لأنهم بهذا الطريقة يحصلون على بدل الصحفي ويشكلون كتلة تصويتيه في انتخابات النقابة. والآن مع كل انتخابات أحياناً يعلن بعض المرشحين أن من ضمن أهدافهم تنقية جداول النقابة التي أصبحت تضم كتلة ضخمة من البعيدين تماماً عن العمل الصحفي والمستعدين للتصويت لأى مرشح يعد بزيادة 200 جنية للبدل الصحفي.
من صحفي إلي مرتزق صحافة
تمنع القوانين الحالية الصحفيين من التملك في المؤسسات الصحفية التي يعملون فيها. بالتالي فعلى عكس الشركات التجارية أو حتى بعض المؤسسات المهنية كمكاتب المحاماة، يستحيل أن يتحول الصحفي من أجير إلي صاحب ملك في المؤسسة التي يعمل بها.
على مدار عقد كامل هو كل خبرتى في ممارسة الصحافة شاهدت تجارب عشرات الزملاء، من كونهم إنسان عاري بتعبير اجامبيون، ثم مساهمتهم في مشاريع صحفية حتى تكبر هذه المشاريع وتتحول لمؤسسات عملاقة برأسمال يتجاوز الملايين، ثم لأى سبب يقرر صاحب رأس المال صرفهم من العمل أو بيع المؤسسة.
وسط مثل تلك القوانين التي تجرد الصحفي من كل حقوقه المادية، يتحول الصحفي إلي أجير وتفتقد كل المؤسسات الصحفية إلي قيم الانتماء الحقيقية. وهو ما يؤثر بالتالي على طبيعة المنتج المهنى والصحفي. شاهدنا خلال السنوات الأخير كيف تحول صحفيين كبار من مدافعين على الاخوان إلي مهاجمين، ومن اليسار إلي اليمين. وتحولت ظواهر التعريص وتبديل المواقف لعنصر من عناصر السخرية الموجهه للصحفيين والمشهد الإعلامي. لكن جوهر هذا الأمر ومنبعه هو الوضع القانوني للصحفي حيث يفرض عليه القانون العمل كأجير أدبي تحت رأس المال أو تحت سلطة الدولة في الصحف القومية.
— —————————-
ألقيت هذه الورقة ضمن فعاليات مؤتمر القانون والمجتمع الذي أقيم بالجامعة الأمريكية في القاهرة في ديسمبر 2014














Rogers