ساعة كاملة استغرقها الطريق في السيارة من مدينة “ثيروفانانثابروم“ عاصمة ولاية “كارلا” في الجنوب الهندى إلى محيط القري داخل الأحراش الاستوائية للوصول إلى مقر مدرسة “ميترانكتين/ Mitraniketan”. بعد الوصول سيحتاج الزائر إلى دقائق لاستيعاب المدرسة وعمرانها المغاير لكل ما عرف عن المؤسسات التعليمية.
الفصول عبارة عن أشكال سداسية في وسط الطبيعة تحمل العمدان السقف، وحائط واحد يحمل سبورة تقف أمامها المدرسة، بينما التلاميذ في شكل دائرى حولها. في العادة يجلس التلاميذ حفاة أو يخلعون أحذيتهم قبل دخول حيز الفصل، أقدامهم تلامس الأرض متصلين بالطبيعة متجاورين جميعهم داخل دائرة واحدة. 300 تلميذ تستقبلهم المدرسة كل عام، يأتون للإقامة فيها كمدرسة داخلية يقضون الفصل الدراسي حيث يتم تقديم المأوى والطعام والشراب واكسابهم المهارات التعليمية المختلفة، ثم يعودون إلى عائلاتهم أو إلى المؤسسات التي ترعاهم. الطلبة يتلقون كل هذا بالمجان، والجزء الغالب منهم هم أطفال تم احضارهم من مناطق تشهد نزاعات إقليمية أو أيتام أو مناطق نائية لا يوجد فيه مدارس أو مؤسسات من أي نوع تقدم الخدمات التعليمية.
هذا المشروع ليس مشروع خيري مدفوع بدافع الشفقة، بل ثمرة أفكار طورها مؤسس المشروع “فيساناثان/Viswanathan ” ابن العائلة الاقطاعية الكبيرة في الولاية، والذي بعد انهاء دراسته الجامعية في الهند سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة المزيد في مجال تطوير التعليم، هناك تأثر مبكراً بأفكار الفنان والنحات الأمريكي آرثر سى. مورجان الذي أسس نمط مغاير لما هو متعارف عليه في مجال تدريس وتعليم الفن إلى جانب أفكار الفيلسوف والتربوى البرازيلي باولو فريري، وsالذي قاد في الخمسينات حركة التعليم كممارسة للحرية. ركزت ممارسات الاثنين والتي كان لها تأثير على أفكار “فيساناثان” على التعليم البديل، وكيف خلق نماذج وأطر اقتصادية تكفل للعملية التعليمية الاستمرار وتقديم خدماتها للفقراء والمحتاجين دون أن تكون مجرد ترس في ماكينة صنع عامل مطيع متعلم لخدمة النظام.
حينما عاد “فيساناثان” إلى الهند، وبعد صراع عائلى مع والده، حصل منه على قطعة أرض غير ممهده في قلب الغابات تبلغ مساحتها حوالى 400 هكتار لكن بل كهرباء ولا ماء ولا منزل، وبأيدى عارية بدأ “فيساناثان” في استخدام خشب الأشجار في بناء أول منزل له، وتطوع أخيه طالب إدارة العلوم بتطوير الأساسي الاقتصادي لتأسيس المدرسة التي تلقت أول طلابها عام 1956.
تعتمد المدرسة على مواردها الذاتية، فالطلبة إلى جانب دراستهم المعتادة يدرسون مناهج متطورة ومكثفة حول الزراعة وطرقها المختلفة، وكيفية ترشيد الطاقة وتوليدها من مصادر متجددة تبدأ من الطاقة الشمسية، وحتى تحويل الفضلات والمخلات إلى التخزين في مستودعات مجهزة لاستخلاص الغاز الطبيعي لاستخدامه في الطهو إلى جانب استخدام الخشب والأوراق الجافة لطهو الطعام عليها.
تتلقي مدرسة “ميترانكتين” الدعم من عشرات المؤسسات الثقافية والتعليمية المحلية والأجنبية، وتكلفة إدارتها في العام لا تتجاوز حسبما يخبرنى “فيساناثان” حوالى 150 ألف دولار. لكنه في منزله والمبنى بالطوب اللبنى والخشب والذي تحتل الكتب معظم جدرانه يشعر بالضيق من حماس الجيل الجديد لجمع المال، أكبر مشاكل المدرسة تتعلق بهروب المدرسين، حيث تستثمر المدرسة في تعليم المدرسين وتنمية مهاراتهم، لكن بعض فترة لا تستطيع المدرسة منحهم نفس الأجر الذي قد يتلقونه في الخارج بضيق يرد “فيساناثان”: “من المفترض أنهم مدرسون ليس شرطاً أن يمتلكوا جميعهم أي فون”.
تعانى المدرسة من عدم ثبات مصادر التمويل واعتمادها على التبرعات الخيرية، لكن الجيل الجديد من الشباب الذين يتولون إدارة المدرسة يسعون إلى تطوير هيكلها الاقتصادي والتوسع أكثر فأكثر في عدد الطلبة التي يمكنها استقبالها، الخطة التي يسعون إليها تقضي بتحويل المدرسة إلى كيان اقتصادى أكثر اندماجاً مع المجتمع المحلى، بحيث لا تقتصر المنتجات التي يزرعها ويصنعها طلاب المدرسة على استخدامهم في نطاق المدرسة بل على بيعها وتسويقها أيضاً، إلى جانب تنظيم برامج عمل للمتطوعين من كافة أنحاء العالم، وبيت آخر لاستضافة الزائرين بمقابل مادى.
في بلد متعدد الطوائف وذو تاريخ من العنف الطائفي كالهند اختار “فيساناثان” ورغم خلفيته الهندوسية العلمانية شعاراً للمدرسة، يرفض تقديم أي نوع من التعليم الدينى للطلبة، لكن متاح لهم ممارسة شعائرهم الدينية. النتيجة فيض من الطلبة ينمون في بيئة متصلين فيها أكثر بالطبيعة من اتصالهم بالنزعات الطائفية والمحلية، اندماجهم بالمجتمع المحلى يقوم على عناصر الإفادة والاستفادة لا الصراعات ونزعات الانتماء المختلفة.
يبدو العمل في “ميترانكتين” كأنما يسير بهرمونية وكأنها جزء من الطبيعة لكن للوصول لهذا المستوى لزم الأمر سنين من الاجتهاد، ربنا يلزم مثلها لتأسيس تجربة مشابهه في البلدان العربية.
—- - -
نشرت في موقع المدن













Rogers