(1)
هذه رواية تدَّعي أنها ليست كذلك.
“ليست هذه إلا مجموعة من الأوراق والذكريات لرجل عجوز احترف الكتابة سراً لسنوات”، “خطاب طويل مرسل إلى الماضي”، “خدعة كاذبة تأخذ شكل النصائح والأدلة السياحية”، “تقرير معنون باسم استخدام الحياة”. هكذا يُعرِّف السارد مرة بعد أخرى “نصه” في “استخدام الحياة” لأحمد ناجي (منشورات مرسوم بالقاهرة)، دون أن يقدمه مرة كنص روائي.
كأن قصدية الفعل الروائي مستبعدةً بإرادة من ساردها، أو كأن هذه القصدية تحديداً، لو حضرت، لأفسدت جوهر الخطاب الروائي: فالتوليف، كصيغة، يهيمن على العالم الفني بالضبط مثلما يهيمن على الواقع، قادماً من تدوين لم يُكتب، (أو يدّعي ذلك)، بغرض “التخييل”، بل بغرض “التوثيق”.
(كيف يحيل التسجيل إلى التخييل؟ إنه ليس فقط سؤال التقنية، بل سؤال الحكاية المهيمنة داخل الرواية، والتي تبدأ بعمل أفلام تسجيلية عن القاهرة وتنتهي بما سيجري تعريفه كفانتازيا وثائقية للمدينة).
إنها حيلة أولى تقلب المفهوم المتعارف عليه للرواية بوصفها “نصاً متخيلاً يملك القدرة على الإيهام بالواقع”. هنا، يجتهد السارد ليقدم الاقتراح الروائي في شكله العكسي: سرد غير تخييلي (ظاهرياً) يمكن أن يكون يوميات، رسائل، أو تقريراً، يملك القدرة في النهاية على تغريب الواقع من حيث ادّعى أو وَعَد بمحاكاة غير فنية له، لتأكيد التخييل في الأخير، أي: تأكيد الفعل الروائي.
هكذا وضع (المؤلف) الملصق “رواية” في نهاية المطاف على غلاف المنتَج النهائي، مستخدماً سلطته التي تفوق سلطة السارد.
من هنا يمكن الوقوف، أولياً، على طبيعة خطاب السارد: هو خطاب غير منسجم، حيث الانسجام ليس فقط قيمة جمالية من المشروع خلخلتها، لكنه تحول، كسلطة، إلى “قيمة أخلاقية” أيضاً، أليس الانسجام وجهاً آخر للتهذيب؟
مستويات لغوية متراوحة تبدأ من التقرير الإخباري، لتتقلب بين التهكم الساخر، والتأمل الجاد، بين الاستبطان التجريدي والسرد المشهدي السلوكي، وبين التحليل القادم من سلطة السارد كلي المعرفة، والتعليق المباشر الذي يبدو للوهلة الأولى نوعاً من النقد الاجتماعي المجافي لهمس الفن وإيحائه. تتداخل الفصحى، بمستوياتها، بعامية مبذولة لا تخجل من من تقديم نفسها في سياقاتها “المنافية للآداب العامة”.
لغة “توليف”، بالضبط كالعالم الذي تحاكيه، أو بالأحرى، كالمدينة التي تجتهد اللغة لتشبه معمارها، قاذفةً في سلة المهملات بثنائيات جاهزة كالجمال والقبح، التناغم والتنافر، ومُنحيةً، فوق ذلك كله، الواقع الطبقي الذي يقسم اللغة إلى “فئات” بالضبط كما يقسم المدينة والعالم برمته. اللغة الروائية تبعاً لذلك تشبه البنية الروائية التي لا تتطور أفقياً، في سرد خطي مضطرد، بل تنهض رأسياً لأعلى (بالضبط كالعمارة، التي هي فضاء وسؤال محوري في العالم المحكي للرواية).
كيف تحاكي الرواية مدينةً بخيانتها؟
(2)
يضع النص الروائي لنفسه عقبةً مضاعفة، عندما ينطلق من فرضية زائفة.
هكذا تضع “استخدام الحياة” نفسها من اللحظة الأولى في مواجهة فرضيتها غير القابلة للتصديق: اختفاء القاهرة.
الفرضية، بداهة، سينكرها الواقع الاتفاقي، (هذا ببساطة، لم يحدث)، فيما سيلوذ بها بالمقابل نظيره الفني كعتبة ينهض فوقها المبنى الروائي.
ينطلق النص بتأسيس “إخباري” يجافي الواقعة “المختلقة” بلغة باردة تقر واقعة دون أن تنفعل بها، بل ودون أن تفترض حتى انفعالاً من متلقيها: “حدثت مجموعة من الهزات والزلازل أصبحت تُعرف بعد ذلك بالزلزال العظيم الذي نتج عنه تهدم نصف المدينة، ثم سلسلة من التشققات الأرضية ابتلعت شوارع كاملة، وأصابت مجرى نهر النيل بتحورات مفزعة، الأمر الذي نتج عنه اختفاء جزر كاملة على رأسها جزيرة الزمالك. التصدعات ضربت الأهرامات ولم ننجح في إنقاذ الهرم الأكبر الذي تحول إلى ركام من الحجارة المتناثرة، ما تبقى من تراث، حضارة، عمارة، أرشيف موثق رسمي أو شفهي على هذه الأرض، كل هذا كان مصيره أسوأ حتى من مصير الأهرامات التي سقطت من جراء الزلزال العظيم وطُمرت تحت بحور الرمال…. انتهت القاهرة”.
التكريس لما “لم يحدث” باعتباره وقع بالفعل، (خاصةً وإن اتخذ منحى تقريرياً)، يمثل تزييفاً للحاضر (الذي يٌقدم في الرواية باعتباره ماضياً)، يحتمل من ثم، تزييفاً شاملاً للتاريخ بدوره بحيث يلائم الفرضية الزائفة، ويغدو الحاضر “زمن النص الآن” لدى السارد، (وهو المستقبل حسب زمن المتلقي)، محضَ لهاث لاستعادة ما لم يحدث.
هذه رواية تزحزح الأزمنة، لتضع كل منها في خانة سالفة: حاضرنا هو ماضيها، ومستقبلنا هو حاضرها، ويبقى المشترك الوحيد هو نمط رخو من الماضي: ماضينا البعيد والذي يصير بالنسبة لها أكثر قِدماً، وكأن الزمن في هذه الرواية يتقدم للخلف.
لن تتم الاستعادة (فنحن أمام نص استعادي بقدر ما هو نص مستقبلي)، بمعزل عن “الذاكرة”، لكن، أي ذاكرة بإمكاننا التحدث عنها في هذه الحالة؟ إنه إبطال لجوهر الذاكرة ذاته: ذلك أن الذاكرة قد تحرف ما حدث، لكن متى كانت الذاكرة قادرة على تخيل ما لم يقع؟ التخيُّل فعل استباق، لذا فالمتخيَل يقع على الدوام في المستقبل، أما الاسترجاع فيواجَه بمقاومة هائلة، أشرس جنودها “الوعي الجمعي” الذي يشارك، بدرجة أو بأخرى، في إدراك الماضي والحاضر”المشتركين” معاً وفق معطياتهما الاتفاقية.
من اللحظة الأولى في الرواية تنتقم “الطبيعة” من العلامة الثقافية الهائلة التي تمثلها المدينة. الطبيعي الذي يُفني الاصطناعي، يفتك به ويُنزله إلى درك سفلي من الغياب، لن يلبث أن يترجم نفسه في الذوات الناجية من القاهرة: حيث “الغريزي” ينتصر دائماً على الثقافي. لا تقدم شخصيات هذه الرواية أبداً خارج ممارساتها الغريزية: عري يحقق نفسه طيلة الوقت، غرق في الملذات الحسية، طعام يمكن أن يكون نيئاً (ما قبل الطهو/ ما قبل الثقافة)، تنساب دماؤه في فم متناوله. ذوات تقاوم المدينة بإدارة ظهرها لها عوضاً عن مقاومتها، بخرق جميع قوانينها سراً، خالقةً عالماً مشاعياً يحيا على أطرافها أو، حتى، تحت أرضها المعلنة.
إنها “حيوانات القاهرة” حسب السارد نفسه، والتي تضم شخصيات نصف إنسانية نصف حيوانية نصف حشرية، تشمل “الندل”، “المحجبة”، “كلاب السكك”، “المرأة العصرية المصرية”، “الصراصير”، “وحيد القرن البري”، “الدراويش”، “الفنان القرموط”، “التاكسي البيولوجي”، “الفأر الأسود”، و”الشيخ النمر”. جيش من المواطنين يرقد في الأركان المعتمة لمدينة غارقة ظاهرياً في الضوء: ” تتنوع هذه الجماعات بين مهووسين دينيين يتحركون في جماعات من الإخوة والأخوات، مثليين جنسياً ينظمون حفلات الكوكتيل والتعارف في منازل في المهندسين والدقي، فنانين شباب غارقين في أنهار من البيرة تمتد من الزمالك إلى وسط البلد، جماعات تبادل الأزواج في إمبابة، أطفال الشوارع الغارقين في غازات الكولّة في العمارات العشوائية ومقابر القطارات المهجورة، تجار الحشيش في شقق الدعارة بدار السلام، كنيسة حافظت على مركزيتها وسطوتها على شعبها طوال قرون طويلة، مهووسين بكمال الأجسام…. تنمو الجماعات السرية في انتظام وتقارب جغرافي، يتشممون بعضهم بمقدمة الأنف، ويلعق كل واحد فيهم رقبة الآخر عند السلام، ينظر في عيني الآخر ويحافظ على سره”.
من المشهد التأسيسي الكابوسي، يبزغ “بسام”، كما لو كان الناجي الوحيد، أو النموذجي. فرد كان في منتصف العشرينيات عندما اختفى العالم. يظهر بسام، لكن من نقطة مفارقة: إنه يبزغ من “المستقبل”، وقد صار “عجوزاً”، وتعمقت المدينة الضائعة في وعيه كذكرى بعيدة، ذكرى ضاعت معها سخونة الرثاء لتحل محلها برودة التذكر: “ليست هذه إلا مجموعة من الأوراق والذكريات لرجل عجوز احترف الكتابة سراً لسنوات. خطاب طويل مرسل إلى الماضي. خدعة كاذبة جعلتها تأخذ شكل النصائح والأدلة السياحية. لا تبرير للكتابة لأنني فشلت في إيجاد المبررات، أو ربما لأن المبررات لم توجد في الحياة أبداً”.
من حيث يؤكد السارد أن “لا تبرير”، فإنه يسوق “تبريراً للكتابة” بالشكل الذي تحققت عليه الرواية. بعبارة أخرى: اللا مبرر هو نفسه المبرر هنا لبنية تنفر من انسجام الحكاية الخطية التي تتهادى من نقطة لتاليتها.
يقدم بسام نفسه ونصه معاً، السارد وسرده يكشفان لعبتهما مبكراً، كأن الإيهام لن يتحقق بمعزل عن كسر الإيهام.
(3)
ثمة حكاية هنا، ممزقة كالعالم الجاثم من خلفها.
أركان الحكاية (التي لا تخلو من إثارة)، موزعة على مزق الفصول العشرة المفتتة بدورها لثلاثة وثلاثين مقطعاً.
حكاية تعوق تهاديها التأملات، والهوامش الثلاثين التي تحضر كتعقيبات تصحيحية أو تدقيقية أو إحالية في قيعان الصفحات، والحبكات الفرعية التي تهُبّ بشخوصها ومحكياتها الصغيرة، واختراقات “الكوميكس” الذي يحل في غير موضع محل السرد، لينوب عنه. (على الغلاف، يزاحم اسم الرسام “أيمن الزرقاني” اسم المؤلف، بنفس الحجم. كأننا أمام شراكة عادلة بينهما، ربما لم أرها أنا كذلك، لكن الكاتب على أي حال رآها كذلك). يغيب السرد اللغوي في تسعة مواضع، يحل فيها الرسم (كوميكس، أو رسم تعبيري) محل الخطاب الروائي اللغوي، ليعمق من الروح التوليفية التي أسلفت الإشارة إليها. نحن أمام رواية “كولاجية” بامتياز.
القاهرة قبل النهاية بقليل. بعد ليلة أخيرة، يغادر “بسام” بيت “ريم” مقرراً ألا يراها ثانيةً. لكن ريم تستقبل رسالة زائفة على هاتفها المحمول من رقم بسام، تخبرها أنه بحاجة لنقود، وتحدد لها مكاناً للقاء هو مطعم “ماجو” بشارع شامبليون. هكذا ستذهب ريم للمكان لتكتشف أنها في مكان آخر، قاتم وعبثي، ينتظر أصحابه واحدة لشغل وظيفة “منسق إداري” في جمعية “معماريي المدينة”. بدوره، سيستقبل بسام في شركة الأفلام الوثائقية التي يعمل فيها كمدير لوحدة البحوث والإعداد، “مدام دولت”، التي تعمل في الجمعية، وتخبره برغبة “معماريي المدينة” في عمل سلسلة أفلام تسجيلية عن “معمار القاهرة”. بالتوازي سيتحرك بسام وريم. ستتعرف هي إلى “بابريكا”، وسيتعرف هو على رئيس الجمعية “إيهاب حسن”. كلما تقدمت الرواية، يزداد الواقع الفني إعتاماً، تحتل الجمعية البؤرة بعالمها الغامض السري، تكاد تبتلع القاهرة نفسها، في عالم سوداوي يذكر بعوالم “كافكا”، قبل أن يلتقي بسام بريم مجدداً، لتصير هي نفسها موضوع فيلم من إخراجه.
عالمٌ يتقاطع وعالم السارد “بسام” الذي يحفل بدوره بأشباح شخصيات بأكثر مما يحفل بذوات مكتملة. أشباح تلائمها الأسماء الحركية” موني مي، مود، السيدة ملعقة”، كما لو كانت الشخصيات نفسها نابعة من العالم الافتراضي. وفي القلب من كل ذلك، هناك القاهرة، في لحظاتها الأخيرة قبل الفناء النهائي.
بإيقاع لاهث، سينتقل العالم كله من مكانه، لتصير المدينة قبواً تحت الأرض يشهد اجتماعات سرية.
عالم معتم في غرابته المضطردة، يتطور فيه طموح “معماريي المدينة” فلا يقنع بمجرد تحويل القاهرة لسلسلة أفلام، بل بمحوها وإعادة تشييدها “بقوة التخييل الذي لن يترجمه الواقع أبداً”. بوتيرة تصاعدية، يتحرك السرد منتقلاً من واقع يبدو للوهلة الأولى أليفاً، أو بالأحرى معقولياً، قبل أن يحمله لذرى من العبث الكامل. سيبلغ “التخريف التاريخي” ذروته عندما يتم التأسيس لجمعية معماريي المدينة منذ لحظة مبكرة للخليقة وحتى الآن. تزييف التاريخ، يبدو هنا لعبة كبرى، في تقاطعه مع إنكار الواقع نفسه لتاريخيته، يصير التاريخ (تاريخ الإنسانية برمته) هو تاريخ الجمعية السرية، مانحاً إياها وجهها الإطلاقي كموجود قائم خارج الزمن والمكان. كما لو كانت الجمعية تحل محل المدينة، مشيدة مدينتها الموازية تحت الأرض.
“الجمعية” أو “المنظمة” السرية، الكونية، التي تتحرك في أربعة أركان الأرض، ستبتلع المدينة قبل أن تبتلعها العاصفة ( بتأويل أدق: ستمهد الجمعية التي تبدو كما لو كانت تستمد سلطتها المطلقة من الله نفسه، لفناء المدينة). الجمعية المعنية بـ”إنشاء شبكات معقدة تحت المدن من الممرات والمتاهات السرية التي تؤدي فقط إلى غرف، مصمتة ولا توصل ببعضها بعضاً”، تبدو وجهاً آخر لسلطة السماء المطلقة، لكنها نظيرٌ عرشه تحت الأرض هذه المرة، لا يكف عن بذر الأتباع والمبشرين بوجوده، والرسل.
“تحت الأرض” هو نفسه “مقبرة الموسيقى”، التي دفنت فيها حناجر لا تعكس القشرة الأنيقة للعالم المديني: من شوقي قناوي لشفيقة الاسكندرانية ومن محمد طه لحفني أحمد حسن، وهي الأسماء التي لا يكف السارد عن استعادتها وإعادة إحيائها. الحكاية نفسها التي بين أيدينا ستبدو كما لو كانت تحاكي “نيل القاهرة”، الذي يغير مساراته كل حين، تاركاً خلفه بركاً ومستنقعات قبل أن يكمل سيره.
“القاهرة” هي موضوع “الصورة”، والصورة هي موضوع “الكتابة”، وتبقى المدينة ممزقة كموضوع للوسيطين: تجسُّدها كصورة وتجسُّدها كلغة. القاهرة هي في الأخير “صورتها” فحسب، صورة زائفة يحتضر الواقع على أعتابها، ولا يعود له ثمة وجود خارج الأنقاض










Rogers