تقول الأسطورة أن العمارة بشكلها حتى البدائي حتى لو كانت إيجاد كهوف في الجبال يمكن للإنسان الأول الاختباء فيها هي أول أشكال التعبير والتواصل التي ابتداعها الإنسان. بشكل آخر فالعمارة تسبق اللغة.
في عالم اليوم الذي أصبحت فيه اللغة تشكل عوالم مجموعات البشر المختلفة، تسافر العمارة بين اللغات المختلفة لتفرض على اللغة تحديات اللحاق بالتطور العمرانى وسياسيات عولمة العمارة واستنساخها بأشكال متماثلة في بقاع مختلفة من الأرض ولأمم تتكلم لغات مختلفة.
لقد واجهت هذه المشكلة حينما اتفقت مع محمد الشاهد على الكتابة عما يعرف في محيط مدينة 6أكتوبر بالـ Food Court، حولت البحث عن أي تعريب مناسب للكلمة، بل حتى لم أكن أعرف إذا كانت الكلمة بالإنجليزية مناسبة لتوصيف ما أرغب في الحديث عنه.
صممت مدينة 6أكتوبر بمنطق الأحياء السكنية التي تنقسم إلي “مجاورات” في وسط كل مجاورة ينتصب ما يشبه “المول” الصغير مخصص للمحلات التي تلبي احتياجات سكان الحي، بهذا المنطق فيما يعرف في القاهرة بوسط المدينة كنقطة تجمع وتبادل تجاري لم يكن له مساحة بأى شكل في المدينة. تتعقد المشكلة مع الانتقال إلي المدينة التوءم الصغيرة مدينة “الشيخ زايد” والتي تتكون في غالبيتها من تجمعات سكنية مسورة ما أصبح يعرف في العامية “بالكمبوند”. لكن أهالى “الكمبوند” وأهالى مدينة 6 أكتوبر إلي جانب العاملين في القطاع الاقتصادى والشركات العالمية والمحلية يحتاجون إلي أماكن آخري للقاء. حينها ظهرت المولات التجارية الضخمة بما توفره داخلها من مطاعم وكافيهات.
لكن المولات تمت غزوتها من الطبقات الاجتماعية الآخري، يومياً الآن وأمام مول العرب أصبح دخول المول مهمة شقة تحتاج إلي انتظار وصبر طويل، فالأتوبيسات السياحية الضخمة تسد الطريق وتحتل المواقع المخصصة لاصطفاف السيارات. ومعظمها أتوبيسات سياحية تنظم رحلات شبه يوميه بعضها لمواطنين من الإسكندرية وغيرها من المحافظات في زيارات تتكاثر بلا توقف وبلا هدف معلن اللهم إلا زيارة “مول العرب” أكبر مول تجاري في مصر حتي الآن، والذي سيكسر رقمه وحجمه قريباً مول آخر من المتوقع افتتاح أول مراحلة قريباً في أكتوبر هو مول “الفطيم”.
سكان أكتوبر من البرجوازية الجديدة بدأوا في خلق أماكن جديدة أصغر حجماً وبعيدة عن الأنظار، وتحولت هذه الأماكن إلي أماكن التجمعات ومراكز الخروج لسكان المدينة. وأبرزها “أركان”، جاليري، أمريكانا، تيفولى دووم.
هذه الأماكن الجديدة واجهتنى بمشكلة لغوية فلا يمكن تسميتها Food Court لأن ذات الاسم أصبح يستخدم على نطاق شعبي للدلالة على ساحات الطعام المخصصة لهذا الغرض داخل الموالات الكبرى، بل هي أقرب أن تكون “Strip mall”. وبعد نقاش طويل مع عدد من المعامريين والمترجمين على الفيسبوك، خمنت أن أقرب كلمة لوصف مثل هذه الأماكن هي “السويقة”. فهى ليست سوق، وليست ساحة طعام. بل نماذج مصغرة تجمع بيه هذا وذاك.
تتكوين “السويقات” في مدينة أكتوبر، من مبانى لا تتجاوز في الغالب الثلاث طوابق (في كل المدينة ممنوع البناء أكثر من 6 طوابق) تتوسط المباني ساحة صغيرة كما في “تيفولى دووم” أو أحياناً تشكل المباني صفين وبينهما ساحة أو ممشي كما في حالة “أركان”. قد يضاف إلي ما سبق سينما صغيرة بعدد محدود من الشاشات كما في حالة “أمريكانا.”
هذا المكان أصبحت بؤر النميمة واللقاءات الاجتماعية والعائلية. وهى مصممة لتتشابه مع المجمعات الكسنية المسورة التي يعيشون فيها. يذهب الزائر إلى السويقة بسيارته، يدخل إلى الجراج في الأسفل. وفي الدور الأرضي غالباً ستتواجد منطقة الأطفال. الجمهور غالباً عائلاً معظمها لشباب في الثلاثينات وأسر في معضلة التكوين. الأطفال يتم حبسهم في مساحات عبارة عن ملاهى صغيرة مع مربيين ومشرفين شباب. ثم يصعد الآباء للدور الأعلى حيث توجد الكافيهات، المطاعم، والبارات.
بعد أن يقضي الآباء والكبار وقتهم السعيد ينزلون إلي الأسفل لالتقاط الأطفال والذهاب بهم إلي المنزل. لا مكان للمشي وسط الشارع بل كل هذا يخرج في مكان مسور، صحيح أنه مفتوح ويمكنك الاستمتاع بالشمس. كأنك في شارع لكنه ليس شارع. نموذج محاكاة يليق بالبرجوازية الجديدة. أماكن الخروج تلك تتنافس أيضاً على الأنشطة والفعاليات التي ينظمونها للأطفال. أحد أهداف الخروج هو الابتعاد عن صداع الأولاد. والأماكن التي توفر مساحات للأطفال يمكن فيها فصلهم عن أباءهم أصبحت ضرورة في كل هذه الأماكن، السويقة التي لا توفر سجناً صغيراً للأطفال، لا يمكن اعتبارها سويقة حقاً ولن تجذب جمهور المدينة.
المدينة تتشكل، بلا قلب. ولا وسط لها. بل قلوب فرعية متناثرة متباعدة عن بعضها البعض. المشي أيضاً يختفي وتقل مساحاته. حينما تتمشي في شوارع الشيخ زايد حالياً فما تراه أسوار طويلة للتجمعات السكنية الجديدة التي امتلئ بعضها بالسكان. وفي ظلام الشوارع والأسوار الطويلة تبرز على نقاط متباعدة السويقات المختلفة. حصون مشيدة للنخبة الجديدة. وداعاً للشوار المفتوحة، وأهلا بحياة الأسوار. لن تشاهد من يتمشي في هذه الشوارع اللهم إلا بعض التائهين أو بعض العمال. بينما داخل السويقة حيث توجد شوارع وميادين صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار كأنها محاكاة قد تشاهد أسرة صغيرة تتمشي بطول الشارع القصير كأنها محاكاة لعملية المشي. السويقات تبدو كأنها محاولة لابتداع نماذج محاكاة مصغرة من وسط البلد
———- —
نشر في مجلة شاهد القاهرة














Rogers