يختتم رشيد طه عشرين عاماً من التجارب واللعب والغناء منذ أول ألبوم له عام 1983 “Carte de sejour” بألبوم جديد صدر مؤخراً تحت عنوان “زووم”. بلهجة تقريرية متواضعة يقول رشيد في واحدة من أغانى الألبوم “ومشروعى أنيق.. أنيق، وصافي” ربما تغيب الأناقة عن بعض أعمال رشيدة السابقة، لكن في هذا الألبوم تبدو “الأناقة” بما تحمله الكلمة من تناسق في التوزيعات والألحان وفي الحالة العامة التي تجمع أغانى الألبوم هي الصفة الأهم.
أناقة عجوز لا يخجل من الشعر الأبيض فيصبغه كمغنين آخرين، ولا ينجر بسهوله مع الغرور والصورة الأبوية التي يفرضها التقدم في السن كحالة الشاب خالد، بل يعبر بخفة من حالة الشاب رشيد طه ليقدم صورة مغايرة للشيخ، الذي يجلس على كرسي في نافذة تطل على سقف العالم يتأمل زهرة تتفتح في وداع الشتاء.
وفي الألبوم ينعكس مشوار طه عبر عشرين عاماً، كأن الألبوم رحلة داخل مشروع طه ذاته، لا يفوته عبرها أن يوجه التحية لأهم الفنانين الذي كانوا دائماً مصدر إلهام له من شيوخ وشيخات الراى حتى أم كلثوم وألفيس بريسلى.
1
في عام 1981 كان فريق “التصادم/ The Clash” يقوم بجولة صغيرة في باريس حينما اقتحم شاب نحيف المشهد وقدم لهم شريط تجريبي عليها بعض التسجيلات عرضها بطموح كبير عليهم، لكن أعضاء الفريق لم يعاودوا الاتصال بها وبعدها بشهور أصدروا عملهم”Rock The Casbah”. الفتى كان رشيد طه والشريط حمل أول تجاربه التي ستصدر في أول ألبوماته بعد ذلك. سيظل رشيد يكرر وحتى 2007 بأن “روك القصبة” التي غناها “فريق التصادم” كانت نتيجة استماعهم لألبومه.
الفرقة ستنفي بالطبع وستحكى قصة أخيرة عن مصدر إلهام “روك القصبة”. لكن جو ستريمر/ Joe Strummer مصدر الإلهام الأول لرشيد المراهق سيتوفي، وستتفكك فرقة “التصادم” وتنقلب الأحوال حتى أن مايك جونز سيعزف بعد ذلك خلف رشيد طه. لا دايم إلا وجهه الله، وهكذا الدنيا مثل المرجيحة يوم فوق ويوم تحت..
لكن رشيد في 2013 في أغنية “Algerian Tango” سيقول أنه لا ينسي، لا ينسي سنوات التجاهل الأولى، الرفض من شركات الإنتاج الفرنسية التي لم تكن تريد التعامل بأى شكل مع العرب. حتى هؤلاء سيذكرهم رشيد “مننساش العنصريين، مننساش العبوديين”.
2
من الثمانيات حتى منتصف التسعينات لم يكن الأمر كنزهة في الحديقة، العنصريين في أوروبا لم يكونوا المشكلة فقط فهناك العبوديين والحجارين والظلاميين في الجزائر وفي أماكن آخري، ورشيد يعرف أنهم لن يتركوا قلبه صافي، لكن معركته ليست معهم بل معركة في غابة الموسيقي الحديثة المتشابكة، بين المسارح والنوادى الليلية من لندن إلى باريس سارت رحلة رشيد مازجاً بين الراى وأنواع موسيقي صاعدة من الراب حتى الروك والموسيقي الالكترونية في التسعينات. معلقاً بين عالميين يبحث عن أرض خاصة به.
في 1997 سيصدر ألبوم “Carte Blanche” سيعيد تقديم رائعة دحمان حراشي “يارايح وين مسافر” تنجح الأغنية عربياً وأوروبياً وتصبح من الأغانى الرئيسية في موجة “راي” التسعينات. الجمهور العربي لن يلتفت لأغنية آخري في ذات الألبوم هي “زبيدة” قصة استوحها رشيد من فتاة جزائرية تعرف بها أثناء عمله في الصحافة في بداية مشواره. تجسد القصة التقليدية لفتاة عربية تزوجت بسبب ضغوط الأب وانتهت حياتها تحت سلطتين لم تختر أي منهما. لكن الكلمات الحماسية جاءت مصحوبة بلحن طفولى وتوزيع بسيط تقليدى.
ذات الكلمات في أغنية زبيدة سيعود رشيد لتقديمها في 2013 في ألبوم “زووم” هذه المرة تحمل زبيدة اسم جميلة، لكن القصة لا تزال كما هي. وهذه المرة تعلم رشيد الدرس يقدم جميلة في توزيعين أحدهم مسجل من حفلة حية والآخر في استديو، يقدم القصة بصوته في البداية وتصحبنا الجيتارات إلى داخل الأغنية مع تنويعات الكيبورد الشعبية الجزائرية المميزة للموسيقي التجارية، ويصعد الكورال ليضيف على الأغنية أبعاداً أسطورية. زبيدة العادية في 1997 تتحول إلى جميلة أسطورية في 2013. بين العملين تتشكل المرحلة الجديدة لرشيد طه التي سينتقل فيها إلى مستوى الاحترافية تتضح أبعاد وحدود مشروعه الموسيقي الذي سيشكل اثنين أهم سماته ستيفين هيجل الموزع الذي صاحب رشيد منذ تلك الفترة حتى ألبوم “تيك توا” وحكيم عازف المندولين المطور.
3
مع أغنية جميلة يستقدم رشيد صوت فضيلة في أغنية “خلونى”. يؤكد بعمدية مركزية مسألة المرأة بالنسبة له كما علمته “الماما ريمتى” بأنها حريتها. فضيلة هي الآخرى شخصية مركزية في تاريخ الراى والموسيقي الجزائرية، كانت النجمة الأولى في نهاية الثمانيات وحققت شهرة أوروبية واسعة مع زوجها “صحراوى” وقدمت أول أغنية راى فيديو كليب “ما عندى زهر معاك”.
يصحبنا رشيد إلى قاع موسيقي “الراي” مع فضيلة. مطلقاً العنان للوحش الكهربائي في حنجرته، مستخدماً كل الحُلى الموسيقية الشعبية من “الأوتو تون” حتى العواء الرتيب “للأورج”. كأننا في لحظة من الزمن الذهبي لأستديوهات الراى في تسعينات جزائر ومن خارج الاستديو يمكن أن نسمع صدى طلقات النار في الأغنية المميز لحروب وصراعات سنوات التسعينات في الجزائر.
ربما خفت دوى الرصاص في الجزائر لكنه يبدأ الآن في مناطق آخري، ربما لهذا اختار رشيد هذه الأغنية وتقديمها بهذه الروح، روح الراى الذهبية الخالصة.
4
في ألبوم “أنت فاكر نفسك مين/ Tékitoi “ يصل التعاون بين رشيد ومنتجه الفني ستيف هيلاج/ Steve Hillage إلى قمته، تعاون بدأ بالتعارف بين الاثنين في منتصف التسعينات وإشراف “ستيف” على الإنتاج الفني الكامل لمشروع ” ‘1, 2, 3 Soleils‘,” بين رشيد والشاب خالد وفضيل.
ستيف صاحب البصمة الأبرز في مشروع رشيد، والذي فتحه أكثر على ايقاعات أكثر تنوعاً تبدأ من الساحل الأفريقي في السنغال، وحتى الهند شرقاً والمكسيك يساراً، ومع ستيف وبران اينو سيبرز باستمرار ويظهر في الحفلات إلى جوار رشيد حكيم، عازف آلة الماندولين أو الآلة الغريبة والمدهشة التي طورها حكيم بنفسها من الماندولين وهى أكبر من الماندولين العادية وصندوقها الموسيقي الأعمق، ويحورها حكيم باستمرار لتقوم بدور وسط بين العود والجيتار.
بين الاثنين يأتي ألبوم رشيد “أنت فاكر نفسك مين”. يأتي الألبوم كصرخة في البرية، كان ذلك العام 2005 والمياه الراكدة في المنطقة العربية تتحرك وتتملل بفعل آثار غزو العراق وبروز شمس مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفي الشوارع أطفال يلهون على الانترنت بأصول الحكم. في 2006 أحيى رشيد طه حفل موسيقياً في القاهرة، ومن الألبوم غنى “نحوهم.. حاسبوهم”، “ثقافتنا مافي شي ديموقراطية.. الهدرا الهدرا ممنوعة”، “قلبي وقلبك مفتوح” وأخيراً.. “السلطان قال للبوجى مان، خدوا االطيارات.. وطقوا البومبات على الناس المجرمين.. اللى نكروا كلام السلطان”.
وهاهى الطائرات تضرب ناكرى كلام السلطان في 2013، وتنطلق حمى الثورة موسيقي الثورة وأغاني الثورة، وفي الأفق يتبدى لرشيد كأن الكل “قبض ريح”.
بينما مغنيوا الثورات والربيع يتحدثون بحماسة وثقة مفرطة عن الثورة وحق الشهيد والحرية، يبتعد رشيد عن ستيف منذ ألبومه السابق “بونجور” ويختار هذه المرة التعاون مع مهووس آخري بالموسيقي العربية والمزج بين التنويعات الشرقية والغريبة جاستن آدمز. يقف الشيخ رشيد في منطقة متشككة كأنما يعيد النظر في مشروعه الأنيق، يفتتح رشيد ألبوم “زووم” بأغنية “ويش نعمل” تتصاعد موجات الأسئلة “هل أنا عربي؟ هل أنا أوروبي؟ هل أنا قبيح؟”. وبدلاً من الحماس والعواء الذئبي المجنون الذي عرفنا فيه رشيد يصرخ “برا برا النجوم طفيت ودلقت الشمس” يقترح هذه المرة حل بديل آخر: “اليوم.. اليوم إضراب، نسافر للنجوم مع حبيبي”.
5
في الألبوم الأخير ومن بين كل أعمال رشيد طه على مدار عشرين عاماً تأتى النجمة والجوهرة الفريدة التي يقدمها في هذا الألبوم تحت عنوان Now or Never في مكانة مميزة، حيث يحيى أغنية ألفيس بريسلي القديمة، مع توزيع يطوف بنا من جداول الماء حتى صوت Jeanne Added التي عرفناه سابقاً في بعض الأعمال مع توفيق فروخ.
لا تعليق يمكن إضافته غير إتاحة الفرصة لتأمل هذه الجوهرة الفريدة.















Rogers