لغة مشعة وحرية ضد المنطق:‏ ميراث الحركة السيرالية

من الإمارات إلي فرنسا يتصاعد الاهتمام بالحركة السيرالية المصرية تحديداً جماعة الفن والحرية. في أكتوبر القادم يستضيف مركز “بامبيدو” في باريس معرضاً يعتبر الأضخم من نوعه حول تراث الحركة السيرالية المصرية، كما تستعد مؤسسة الشارقة للفنون لاقامة معرض مماثل في 2017.

ولدت الحركة السيرالية المصرية في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، كرد فعل على توسع الأفكار الفاشية وتسللها إلي مصر. يري المؤرخون أن ولادة السيرالية المصرية تحديداً جماعة “الفن الحرية” كانت حينما زار الشاعر الايطالي المستقبلي “مارينتي” مصر وقدم محاضرته عن “الشعر الآلي” ضمن مشروع الترويج للأفكار الفاشية الايطالية، فثار ضده جورج حنين وعدد آخر من الكتاب والفنانين واطلقوا بيان “يحيا الفن المنحط” الذي كان بمثابة الميلاد لجماعة “الفن والحرية” كجناح مصري من السيرالية العالمية حتى نهاية الاربعينات مع انفصال حنين ورفاقه عن السيرالية العالمية وأندرية برتون، لكن أثر “الفن والحرية” امتد وترك بصماته على مسار الفن المصري الحديث.

 

 

الاهتمام العربي والفرنسي بتراث الحركة السيرالية المصرية يأتى كرد اعتبار للحركة التى تعرضت طوال عقود للتهميش من التاريخ الثقافي والفنى الرسمى في مصر. لكن الأسبوع الماضي شهد عودة شبح الحركة إلي منطقة وسط البلد بالقاهرة حيث ولدت لأول مرة من أكثر من نصف قرن. ففي القاعة الشرقية بالجامعة الامريكية افتتح الخميس 26 نوفمبر مؤتمر “السيراليون المصريون من منظور عالمى” والذي أقيم على مدار ثلاثة أيام بمشاركة باحثيين من مصر، فرنسا، وأمريكا. ونظمته مؤسسة الشارقة للفنون، ومعهد دراسات الحداثة المقارنة بجامعة كورنيل.

تبرير الغياب

شهدت أول جلسات المؤتمر نقاشاً حول أسباب غياب الحركة السيرالية المصرية من التاريخ الثقافي. حيث كان من المقرر أن يحضر سمير غريب، لكنه اعتذر لظروف صحية وأرسل ورقة قرئها صلاح حسن أستاذ تاريخ الفن والدراسات البصرية بجامعة كورنيل. سمير غريب استعرض في ورقته تاريخه الشخصي مع الحركة السيرالية المصرية بداية بكتابة “السيرالية في مصر” الذي صدر عام 1986، وكان أول الكتب التى سلطت الضوء على تاريخ الحركة. ثم كتابه “راية الخيال”. حيث أثار كلا العملين شهية المترجمين والمهتمين بتاريخ الفنون لاعادة اكتشاف تاريخ الحركة.

أشار سمير غريب في ورقته كذلك إلي مجهودات هشام قشطة، وبشير السباعي في ترجمة وإعادة نشر الكثير من تراث الحركة، وأعاد إحياء الخلافات القديمة بينه وبين السباعي حول تفسير الميول السياسية لجماعة الفن والحرية لأعضاء الحركة.

كان من المقرر أن يحضر الشاعر والمترجم بشير السباعي فعاليات المؤتمر خصوصاً وقد ترجم الكثير من التراث الشعري والأدبي لكتاب وشعراء الحركة. لكن بشير غاب عن المؤتمر رغم وجود اسمه في البرنامج والسبب كما صرح بذلك لأخبار الأدب وكتب على صفحته على الفيسبوك يعود إلي أن المسؤولين في الشارقة طلبوا من الشاعر اللبنانى اسكندر حبش موافاتهم ببيان ديانته ومذهبه كشرط للحصول على فيزا للمشاركة في معرض الشارقة للكتابة، وهو ما وصفه بشير قائلاً “شرط مهين ولا يعتفر، لذا أعلن امتناعى عن المشاركة في فعاليات مؤتمر “السوريالية المصرية” المقرر عقده في القاهرة والذي تشارك الشارقة في تنظيمه”.

شهدت الجلسة الأولى كذلك جدل وتباين في الآراء بين د.عماد الدين ابو غازى، والفنان عادل السيوى في تبرير غياب تراث وتاريخ الحركة السيرالية. حيث رأى د.عماد أن نهاية السيرالية في مصر ترتبط بصعود الناصرية وذلك لأنه في ظل المناخ السياسي والاجتماعى للفترة الناصرية لم يكن مسموحاً بوجود جماعات مثل “الفن والحرية” ليس لها شكل قانوني واضح ومحدد يمكن أن تفهمه الدولة، والسبب الثانى أن الحركة وتراثها الفنى تعرض لنقد قاسي جداً في فترة الخمسينات والستينات من قبل نقاد رأوا في مثل تلك التجارب الفنية فن برجوازى وغير ملتزم بالقضايا الثورية أو بالواقعية الاشتراكية التى سادت في ذلك الوقت.

لكن الفنان عادل السيوى أبدى عدد من الملاحظات في تفسير هذا الغياب حيث رأى أن نهاية جماعة “الفن والحرية” بدأت قبل صعود الناصرية، لأسباب لها علاقة بتجربة الحركة الفنية التى تآكلت من الداخل قبل ثورة يوليو.

أضاف عادل أن أعضاء الفن والحرية كانوا في صدام بشكل واضح ومعلن مع الفكرة القومية ومع فكرة الدولة القومية، وفي مواقفهم السياسية أو الأدبية أعلنوا من شأن البعد الانسانى فوق حتى البعد الوطني.

حب مضطرب: السيرالية والشيوعية

ارتباط أعضاء الفن والحرية باليسار المصري والعالمي، كان موضوعاً لعدد من المداخلات والأورواق التى عرضت في المؤتمر، حيث قدم جيرارد اشنغ أستاذ الدراسات الأفريقية والرومانسية ورقة حول التاريخ المضطرب للسيرالية والشيوعية، كما تحدثت أليكساندرا سيغيرمان، حول السمات الأساسية لحركة الفن والحرية التى ترسم مواقفهم السياسية والفنية وهذا السمات حددتها سيغرمان في ثلاث نقاط هى: أنها حركة عابرة للقوميات، مضادة للوطنية، وتعلى من قيمة التنوع كمحرك للفن.

رأت سيغرمان أن هذه السمات تنعكس على الكثير من مواقف الحركة بداية من نقدهم العنيف لأعمال مختار في بدايتهم، حيث تمثل أعمال مختار الفنية بما تقدمه من إعلاء لصور الهوية القومية كل ما قامت السيرالية على معاداته، ثم موقفهم المضاد لزيارة مارينتى لمصر، وأخيراً تأثيرهم الذي امتد حتى بعد زوال الحركة وشتات أعضائها، حيث نلمس هذا التأثير بوضوح في أعمال جماعة الفن المعاصر في الخمسينات والستينات وتحديداً أعمال الجزار.

ربطت سيغرمان كذلك بين نشأة الفن الحديث في مصر ومواقف جماعة الفن والحرية، حيث قالت: “تأسيس مدرسة الفنون في مصر بداية القرن العشرين جاء مرتبطاً بتأسيس الهوية الوطنية للمصريين، وتحت ضغط الرأى العام وظروف اللحظة التاريخية ادخل المثال محمود مختار الكثير من العناصر الوطنية لأعماله، والدليل على ذلك تمثال نهضة مصر، حيث الفلاحة المصرية انعكاس لتصورات الهوية المصرية عن ارتباطها بالنيل والنشاط الزراعي، بينما يمثل أبو الهول التاريخ المشترك. لكن مع ظهور السيرالية وجماعة الفن والحرية في مصر، كان مفهوم الدولة القومية يقود أوروبا إلي الجحيم متمثلاً في صعود النازية والفاشية.”

تري سيغرمان أن ما طرحته الفن والحرية هو السعي الدائم لانتاج فن متحرر من ضغط النزعات الوطنية، وبدلاً من ادماج العامة في هوية متخيلة عن طريق استغلال الفن، فالفن في رأيهم يجب أن يحاول تحديث العامة وتطويرهم. لذلك فأثر جماعة الفن الحرية قد لا يظهر بوضوح على مجمل التاريخ المصري في تلك الحقبة، لكن يمكن لمسه في أعمال فنانين أتوا بعد ذلك وتأثروا بمفاهيم الفن والحرية، حيث عرضت سيغرمان أثناء كلمتها عدداً من الأعمال المبكرة لعبد الهادي الجزار وكيف تتشابه مع أعمال سابقة لكامل التلمسانى.

 

سيرة عائلية نصف سيرالية

حضرت الروائية مى التلمسانى المؤتمر بصفتين كأستاذ سينما في جامعة “أوتاوا” بكندا، وكبنت أخ لأحد أبرز فنانى جماعة الفن والحرية كامل التلمسانى. قدمت مى في مداخلتها سرد مفصل لسيرة حياة كامل التلمسانى وتجربته الفنية المتعددة مع الحركة السيرالية ثم انفصاله عنها. اعتمدت مى التلمسانى في ورقتها على جزء من الأرشيف العائلي والفنى لعائلتها. فمى ابنة المخرج عبد القادر التلمسانى، وهو الأخ الأصغر للمصور حسن التلمسانى وللفنان كامل التلمسانى الذي بدأ حياته كرسام وفنان، شارك في معارض جماعة الفن والحرية التى كانت تقام في عمارة الأموبيليا في وسط البلد، وزينت رسوماته الديوان الأول لجورج حنين وقصص ألبير قصيري.

لكن كامل التلمسانى توقف عن الرسم فجأة وقرر الانتقال لوسيط أكثر جماهيرية، حيث عمل للسينما وأخرج بينى عامى (1945-1960) عشرة أفلام سينمائية، أبرزها الفيلم الطليعي “السوق السوداء” والذي حمل في تصويره وتكوين كادراته الكثير من ملامح أسلوبه السيرالي، والذي ظهر أيضاً في أعماله المسرحية وفي تصميم الديكورات لأعمال فيروز والأخوان رحباني المسرحية، حيث انتقل التلمسانى إلي بيروت بعد ثور يوليو وعاش هناك معظم الوقت. كما ألف التلمسانى كتابين باللغة العربية، “سفير أمريكا بالألوان الطبيعية” ونبه فيه مبكراً إلي الآثر الذي سيحدثه استمرار توغل وانتشار وتوزيع الأفلام الأمريكية على صناعة السينما والمجتمع في مصر والعالم، والثانى هو كتابه “عزيزى شارلي”.

 

إرث السيرالية في أدب جيل التسعينات

في اليوم الثالث والأخير قدمت د.هبه حليم أستاذ الأدب المقارن بجامعة نيويورك ورقة بعنوان “أثر السيرالية المصرية: نصوص إدوار الخراط وما يسمى بمدرسة الإسكندرية.” أشارت د.هبه في ورقتها إلي شهادة قديمة للخراط ذكر فيها أنه حينما كان صغيراً شارك مع صديق له في ترجمة قصة قصيرة لألبير قصيري. وتري حليم أن هناك جيل من الكتاب العرب وقعوا تحت تأثير الفن والحرية، كأحمد مرسي الفنان والكاتب المقيم في نيويورك، وحسن عفيفي، وإدوار الخراط الذي نشر أول كتاب له سن 1949، ثم اختفي وظيفياً وتوقف عن نشر الأعمال الابداعية حتى عاد لها في 1984.

ارجعت حليم سر هذا التوقف واختفاء هذا الجيل من الكتاب إلي سيادة الواقعية الاشتراكية، وثقل الاحساس بالهزيمة بعد 1967.

تراث السيرالية الأدبية كان محوراً لمداخلة الفنان عادل السيوي والذي حملت ورقته عنوان “ميراث الفن والحرية، قراءة: فنان مصري معاصر”. بدأ السيوى حديث بتذكر سنوات اقامته في مدينة ميلانو الايطالي حيث كان يلتقي على الغداء مع صديقه الفيلسوف الايطالي “اجامبيون” واستشهد عادل بواحدة من عباراته حينما قال “أن المعاصرة لا تأتى من الاشتباك مع اللحظة الراهنة فقط، بل أيضاً من الاشتباك مع التجارب التى حصلت قبل ذلك وحاولت أن تكون معاصرة.”

ركز السيوي في حديثه على أربع نقاط اعتبرها الارث الحقيقي للجماعة السيرالية، أولها اللغة. حيث قرأ مقطعاً للعقاد يناقش فيه المذاهب الفنية السائدة في هذه الوقت وموقفهم النقدى العنيف من حركة الفن المعاصر سواء كانت انطباعية او تجريدية أو حتى سيرالية حيث اعتبرها العقد لهو، لكن الأهم كيف كانت لغة الفن في ذلك الوقت في رأى السيوي في منتهى الجمود، بينما مع جماعة الفن الحرية نلاحظ كيف سعوا إلي انتاج ما وصفه جورج حنين باللغة المشعة. فهم لم يسعوا إلي الدفاع عن أفكارهم بل اجتهدوا في تقديم منتجهم بأسلوب وبلغة قادرة على فرض وجودها.

استشهد السيوى بأثر الفن والحرية على اللغة، بعبارة جورج حنين: “أنا من بلد قادر على تبديد كل أمل وكل يأس” والتى عادت في السنوات الأخيرة، حتى أصبحنا نشاهدها في بعض أعمال الجرافيتى كجرافيتى انجزه “عمار أبو بكر” مؤخراً في وسط البلد وحمل عبارة حنين.

نقل السيوى حديثه بعد ذلك إلي فكرة الجماعة كحركة فنية معاصرة، وأنه كانت أول تجربة تشعر الفنانين المصريين بامكانية أن يكونوا جزء من حركة معاصرة للحراك الفنى العالمي لا مجرد ناسخين للثقافة العالمية، وإن مثل هذا الطموح لدى الجماعات الفنية والادبية المصرية لم يعد للظهور إلا مع جيل التسعينات.

جماعة الفن والحرية كذلك كأنت أول جماعة أدبية أو فنية تستخدم الحرية في اسمها، ما سيأتى بعد ذلك سيتستخدمون كلمات مثل الفن المعاصر، الفن الملتزم لكن الحرية كقيمة قدمتها الفن والحرية كجزء من رؤية أعمق من الطرح السياسي، حيث الحرية هى تحرير الخيال من سجن المنطق.

Share
Tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *