لا يكبرون ولا يتأثرون بعوامل الزمن. صفة أساسية في الفنانين العرب. ورغم أن الزمن في الغالب ليس صديق ودود للفنانين، لكن أحياناً ما يتقبل بعض الفنانين العالميين تغيراته ويطور من شخصيته وأدائه. أما في الدول العربية فالفنان أيقونة وصورة لا تشيخ، ولا بد أن تظل لامعة ومرتبطة بالشباب.
يزداد الأمر تعقيداً إذا كان الفنان مغنى أو مغنية. يزور الجيم باستمرار، يحافظ على الشعر الأبيض مخفياً وبعضهم رغم تجاوز مشواره الغنائي الربع قرن يصف نفسه بمغنى الشباب ويكافح من أجل دمج نفسه بإيقاع الشباب المتغير كل بضع سنوات من ملابس لمكياج وحتى اكسسورات.
الوحيد الذي يقف في مساحة خاصة به بعيداً عن كل هذه الممارسات صديقاً للزمن والشيخوخة هو جورج وسوف، وحلقته في برنامج “قول يا ملك” مع المذيع نيشان ديرهاروتيونيان خير دليل على هذا. أبداً لم يخجل وسوف من الشعر الأبيض، ولا آثار الزمن حتى على الجسد. يسير وسوف متكئاً على مقربيه، يمد نيشان يده ليتكأ عليها عند دخوله المسرح لكنه يبعدها ثم يستند عليها حتى يجلس، يعتذر لجمهوره عن اضطراره للجلوس ماداً قدميه.
غير وسوف لا يوجد فنان عربي يمتلك البساطة والجرأة في الوقت ذاته على تقديم ذاته بهذا الشكل إلى جمهوره، يد ترتعش وجسد يقاوم بمرح المرض. بالغناء وبالصوت الطربي صنع وسوف أسطورته وامتدت حدودها خارج الشام إلى سائر الدول العربية. جمهوره في مصر يضم طوائف وطبقات متعددة. جمعيهم حلموا بزيارة وسوف للقاهرة، ولأن ذلك لم يحدث منذ عقود فقد تكاثرت الاشاعات دائماً عن أسباب عدم قدومه. هكذا الغياب يزيد من الهالة الأسطورية والحكايات التي لا تنتهى عنه. أساطير وسوف ليست بسبب غيابه الإعلامي فقط بل وكما فسرها شارل عقل في مقاله عنه محاولة “لإرجاع الأمور إلى نصابها. فصوت عربي مثل هذا، من القلائل الذين يغنون الموسيقى العربيّة، لا بد أن يكون مسلماً، ولا بد أن ترتبط إبداعاته بتأثر من الموروث الاسلامي والإنشاد الديني”
تحول وسوف واللون والأسلوب الذي يؤديه إلى مدرسة قائمة بذاتها في الأداء والغناء، في بداية اللقاء يسخر وسوف من مشيته المهتزة ويقول “هلا بدى اشوف اللى بيقلدونى، كيف يقلدوا كيف بمشى”. لا يخجل وسوف من إجراء اللقاءات الصحفية أثناء المرض، يقول لنيشان فيما معناه:” باعتذر لأى شخص زارنى، وتجاوزت معه في الكلام في الحديث أو الهزار” يقدم وسوف المرض لا لاستدرار عطف الجمهور وشفقته بل لأنه جزء من حقيقته وواقعة وكرد فعل على حب غمروه بيه، بحيث يبدو المرض وغدر الزمن لا كتيمة أساسية في أغانيه، بل جزء من صورته وشخصيته الفنية. في الفيديوهات التي عرضها نيشان في البرنامج وتظهر رحلته العلاجية يظهر وسوف أثناء أداء أحدى التدريبات الحركية العلاجية، ثم يبدأ في الرقص مهتزاً بشكل هزلى، سخريته العنيفة والتي لا ترحم لا تتوقف حتى حينما يسخر من نفسه ورحلته العلاجية.
مرض وسوف وغيابه الأخير ترافق مع ظهور إشاعة إسلامه للمرة السبعين تقريباً، سيخسر وسوف من إشاعة إسلامه، ومتباهياً سيقول أن زوجته مسلمة سنية، تزوجها في المحكمة الجعفرية، والمدنية، والكنيسة. يفتخر جورج بمسيحتيه لكنه سيرفض طلب نيشان بغناء ترانيم مسيحية. لم يكن وسوف أبداً بالمغنى الملتزم ولم تحتل القضايا العامة أو السياسية حيزاً في مسيرته الفنية، لكنه أيضاً ابن الشام، وفي لحظة كتلك تتلوى عضلات وجهه ويحاول الهرب من الحديث في السياسية لكن لا يفوته أن يعلن تأييده لبشار وأخيه وأبيه.
بذلت قناة الحياة جهوداً في اختيار جمهور الحلقة خصوصاً السوريين منهم، ارتفعت صيحات التشجيع من القاعة حينما أكد وسوف تأييده لبشار الأسد وأخيه وأبوه. لكن لا لوم على وسوف وعلى الانترنت حيث تتوالى التعليقات على الحلقة، البعض سنفعل ويصفه بالشبيح، لكن غالبية التعليقات ستأتى من نوع “رغم أنى معارض لبشار لكن احبك أبو وديع” بينما سيكتب أحدهم: “الله يشفيك و يهديك و ياخذ روحه لبشار!!”
هذا الاختلال في التعامل مع مواقف وسوف السياسية، ينبع أيضاً من الاستفزاز الذي تمثله الصورة الذهنية لوسوف لدى قطاعات مختلفة، فهو المغنى الطربي، متعاطى المخدرات، الصريح، المسيحى السورى، دائم السخرية حتى من زملائه في الوسط الفني، هو خارج الجماعات والتصنيفات السائدة لكن بحكم انتماءات مولده فلديه اعتبارات ومواقف لا يملك أي اختيارات غيرها.
——- —
نشرت في السفير













Rogers