هل انتهى زمن الأغنية البديلة؟

من أعمال محمد جابر

من أعمال محمد جابر

مقدمة موجزة للتأصيل التاريخي

قاد جمال عبد الناصر ورفاقه منذ الخمسينات عملية تغيير جذري لا فقط للنظَام العام للدولة وأجهزتها التنفيذية بل للفضَاء العام والمجتمع ذاته من أجل تطويعه في آلة ضخمة لتحقيق مشروع ضخم لم تتضح أبداً معَالمه وإن كنا عرفناه كأجيال لاحقة بالمشروعِ الناصري المُجهض.

كان الفن والثقافة من ضمن تلك المجالات التى تعرضت لعملية تطويع ضخمة شملت سيطرة الدولة على وسائل البث والنشر من إذاعة وسينما وتلفزيون بعد ذلك، وامتدت بعد ذلك لتشمل أدوات الإنتاج الثقافي والفنى نفسها ليتم تأميم الجرائد وشركات الإنتاج الفنى تحت ذرائع مختلفة.

تحركت دولة عبد الناصر في مجال الأغنية على مستويين أساسيين؛ المستوى الأول امتلاك أدوات الإنتاج والبث وبالتالي التحكم في الأغنية العربية والمصرية والمُسَاهمة في إضفاء تابع القدَاسة على نجومها المرضي عنهم -عبد الحليم وأم كلثوم نموذجا- أو تهميش آخرين بصفتهم ينتمون إلى العهد البائد –صفر على وفؤاد المستكاوى- أو أغانيهم ليست أغانى هادفة –شكوكو نموذجاً-.

أما المستوى الثانى فقد كان جزءاً من خلق عملاق وزارة الثقافة وقاده وقتها زكريا الحجاوى الذي طاف المدن والأقاليم لجمع الفنانين الشعبيين من الموالد ومن الفضاء العام وتحويلهم لموظفين يؤدون فقرات ثابتة وجاهزة على مسارح الدولة.

19(191)

لكن ومثلما تعملنا من “فوكو” فأينما وجدت السلطة وبدأت في ممارسة أدوات تسلطها وجدت المقاومة. لذا لم تمر عملية سيطرة الدولة على الأغنية دون مقاومة، وقد تبدت أول صور تلك المقاومة في تجربة الشيخ إمام. لكن على هامش آخر ومع نهاية الستينات بدأت في الظهور مجموعة من الفرق الشابة المتأثرة بالتطورات النوعية التى حدثت في مجال الأغنية في أوروبا وأمريكا. وتجلت في عدد متنوع من الفرق بداية من “زا روكيت” و”البلاك كوست” ومشاريع إسماعيل توفيق الحكيم الذي مات منتحراً بعد ذلك في ظروف غامضة.

للآسف لم تحمل تجارب تلك الفرق خلفها ميراث أيدلوجيا أو جماعة ثقافية مولعة بأمجاد التاريخ كاليسار لكى تحفظ لنا تجاربها الموسيقية، بينما توفرت مثل هذه الظروف لشيخ إمام، الأمر الذي كفل لتجربة الإمام الاستمرار التاريخى كنموذج لما سيعرف بعد ذلك بالأغنية الملتزمة.

توسع الهامش أكثر فأكثر مع سنوات السبعينات والثمانيات، كنتيجة لتراجع تسلط الدولة النسبي على مجال الفن والثقافة، ولظهور تقنيات بث ونشر جديدة أقل في التكلفة وأوسع انتشاراً ويصعب السيطرة عليها كشريط الكاسيت حتى أصبح هناك تيار غنائي كامل يعرف باسم الأغنية البديلة.

لم يتضح أبداً ما هو التعريف الدقيق للأغنية البديلة، لكن اصطلح على كونها الأغنية القابعة في الهامش بعيداً عن آلات البث الخاضعة لسيطرة الدولة التى تضخمت لتصبح نظام وشبكات إنتاج خاصة قد لا تكون تابعة للدولة لكنها تمارس دور النظام الحاكم. لكن تسمية “الأغنية البديلة” لم تشمل أبداً الأغنية الشعبية بداية من أحمد عدوية وسلالته بل تم وضعهم في ركن منفرد أو التعامل معهم كإفراز لحالة مجتمعية سياسية ملتبسة وغير مفهومه.

الدولة نفسها والنظام يوماً بعض يوم لم يعد مهتماً بتأكيد سيطرته على المجال الثقافي والأغنية إلا في قضايا حساسه محافظاً على الخطوط الحمراء في الوقت ذاته. صحيح أن الآلة الإعلامية للدولة والتى ظلت الأضخم والأوسع انتشاراً حافظت على انحيازها للأغنية للرسمية حيث لا مكان للتجارب الموسيقية المختلفة الشابة ولا مكان حتى لتلك التى تحمل اسم الأغنية الشعبية، ناهيك عن استبعاد الغناء المحلى وكل ما هو خارج القاهرة من الطنبورة وحتى الغناء البدوى والتعامل معها كمنتجات فولكلورية مكانها مساحة بسيطة في فرق الفنون الشعبية.

-مشهدان وبضعة أسئلة

-طوال أيام الاعتصام الذي أعقب مظاهرات 28 يناير، كان الميدان ساحة لإذاعة الأغاني الوطنية بداية من تلك التى ظهرت مع المشروع الناصري المجهض وحتى أغانى الفرق الشابة الجديدة التى تكرر نفس التجارب القديمة وتخلط هتافات المظاهرات بالموسيقي. كان الميدان بالنسبة لكثيرين حالة من حالات الفن الجميل. وفي يوم 11 فبراير في ميدان التحرير وفي أحد الإذاعات مع ارتفاع موجات فرحة الجماهير وطوال أكثر من ثلاث ساعات كانت الموسيقي التى يتم بثها هى موسيقي المهرجانات فقط. بداية من عمرو حاحا وفيجو وحتى 8%. لماذا اختفت حالة الفن الجميل مع الإحتفالات إلا من شرفة حزب التجمع فقط التى كانت تبث أغانى عبد الحليم يومها، وتم استبدالها بأغاني المهرجانات ومنها أغنية مهرجان “يا حسنى سيبنا حرام عليك”؟ لماذا بعد ذلك تقوم مؤسسة كالمورد الثقافي باستضافة نجوم المهرجانات كإسلام شبيسي وعمرو حاحا في مسرح الجنينة؟ بينما تستضيف البرامج الحوارية على التلفزيون الرسمي والقنوات الفضائية فرق كاسكندريلا وغيرها؟

-جرت العادة أن تختار شركات المشروبات الغازية نجم غنائي عالمى وعربي ليقوم بحملتها الإعلانية السنوية. وكانت بورصة النجوم تتغير على حسب النجم الذي ستختاره الشركة كل عام. اختيار نجم ما لإعلان واحدة من شركتى المشروبات الغازية يعد بمثابة تنصيب هذا الفنان كنجم للعام.

بعد عام من الثورة اختارت شركة المشروبات الغازية فريق وسط البلد للقيام بحملتها الإعلانية، بينما اختارت الشركة الآخري فريق “كاريوكى”. الفرقتان من الفرق الأغنية التى ظهرت قبل الثورة وتنامى جمهورهما في الأماكن الثقافية المستقلة التى كانت تستضيف حفلاتهم الأغنية أو من خلال تسجيلاتهم التى كان يتم تبادلها مجاناً على الإنترنت. لماذا بعد الثورة يتم اختيار فرقة مستقلة لتنفيذ إعلان شركة مشروبات غازية؟ لماذا لم يتم اختيار عمرو دياب أو حمادة هلال أو محمد فؤاد رغم أن الثلاثة قدموا أغانى للثورة؟ وهل يمكن استمرار وصف الأغنية التى تقدمها فرق موسيقية تقوم بعمل إعلانات لشركات مشروبات غازية بأنها أغنية بديلة أو مختلفة أو مستقلة؟

التطور الطبيعى للحاجة الساقعة

منيرفي كتاب عبد الله كمال وإبراهيم عيسي عن الأغنية البديلة الذي صدر في طبعة واحدة تقريبا على نفقتهما في الثمانيات، يبدى جميع الفنانين الشباب الذين يقدمون ما اصطلح عليه المؤلفان باسم “الأغنية البديلة” استيائهم من اضطرارهم للغناء في كباريهات شارع الهرم. الأغنية البديلة في الثمانيات كانت تعنى تجارب على الحجار ومحمد منير وجيلهما الذي حارب في سنوات “العدم” من أجل وجود مكان وشركات إنتاج تتبنى تجاربهم الغنائية.

لكن مع بداية الألفية وبفضل سياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي التى سمح بها النظام لتشمل السماح بالتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدنى ومنها تلك التى تركز على التنمية الثقافية. تغير المشهد ليصبح هناك منظومة كاملة ترعى ما يسمى بالفن البديل في كل المجالات ومنها مجال الأغنية.

سمحت هذه المنظومة بتكاثر الفرق الغنائية الشابة وبتوفير المسارح ومبادرات الإنتاج لدعم هؤلاء الفنانين. لكن في جوهرها ظل مفهوم الفن البديل المستحق للدعم عند هذه المنظمات يقتصر على تلك التجارب الغنائية التى تتكئ على تراث مشاريع الأغنية البديلة منذ الستينات. لهذا بدا قاموس الكلمات والجمل اللحنية في تلك التجارب الغنائية حاملاً لأطياف وأرواح تجارب سابقة بل وأحيانا بدت بعض تلك التجارب استنساخ لما كان.

منظومة إنتاج الفن المستقل التى وفرتها مؤسسات التنمية الثقافية المختلفة، لم تكن تتحرك أيضاً بالحرية الكافية فدائماً كان هناك ظل الدولة ونظامها وخطوطه الحمراء، ثم ظل الخطوط الحمراء بالنسبة للمجتمع والذوق العام. الأمر الذي بدوره كان له تأثير على طبيعة تلك التجارب الفنية فلا محظورات سياسية أو اجتماعية أو حسية يمكن الاقتراب منها. وإلا في هذه الحالة لن تجد لك مكاناً تحت ظل صناعة الفن المستقل.

لكن التطور التكنولوجيا في تلك الفترة أيضاً فتح أبواب لعالم آخر من خلال الإنترنت، فحتى إذا كنت بعيداً عن منظومة الفن البديل، ولا تمت بأى صلة للفن الرسمى وحتى إذا كان ما تقدمه محاولة للتجريب أو التخريب أو العبث يمكنك من خلال الإنترنت نشر تلك التجربة وليس شرطاً أن تضع اسمك عليها إذا كان لديك تخوفات من ردود أمنية أو اجتماعية.

سمح الإنترنت بخلق عالم جديد وتجارب جديدة، وأصبحت صناعة الفن البديل تحاول اللحاق بركاب هذا العالم. لهذا فمكان مثل الساقية الذي كان يرفض في بدايته استضافة حفلات الفرق التى تقدم موسيقي “الراب”، لم يجد أمامه بعد فترة إلا القبول بهم خصوصاً بعد أن تحول بعضهم بفضل الانترنت إلى أسماء لديها جمهورها.

نهاية العالم القديم

تكاثر وسائل الإعلام في مصر ما بعد الثورة من قنوات فضائية لإذاعات لجرائد. يخلق مُعَادلة آخري وهى الحاجة إلى منتج لتغطية كل ساعات البث والصفحات البيضاء المستخدمة، وفي وقت يتزايد فيه الاهتمام بالشأن السياسي. يصبح الطلب على الأغنية الوطنية في ازدياد ويصبح المناداة برد الاعتبار للفن البديل في تصور البعض نوع من الانتصار لوجهه نظر سياسية. ناهيك عن استخدام الأغنية في خدمة العمل السياسي كنوع من البروبجندا الإعلامية. وفي هذا الحالة لا يصبح التقييم الفنى – الذي هو بطبعة مسألة نسبية- مسألة تقتصر على مستوى مكونات العمل الغنائي بل تمتد لتشمل طبيعة رسالته السياسية والايدولوجيا، ومواقف الفنان السياسية.

لكن المدهش أنه بدلاً من أن يدفع هذا الأمر إلى تطوير الأغنية السياسية والوطنية تطورا نوعيا ينعكس على فن البروبجندا السياسية، تأتى تلك الأغانى خالية من أى طموح للاختلاف أو التجريب. بل يجمعها المباشرة والإصرار على استخدام القوالب الموسيقية الجاهزة وبالتالي لا يصبح هناك فرق كبير بين أغنية “شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير” لحمادة هلال وأغنية آخر يقدمها فريق “كاريوكى” مع عايدة الأيوبي “يا ه ياللميدان كنت فين من زمان بتجمعنا”.

لم يعد الغناء البديل بديل لأى شيء، فقد روحه التجريبية وخياله غير المؤطر، لكنه احتفظ بالختم التى حمله قبل الثورة، لأن هذا الختم هو بوابته الآن نحو العالمية والتجارية.

وفي هذا الحالة يصبح التحدى لا يمس فقط الفنانين الموسيقيين وخروجهم من العباءة الهلامية لذائقة الفن البديل، بل يمس أيضاً تلك المؤسسات الثقافية التى رعت هذا الفن طوال السنوات الماضية والتى يبدو واضحاً تخبطها أكثر من الفنانين أنفسهم في العام الماضي حيث تستضيف فرق موسيقية في تظاهرة كالفن ميدان في الشارع وتستضيف إسلام شبيسي على مسرح الجنينة. وهو تخبط يكشف ضمن ما يكشف أن مؤسسات الدولة الثقافية والفنية ليست الجهة الوحيدة التى تحتاج إلى إعادة هيكلها والتفكير في طبيعة رسالتها، بل أيضاً مؤسسات رعاية الفن البديل والمستقل والجديد تحتاج إلى إعادة التفكير في طبيعة دورها حتى لا تسقط في حالة المهرجانات والزيطة فقط.

——- —

نشر المقال في مجلة هيباتيا عدد مارس 2013

Share
Tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to هل انتهى زمن الأغنية البديلة؟

  1. anon says:

    لسه في ناس بتحاول، علي طاليباب والمنظومة مثلًا، وهم كمان نفس الناس الأقل انتشارًا وشهرة بين الباقيين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *