بالنسبة للديكتاتور فالنظارات السوداء المعتمة تتكفل بإصابته بالعمى وإفقاده القدرة على عدم رؤية الناس أو قوتهم على الفعل.
تنطلق داخلية السيسي في العمل بكلتا يديها وبالأسلاك الكهربائية العارية في أجساد المصريين. بلا قانون ولا محاسبة ولا التزام اتجاه أي شيء، تحركهم رغبات حارقة في الإنتقام مما حدث في 25 يناير، وتسيطر على قيادات الوزارة أوهام السيطرة وأن كل ما حدث فيهم قبل ذلك سببه مراكز حقوق الإنسان والصحافة التي تنشر جرائمهم وسرديات فشلهم.
لكن النظارات السوداء للسيسي لا يمكن أن تخفي شركائه في تركيبة الحكم، وأعمدة النظام.
بالنسبة للديكتاتور فالدستور والقوانين أهميتها ليست في تنظيم حياة البشر، بل في تنظيم مساحات القوى والعلاقات بين أذرعها وكلابه الحاكمة. الديكتاتور الرمز مؤسس الدولة المصرية الحديثة للاستبداد جمال عبد الناصر، وضع تركيبة حاول من خلالها تفادى الاصطدام بعناصر وأعمدة الدولة خصوصاً مؤسستها القضائية، وذلك بمنح نفسه حق الاستثناء بأن يصنع لقرارتها ولسلطاته مسارات قانونية خارج السياق القانوني والدستوري. وذلك عبر القانون 162 لعام 1958 والمعروف شعبياً بقانون الطوارئ. بهذه القانون منح ناصر له ولأياً من يجلس على الكرسي بعده الحق في تشكيل محاكم استثنائية وفي نزع الحقوق الدستورية والإنسانية للمواطنين، ووضعهم أمام محاكم تأخذ أوامرها المباشرة من اصبع الديكتاتور. بهذا جنب عبد الناصر ومن بعده مشقة المواجهة مع السلطة القضائية أو النظام القانوني والدستورى للجمهورية المزعومة، إلي جانب وضع حالة الطوارئ فللرئيس بصفته الحاكم العسكري حق إحالة المدنيين للمحاكمات العسكرية.
هذه الحق الاستثنائي أوقفه الدستور الحالي والذي للصدفة تمت صناعته وصياغته في زمن صعود نجم السيسي بعد 30 يونيو. حجم الدستور الحالي من سلطات الرئيس الاستثنائية وانتزع منه حق الإحالة للمحكمة العكسرية. وذلك كله لصالح السلطة القضائية ممثل الدولة العميقة وشريك السيسي الرئيسي في كل ما تلا 30 يونيو. لذا فبعد حادث اغتيال النائب العام مؤخراً والذي سيظل لغز أبدي بلا حل، لم يوجه السيسي غضبه لرجال الشرطة المسئولين عن حماية وتأمين النائب العام، ولا للجيش الذي وقع التفجير في منطقة تابعه لسلطاته، بل وجه غضبه لشركائه في السلطة، وجهه غضبه للقضاة، وحينما قال عبارته الايقونة الشهيرة والتي تلخص مشروعه الاستبدادى بمنتهى الايجاز “يد العدالة مغلولة بالقوانين”. فيد العدالة هي يمين السيسي، والعدالة بالنسبة له هي الحالة الاستثنائية التي يمكنه عبرها أن يمارس سلطاته دون الصدام مع أى جهة أو هيئة أخري.
اختيار السيسي الذي يضعه أمامنا وأمام السلطة القضائية ليس الاستثناء أو الطوارئ أو الأحكام العسكرية، بل تقدم حكومته مشروع قانون مكافحة الإرهاب، ليحول القانون ذاته إلي استثناء ويفقد القانون عدله واتزانه ليصبح كل القانون تجسيداً لأصبع السيسي.
يتجه طموح السيسي إلي إحداث كوارث في القانون ونظام المحاكم المصرية، بداية من رغبته في إلغاء محاكم الاستئناف لتسريع دورة إصدار وتنفيذ الأحكام، ومنح القضاة حق عدم الاستماع لشهود النفي، مما يفقد مهنة المحاماة أي معني ويجعل العدالة يمكن أن تنطق بناء على عين وأذن واحدة. على هوامش هذه المائدة التخريبية فهناك مواد كابوسية آخري من القوانين المعدة للسيطرة على الصحف والاعلام، والتي تجرم حتى نشر أي أخبار أو روايات عن الأحداث تخالف الروايات الرسمية. فالديكتاتور من خلف نظارته السوداء المعتمة يتخيل أنه يمكن أن يتحكم فيما تراه غيره من العيون.
يهرول السيسي ومعه جنرالات الجيش ولواءات الداخلية نحو أكل الدولة وسلطاتها القضائية، والداخلية بعدما كسرت عين الشعب تسعي لكسر عين القضاة وتحويلهم لأمناء شرطة، لكى يصبح كعب الداخلية أعلي من كعب القضاة. لقد مرت على هذه البلاد عشرات السفاحين القتلة، بل شاعر رقيق كصلاح عبد الصبور تعجب ذات مرة وقال:
“لا أدري كيف أنجب وادينا الطيب/
هذا القدر من السفلة والأوغاد”
لكن ما تمر به مصر الآن ليس فترة ظلام أو حكم ديكتاتور، في سلسلة الاستبداد المصرية الطويلة، بل تخريب متعمد لكل الأطلال والأسس التي كان يمكن البناء عليه. حينما قامت ثورة 25 يناير كان على رأس أهدافها إلغاء حالة الطوارئ، بمعنى إلغاء حالة الاستثناء للقانون والدستور وما يفعله السيسي من تحويل القانون ذاته إلي الاستثناء كفيل بتحويل هذه البلد من كونه خرابة إلي أطلال مزبلة، ترعي فيها قطعان من الهمج تحركها رغبات ثأرية، شرطة تنتقم من شعب وصحافة وحقوق انسان، ومظلومون ينتقمون من رجال شرطة وقضاة، وإرهابيون ينتقمون من الجميع. إذا ركب الجنون ودلدل رجليه أكثر فأكثر الأيام القادمة، ونجح السيسي وحكومته في إقرار قانون مكافحة الإرهاب فأن أثار التخريب التي سيسببها هذا القانون ستدوم لعقود وعقود قادمة، ولن يمكن لثورة واحدة إصلاحها. لأن القانون ذاته سيفقد معناه، والعقد الاجتماعي المنفرط سيفقد الرابط الوحيد الذي يحافظ عليه وهو الفكرة المتخيلة المعروفة باسم الدولة المصرية.
——————- ——————————————-
نشرت في المصري اليوم













Rogers