قضى فهمى هويدى السنوات التى تلت ثورة 25 يناير، يدافع عن المحاكم العرفية وأحكامها خصوصاً في القضايا الطائفية ثم مؤخراً استشعر القلق على القضاء المصري وقد أصدر مركز “بيو” للدراسات الأمريكية تراجع ثقة المصريين في القضاء. فنطق أخيراً أن القضاء المصري في أزمة. حينما كان القضاء هامشياً والأحكام العرفية الجائرة ضد المسيحين البسطاء في العامرية لم ينطق هويدى، لكن المفكر الاسلامى حينما استشعر اقتراب نيران الظلم من رفاقه وقفاه نطق أخيراً.
والمسألة ليست في هويدى فقط، فالكثير من الكتاب والاعلاميين يسير بالفعل بمنطق “البقرة بتولد.. الثور بيحزأ ليه”. وطالما ظلم وجبروت أحكام الاعدام الأخيرة بعيده عن قفاهم فلا يهتمون، لكن حتى حمدى رزق “حزأ” أخيراً من القضاء. حمدى ليس لديه مشكلة في تراجع ثقة القضاء وأحكامه الجائرة، هو فقط يريد أن يكون ظلم القضاء واقعاً على أحمد المغير وشياطين الجماعة موضوعه المفضل للحزأ، لكن حينما يقترب الأمر من أصدقائه وأبنائهم يكتب عن “يارا سلام” ويصفها بوردة الفوضى الجميلة. ويصبح القضاء الآن كخة. لا يطالبه رزق بالحيادية او العدالة بل بأن يسجن من لا يحبهم ويفرج عن من يحبهم.
عبد الله السناوى أيضاً برنس مفكرى النخبة المعاصرة وأحد النجوم الفكرية الزاهرة حول المشير السيسي يستشعر القلق من أحكام القضاء المصري الأخيرة، لا لعدم اتباعها لاجراءات المحاكمة العادلة أو لتعدى القضاء على حرية الرأى والتعبير وسجن زملاء صحفيين للسناوى، بل لأن ما يفعله القضاء يسيء لسمعة مصر، ويصعب من مهمة رؤس الدولة والنظام والعاملين في الخارجية من أجل تنظيم مؤتمر “الشحاتة”.
الأمثلة الثلاثة السابقة تمثل تيارات متبانية من المفكر الاسلامى إلى المفكر الناصري، وحتى الكاتب الحبوب الساخر الزميل حمدى رزق. الثلاثة لديهم مشاكل وملاحظات على أداء مؤسسة القضاء المصري. والثلاثة ينهون مقالاتهم ومداخلاتهم على هذا الأمر نهايات مفتوحة. ينتظرون تدخل من قوى عليا غامضة لحل الأزمة. فلا معلق على أحكام القضاء ولا سلطة فوق سلطة القضاء حتى لو لم يتبع القاضي القانون أو الاجراءات، فلا تعليق سيظل القاضي في مكانه وسيظل العبث والظلم يرعى في الرعية.
التحيز هو الصفة الأغلب على أداء السلطة القضائية مؤخراً، وهو تحيز يستغل قدرة القانون على المط وأحيانا يضرب بالقانون عرض الحائط. بينما يتم تجديد الحبس للمتظاهرين السلميين أو لآخرين يتم التقاطهم حرفياً من الشارع، بينما لا تحقق النيابة في وقائع التعذيب والاغتصاب داخل السجون، حتى أن الحقوقين اليوم كنجاد البرعى يلقون بمسئولية استمرار عمليات التعذيب على النيابة والقضاء لا على وزارة الداخلية.
بعيدا عن فندق الفورسيزون، أو مقهى شارع 26 يوليو بالزمالك حيث يلتقي نخبة مفكرى وكتاب السلطة الذين يقلقون على أصدقائهم ومصالحهم الخاصة، أو صورة مصر في الخارج. فالممارسات المتعسفة والتوسع في الاجراءات العقابية من قبل المؤسسة القضائية سواء في النيابة أو المحاكم أصبح مسألة ذات أثر عميق جدا في المجتمع المصري.
تحولت الوشاية والتبليغ إلي أسهل وسيلة للانتقام وتصفية الخلافات، قضايا الإرهاب اليوم لا يتولها أمن الدولة، بل البحث الجنائي والشرطة وبلا تحقيق أو استدلال يتم تجديد الحبس للمتهمين وإحالتهم للمحكمة حيث تحدث الغرائب، متهمون حاضرون يتم الحكم عليهم غيابياً، وآخرون يتم الزج بأسمهم في قضايا بينما هم محبوسين على ذمة قضايا آخرى.
مثلما هناك مخبرون كبار في الصحافة والاعلام، فهناك مخبرون جدد لا يمتلكون حرفة الكتابة الصحفية، لكن يمتلكون حرفة كتابة الوشاية يسعون لتثبيت نفوذهم في مجتمعاتهم المحلية، نتحدث على مستوى الحارة أو القرية يتم تحرير الوشايات من المخبرين والضابط الذي يرغب في رفع سجل مجهوده الشهري يقوم بالقبض والإحالة، وتستمر السلسلة بلا تحقيق ولا كشف، أو حتى يرزق الله المواطن المسكين بقاضي لم يفقد بصيرته بعد ينظر في الأوراق ويراجع ما كان.
إن الثقة في النظام القضائي المصري تنهار داخلياً وخارجياً. والعدالة تغيب لصالح الغشومية. والجميع بغض النظر عن انتمائهم وتنوعهم يعترف أننا نواجه أزمة ومشكلة حقيقية في سلوك مؤسسات القضاء المصري. وأن الأحكام الأخيرة سواء الاعدامات أو سجن الصحفيين، ليست إلا الجزء الظاهر من الأزمة، بينما تحت الماء العطن للدولة المتعفنة يختفي ركام من الملاحظات على وضع السلطة القضائية والتى تحولت إلى نشاط عائلى تقتصر ممارسته في بعض المحافظات على عائلات محددة بالاسم، والروابط بينهم وبين فروع السلطة الآخرى أصبحت ظاهرة للعيان لا يحتاج الأمر لمعرفة تفاصيلها أكثر من متابعة صفحة الوفيات في الأهرام.
لكنى كما حمدى رزق، كما عبد الله السناوى، وحتى فهمى هويدى أنهى هذا المقال بنهاية مفتوحة، لا عرف كيف يمكن فتح نقاش حقيقي على أوضاع السلطة القضائية ولا كيف يمكن إصلاحها بشكل ثورى، أو حتى بشكل إصلاحى من الداخل. ومثلما يتوقف البعض في عبرة وتأمل أمام مبنى الحزب الوطنى المحترق، فأنا أيضاً أقف أمام مبنى محاكم الجلاء المحترق في طريق من وإلى العمل ولا أعرف رداً للقضاء وإن كنا نسألك اللطف فيه.
—- —
نشرت في موقع المدن














Rogers