حديث غير مُجدى عن عقوبة الإعدام

ما أن يتم الحديث على ضرورة النظر في حق الدولة بالإعدام والمطالبة بإلغائه، حتى يشهر رد “ولكم في القصاص حياة”. ودون كل حدود الله ينفعل المدافعون عن إجرام الدولة في قتل المواطنين وسلب أرواحهم أمام حكم الإعدام، ويتجلى الإيمان والخشوع في صوتهم عند الحديث عن الحكمة الإلهية التي يفترضونها أن الله منح الدولة حق إعدام المواطنين.

في القرن التاسع عشر، ولتأسيس الدولة المصرية الحديثة جرت تغييرات جذرية في طريقة حكم مصر وتأسيس الهوية المصرية. حيث لم يعد المصريون رعايا ولا الحاكم خديوى أو رئيس جمهورية مسئول عن رعيته أو هكذا جرى تصور الأمر. ففي الدولة الحديثة تظهر المؤسسات ويتم تقسيم السلطات وإدارة اختصاصاتها بشكل قانونى يفترض التجريد والحيادية في خطابه، ويطرح نفسه بصفته ممثلاً لشيء خفي يدعى التطور أو التقدم أو أخطر ملاك ليس بوسع الجميع رؤيتها يدعى حكمة العدالة.

لا تنظر الدولة الحديثة إلى المواطن كغنمة شاردة تستحق الرعاية بل كممول لضرائبها وجزء أساسي من بنيانها وسبب وجودها. المواطن الصالح ذو الجسد السليم والعقل السليم هو ترس أضافي في ماكينة الدولة. هكذا صار الأمر، لذلك فإذا أخطأ المواطن لا يكون البديل هو عقابه أو القصاص، فالغرض من السجن ليس العقاب بل الإصلاح وإعادة تهيئة المواطن بحيث يمكن دمجه مرة آخري في بنية المجتمع ليعود الترس إلى مكانه.

لكن على رأى أستاذ مدحت يحدث هذا في حمامات الدول الأوروبية المتقدمة. أما في مصر فقد صار التطور في شكل هجين، لتكون النتيجة وحش متنكر في ثياب البراءة والعدالة يطلق عليه الدول المصرية.

وضعت الدولة المصرية على سجونها شعار “السجن إصلاح وتهذيب”، وصدعت النخبة القانونية والتشريعية رأسنا طوال أكثر من قرن بالحديث عن الدولة الحديثة القائمة على إعادة مناقشة القوانين المصرية وإعادة تهيئتها بما يتناسب مع العصر الحديث. لكن كل هذا الخطاب يتوقف أمام عقوبة الإعدام ويظهر بدل منه خطاب “نخاف ألا نقيم حدود الله في الإعدام وقتل الناس.”

لا علاقة بين حد الإعدام في التشريع الإسلامي وأحكام الإعدام التي تصدرها الدولة المصرية الآن، فأولاً يجعل الفقه والتشريع الإسلامي تنفيذ حدود الإعدام محصوراً بحالات محددة ليس من ضمنها على سبيل المثال قلب نظام الحكم، أو الاتجار بالمخدرات، أو حتى الاغتصاب وإن كان يقرها في الزنا. كما تجعل الشريعة تنفيذ عقوبة الإعدام في حالة القتل العمد معلقة بعفو الأهل فإذا عفي أهل القتيل عن القاتل أو وافقوا على الدية سقط حد الاعدام، بل واعتبر القرآن الكريم الصفح والعفو هو الأصل. لكن لا مجال لحق العفو وأهل القتيل حينما تصدر الدولة الآن حكمها بالإعدام على مواطن. أين إذا العلاقة بين عقوبة الإعدام في القانون المصري وحد الإعدام في الشريعة الإسلامية؟

Andy-Warhol-Knives--c--1981-82--silver-and-black---gicl

الدولة المصرية تدعى مطابقة أحكامها بالإعدام لصحيح الدين والإسلام ولذا يجب أن تأخذ بركة المفتى عليها، المفتى الذي يصدق على أحكام الإعدام لكنه لا يمتلك سلطة رفضها، ولا يمتلك السلطة على التحقق حتى من مدى مطابقة حكم الإعدام بقوانين الشريعة التي يفتى على أساسها.

الإهانة الأساسية للشريعة الإسلامية ولحد الإعدام كما نادى الفقه الإسلامي بتطبيقه ترتكبها الدولة المصرية تحديداً مؤسسة القضاء ومؤسسة الإفتاء. ولا علاقة بين عقوبة الإعدام المنصوص عليها في القوانين المصرية والتي على أساسها يتم إصدار تلك الأحكام الخرافية وبين الشريعة الإسلامية وحد القتل كوسيلة للقصاص.

لذا فمن يغيرون على الشريعة والإسلام الحنيف هم يجب أول من يكون في الصفوف الأمامية في معركة انتزاع حق الإعدام من الدولة المصرية بكامل مؤسساتها. ربما تمنح الدولة الحق في السكن، وتنظم الحق في التعبير وبقية الحقوق المدنية، لكن الدولة لا تمنح الحياة، فبأى حق أصلا تحتكر الدولة حق الإعدام.

يحدثنا ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والعقاب” كيف أن حق الإعدام في عهد أوروبا القرون الوسطى، لم يكن يطبق على القاتل فقط لأنه قتل، بل لأنه انتزع حق من حقوق الملك وهو حق الحياة. لذا فحتى إذا عفي عليه أهل القتيل، فالعفو النهائي منوط فقط بأمر الملك. في أوروبا ذات التركيبة الاقتصادية الاقطاعية يملك الملك الأرض وما عليها، وبالتالي فحياة الأفراد ملكه، وتعدى أحدهم على الأفراد التابعين له هو انتزاع لهذا الحق الملكى بالتالى يكون الرد بعقابه وإعدامه.

يقول شيخ الأزهر ومعظم شيوخ الوسطية بأن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من الطاغوت. ومع نهاية القرن التاسع عشر بدأت من أوروبا حركة واسعة لمحاربة تقنين العباد والاتجار بالبشر، والذي أصبح الآن جريمة تعاقب عليها القانون. ذات القانون الذي يمنح الحق لإنسان آخر لمجرد أنه يحمل في خانة الوظيفة لقب قاضي أن يصدر أحكام بالإعدام بحق المئات دون حتى أن يستوفي الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون. البنية القانونية والفلسفية التشريعية للدولة المصرية لا تقوم أبداً على الاعتراف باستقلال حياة الأفراد عن سلطاتها ولا تمنحهم أي وسيلة لمقاومة طغيان هذه السلطات سوى أن يكونوا منبوذين وفي حالة حرب معلنة ضدها. في دول تطبق عقوبة الإعدام كالولايات المتحدة الأمريكية تعترف القوانين والدستور بحق الأفراد في حملة السلاح، وتقنه كحق لضبط النظام العام وأداة حتى في يد المواطن للدفاع عن حقوقه. بينما في مكان كما مصر ستصر قوانين الدولة على تجريم حمل السلاح والتجارة فيه إلا بموافقتها في حين أنه أداة طبيعية موجودة في بيوت العائلات والأسر المصرية في أماكن كثيرة من سيناء إلى الصعيد والآن حتى في مناطق من شارع فيصل إلى مدينة نصر.

لصالح من تعمل فلسفة القوانين المصرية؟

الأكيد أنها تعمل بعيداً عن التكييف مع احتياجات المواطنين وواقعهم. والأكيد أن المسألة أكبر من الحديث عن إصلاح أو تطهير لقضاة ذوى توجهات وأحياناً أدوار سياسية واضحة. فالنخبة القضائية المصرية إجمالاً هي حكم وجزء أساسي من كتلة النظام وأداة من أدوات قراراته. وأمر كتبه الله علينا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

—— -

نشرت في المصري اليوم

Share
Tagged , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *