الطلاق مسيرة من الفخاخ المتوالية

أحدهم نصب لى فخاً. في الأفلام والمعالجات الدرامية والروائية وحتى في النبرة التي يحكى فيها الذكور متفاخرين تجاربهم العاطفية، يرد الانفصال أو الطلاق كوصمة عار ونقطة حزن في حياة المرأة ولحظة قوة وحزم في حياة الراجل. وقد وقعت في الفخ.

سواء كانت المقدمات للطلاق أو الانفصال من سفاسف الأمور التي تتراكم ببطء وصبر حتى لحظة انفجار تدمر السد، أو جلمود صخر يسقط من على فجأة فيولد معركة تتنهى بنهايات دراميا. مهما كانت المسببات أو النتائج، أو عدد المحاولات المتوالية الفاشلة لإصلاح ما انكسر أو البحث عن مخرج للحفرة. فهناك نقطة يصل السواد فيها إلي أقصي درجاته. وتتوهم أن الطلاق أو الانفصال سيكون نقطة النور التي يمكنك أن تهرب عبرها من السواد إلي شمس البدايات الجديدة. هذا أيضاً فخ.

من أعمال وليد عبيد

من أعمال وليد عبيد

بينما تستسلم إلي حل نهاية الطلاق وتسير نحوه، تجد المسائل تتعقد أكثر. العائلة تبدأ في التدخل. وفي الغالب هذا أسوء ما يمكن أن يحصل. فأولاً سيطالبون بالحق في معرفة كل التفاصيل والمبررات للطلاق، وتحت ضغطهم و”الزن” على الودان الذي هو أهم أمر من السحر فقد تستلم وتخبرهم بالتفاصيل. وحتى إذا التزمت الصمت وتمسكت باحترام خصوصية العلاقة، فاللحظة التي سيعترف فيها الطرف الأخر لعائلته ستندفع أنت في حماقة آخري لتعترف لعائلتك. حينها ستتضاعف المشاكل وتتصاعد الدراما.

الخطأ الثانى الذي وقعت فيه وغالباً ما يتكرر في العائلات العربية أن تقرر تحت دافع السأم واليأس ترك مناقشة تفاصيل الانفصال المادية وترتيبات الإجراءات القانوينة والبيروقراطية في يد العائلة، أو تفقد أعصابك في أي لحظة من لحظات التفاوض. سينفجر الأمر ومع العائلات سيتدخل المحامين، ليبدأ فصل آخر مساره المحاكم والقضاء الشامخ ورشاوى للأمناء وبلطجة وقلة أدب وقيمة في بلد لا تعرف من القضاء إلا شموخه.

شاهدت رجال ينهارون تماماً مع دخول المسائل في مرحلة المحاكم، يتحولون إلى مضطربين بردود أفعال عنيفة اتجاه كل شيء، بل يصبح من الصعب التنبؤ بأفعالهم، ولم أدرك الداعى والسبب لهذا إلا حينما مررت بذات الموقف، كان هناك بركان من المشاعر الجديدة كل يوم تتكشف لأول مرة. نعيش كذكور خلف قواعد وأقنعة تحدد لنا ما هي الرجولة وما هي صفاتها وكيف يجب أن تتحرك وتتفاعل مشاعرها لكى تكون ذكر، وكل هذا من أجل جذب الطرف الآخر، لكن حينما يتبدد الحلم ونقترب من فقدان الطرف الآخر تنهار أقنعة الرجولة، ونري أنفسنا في مواجهة فيض من المشاعر المختلطة والمتضاربة والتي لم يخبرنا أحدهم كيف يجب أن نتفاعل معها. في المقابل فسكينة وهدوء وثقة وقوة غريبة على كل امرأة عرفتها تمر بمرحلة الطلاق والانفصال. قد تصاب بالحزن، والإحباط أكيد عدمية ولا مبالة لكن تظل مسارات المشاعر ذات كينونة معروفة وهى الحزن والاكتئاب. أم الرجل فبسقوط القناع يسقط في “حيص وبيص”، وتضارب واندفاع جنوني من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار.

تجاوزت إجراءات الطلاق والانفصال بهدوء وسكينة وقدر من الاحترام والود. لكن ما بعد الانفصال هذا الفراغ لم أعرف كيف أواجه. ظننت لفترة أنى حالة خاصة ومميز ومختلف، لكني وجدت كيف أنى قصتى مكررة، صديق طيار حربي بعد الطلاق جاء منهاراً يحكى كيف أنه ولأول مرة كان يشعر بالتشتيت حينما يخرج في مهمة.

دورة مؤسفة. ففي الزواج اندفعت في دوامة العمل حتى تركت العلاقة تغرق في بحر من الرمال، وحينما انفجرت المشاكل بدا الطلاق وسيلة للتخلص من المشاكل للتفرغ للعمل. لكن بعد الطلاق لم تعد هناك حاجة للعمل وفكرت الادخار أو الاستقرار المادى تضاءلت. تحاول أحياناً تعويض الفراغ بالانطلاق في رحلات استشكافية جديدة لكن إذا اتجهت للخارج ستجد أن الهوة تتسع أكثر فأكثر. لأن ما لا تبحث عنه وإن كنت تحتاجه سيكون بالداخل وهى رحلة أكثر وعورة. ولا تتوقع أبداً أن تجد ما فقدته، أو تجد أي شيء عموماً. فالمهم هو ما ستتركه الرحلة من آثار عليك حينها ستتغير أنت وستجد أن ما تبحث عنه تغير وأصبح شيئاً أو أشياء لم تكن لتراها إلا لو لم تعبر عبر هذا النفق وتترك ما ظننته يوماً حياتك لتكون ولادة جديدة وإن حملت جينات وتاريخ الحيوات السابقة

—- -

نشرت أولاً في موقع الحب ثقافة

Share
Tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>