أربع سنوات من عمري ضاعت في سبيل الحصول على شهادة جامعية من جامعة خاصة تحمل اسم أكاديمية أخبار اليوم. أدين بالفضل لهذا المكان لترسيخه المبكر ليقين “اللاأمل”. كان يرأس الأكاديمية أحمد زكي بدر، وهو ابن وزير الداخلية الأسبق زكي بدر المعروف بلسانه السليط واستخدامه لأسلوب التشهير والرد والتطاول. كان الأخير يفخر بأنه يتجسس على أعضاء مجلس الشعب وزوجاتهم، وذات يوم دخل البرلمان ومعه جهاز تلفزيون وفيديو ليعرض تسجيلات لزوجات أعضاء مجلس الشعب، أو على حد قوله “اوريكم بيوتكم بيحصل فيها إيه”.
ابن الوزير الفاضل، كان أستاذاً في كلية هندسة، ثم اختاروه عميداً للأكاديمية. دخلت الجامعة ولم يكن مسموحاً بأى نشاط جامعي، لا اتحادات أو جماعات طلابية، لا أنشطة من أي نوع، بل ولا اتحاد طلبة خلافاً للقانون. في إحدى السنوات، بعد سلسلة من ضغوط قامت بها قلة من الأساتذة، تقرر اجراء انتخابات لاتحاد الطلبة من دون أن يعلن عنها، وتم اختيار أعضاء الاتحاد من دون حتى علمهم.
ابن اللواء كان يدير الأكاديمية بالاستعانة بشركة أفراد أمن، لهم سلطات واسعة. التدخين، أو لعب “الكوتشينة” ممنوع داخل مبانى الأكاديمية. كنا كطلبة، نجلس على رصيف الشارع المقابل للأكاديمية حينما نرغب في استنشاق قدر من الهواء، والهروب من جحيم سلالة زكي بدر. حتى الرصيف لم يكن يتركه لنا. ذات يوم نزل بنفسه من مكتبه، راكضاً خلف مجموعة من الطلبة وفي يده حزام جلدى لضربهم.. مشهد لم أرَ مثله قبلاً، في أي من مراحل التعليم. ثم وبالتعاون مع د.نائلة عمارة، تشجعتُ مع مجموعة من الطلبة لتكوين فرقة مسرح، وحاولت نائلة دعمنا، لكن المحاولة تم اجهاضها وتركت نائلة الأكاديمية، ومشروع الفرقة المسرحية تحوّل إلى عروض اسكتشات طريفة قدّمت في إحدى حفلات التخرج أمام صفوت الشريف. في الجامعات الخاصة، باستثناء الأميركية، كان النشاط السياسي أو أي نشاط عموماً مغامرة خطرة، وآفاق المستقبل تنتهى بصورة حسنى مبارك يخلفه جمال مبارك، والاثنان في شعار واحد هو الاستقرار. وبالمنطق الأمني العسكري، الاستقرار يعني “ثابت يا عسكري”. إذ ليس مطلوباً أن تكون الجامعة مساحة للاكتشاف أو التعلم، بل لتأكيد رسالة النظام والاستقرار، ولنزع الأمل وزرع العدمية العميقة. أما الدور الآخر لك، فهو تقديم الاستكشاف لإضحاك الباشوات، أو التصفيق لهم وهم يتحدثون – من تحت أطنان الصبغة والبوتوكس – عن مستقبل الشباب.
تذكرتُ تلك الأيام الحزينة وأنا اتابع صفحة الشرطة المصرية في “فايسبوك”، وهى صفحة غير رسمية تعبر عن اللزوجة وثقل الدم الذي تتميز به الشرطة المصرية، حيث نُشرت صورة للواء زكي بدر مرفقة بتعليق “الله يرحمك يا أسد”. أما الاقتباس الوارد مع صورة زكي بدر فهو: “الحرم اللى أنا أعرفه: الحرم المكي، والحرم النبوى، إنما حرم الجامعة دا ما كناش بناخده في حصة الدين”.
أيامنا الحزينة لا تقارن بأيام الغضب التي تعيشها الجامعة الآن، إذ بات الذهاب إلى الجامعة رحلة، الهدف منها العودة سالماً من دون رصاصة في جسدك. وحين قرأتُ عبارة زكي بدر، عرفت من أين جاء العطب الذي أصابني في شبابي، ولماذا كان ابن اللواء يتعامل معنا كطلبة بكل هذا العنف والغل، مستخدماً أقذع الألفاظ في التطاول على الطلبة وأحياناً الأساتذة. ولماذا، مكافأةً له على تجربته الناجحة في الأكاديمية، اختير لرئاسة جامعة عين شمس، حيث كان أول من منع الشورت والشباشب والملابس الشبابية العصرية من الجامعة. ومكافأةً له على إنجازاته، اختير وزيراً للتربية والتعليم، ليخوض حرباً جديداً مع الأساتذة. حتي جاءت ثورة يناير، فأخفته في الظلام مع كل خَدَم مبارك الذين لا يجدون ما يفعلونه سوى الوقوف أمام المستشفى العسكري مع المشخصاتي تامر عبد المنعم، وهم يهتفون لمبارك “بنحبك يا ريس”.
من أجل نظام ساقط، أهدر أحمد زكي بدر، سنوات من شبابي وشباب زملاء وأصدقاء كان يمكن أن تكون لهم فرصة حقيقية للتعليم والتجريب واكتشاف الكثير عن الحياة والذات وما يمكن أن نكونه. وبعد مرحلة “السأم المباركي”، جاءت، بعد ثورتين، مرحلة حروب الوحوش والفالكون.
تشكل الجامعة جزءاً أساسياً من بنيان المجتمعات الحديثة. وهي، في الوقت ذاته، معمل تفريخ الأفراد المناسبين لتلبية احتياجات النظام من الأيدي العاملة والأفراد. هذا بالطبع إذا كان النظام يعمل. لكن، في بلد مثل مصر، يهدف النظام إلى البقاء في السلطة أكثر من العمل والإنتاج. الآن، وبينما يزحف الجيش على كل الأنشطة الاقتصادية، بدءاً من الرخصة الرابعة للمحمول، وحتى المقاولات العامة. ويصبح خريجو الجامعة بلا مكان ولا حاجة لهم في ساسة ومناخ النطاعة الجديد.
الجامعة الآن بالنسبة لنظام السيسي، معركة، الانتصار فيها ليس بتقديم خدمة تعليمية، بل في استمرار فتح الجامعات مهما تساقطت جثث الطلبة، ومهما ارتفعت حدة الاشتباكات. يجب أن تستمر الجامعة كمؤسسة للتعذيب. إغلاق الجامعة يعنى انتصار الإخوان في تلك الساحة، وهو ما لن يسمح به نظام السيسي إلا بصفقة سياسية يحقق منها الفائدة والنفع، وهو ما لم يعُد الإخوان، أو حلفاءهم أو محبوهم، قادرين على منحه بأي شكل.
مع بداية العام الجديد، تنتشر شركة فالكون بحراسها المنفوخين بالمنشطات الرياضية، في حين يفتخر أحد الأساتذة بأنه يجند طلبة لكى يتجسسوا على زملائهم وينقلوا أخبارهم له وللأمن. ورغم الهجوم على الأساتذة الذين صرحوا بأنهم يتجسسون على الطلبة والأساتذة، فقد صفقتُ لهذا الأمر، لأنه، أخيراً، يوضح بصراحة الغرض من الجامعات في مصر الآن: أنه تخريج المخبرين، وتحويل الرافضين للعمل كمخبرين إلى إرهابيين، لكى يجد المخبرون سبباً لاستمرارهم في الحكم. أما الباقون، فعليهم تأدية دور المواطن الخائف المرتعب.












Rogers