لا أحد يَصفُ ما يحدث الآن بأنه فوضى. يستخدمون مصطلحات وتعبيرات متنوعة في شكلها لكن جوهرها إيجابي فخور.
اللغات التى يمكن أن تسمعها في الشارع حيث تختلط الإنجليزية الحديثة بالصينية والفرنسية وبقايا العربية يقولون أنها دليل لحيوية الواقع واللحظة، الكل أصبح للمرة الأولي يفخر بالتنوع.
في لقائي مع بابريكا في المطعم المطل على الميناء أشارت أثناء تعدادها لمحاسن ما حدث بأن البشرية كانت قد وصلت لمرحلة تحتاج معها للتخلص من أثر الهويات القومية المرسخة بالسلطة العسكرية والدستورية للدولة. الإقتصاد يمكنه أن يفعل ذلك، امنحوا قوة ومجال أكبر للشركات، وأقوى الشركات دائماً هى شركات المقاولات والاستثمارات العقارية، لذا كان يجب أن تتحول الجمعية إلى واحده منهم، إلى أقوى واحدة، وربما الوحيدة، أما التنافس فلنجعله لعبة للتسلية بين أقسام وفروع الشركة المختلفة.
-انظر بسام، أنهم يحبون بعضهم البعض للمرة الأولى. خلصناهم من الماضى وصنعنا مستقبل ليس مشرقاً تماما اتفق معك، لكنه يتجه نحو الضوء الموجود في نهاية النفق.
خسرنا آلاف الفنانين هنا في مصر أثناء العاصفة. وخسرت البشرية أضعاف هذا العدد في معظم المدن الكبري التي شهدت حوادث مشابهه. من كثرة الأسماء لم أكن أعرف من ظل حياً ومن مات ولم أهتم للأمر إلا بعد حوالي السنتين حينما سمعت اثنان يتحدثان بالصدفة في أتوبيس عام ويقولان أن سميرة سعيد قد ماتت في العاصفة. الموت علينا حق ومع ذلك يظل هناك ضوء في نهاية النفق.
والآن بعد عشرين سنة، يتذكرون سميرة سعيد في قسم التاريخ ومعمل التوثيق والأرشفة، توضع بياناتها وأعمالها بجوار أم كلثوم.
الجيل الجديد تختلط في ذهنه سميرة سعيد مع أم كلثوم، فالاثنان في وعى هؤلاء الفتية بناة المستقبل ينتميان إلي الماضي، ما قبل العاصفة حزمة واحدة. عالم مختلف عما بعضها.
أعود ثانية إلى معرض «برقية حب للضفادع» وهو المعرض الذي شارك فيه حوالي تسع فنانين شباب أكبرهم كان عمره خمسة أعوام وقت العاصفة. هناك شاهدت عمل وظف خلاله الفنان واحده من صور سميرة سعيد الضاحكة حيث تلمع حبات أسنانها تحت ضوء الفلاش، واستخدم خط الثلث العربي ليكتب في الخلفية عبارة «فات الميعاد» وفي أعلى اللوحة توجد شمس ذات لون أخضر وعقارب الساعة متوقفة عند التاسعة وربع، أما إطار اللوحة فقد تمت إحاطته بمصابيح كهربائية صغيرة وملونة.
لقد وقفت بعيداً وأخذت أراقب الجمهور الذي كان معظمه من جيل الشباب وهم يعبرون أمام اللوحة، يتوقفون لثوان وأحياناً لدقائق، يتظاهرون بالتأمل أو يتأملون بالفعل. تحدث مع بعض الجمهور وصافحت الفنان صاحب العمل سريعاً. ولا أحد يلتفت للتناقض بين عبارة أم كلثوم وصورة سميرة سعيد، هذا إذا وجد بينهم من يحسن أو يجيد قراءة الأحرف العربية القديمة حيث أصبحت هناك مجموعات كاملة من هؤلاء الشباب يستخدمون الحروف اللاتينية في كتابة اللغة العربية.
في مصر والعالم كله نمت تأويلات جديدة لعلم النفس بعد العاصفة، واندمجت هذه التأويلات مع سياسات شركات الإعمار الجديدة لإعادة هندسة الفرد وبالتالى هندسة الأسرة فالمجتمع ككل. كانت أحد أبرز هذا الآليات ضرورة إحراق الحنين. فحتي بعض علاج الصدمات العصبية التى تولدت عن ألم الخسارة وفقدان الأحبة التى حدثت للكثيرين لم يكن من السهل السيطرة على الارتدادات غير المباشرة التى قد تنشأ بسبب لحن قديم، أو مشهد من فيلم أقدم أو أى منتج ثقافي آخر.
حذرت تقارير كثيرة من مخاطر الاستماع للموسيقي القديمة –يقصد بها موسيقي ما قبل العاصفة- وقدرتها على إثارة الحنين بشكل يدفع للبكاء ويصنع صدمات ارتدادية تستهلك الكثير من طاقة الأفراد التى كانت شركات الإعمار في أمس الحاجة إليها.
انظر للمستقبل.
حين نجتاز فترة هم أو خيبة شيء ما كالبلغم في الحلق يمنعنا من الاستمرار في العيش، ابلعه، اكبته. الذكريات المكبوتة تمحى، يتطلب الأمر زمناً، ولكنها تمحى، بالفعل. هذا ما كان يروج له علم النفس الجديد ومؤسسات التنمية الذاتية وإعادة تهيئة وبناء الفرد الجديد. وكنت ابتسم من كل هذه الدعاية والترويج لمثل هذه الأفكار بسبب إيمان خاص بي بأن التجاوز وهم والنسيان أمر نسبي جداً، والأهم أنى كنت اتابع كيف كانت تتم عملية إعادة صياغة الماضى والذاكرة وإصباغ أوصاف مبالغ فيها عن القاهرة وجمالها وعظمتها وكمالها. كانت العملية دائرة من اللاجدوى، ابتكار ذكريات مبالغ في موضوعيتها أو حدوثها ثم الترويج لها ثم طلب نسيانه وتجاوزها.
هكذا كان عمل الجمعية مع بابريكا، إمتداد لأفكار دائرة الحياة اللانهائية.









Rogers