لا تجعل ظهرنا للحائط يا سيسي

يفترض البعض أن الثورة أو الفعل السياسي الجماعي بمعنى مبادرة الجماعة إلى إيقاف حركة النظام من خلال أشكال التعبير المختلفة هو أمر من أفعال الإرادة. ولا أعرف سبباً محدداً لسيادة هذه الفرضية، ربما هو نوع من التفاخر الذي تمارسه الشعوب لعكس صورة شجاعة عن هويتها ومعدنها، ربما هو الإعلام والطريقة التي يقدم بها الإحداث مختصراً الأمر بعبارات “أكليشيه” من نوعية ثم خرج المصريون لإسقاط الحكم الظالم وإنقاذ مصر.

أحاول حقاً تخيل تلك اللحظة رغم أنى عشتها أكثر من مرة، وفي كل مرة تتشكل الصورة في ذهنى عبثية كأنها مشهد من مسلسل كارتونى. اللحظة التي يقرر فيها الشعب أن يصنع الثورة، أو ينتزع السلطة ويلقيها في الشارع. تدور في ذهنى هذه الأفكار وفي صدري تلك الشكوك، كلما سمعت عبارات من نوعية “الناس عايزة ترتاح” أو “الناس خلاص تعبت”. أتساءل أكثر متى كان الناس خصوصاً شعب الشقاء والكفحت المصري مرتاحاً أو ليس “تعباً”.

يفترض أصحاب عبارة “الناس خلاص تعبت” أن الثورة أو الفعل السياسي الجماعى من أفعال الرفاهية، كأنما ينزل الناس للمظاهرات أو يقتحمون العمل السياسي كنوع من الرفاهية التي يمارسونها في أوقات الفراغ. تخيل مثلا شخصاً هوايته المطالعة والفيسبوك ونزول المظاهرات.

أعتقد على عكس ما سبق أن الناس تتحرك إذا كانت تعبانة، وإذا كان النظام فاقداً لفعاليته، أو يرهق منظومته الاستبدادية ويحملها أكثر من طاقتها فتنهار المنظومة كما حدث في 28 يناير. الأرجح والأكيد أن الناس تتحرك إذا كان ظهرها في الحائط.

كما فعلت إسرائيل مع القضية الفلسطينية وحاصرتها في إطار ثنائية الأرض مقابل السلام، فالسلطة الآن في مصر وفي معظم دول الربيع العربي تقدم للمواطن ثنائية جديدة وهى وهم الأمن مقابل الرضا بالاستبداد وانتهاك الحقوق والحريات. المشير أو الرئيس – لا نعرف أي اللقبين سيفضل في المستقبل- قالها حتى في برامجه –البرامج التلفزيونية لا الانتخابية- فالدولة وأمنها ومستقبلها أهم من الحقوق والحريات.

بؤس مهين هذا الوضع وسيزداد بؤساً حينما يوقن الجميع بأن السيسي مش قادر يديك.

لا يعد السيسي حتى بالأمن لك أو لجارك أو لبنتك التي يتم التحرش بها في الشارع، بل يعد بالأمن لمؤسسات الدولة، مبانيها وأفرادها. هؤلاء هم مصر وهذا أمنهم. في المقابل سيتم حصار الجميع ووضع ظهرهم في الحائط. وبل وربما أسوء وشك في الحيط وقفاك له.

تهب الآن بوادر عاصفة قانون مجلس النواب، وبغض النظر عن تفاصيله فالسؤال والتحدى الذي سيواجه السيسي سيظهر بعد أقل من ثلاثة أشهر في شهر سبتمبر القادم حينما يحين موعد الانتخابات البرلمانية.

نرفع أيدينا بالدعاء لكمال الشاذلي حينما نتذكر هذه المناسبة الوطنية، كان رحمه الله أستاذ التوازنات الانتخابية وأحد صناعها الأساسيين، وآخر أعمال العظيمة ما انجزه في 2005 مع مفيد شهاب وفرسان الحرس القديم من برلمان دام لمدة خمس سنوات كاملة. السلطة ليس عافية. وليست استعراض للقوة على الأفراد ومحاصراتهم، بل هي كما عرفها عدوية “سيب وأنا اسيب”، والبرلمان طبخة تعتمد على ترضية شبكات الأعمال والمصالح والعائلات التي تشكل طيف المجتمع المصري.

في برلمان 2010 اعتمد مبارك على أحمد عز، الذي بدوره لم يعرف كيف تكون الطبخة، فقرر إدارة المسألة على طريقة “البقاء للأصلح، والكرسي للأقوى”، والنتيجة كانت أنه حاصر الكثيرين وتركهم ملتصقين بالحائط بل خيارات فكانت النتيجة هي تلوحيهم والرفس في الهواء حتى كان ما كان في 25 يناير.

الآن يهاجم السيسي الأحزاب في اجتماعه معاهم كمرشح رئاسي، يسألهم أين الشباب ودورهم في القيادة، بينما الشباب في السجون حيث تجاوز عدد المعتقلين بعد ثورة 30 يونيو المباركة الـ 40 ألف. لا ينحاز السيسي لأى حزب حتى من الأحزاب الداعمة له. وكل أحزاب تعبر عن شبكات مصالح وقطاعات من المجتمع ورجال الأعمال يرون في أنفسهم صناع 30 يونيو ومطبلاتيه وهتيفة ضغطوا على السيسي من أجل أن يتكرم ويأتي رئيساً. ينتظرون انتخابات مجلس الشعب للمشاركة في تركيبة الحكم وجنى الثمار. لكن السيسي لا يقدم وعوداً لأحد، ومن الجلى أنه لا يملك الرجال المتمكنين ولا الظهير السياسي الذي يمكنه من إنجاز الطبخة المناسبة للبرلمان القادم.

يطالب السيسي رجال الأعمال بصندوق المائة مليار جنيه. وبعد اجتماعه معهم أعلن بعض رجال الأعمال وبشكل علنى أنه سيصفون أعمالهم ويغادرون، بينما آخرون لم يعلنوا –دارى على شمعتك تقيد- وبدأوا في نقل أموالهم للخارج. آخرون امتلكوا الشجاعة وردو على السيسي: “احنا بندفع حضرتك من 30 يوينو” فكان رد السيسي كما أبرزته الصحف ومصر ادتكم كتير. ليست المشكلة في دفع رجال الأعمال، لكن أن يكون الدفع بقانون ووفق رؤية اقتصادية واضحة لا الإجبار أو رفع الحاجب والبحلقة وتخشين الصوت على طريقة السيسي حينما يريد أن يبدو جدياً أو مخيفاً.

لا حلفاء للسيسي حتى الآن إلا الدولة وأجهزتها، والإعلام كشفت الانتخابات هشاشته، بل ربما كان ما حصل منهم نوع من قرص الأذن بأوامر من رجال الأعمال ملاك الشبكات التلفزيوينة والجرائد والمواقع الإخبارية. لكن لوحده يرفض السيسي الأيادى الممدودة له، ولا يمد يده لأحد، يحاصر الجميع وظهرهم في الحائط بداية من الشباب حتى الطامحون في الارتقاء السياسي والطبقي.

يضع السيسي قطاعات كثيرة ومتباينة في حالة حصار ظهرها للحائط، دون أي فرجة أمل في المستقبل يمكنها الخروج عبرها والمشاركة معه، كأنما لا يرغب في مشاركة أحد، وأكل مصر لوحده.

Share
Tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *