أخى مينا، الثقافة ليست حظيرة

أخى في الوحدة الوطنية، مينا ناجى

قرأت منذ أيام مقالك المنشور في المدن تحت عنوان “المعركة الثقافية المصرية” وتحت الاقتباسات والبلاغة الشعرية التي جاء عليها المقال –ولا أخفي إعجابي بها- لمحت الحدود الضيقة التي ترى عليها المعركة في تكرار لذات الرؤية لمعركة الثقافة التي انتقدتها في مقالك والتي انتقدها سابقاً نصر حامد أبوزيد الذي استشهدت بما كتبه.

من أرشيف المكتبة البريطانية

من أرشيف المكتبة البريطانية

أنا ضعيف في مسألة المشاعر ولا أفهمها جيداً، وحينما تصل المشاعر إلى التعميم أو الحديث عن شعور جمعى يبدو الضباب سائداً على المشهد. تقول أن كراهية الربيع العربي أصبحت متماهية مع كراهية آخري هي كراهية الديمقراطية، وإن كنت اتفق معك في هذه النقطة إلا أننى لا أري أنها أصبحت، بل منذ اللحظة الأولى مع تزايد الحراك السياسي والمطالب الحقوقية الديمقراطية منذ 2005 وهناك بث مكثف لخطاب كراهية للديمقراطية. راجع الجرائد الرسمية والشبكات التلفزيونية والإعلامية وستجد أن الخطاب المخون والمكفر والذي يعمل على بث كراهية الديمقراطية كان ولا يزال هو السائد اللهم إلا لفترة نادرة بعد تنحى مبارك والصعود العاطفي لمشاعر النصر الرمزى.

خطاب الكراهية الموجهة اتجاه الربيع العربي والديمقراطية هو جزء من معركة الديمقراطية المستمرة، وهو موجود الآن مثلما كان موجوداً في عهد مرسي مثلما كان موجوداً في عهد مبارك. تفسيرك للحظة السياسية الراهنة بأنها كراهية للديمقراطية تدفع المواطنين إلى السعى للبحث عن أب/ راعى آخر كان يمكن استخدامه أيضاً لتبرير صعود الإخوان إلى هرم السلطة. لكن كما تعلم فشل الأب الاخوانى، مثلما سيفشل الأب المشير الآن. وذلك ليس بسبب فقط نزاعات قتل الأب، بل أيضاً لعجز هذا الأب عن الوفاء باحتياجات أبنائه من كل الطوائف والذين تعدى عددهم الآن 85 مليون جنيه.

هذا الأب الذي ترى أن وجوده نتيجة لبحث أبناءه اليتامى ليس سوى صورة، بينما الأب الفعلى والذي يحضر الغاز والبنزين ويبنى المنازل لأبنائه المصريين يقع في الخليج العربي. وفي هذا فدائماً ما اندهش خصوصاً من المثقفين المدافعين عن الدولة والاستقلال الوطنى الذين ينتقدون الدعم الثقافي الأوروبي والغربي لبعض التوجهات الفنية والفكرية في مصر، في حين يتم السكوت على التأثير السعودى والاماراتى وسيطرتهم على شبكات الإعلام ونفوذهم في العملية الإنتاجية الفكرية والفنية. حيث تبدو مسألة الاستقلال الوطنى كابن لقيط نبحث له عن أب مزيف ذو خطاب عاطفي حنون.

صورة مخلقة

http://ahmednaje.net/wp-content/uploads/2014/06/1535657_752202031458378_1521764528_n.jpg

لذا فما تفسره بأنه تحولات عاطفية من قبيل “الهوى” ككراهية الربيع العربي وكراهية الديمقراطية، أراه خطاب إعلامي يتم تسيده تعبيراً عن توجهات “الأوليغارشيّة” المسيطرة، وبالتالي فالمعركة الثقافية هي أولاً مع هذا “الأوليغارشيّة” وخطابها، ولا تكون أبداً بالاستسلام لهذا الخطاب أو حمل خطاب “الحب” في مقابل “الكراهية”. على طريقة البعض في تحميل شباب الثورة المسئولية عن الوضع الحالي لأنهم جعلوا الناس يكرهون الثورة، كأن الغرض من كل مكان إقامة علاقة عاطفية ودية بين الشباب وقيم الطبقة الوسطى والعجائز الذين يحتلون المشهد جوار السيسي.

هناك هزيمة بالتأكيد، بل ربما تكون مجموعة هزائم. لكن الاعتراف بالهزيمة لا يعقبه الرضا بالأمر الواقع والاستسلام. فالفرق واسع بين الهزيمة والاستسلام. وحينما تقول في نهاية مقالك “يغلق المجال السياسي، بصورة كبيرة نسبياً، بوصول الراعي، يبقى المجال الاجتماعي والثقافي ممثلاً في حق المدينة وحق المجال العام وحق المعرفة، مفتوحاً كمجال للصراع.” فهذا ليس اعتراف بهزيمة بل استسلام في معركة، وبدلاً من الدموع ترضي بصورة مؤطرة ومحدودة لمعنى المعركة الثقافية كمعركة حقوقية فقط. كأننا نعيد نفس النظرية التي سادت في التنوير التعسينى الذي تنتقده، حينما رضوا أيضاً بأن تحدد لهم السلطة مساحة وفضاء المعركة كمعركة ضد الإرهاب والأفكار الظلامية، حيث أصبحت الثقافة حظيرة على حد تعبير وزيرها السابق فاروق حسنى، فتطالب أنت أيضاً المثقفين بالرضا بالمساحة المحددة لأن الراعى –في رأيك- أغلق المجال السياسي على الرغم من وجود انتخابات برلمانية بعد ثلاث اشهر ستكون أشبه بصراع مفتوح للوحوش من كل اتجاه وإن نجح الراعى في إغلاقها أيضاً فستكون نهايته مثلما انتهى مبارك بعد برلمان 2010 بإغلاق المجال السياسي.

—- —

نشرت أولا بموقع مدن

Share
Tagged , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *