خريطة منح المؤسسات الثقافية المستقلة: فورد والاتحاد الأوروبي للكبار وعبارة والصندوق العربي للصغار

في أحد بنايات جاردن سيتى القديمة يقع مقر مؤسسة مدرار المعنية بدعم الفن المعاصر. أسس مدرار منذ سنوات محمد علام وضياء عثمان وانضم لهم مجموعة من الفنانين الآخرين الشباب، وطوال مدة عملها تميزت مدرار بتشجيع التجارب الجديدة ومحاولة دعم وتقديم أعمال وفنانين للمرة الأولى. ربما كانت أبرز الفعاليات التي نظمتها طوال الفترة الماضية هي معرض بشاير الذي نظمته أكثر من مرة وهو معرض جماعي نجح في تقديم عشرات الأسماء الجديدة إلى دائرة الفن المعاصر. وخلال السنوات الماضية كبرت مدرار من كيان يربط بين مجموعة من الفنانين، إلى مؤسسة ذات مقر يتكون من مساحة واسعة في جاردن سيتى مقسومة لجزء يشمل المكاتب الإدارية للمؤسسة ومساحة عرض تستضيف حالياً معرض “صن-رع”.

لسنوات كان عمل مدرار يعتمد على الدعم الذاتي ويتحمل علام ورفاقه كل شيء من جيبهم الخاص، لكن الآن أصبح لمدرار علاقتها وسمعتها وتمويلها. سؤالي الأول لعلام كان عن ميزانية المؤسسة ولماذا لا يتم الإعلان عليه؟

-فكرنا في مدرار أكثر من مرة في الإعلان عن ميزانيتنا خصوصاً وقد رأيت عشرات المؤسسات الثقافية في الخارج تعلن عن ميزانيتها من باب الشفافية، لكن المشكلة أنه لا توجد مؤسسة فنية أو ثقافية تقوم بذلك في مصر، لذلك تخوفنا إذا قمنا بهذه الخطوة أن تراها بعض المؤسسات الزميلة والشريكة معانا نوع من المزايدة.

مروة مرجان المسئول الإعلامى لجاليرى التاون هاوس نفت من جانبها أن تكون ميزانية التاون هاوس سرية حيث قالت: “ميزانية تاون هاوس ليست سرية، فعلى سبيل المثال نشرت مؤسسة المورد الثقافي مطبوعة “مقدمة إلى السياسات الثقافية في العالم العربي” في ٢٠١٠، و التي تضمنت ميزانيات العديد من القطاعات الثقافية في العالم العربي و معلومات عن مصادر التمويل، وتم الإعلان عن ميزانية تاون هاوس للناشرين. كما تنشر أغلب المؤسسات المانحة قيمة المنح التي تقدمها للمؤسسات الثقافية حول العالم و من بينها تاون هاوس. لكن بما إننا لسنا مؤسسة حكومية أو ذات ملكية عامة فلا نرى أن هناك ضرورة تلزمنا من إعلان الميزانية بشكل رسمي للعامة.”

لكن حينما طالبت علام بالاطلاع على ميزانية مدرار قام مشكوراً بإرسال نسخة مبسطة من الميزانية. حيث تلقت مدرار خلال عام 2013 تسع منح متنوعة من مؤسسات مختلفة. ثلاثة من هذه المنح تلقتها مدرار من برنامج عبارة الذي تنظمه مؤسسة المورد الثقافي، منحة من صندوق شباب المسرح العربي، ومقابل قيمة الشراكة مع مهرجان دى-كاف وقد خصصت المنح الثلاثة للمصروفات الإدارية التي تشمل إيجار المكان والأجور والمرافق. أما بقية المنح فقد تم تخصيصها للمشاريع التي نظمتها مدرار خلال العام الماضى. وتضم منح من مؤسسة MITOST الألمانية، مؤسسة التعبير الرقمى “أضف” مؤسسة دعم المبادرات الفنية بحيث تصل إيرادات مدرار خلال عام 2013 إلى 83 ألف دولار أمريكى.

تم صرفها 40% منها على المصروفات الإدارة لمساحة مدرار، 10% على مشروع معمل مصر الفني، 25% على مهرجان القاهرة الخامس للفيديو الذي تنظمه مدرار كل عام، 20% على مشروع تلفزيون مدرار والذي يهدف إلى توثيق وأرشفة حركة الفن المعاصر. وبلغت قيمة مصاريف 2013 لمؤسسة مدرار 64 ألف دولار، حيث تم توفير 19 ألف دولار لصالح مشاريع عام 2014.

***

تستحق مؤسسة مدرار الدراسة كحالة توضح طريقة عمل المؤسسات الثقافية، فالمشروع بدأ بمبادرة من محمد علام ورفاقه، لكن علام يأمل أن تتحول مدرار إلى مؤسسة لا تعتمد على وجوده كأشخاص. استفاد علام من منحة “عبارة” لدعم المؤسسات الثقافية في تطوير طريقة إدارة مدرار. حيث شكلوا مجلس إدارة من أصدقاء مدرار لكى يصبح المجلس مسئولاً عن وضع سياسة مدرار وبرامجها، لكن علام يعترف أن حتى الآن المجلس ليس فعال بشكل عملى، ويؤكد علام أن معظم المؤسسات الثقافية والفنية تعانى من ارتباطها بشخص المؤسسين والقائمين عليه. ربما يكون المثال الواضح على ذلك في حالة التاون هاوس، فمنذ فترة حينما مر “وليم” مؤسس ومدير التاون هاوس بوعكة صحية تعرض برنامج الجاليري كله للاضطراب. حينما سألت مروة مرجان المسئول الإعلامى للتاون هاوس حول الكيفية التي يتم بها اختيار وتصميم البرامج الفنية قالت: “يعمل بتاون هاوس فريق فني، يقوم بتصميم البرنامج بشكل موسمي بما يتماشى مع اهتماماته كمؤسسة تسعى إلى دعم الفنانين المعاصرين من الناشئين و المعروفين على حد سواء، و ما يتناسب مع ما تراه المؤسسة من احتياجات وفقاً للظروف والمعطيات المتغيرة للسياق الذي نعمل خلاله من أحداث سياسية و تغيرات اجتماعية و ثقافية. يقوم الفريق الفني بالبحث و التعاون مع الفنانين سواء من خلال دعوتهم للعمل في مشروعات محددة (مثل: مشروع الأمان الإجتماعي) أو تلقي طلباتهم لعرض أعمالهم (مثل عروض الأفلام الأولى، تعاون تاون هاوس مع فنانين شباب كأحمد شوقي في عرض فيلمه الأول “السيد الأقمر”، و مهند حريري في عرض فيلمه الأول أيضاً “غرفة بملايين الجدران”.

مروة أكدت أنه في الوقت الراهن، يعمل تاون هاوس على تطوير سياساته البرامجية. خاصة وقد أقام تاون هاوس العديد من المشروعات “التجريبية” خلال الموسمين الماضيين، وأضافت: “نحن على أتم الاستعداد لخوض تجارب فنية جديدة حتى و لو بدا خوضها مخاطرة. تاون هاوس كمؤسسة في حوار دائم مع الفنانين و العاملين بالمجال الثقافي لتبادل الخبرات و الآراء التي يستفيد منها في تطويره الذاتي.”

***

يمكن تقسيم التمويل الذي تتلقاه المؤسسات الثقافية إلى ثلاث مستويات، المستوى الأول هو المؤسسات المانحة المتوسطة والتي تدعم غالباً بمبالغ لا تتجاوز الـ50 ألف دولار، بعضها عربي كمؤسسة المورد، والصندوق العربي للثقافة والفنون وبعضها منظمات متوسطة في بعض الدول العربية. أما المستوى الثانى فهو التمويل من جانب السفارات وللحصول على هذا التمويل فيجب أن يشمل النشاط الثقافي تبادل ثقافي مع الدولة صاحبة السفارة المموله.

تعتبر السفارات الأوروبية هي أكثر السفارات العاملة في هذا المجال وتهتم بشكل خاص بدعم الفن المعاصر، ورغم أن مدرار قد نظمت مشاريع مع هذه السفارات إلا أن علام يعلق قائلاً: “لا أعلم الصراحة لماذا تهتم السفارات الأوروبية بدعم مشاريع الفن المعاصر بقوة ولماذا يهتمون بدعم مشاريع في النهاية لن يراها أكثر من 200 شخص”.

لكن الغموض الأكثر هو التمويل الأكبر خصوصاً من مؤسسة فورد والاتحاد الأوروبي والتي تدعم تأسيس المؤسسات الثقافية ومصاريفها الإدارية التي تكفل لها الاستمرار، وبالنسبة لمؤسسة صغيرة كمدرار فرغم كل هذه السنوات لم تنجح في الحصول على أي تمويل من تلك الجهات. والتي تقصر تمويلها على مؤسسات محددة أبرزها التاون هاوس ومؤسسة المورد. بعض المؤسسات لتسهيل حصولها على تمويل تلك الجهات تقوم بتسجيل نفسها في إحدى الدول الأوروبية وهو ما يسهل كثيراً من تعاونها مع الكيانات الداعمة الضخمة.

هناك أيضاً المؤسسات التنموية حيث تنجح بعض المؤسسات الثقافية في الحصول على دعم من هذه المؤسسات وهى من الجهات الكريمة في منح التمويل لكن يستلزم الأمر لوى ذراع المشاريع الفنية لتصبح ذات غرض تنموى وهو ما يقول علام أنه لا يستطيع عمله.

على خلاف بقية المؤسسات الثقافية الأخيرة يمتلك المورد الثقافي بخلاف جهازه التنفيذي جمعية عمومية معلنة تضم مجموعة من المثقفين والفنانين من مختلف الدول العربية، إلى جانب مجلس فنى يرأسه حالياً محمد عبد الرحمن سالم المخرج المورتيانى، مسئولية المجلس الفني تحديداً السياسيات العامة للبرامج الثقافية التي ينظمها المورد. ولدى المورد قائمة معلنة بأهدافها خلال الفترة من (2012-2015) منها دعم وتشجيع 80 فناناً وأديباً عربياً، ودعم 30 مؤسسة ثقافية عربية وأهلية، إدارياً ومالياً.

يعلن المورد الثقافي تقاريره المالية كل عامين. في عام 2012 بلغ إجمالي دخل المورد 1,947,104 دولار أمريكى منها 1،902،625 دولار من مؤسسات داعمة والباقي من مبيعات التذاكر والمنتجات وتبرعات الأفراد. إجمالي المصاريف الإدارية 394 ألف دولار أمريكى، بينما بلغت مصاريف البرامج والأنشطة المختلفة 1،481،227. أما الجهات الممولة فأبرزها مؤسسة فورد، مؤسسة المجتمع المفتوح، المؤسسة الأوروبية الثقافيةومؤسسة الأغاخان الثقافية إلى جانب معهد جوتة والمركز الثقافي البريطاني، والهولندى، والفرنسي، والأسبانى.

Share
Tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *