.
تقول الحكاية أن السلطان قايتباي رغب في مكافأة قائد جيوشه الأمير سيف الدين بن أزبك في نهاية خدمته له، فمنحه أرض ناحية بركة بطن البقر جرداء خربة ، و لما كان الأمير يزبك قد أنهكته المعارك و الغزوات فقد رغب في التنعم بأخريات أيامه و التمتع بملذات الحياة فرأي في تلك الأرض مكاناً يصلح لمبتغاة فهذبها و أوصل إليها المياه من القناة الناصرية و أعاد حفر البركة و بني على طولها رصيف من الحجارة ليتخذه الناس ممشى و مهد منتزهاً رائعاً حول البركة حمل اسمه فكانت الأزبكية . و جعل لها في كل سنة عيداً سماه ((احتفال فتح البركة)) فحينما يرتفع النيل يُفتح السد المقام عند مدخل البركة على الخليج الناصري فَتندفع الميَاه إليها ، و جَعل هذه المُناسبة عيداً سنوياً عظيماً و احتفالاً يُشبه وفَاء النيل ، بعدها يُخبرنا ابن إياس بإشاعة سارت في حواري و شوارع القَاهرة زعموا فيها أن يحيي بن الأمير أزبك قد سَحر لأبيه حتى مات ، و في فقره أخرى يَذكر ابن إياس أنه قد قُبض على شخصِ يُقال له ((القصيديرى)) و صبية بتهمةِ سحر أزبك حتى الموت !!
و سواء مات أزبك قضاء و قدر أم مسحوراً بالقصيديري الذي يبدو في الكتابات التاريخية و كأن القضية قد لفقت له، هذا أمر نتركه للسلطة القضائية لكن الآن سنحاول تذكر الأزبكية بعد ابن إياس مُحاطة بالخضرة و منتزه لطلبة اللهو و الراحة ، رغم ما أصابها في أيام العثمانيين من إهمالِ و تَقصير حتى تحول الجزء الجنوبي الشرقي منها إلى جبانةِ و مُنع فيها الطرب و العزف و الموسيقي حيث رأي العثمانيون أن بركة الأزبكية صارت مكاناً لطلبة الفسق و الفجور و المزاج و مجلساً و غرزه لأهل الكيف و الحشيشة، فتم منع إقامة دور اللهو و المتعة به و شن العثمانيون على ما يبدو حملات من المداهمة و القفش على الغوازى و تجار الكيف في المنطقة محاولين الحفاظ على جمال البركة و بهائها، و مع مجيء الحملة الفرنسية ظلت الأزبكية محتفظة بجمالها فسكنها نابليون عند نُزوله القَاهرة في 1799 و اتخذ دار بها و أيضاً شَهدت حدائقها الوَارفة اغتيال قائد الحملة الفرنسية وقتها الجنرال ((كليبر)) على يد سليمان الحلبي ، و مع ثَورة القَاهرة الثَانية شَهدت خراباً كبيراً مع انفجار بيت أحمد أغا شويكار و الذي لغمه الفرنسيون أثناء مُطاردتهم للثوارِ و حتى بعد خروج الحملة الفرنسية ظلت الأزبكية مَركزاً للسلطة سكنها الخديوي محمد على باشا في بداية ملكة لكنه تعرض لمحاولة اغتيال على يد الجنود الأرنؤود مما دفعه بعد ذلك ليصعد إلى قصره في الجبل ، لتظل الأزبكية مَسكناً للطبقةِ الوسطى و المرضِي عنهم من قبل الباشا مما أكسبها أهمية متزايدة مع مرور الوقت حيث أصبحت مركزاً للطبقة الحَاكمة و مكاناً يمتلئ بالفنَادق و المتنزهات حتى وصفها على مبارك باشا في شهادة مقتضبة قائلاً أنها ((سره البلاد)) .
على شرف الإمبراطورة
تعددت العمارة في الأزبكية لكن أشهرها كان قصر رضوان كتخدا الجلفي ، و كان يقع على الحافةِ الشَرقية للترعةِ و عُرف بقصرِ العتبة الزرقاء نسبة إلى بوابته الزرقاء التى كانت تؤدى إلى شارع الأزهر و كان عليها بلاطات زرقاء فوق عتبتها ، و تعدد ملاك هذا القصر حتى وصل إلى ملكية عباس حلمي الأول فهدمه و أعاد بنائه و أطلق عليه قصر العتبة الخضراء ، لأنه لم يكن يحب اللون الأزرق ، و عندما أعيد بعدها تقسيم المنطقة أطلق على هذا الجزء ميدان العتبة الخضراء و على الجزء الأخر ميدان أزبك و هو الجزء الذي يضم الآن حديقة الأزبكية التى أنشأت على شرف الإمبراطورة الفرنسية أوجيني لدى حضورها حفل افتتاح قناة السويس.
فإسماعيل الشاب الذي شغف بالإمبراطورةِ منذ دراسته في فرنسا كان لديه إصراراً أن يكون حَفل القنَاة تَاريخياً يضمن له الخلود و يبهر جلالة الإمبراطورة و من برفقتها من الأوربيين فجهز احتفاليه انشأ من أجلها دار الأوبرا ليعزف فيها للإيطالي جوسيبي فيردي أشهر أعماله بعد ذلك ((أوبرا عايدة )) و استدعى المهندس الفرنسي (ديشان) الذي كان مسئولا عن بساتين باريس. و أمره بردم بركة الأزبكية التى كانت تقع في الطريق لدار الأوبرا و بتصميم وتنفيذ حديقة الأزبكية. فشيدها على نمط حديقة (مونسو) و(ريفولي) بباريس على مساحة 20 فدانا وزودت بـ2500 مصباح غاز وأقيم بها مسرح للعروض الكوميدية وبحيرة رائعة و جبلاية صناعية وممرات مظللة و نافورة من الرخام الأبيض تحتوى على زخارف لنباتات و زهور تنتمي لعصر الباروك .وجسور على بحيرات صغيرة وقنوات. ومراكب للنزهة تسير بالبدال كما كانت مزودة بالحوانيت ومنصة لبيع الدخان و كشك للموسيقي ومعمل تصوير ومطاعم ومقاه أوروبية وشرقية وغرست بها مجموعات من أندر أنواع الأشجار التي استوردها (باريل بك) مسئول الأشجار في الحديقة من أوروبا والهند وأفريقيا والبرازيل وأستراليا. وبعض من هذه الأشجار النادرة موجودة حاليا بحديقة الأسماك بالزمالك. و كان عدد الشجيرات المثمرة و المزهرة يوم افتتاحها 153 نوعاً غير الأصناف التى غرست لتكون أحراشاً كل هذا يحيطه سور ضخم به أربعة أبواب و في حفل افتتاح الحديقة حضر الخديوي إسماعيل بنفسه و استمع على مسرحها لعدد من الفرق الفرنسية و الانجليزية على شرف جلالة الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث إمبراطور فرنسا .
و مثلما ظهرت الأزبكية البركة على مسرح التاريخ السياسي كمكان لسكن نابليون و مسرح لمقتل كليبر ، فقد لعبت دورها أيضاَ بعد ذلك حيث انطلقت من حديقتها الشرارة الأولى لثورة عرابي ، كما شهدت اجتماعات و خطب جمال الدين الأفغاني التى كان يلقيها أحياناً في الحديقة و أحياناً في قهوة ماتتيا المجاورة للحديقة .
الجنينية
بعد افتتاح حديقة الأزبكية كانت الجنينية تحت الإشراف المباشر لنظارة الأشغال و على وجه التحديد مصلحة التنظيم التابعة لهذه النظارة و التى كانت تحدد مواعيد الفتح و الإقفال و مقدار الرسوم التى تحصل من مرتاديها و إعطاء التصاريح في حالة إقامة حفل في جنابتها بالإضافة إلى الأشراف على سائر محتوياتها من الأشجار و النباتات و المباني ، و كان دخول الحديقة يتم برسوم مالية بعد فترة الظهيرة فقط ، أما طوال النهار فقد كان الدخول مجاني ، لذا فقد كان المصريون غالباً يزورون الحديقة في النهار بينما كان الأجانب يرتادون الحديقة بعد الظهيرة و كان ذلك بفعل تمركز الجَاليات الأجنبية في حي الأزبكية مما اكسب الجنينية طَابعاً أوربياً حتى أن كتباً سياحياً فرنسياً صدر عام 1877 اعتبر الأزبكية مكاناً مهماً للزائر الفرنسي لأنها تُذكره بوطنه حيث ينَتقل فيها من الأوبرا إلى المسرح فيجد فيها ما يجده في وطنه باريس، لذا فلم يكن غَريباً أن يصدر قراراً يسمح للموسيقي العسكرية الانجليزية بأن تصدح في حديقة الأزبكية يومي الاثنين و الخميس من الساعة التاسعة إلى الساعة الحادية عشر ، و هو ما رد عليه سرادار الجيش المصري بقرارِ يَقضى بأن تعزف الموسيقي العسكرية المصرية في الجنينية يومي الثلاثاء و الجمعة و في نفس التوقيت .
و رغم ذلك فأن جنينية الأزبكية كانت تتحول في ثلاث مناسبات محددة إلى قطعة من دول أوربي ، الأولى كانت يوم 14 يوليو من كل عام حيث عيد الجالية الفرنسية ، و المناسبة الثانية يوم 24 يونيو عيد جلالة ملكة انكلترا العظمي و الأخيرة يوم 28 يناير حين تحتفل الجالية الألمانية بتذكار عيد ملكها غليوم الثاني ، و في المناسبات الثلاثة كانت الحفلة تبدأ بالسلام الوطني للبلد صاحب المناسبة ثم السلام الخديوي العالي ، لتصدح بعد ذلك الآلات العربية و الأجنبية و لتبدأ الحفلة.
وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تلك الحفلات تقام في جنينية الأزبكية تضم رجال ببدل سوداء فخمة ، طرابيش حمراء ، قبعات أفرنجية ، عطور نسائية موسيقي حيه، نساء ارستقراطيات، عطور خفيفة، و ورود حمراء، رقصات شعبية، فساتين للسهرة ترقص الفالس، خليط من اللهجات الأوربية و الشرقية لا يمكن تحديد مصدره، سماء زرقاء صافية بلا غيوم و لا سحب سوداء. كل شيء كان بهياً و أنيقاً كما يليق بهذا العصر .
استمر الحال هكذا حتى سنوات الأربعينات حيث قل عدد الجاليات الأجنبية مع الحرب العالمية الثانية ، لكن الجنينية لم تخف جاذبيتها حيث صعد منها في ذلك الوقت نجم أم كلثوم ، التى واظبت على أحياء حفلاتها على مسرح الأزبكية في الخميس الأول من كل شهر و في الوقت الذي كان يجلس فيه الملك فاروق تحت كرسي تاجه الملكي بحديقة الأزبكية كان آلاف المصريون يجلسون حول الراديو في انتظار صوت أم كلثوم القادم من جنات الأزبكية .
و لم تكن الموسيقي هي النشاط الفني الوحيد التى احتوته جنينية الأزبكية ، فقد شهد مسرحها القديم ((1870-1919)) بداية الحركة المسرحية الوطنية مع يعقوب صنوع الذي قدم على خشبته عدد من المسرحيات التى اقتبس موضوعاتها من المسرح الفرنسي ، و كانت بدايات صنوع الأولى هي الضوء الذي جذب بعد ذلك كل رواد المسرح للأزبكية لتنطلق منها بداية المسرح العربي .
تطوير ما بعد الثورة
بعد ثورة يوليو كان لدى جماعة الضباط الأحرار رؤية أخري مختلفة لحديقة الأزبكية من مكان للمتعة و ((شم الهواء)) إلى مكان لتصنيع الوعي و تثقيف الشعب طبقاً لمفهوم الثقافة كتطعيم أو حقنة يجب إعطائها للمواطنين ممتلئة بما يراه العسكر القائمين على النظام مناسباً. و بالتالي أقيم مسرح للعرائس و افتتح و مسرح 26 يوليو المعروف الآن بالمسرح القومي و الذي كان ملكاً لشركة مصر للتمثيل و السينما أحدى شركات مصر التى أنشأها طلعت حرب ، و كان وقتها يجاوره في الحديقة مكان يستخدم كسينما مكشوفة في الصيف ، لكن مرحلة التطوير الثورية لغت السينما الصيفية و حافظت فقط على المسرح منفصلاً عن الحديقة .
و في 27 يوليو سنة 1954 ، افتتح امتداد شارع 26 يوليو ليخترق الحديقة و يقسمها إلى شطرين و يقتطع جزء كبير من خضرتها و أشجارها وجداولها المائية و أزيلت أسوارها القديمة الفخمة المزينة بالحجارة و استبدل مكانها أسوار حديدية خضراء بسيطة الشكل لا يتجاوز ارتفاعها المترين و تقلصت مساحتها من عشرين فدان إلى عشرة ، ثم وصل الخراب فيها حتى تم إغلاقها ثم أعيد تجديدها عام 1993 في حفل بسيط حضرته السيدة سوزان مبارك و قدمت فيه بعض العروض الموسيقية، لكن الاهتمام لم يستمر مرت حديقة الأزبكية بفترات من السواد و الانحدار حتى عام 1997 حينما وقعت حادثة اغتصاب شهيرة داخل أسوار الحديقة حيث تناوب مجموعة من البلطجية اغتصاب فتاة تحت تهديد السلاح على نجيله الحديقة الخضراء ، كان من المتوقع أن يهتم المسئولين بالحديقة بعد هذه الحادثة لكن لم يحدث شيء .
الآن الحديقة مغلقة لا تفتح إلا يومي الأحد و الجمعة برسم دخول واحد جنيه ، و طوال الأسبوع يسكنها مجموعة من اللصوص و المراهقين و أطفال الشوارع ، الذين ينامون فيها و يتعاطون المخدرات ، في جنبات الحديقة تشم الروائح الكريهة و يصادفك البول أحياناً ، النافورة المزينة بالرخام الأبيض و زخارف الباروك التى أنشأها إسماعيل باشا صارت مجرد شاهد متهالك –رغم ترميمها منذ سبع سنوات- على زمن قد ولي ، قفزت فوق سور الحديقة في أحد الأيام و تسللت لأشاهدها … كان شخص رث الثياب يبول بجوارها .
——————— —
نشرت في أخبار الأدب عام 2003















Rogers