كنت شغوفاً بكسها، كشغفي بالانترنت. أو ربما كنت معلقاً بين الاثنين، ورأسي في المنتصف.
.
أقول رأسي لا قلبي لأن هذه ليست قصة عاطفية أو ايروتيكيا أو بورنوجرافية، لذلك لا أريد أن أجنح للمبالغات. بالطبع لدى شغف عام بالكس، لكن كسها بشكل خاص، كان شغفي الأهم. راقبته طوال سنوات علاقتنا عن كثب وملاحظة، فكرت أكثر من مرة أن أقوم بتصويره لكن خفت من ردة فعلها، فاحتفظت بالرغبة سرية مكبوتة كرغبات آخرى، حتى انتهى الأمر بالخسارة التامة.
.
.
لايزال ماثلاً في ذهنى، والفضل يعود إلى الأيام والليالى التي قضيتها مفتوناً بتقلباته وتحولاته المختلفة. عرفته نائماً مضموم الشفتين، وسجلت بدقه كيف ينفتح كشمس تنبثق من خلف الجبال على شاطيء نويبع. رأيت كيف يُضخ الدم إلى شفتى كسها عند الاستثارة فتتمددان ويتحولان من اللون الزهر إلى الوردى ثم إلى الأحمر. شاهدت أثار المداعبة بالأصابع عليه، وباللسان وكيف يتحول إلى عاصفة شمسية ذات لون أكثر اشتعالاً عن بقية الكرة الشمسية الصغيرة أثناء وبعد النيك. كان تشممي لرائحته أمر محبباً للنفس، وكان الرائحة تتبدل على حسب مزاجها ومزاجه. أحياناً حينما كنت استيقظ قبلها كنت أهرع إلى دورة المياه، أفرش أسناني برائحة الفلوريد وأعود لأتسلل بين فخذيها لتكون رائحته أول ما أشمه. تذوقته في كل الأوضاع، وتابعت تغيير طعمه مع كل درجة ترتفع فيها نحو الإثارة، وشجرة السعادة تتدلى علينا كما أوراق الجوافة. لو غميت عينى وتذوقته بين سبع أكساس مختلفة لعرفته بطرف لساني، شيء ما صار مرتبطاً بينه وبين بقية حواسى.
.
.
لم يكن كسها هو المثير لجنونى فقط، بل كل فتحتها، كثيراً ما كنت أطلب منها أن ترقد على بطنها. اتصنع إجراء نوع من المساج لها، وأتعجل النزول بيدى إلى أسفل أوسع بين ردفيها وابدأ في تشممها وتمشية لسانى بينهما. أتخيل ثبات المشهد والزمن لساعات طويلة تمتد إلى أيام وصوت “جريس سليك” يأتي من الخلفية ينساب متغلغلاً كنفس هادئ من الحشيش يأكل الدماغ بطيئاً، ها أنت تذوب والأرنب الأبيض ينتظرك على مدخل الحفرة.. تتذكر حارس البناية الآن، كيف كانت البداية إذن؟
.
في أحد الكوابيس كنت واقفاً متجمداً على ضفة النهر بينما مجموعة ضخمة من الكلب تنبح بوحشية وهى تقترب منى، ولم يكن الخوف من الكلاب بقدر ما كان المأزق هو الجسد المتخشب الذي فقد القدرة على الحركة دفعة واحدة. ركب العناد بعد ذلك ودلدل رجليه. كان هناك القليل من الصراخ والكثير من الدموع، وانفطر القلب أكثر من مرة، بدا كما لو أن السعادة تتبدد. كنا على ما يبدو قد شربنا سعادة بعضنا البعض.
.
.
انقطعت علاقتنا لفترة عملت فيها لفترة كمسئول مبيعات في أحد شركات خدمات المحمول. اشتريت سيارة من البنك وتفرغت لحياة جديدة ناجحة وتعرفت على شبكات اجتماعية جديدة وتعلمت الرقص وأصبت في حادث سيارة، وحينما استيقظت في المستشفى بكسر في الذراع الأيسر وخدوش في الوجه، قررت أنى لا أريد هذا. وفي تلك الليلة حلمت بأنى أغطس في مياه البحر الأحمر وفقدت الأكسجين ولم يكن من مصدر للتنفس أمامى سوى كسها فهرعت نحوها لالتقاط أنفاسي، استيقظت من الكابوس شاعراً بالبرد رغم أننا كنا في الصيف. لففت سيجارة حشيش ثم اتصلت بها وقلت: “هل فكرتى في أن تطبخى الحشيش بنفسك؟”
.
قالت أنها أتت بدافع الفضول، ابتسمت وجلسنا على طاولة صغيرة، فككت ورقة بانجو ناشف أحضرتها، وبدأت في تنقيته بصبر، ثم أحضرت وعاء بلاستيك، وضعت قطعة قماش بلاستيك فوق الوعاء وأحضرت مصفاة شاى، بدأت بفرك أوراق البانجو في المصفاة وهى تدخن سيجارة وتحتسى قهوتها. كان الكلام عالقاً في الغرفة، تقطعه هي بعبارات تستحثني على الكلام، كنت خائفاً من جملة خاطئة تفسد المشهد أو تجعل الوقت يمضى منتهياً أسرع مما أردت، صفيت الأوراق المفروكة في المصفاة وتحتها قطعة الشاش مشدود فوق الوعاء، وضعت ما تبقي في المصفاة جانباً وبدأت في دعك ما سقط من المصفاة على قطعة الشاش.
“وأيه كمان؟” سألتنى وهى تستحثنى على التحدث أكثر، لكن الهواء كان في حنجرتى ضئيلاً وروحى منقبضة في قلبي.
.
.
بدأت في شرح الخطوات التي أقوم بها لها، أوضحت أن الغرض الآن هو تنقيه البانجو من الشوائب حتى نصل لزهرة الزهرة، أزحت قطعة القماش كانت البودرة الخضراء مترسبة في قاع الوعاء البلاستيكى. أحضرت الحنة، وأنا أقول: “في العادة يجعلون نسبة الحنة إلى البانجو 2:1 لكننها سنحاول جعلها 3:1 “
.
قمت بتصفية الحنة بنفس الطريقة، ثم خلطت البانجو مع الحنة وأعدت تصفيتهما مرة آخري.
“وبعدين.. وأيه كمان؟” مرة آخرى طرحت السؤال..
.
“في سينا مثلا مش بيحطوا حنة، علشان كدا بيطلع لونه أخضر أو مصفر فاتح، كمان في سينا مش بيحطوا عسل أسود، في المغرب ولبنان بيجففوا الورق ويكبسوه، الزرعة هناك فيها الراتنج أعلى ومش بيحتاج إضافات صمغية”.
.
.
.
قمت من على الطاولة وعدت وفي يدى وعاء عسل أسود، أكملت وأنا أشرح لها: “معظم الطبخات اللى في مصر بالإضافة للكيميا والبنج مش بيحطوا عسل أسود وبيفضلوا اللبان الدكر. احنا بنحتاج العسل علشان نعجن الحنة مع الحشيش ويطلع الحتة متماسكة بدون العسل أو اللبان الدكر عمر ما حتة الحشيش هتطلع متماسكة معاك ولا هتعرفي تفرديها وتعمليها منها دبوس لو عايزه.”
-وأنت معندكش لبان دكر؟
-اللبان الدكر ريحته بتبقي ظاهرة أوى، وبيخلى حتة الحشيش حامية وبتضرب في النافوخ على طول، وكمان لو لفيتها في سيجارة هتطلع معاك “روكيتس”.
.
.
ابتسمت وأشرت إلى حرق صغير في التي-شير الذي ترتديه، وأكملت “واحنا مش عايزين “روكيتس” تانى يا آكوكو، مش عايزين ألم ولا وجع أكثر من الموجود”
.
تكونت في قاع الوعاء البلستيكى ذو اللون البرتقالى عجينة طرية، تناولت موس حلاقة من على الطاولة وأخذت أجمع به العجينة من قاع الوعاء، ثو وضعتها على ورق سلوفان وأخذت أشكلها، أغلقت السولفان عليها بحرص، ثم قطعت ورقة “فويل” فضية لامعة ولففتها حول السولفان. نظرت لوجهها كانت أشعة الشمس القادم من نافذة البلكونة تنتشر في الصالة وتنير وجهها فيظهر صافياً، شعرت برغبة جارفة في تقبيل شفتيها.
ابتسمت وقالت:
ابتسمت وقالت:
-“ها.. وبعدين؟”
ناولتها ورقة الفويل، وأنا أجاوبها:
-“تعرفي تحطى دى في الفرن، على نار هادية..”
.
تناولتها واتجهت إلى المطبخ. ظللت جالساً مكانى أحدق في الكرسي الفارغ الذي غادرته. تذكرت حلماً رأيتنى فيه معلقاً في مطار أجنبي مع حقائب ثقيلة في مدينة لا أعرفها، في انتظار طائرة ستأتى غداً، ثم تحضر هي بسيارة حمراء موديل الثمانينات. أتانى صوتها:
-أنت بتولع الفرن بأيه؟
.
دخلت إلى المطبخ كانت منحنيه تحاول التفاهم مع الفرن، تقدمت نحوها واحتضنتها من الخلف.
.
قررنا المحافظة على الأمر كسر صغير، على ألا يغير من الوضع القائم، ما هو الوضع القائم؟ كنت أغطس في البحر الأحمر حينما انقطع حبل الأكسجين فجأة.
.
طلبت هي في المرة الثانية أن تقوم بالعملية بنفسها، بدأت في القراءة عن طرق التصنيع المختلفة والأشكال التي يتخذها الحشيش وعمليات معالجات النباتات والحشائش. في البداية كنا نقوم بتدخين ما نطبخه سوياً.
ثم ذات مرة عرضت عليا عرضاً لا أستطيع رفضه. كنا في انتظار تسوية عجينة الحشيش في الفرن حينما قالت كمن يقص حكاية عن زيارة والدته: “أنا امبارح رحت عملت ليزر شيلت كل الشعر اللى هنا” وأشارت إلى ما بين فخذيها.
.
أثناء علاقتنا كانت تفضل قص الشعر فقط، ولم أكن قد رأيته بدون حتى الزغب الخفيف المحيط به من قبل. كأنما عرفت أين سرحت بخيالى، باغتتني بالعرض:
أثناء علاقتنا كانت تفضل قص الشعر فقط، ولم أكن قد رأيته بدون حتى الزغب الخفيف المحيط به من قبل. كأنما عرفت أين سرحت بخيالى، باغتتني بالعرض:
“أنا بفكر نبيع مش دا انتاجنا الخاصة”. عرضت الأمر بصيغة شراكة تجارية سرية، أساسها الصداقة والمنفعة والاستمتاع بمتعة الطبخ التي قد تحولت معها إلى طقوس هرمونية معقدة. اختتمت العرض بعبارته التي تؤكد بها كل اتفاقتنا
-لكن هذا لن يغير من وضعنا القائم.
.
.
.
كانت تختفي لأسابيع لا ترد فيها على اتصالاتى، ولا تحكى لى عما تفعله، وحينما كنا نلتقي صدفة في مكان عام تصافحنى مادة يدها بينا لتحرمنى حتى من قبلة الصداقة أمام من يعرفونا. بل ذات مرة كانت تبيع إلى أحدهم “صباع حشيش” مما طبخناه معاً وتحكى أسطورة عن الديلر الشبح الذى تتعامل معه ولديه أنواع متعددة من “الاستفات” وأنا ملتزم الصمت بل وأتصنع الاندهاش.
.
رسمت في البداية أسطورة الشبح، ثم اعترفت لدوائر من المقربين بأنها من تطبخ الحشيش ولديها خلطتها الخاصة، عند تلك النقطة بدأت في استخدام مكبس معدنى طلبت نقش كلمة”Siniora ” عليه، كانت تكبس به العجينة، وبدأت أسطورة السنيورة في التشكل.
.
في الخارج عرفت باسم سنيورة الحشيش. أما بيتى الذي كان مقر الطبخة فقد تحول إلى معبد تتجلى فيه كإله من شوارع المدينة. تنفذ الطلب الوحيد الذي اشترطته لحظة إغلاق الباب خلفها، تخلع الجزء الأسفل من ملابسها. ثم تجلس على الكنبة، أو على الأرض –لم تفضل أبداً الطاولة الصغيرة- تفتح ساقيها وتبدأ في إعداد الطبخة، أظل حولها أدخن أو اختار الموسيقي وعيونى معلقة فقط بكسها المنتوف الخالى من الشعر، مضيئاً كشمس صغيرة. “الوضع على ما هو عليه” هش جداً وقابل للانكسار وردود الأفعال المدفوعة بتفاصيل الماضى والخسائر السابقة. أحياناً كنت أظن أن “الوضع على ما هو عليه” ليس حقيقياً مائة في المائة. ربما هو وهم أو نبته تخيلات ولدها الفقد والوحشة، وحتى لا أفقد لذة اللحظة، لا أقترب أو أحاول لمسها. أكتفي فقط بقواعد الشراكة السرية التي فرضتها ونسبتها الأكبر في حصة ما هو مباع.
.
.
.
عرفت أنها لم تعد تذهب إلى العمل بانتظام وتفكر في تركه وتأسيس مشروعها الخاص، لكنها لم تفصح لى ما هو. بدأت في تحسين مستوى جودة المنتجات التي تقدمها ورفع سعرها، وخلق تمايز وأسماء لبلاطات الحشيش التي تنتجها، استغللت البلكونة وحجرة المكتب وبدأت في زراعة النباتات بنفسي قادتنى توجيهاتها حول كيفية الرعاية كلما كانت الأوراق طازجة يساهم هذا في زيادة جودة الحشيش في النهاية، كما أن معالجة الأوراق الطازجة في الخلاط والكبس يجعلها قادرة على استخراج جرامات صغيرة من زيت الحشيش تبيعه بأسعار أعلى.
.
كانت تكبر وتتطور، حياة جديدة تنفتح أمامها، أو بالأحرى ديانة جديدة تشرق على الإنسانية من المعبد الذي نصبته في الشقة لكسها المنتوف. وكنت أنا العجوز الذي يبحث عن خرافة دينية يؤمن بها في نهاية حياته لتمنحه قدر من الطمأنينة.
.
ثم اختفت.
لم يصلنى رد منها إلا بعدها بثلاثة شهور وكانت هذه أطول مرة تغيب عن المعبد منذ بدأنا شراكتنا كانت الرسالة مختصرة وحاسمة “لا داع لأن نلتقي مرة آخرى، نحن نأكل أرواح بعضنا البعض.”
.
حاولت العودة إلى ما كنت فلم أعرف ما هو. فقررت استكشاف الحاضر، كان العالم قد تغيير تماماً من حولى. بدأت في الخروج واستعادة العلاقات القديمة واكتساب خبرات وآلام جديدة، لكن في الوقت نفسه حافظت على رعاية النباتات لم أطبخ الحشيش مرة آخري. بدأت اسمع في الدوائر المقربة عن نوع من المخدرات جديد يحمل اسم “السنيورة” كان الانتشار كبيراً ورغم أن الشكل والرائحة مشابهة للحشيش إلا أن التأثير كان مختلفاً.
ناره هادئة لا يسبب أي حرقان أو آلام في الحلق حتى مع شربه بطريقة الخابور السكندرى أو الدبوس، كما تميزت “السنيورة” بكثافة زيتها ورائحتها النفاذة التي تعلق باليد، كان يتسلل ببطء وإلى جانب تأثيرات الحشيشة العادية يسبب حالة من البهجة والسعادة وفيضان في المشاعر غريب من نوعه، كأنما يطلق كل ما هو مكبوت ويجعل كل الماضى ضحكة، ينزع الألم على الحاضر، ويضفى ضحكة بين الأصدقاء، وقبلات وحب طاهر سعيد على الجميع.
.
.
جربته أول مرة واندهشت من تأثيره، فاشتريت قطعة منه وأحضرتها للمنزل، حاولت استعادة كل تفاصيل طريقتها، كان لديها إضافات وخلطات مختلفة في كل مرة كانت تجرب شيئاً جديداً كأنما كانت في مرحلة شراكتنا تتدرب من أجل صناعة أفضل طبخاتها، وجدت أنواع متعددة من الحنة والعسل الأسود. وأنواع مختلفة من الأسمدة كان لديها جدول منتظم تنبهنى فيه لتوقيت وضعها بالتربة. تبدت حماقتى كاملة حينما اكتشفت أنى أعرف القليل عن تفاصيل خلطتها، كنت طوال مراحل الطبخ أركز أكثر مع الموسيقي أو ساقيها وكسها المنتوف، وانتظر اللحظة التي ستقوم فيه للمطبخ لوضع العجينة في الفرن حتى أشاهد ردفيها يتحركان كما الكواكب وهى تدندن “ماشية السنيورة.. كدا كده” وهى تغيب في الممر نحو المطبخ. كانت ضائعاً في بهاءها، أبحث عن غفرانها وانتظر وأعد ضحكاتها مع كل لحظة نلتقي فيها. وكانت مع كل طبخة تجعلنى أتذوق أول سيجارة وتسألنى رأى ثم تدون ملاحظات صغيرة في دفتر صغير عليه صورة أفيش فيلم “Kill Bill“.
نشرت الجرائد صفحات خاصة عما اسموه مخدر “السنيورة” وخطورته على الاقتصاد والصحة وأنه يدمر خلايا المخ. بدأ الكثيرون يواجهون صعوبة في الحصول على “السنيورة” وقدرت أنها تخوض حرباً مع تجار المخدرات الآخرين وشبكات المصالح التي تتحاكم في تجارة المخدرات في البلد، كانت تتوسع في توزيعها وكانت الأساطير تسبق حشيش “السنيورة”. قال أحدهم بعد ثالث نفس من السيجارة “السنيورة جاءت لتنقذ العالم”.
.
.
تصنعت القوة، ومارست ضغوط كبيرة لأجل النسيان، لكن في كل مرة كنت أحاول مغادرة المعبد المتهدم حيث أعيش وأزور بشر آخرين، كان الحديث يتحول إلي السنيورة من تكون؟ وما هو سر الحشيش الذي تصنعه. أحياناً يصيبني حزن عميق فأجلس في المنزل أعتنى بالنباتات وأشاهد أفلام أمريكية في التلفاز. ثم ذات يوم رأيت في الحلم كأن الماضى يفرض نفسه على لحظة الحاضر، كنا نعيش مع بعضنا البعض، قبل السنيورة وقبل أن يركب العناد الرأس ويدلدل الرجلين، كنت نائماً في الحلم وأتت هي واحتضنتني من ظهرى وشعرت كما لو أن السعادة كانت هنا دائماً أمام العينين لكن كان لابد من رحلة الآلم الطويلة. وفي الحلم كان لدينا كلب ضخم، رغم أننى وهى لم نكن نحب الكلاب.
.
استيقظت من الحلم، وأخذت أبكى في صمت شاعراً بحموضة تخرج من بطنى لحلقي، حينما رن التليفون فجأة وظهر اسمها على الشاشة، كانت شهور طويلة قد مضت دون أي اتصال منها، كتمت دموعى وسيطرت على تنفسي، قبل أن أرد في صوت محايد:
-ألو.. ازيك يا أكوكو.
.
في حسم وعجالة كما أصبحت جميع مداخلاتها طلبت أن نلتقي، حدد هي الموعد وقالت سوف آتى لزيارتك، لكن لا تخبر أحد حياتى الآن تغيرت وختمت الحديث: “لن يغير هذا من الوضع القائم”.
.
حينما دخلت المنزل لم أعرف هل تغيرت أم بسبب طول مدة غيابها بدت لى مختلفة، وإن كان لطلتها الحضور الذي يجعلنى ابتسم بلا سبب، جلست على الطاولة، أخذنا نتحدث في أمور عابرة ثم أخرجت قطعة حشيش متبقية لدى وبدأت في فركها، سألتنى وهى مبتسمة: “دى أنت اللى طابخها؟” هززت رأسى وجاوبتها “لا دى حشيش السنيورة.. يا سنيورة”
وضعت قدميها على الطاولة أمامى، حول قدمها اليسري كان هناك خلخال رقيق وشفاف، سلسلة فضية رفيعة تلتف حول ساقها الرخامية، بشرتها تلمع في منطقة ما تحت الضوء. من السلسلة تتدلى كرات صغيرة تشكل الكواكب التسعة، كل كرة مُفرغة ودَاخلها كوكب أصغر بحيث إذا سارت تهتز مُصدرة صوتاً كأصوات أجراس سرمدية.
.
ناولتها السيجارة ملفوفة. قصت على تفاصيل من عالمها الجديد. معظم الوقت تعيش بجوار البحر الأحمر تتنقل من العين السخنة إلى الجونة وسفاجا وحتى مرسي علم، تزور القاهرة على فترات متباعدة لإنجاز بعد “البيزنس” على حد تعبيرها. البيزنس كان عدد من الشراكات مع ديلرات وتجار حشيش بنظام “الفرنشايز” تشرف بنفسها على الخلطة، وتعيش على عائداتها. لكن الأمور مؤخراً لا تسير على مايرام. السوق ليس سهلاً والمنافسة شرسة ولكى تحصل على حماية من الشرطة لا بد أن تقدم لهم بعض القرابين، أمام الرأي العام يجب أن تعلن الشرطة عن القبض على شخص أو شبكة من مروجى مخدر “السنيورة” أخبرتنى أنها تفكر في السفر إلى خارج البلاد لبعض الوقت حتى تهديء الأجواء، لكنها لو غادرت السوق في الوقت الحالى فلا مجال للعودة مرة آخرى.
سألتنى: “وأنت.. عامل أيه؟”
-وحشتينى، أنا عايزك.
.
.
جاوبتها وانهمر شلال طويل من الاعترافات، كان الأمر بمثابة إعلان استسلام كامل. بلا سبب مفهوم حتى الآن أخذت أحكى لها ذكرى قديمة عن مرة منذ سنوات كنا نسبح فيها على شاطيء نويبع وأخذنا نتأمل الشعب ونطارد أسماك ملونة، مددت يدى إلى إحداها فجرحنى شوكها، كان ترتدى مايوة قطعتين بلون وردى، شعرها كان أطول قليلاً، المياه تجعله يلتصق بجسدها. أخذت أقص عليها أوصاف السمكة بينما هي اقتربت منى وضمتنى، تسارعت أنفاسي وأنا اعانقها، نبضات قلبي كما لو كانت تخرج من سماعات تضخمها وأنفاسي تتسارع، بينما هي تضمنى وتزيح ملابسي عنى وهى تردد كلمة واحدة “بس.. بس” كأنما تهدهد طفلاً صغيراً.
.
تعرينا وكانت دموعنا تختلط بالقبلات والعسل واللعاب، العظام تطقطق تحت ضغط الأحضان والعناق، والروح في الحلقوم. مارسنا الحب بحزن، كنت أرغب فقط أن أظل داخلها بلا حراك كمن يرغب في في ثبات الزمن المستحيل. احتضنا بعضنا البعض بعد نصف نشوة لدقائق، ثم قامت وبدأت في ارتداء ملابسها وهى تلقي جمل مبعثرة مفاداها الوداع.
.
.
ظللت ليومين في ذات الموضع الذي تركتنى فيه عند مغادرتها للمنزل. شعرت أن كل الطاقة والرغبة في الحياة داخلى قد انتهت. أخيراً استطعت النهوض أخذت حماماً بالماء البارد، ثم خرجت وبدأت في جمع كل أوراق النباتات المزروعة في البلكون وفي الغرفة، أخرجت العدة، وضعت أغنية لأم كلثوم، وأخذت أطبخ كل الحشيش الموجود في المنزل، وضعت العجينة في الفرن، ثم أجريت اتصالاً بمخبر شرطة. أخرجت المكبس المنقوش عليه اسم السنيورة وأخذت أكبس به بلاطات الحشيش، ثم رصصتها على الطاولة.
جلست أدخن، وأنا أحلم بأسوار طويلة ومكان قذر لا مساحة فيه للأحلام ولا الرجاء.
..
.










Rogers