الفن الايدلوجيا بشكل عام يشبه شجرة تنمو في وعاء ضيق خاص بها داخل “صوبة” زراعية تفصيلها عن محيطها. لكن مأزق الفن الإخوانى أكثر تعقيدا من ذلك.
بدأت جماعة الإخوان المسلمين كحركة كشفية مع المؤسس حسن البنا، لذا كانت الأنشطة الرياضية والفنية جزء أساسي من برنامج الجماعة، لكن تضاءلت مساحاتها بحكم ضرورات سنوات المحنة والاضطهاد والظرف السياسي. اقتصر النشاط الفني الاخوانى على الأناشيد الإسلامية والمسرحيات التي يتدرب عليها وينفذها الذكور من شباب الجماعة في الإخوان.
في العقد الأخرى قطعت الأناشيد الإسلامية الإخوانية شوطاً كبيراً في تجاوز الخطوط الحمراء، فبينما كانت أناشيد “أبومازن” في الثمانيات تقتصر على استخدام أصوات الهمهمات والطبول والدف، ادخل الجيل الجديد من المنشدين الإخوان الهندسة الصوتية والإيقاعات الإلكترونية بل وبدأنا نستمع إلى آلات موسيقية كاملة في بعض تلك الأعمال. لكن هذا التطور لم يقترب من المسرح والدراما التي لا تزال خاضعة لشروط الفن الإسلامي الملتزم، وأهمها “لا نساء”.
قبل ثورة يناير قام الفن الإخوان بمختلف أشكاله (شعر، مسرح، إنشاد) على موضوعين أساسين الأول هو “القدس” والثانى حزمة من القيم الأخلاقية حول مكائد الشيطان وكيف يثبت الهمم ويمنعك من صلاة الفجر أو يدفعك لارتكاب المعاصي. لم يتعد جمهور هذه المنتجات دائرة كوادر وشباب الجماعة. أما بعد ثورة يناير وظهور الجماعة للعلن فقد ظهرت الحاجة إلى التوسع في توزيع ونشر فن الجماعة الملتزم.
أعلن الإخوان على مدار الأعوام الأخيرة عن عشرات المشاريع الفنية الكبرى بداية من إنتاج مسلسل عن الجماعة رداً على مسلسل وحيد حامد وحتى تأسيس شركة إنتاج لترويج الفن الإخوانى. لكن لم يظهر من كل هذه الأعمال سوى فيلم “عزازيل” لأمير شاكر وبطولة هادى الجيار وكمال أبو ورية، والذي يدور حول ثلاثة أخوة يفرق بينهم الشيطان بمكائده.
كانت البلد تشتعل بعد الثورة بالتجارب والمغامرات الفنية بينما الفن الإخوانى يزداد تقوقعاً، بل حتى دور هذا الفن كجزء من البروبجندا السياسية للجماعة كان يتضاءل ويصر على تقديم ذات المواضيع التي اعتاد تقديمها قبل الثورة. عرفنا بالطبع بعض الأسماء التي عرفت عن انتمائها للإخوان أو أيدت مشروعها قدمت الجماعة لنا أسماء كأحمد المغير وعز الدين دويدرا بصفتهم مخرجين لعدد من الفيديوهات على الانترنت. وفي الوقت ذاته هاجم قادة الجماعة كل أشكال الفن المصري الآخري في صراعهم الدائم مع أهل الفن. ربما لا أدل على هذه سوى تصريح المرشد في رمضان الماضى حينما وصف المسلسلات التلفزيونية المصرية بأنها خطة شيطانية لسرقة وقت الإنسان.
لكن مع اعتصام رابعة استُدعى كل مخزون الفن الإخوانى في محاولة لمقاومة الآلة الإعلامية الرسمية، فبينما كان يصعد الفريق السيسي المسرح بصحبة نجوم الصف الأول حكيم، محمد فؤاد ومصطفي كامل. كان مرشد جماعة الاخوان وقيادات ائتلاف الشرعية يعتلون منصة يعتليها “اسبونج بوب” الشخصية الكرتونية والفنان المعتزل وجدى العربي ومنشدون شباب مثل محمد طه، سليمان الشيخ، ومحمد بيومى. الأخير استشهد في الأحداث التي تلت فض اعتصام رابعة.
مع استشهاده تحول بيومى في منشد في جوقة منشدين كما هي العادة في فرق الإنشاد الإسلامي، إلى المنشد الشهيد. قدم بيومى عدد من الأناشيد أبرزها “ثورة دى ولا انقلاب” وكعادة الأناشيد الإسلامية تستنسخ أناشيد بيومى تيمات غنائية مشهور وتوزيعها بمصاحبة الآلات الإيقاعية مع تغيير الكلمات لتصبح “لما تيجى طيارات/ ترمى حبة منشورات/ ترمى في التحرير جوايز/ ترمى لنا تهديدات/ ليه تفرق في المعاملة”.
تختفي في الفن الإسلامي مجموعة من القيم التي تسيطر على السياقات الفنية الأخري، حيث لا قيمة للملكية الفكرية فلا توثيق لصناع الأعمال، ولا حدود لعمليات النسخ والتقليد. ولأن الفنانين الإخوان ينسخون من مصادر فنية شعبية هي ذاتها نسخ لمصادر آخرى، تكون النتيجة شبح مشوه من عمليات النسخ. ربما لا أدل على ذلك من أنشودة “تتشل الآيادى” التي شارك المنشد الشهيد محمد بيومى في غنائها.
الأغنية/ الأنشودة هي رد على أوبريت مصطفي كامل “تسلم الآيادى” والذي أصبح بمثابة الأغنية القومية لثورة 30 يونيو. وفي محافظات مختلفة من مصر نشبت اشتباكات راح ضحيتها مواطنين بسبب أن مواطن يستمع بصوت عالى لأوبريت تسلم الآيادى فقام مواطن مؤيد للشرعية بالعراك معه. أما أوبريت “تتشل الآيادى” فلا حاجة للقول أنه عبارة عن عكس كامل لكل معانى أوبريت مصطفي كامل، مع استخدام ذات اللحن.
أمام حالة الفقر تلك التي يشهدها الإنتاج الفني الإخوانى المصري، والبعد الأممى في مشروع الإخوان كان من الطبيعى أن يتصدر المشهد منشد آخر من لبنان هو إبراهيم الأحمد، على عكس أسلوب المنشدين المصريين القائم على “الشحتفة” وترقيق الصوت، يعتمد إبراهيم على الايقاعات البدوية الشامية السريعة والصوت المتباهى بغلاظته، وإنتاجه الفني لا يدعم الإخوان المسلمين في مصر فقط بل كل فصائل الجماعة في كل مكان، وهو يقدم نفسه باسم منشد الثورات من سوريا إلى ليبيا، ومن أشهر أغانية/أناشيدة عن الثورة السوريا انتشاراً “على القصر الجمهورى جايين”.
الأحمد وهو صاحب أكثر الأناشيد التي يتم بثها في الاعتصامات ومسيرات مؤيدى الشريعة والرئيس مرسي، وأينما تواجدوا فستسمع أنشودته “مصر إسلامية” بصوته معلنا فيها موقفه “ارجع لقصرك/ يا محمد مرسي ارجع لقصرك/ الله ناصرك على موسي وسيسي” ثم يدخل الكورال على طول الأغنية “مصر إسلامية.. لا علمانية”.
تَعلق مثل هذه المنتجات الفنية باللحظة الآنية وبالحدث السياسي المتغير قد يجعل عمرها الفني محدوداً، لكن في الوقت ذاته يجعلها جزء من هذا الحدث التاريخي مثلما تتردد أنشودة مصر إسلامية في معظم الفيديوهات التي توثق لعمليات فض مظاهرات أو اعتصامات مؤيدى مرسي.













Rogers