مضي وقت كانت فيه الدولة تحتكر صناعة الإنتاج والبث حيث بإمكانها جمع الأبنودى وعبد الحليم وبليغ في غرفة لإنتاج أغنية وطنية. لم يعد يحتكر شيئاً في العملية الإنتاجية كلها، بل أصبحت الأغاني الوطنية في النهاية مجرد سلعة يزداد الاحتياج إليها في ظل استمرار الصراع السياسي في مصر حيث يصبح من غير اللائق بث الأغاني العَاطفية وتحتاج كل هذه القنوات والإذاعات إلى مواد ترفيهية ذات صبغة وطنية، لكن حتى بعدما أصبحت الأغنية الوطنية سلعة رائجة يُقبل عليها الجمهور فلا تزال تحتفظ بوظيفتها كمرآة تعكس تصورات قطاع من المجتمع عن تصوراته عن نفسه وهويته الجمعية.
في محافظة المنيا حدثت هذه الحادثة بعد أيام من عزل الرئيس، صاحب قهوة رفع الصوت مع أوبريت “تسلم الأيادى” لمصطفي كامل، مجموعة من مؤيدى مرسي استمعوا للأغنية فقاموا بالرد عليها برفع صوت نشيد “مصر إسلامية”. بعد صراع الأغانى تطور الأمر إلى اشتباكات بالأيدى ثم بالأسلحة، الحصيلة مواطن مقتول وعدد من الإصابات.
رفع الإخوان “الإسلامية” كمعبر أول وربما وحيد عن هوية مصر، وفي المقابل يبدو الطرف الآخر والمنتصر حالياً تائهاً بين عدد من التصورات عن هوية مصر المدنية، تنعكس هذه الحيرة في كلمات الأغانى التي تتنوع بين مدائح الجيش والدول العربية الشقيقة، وشتائم للدول العربية والأجنبية غير المؤيدة لثورة 30 يونيو، وحتى الكراهية الخالصة للطرف الآخر في مصر والتأكد على الاختلاف وأننا شعبان ولسنا شعب واحد.
حتى قبل 30 يونيو، ظهر الرفيق السيسي في أوبريت احتفالات سيناء. الحفل لم تنظمه أجهزة الدولة الخاضعة في ذلك الوقت لحكم مرسي، ولم تدعمه الشئون المعنوية التابعة للجيش بل نظمته جامعة المستقبل بمبادرة من عدد من رجال الأعمال والفنانين تمتد قائمتهم من هانى شاكر ومحمد فؤاد، حتى المطرب الاماراتى حسين الجاسمى. شهد الحفل اعتلاء الفريق السيسي للمسرح، وصياغة خطابه الشهير الذي لخصته عبارته “تتقطع أيدينا قبل ما تتمد علينا” وبكاء محمد فؤاد في الخلفية مع صرخته المبحوبة “خلى بالك من مصر يا أفندم”.
ارتفعت الموجة بعد 30 يونيو، ولأن الصراع مع الإخوان ليس صراعاً على قطعة أرض أو يمكن الانتهاء منه بعزل مرسي، تضاعفت الأغانى الوطنية والمنتجات الفنية لتحاول أن تقدم صورة للهوية المصرية تصنع قطيعة كاملة مع تصورات الإخوان عن الهوية الوطنية أو حتى الإسلامية.
هنا يبرز مصطفي كامل كشاعر وملحن للأوبريت الأكثر انتشاراً، ليكمل مسيرة شعراء وملحنين كبار لعبوا أدواراً هامة من خلال الأغنية في صياغة مفهوم الوطنية المصرية، تجارب كصلاح جاهين، أو الابنودى، وبليغ وسيد مكاوى وغيرهم، كلها الآن يعبر عنها وعن اللحظة الراهنة شخص واحد جمع كل المواهب من غناء وتلحين وتأليف.
ما هي الهوية المدينة لمصر الجديد التي ترفض الإرهاب والاخوان؟
يرد مصطفي كامل: “افتحوا لنا كتاب تاريخنا/ واحكوا للناس دول مين، قول يا ابونا وقول يا شخنا”. الهوية المدنية الجديدة التي تقدمها وسائل الإعلام كما تبرز في تلك الأغنية، هي الهوية المدنية القائمة على صورة الشيخ والقسيس في عناق الرجل العسكري والذي يتم اختصار تاريخ نضال هذا الشعب في معاركه هو فقط.
البعد القومى والعربي والذي تعودنا حضوره في الأغانى الوطنية مع قيام الجمهورية المصرية لأول مرة بعد ثورة يوليو لا يزال أيضاً حاضراً ويتم استدعاءه لتحقيق نوع من التوازن مع الخطاب الإخوانى الأممى الذي يستدعى الأمة الإسلامية كبديل عن الدائرة العربية. لكن هذه المرة يأتي الخطاء القومى في الأغنية الوطنية المصرية بشروط وقيم جديدة. فبعد “تسلم الأيادى” أكمل مصطفي الملحمة بجزء ثاني حمل عنوان “وقت الشدايد.. شكر للبلاد العربية” يتحول الخطاب القومي هنا من خطاب عن وطن واحد يصعد نحو المجد والنجوم على ألحان محمد عبد الوهاب في أوبريت “وطن حبيبي”. إلى فقرة تحيات على طريقة مزيكا الأفراح، وعلى طريقة توزيع “النقوط” يحيى شاعر ومغنى ثورة 30 يونيو مصطفي كامل التحيات لدول عربية محددة أولها السعودية “جيش وملك وشعب” ثم يعدد العائلات الحاكمة في دول خارجية آخرى ويمسي ويحي أول وثانى.
لكن بينما يعبر مصطفي كامل بالكلمة الرقيقة وباللحن ذو الجذور الفلكلورية الشعبية، يختار آخرون السخرية والكلمة الغليظة كحالة الراقصة والمغنية سما المصري التي احتلت الأضواء منذ شهور بأغانيها الراقصة والتي تتعرض فيها للسخرية من كل رموز التيار الإسلامي ومؤيديهم من مرسي وحازم صلاح أبو إسماعيل وحتى الأسرة الحاكمة في قطر والتي تعتبرها مؤيدة للإخوان.
ورغم الانتشار الكبير لأغانى وأوبريتات مصطفي كامل وسما المصري وإيهاب توفيق، والتي تعبر عن حالة انسحاق مطلق أمام الجيش، فلا تلقي هذه الأغانى التقدير الكافي نقدياً، نظراً لتاريخ منتجيه والذين يعتبروا من خارج الجماعة الثقافية.
لكن كيف يعبر جمهور المثقفين عن رؤيته وتصوراته للهوية الوطنية الآن؟
على الحجار برفقة د.مدحت العدل والذي قدم قبل ذلك عشرات الأغاني الوطنية الشهيرة في العقدين الآخرين، يقدمان الإجابة في أغنية “احنا شعب وأنتم شعب”. هذه المرة لا يتخذ المثقف من البندقية والبيادة وقبعة الجنرال مرآة تعكس هويته على عكس مصطفي كامل وسما المصري يفضل أن يخوض معاركه وحيداً، لا يعرف ما يريده لكنه يعلن رفضه ويضع النهاية على العلاقة مؤكداً “احنا شعب وانتوا شعب”.
ينحاز الحجار في أغنيته لخيار الحرب الأهلية، فلا مساحة للتصالح مع أنصار التيار الإسلامي، من يصفهم بالأغنية “تجار المنابر”. تعبر الأغنية عن عقلية النخبة الثقافية المصرية والتي لا تزال حتى الآن تخجل من خيار العلمانية فتتمسك ببعض الصور النمطية لإضفاء رائحة الهوية الإسلامية كأن يقول الحجار: “احنا شايفين أن دينا/ دعوة للنور والحضارة/ وانتوا حاسرينه في توب قصير أو سيجارة/ احنا شايفين ابن سينا وابن رشد والحسين/ وانتوا شايفين ابن لادن والكهوف المظلمين/ رغم أن الرب واحد/ ليكوا رب واحنا رب”. ليتحول الخلاف مع الجماعة لا على دور الدين وضرورة فصله عن الدولة، بل لخلاف لتصور عن الدين وعن أشكال استغلاله بين تجار المنابر، وبين الشيخ والقسيس تحت قيادة الجنرال!
هكذا تنعكس تصورات قطاع ضخم من الطبقة الوسطى المصرية عن هويتهم الوطنية في مقابل الهوية الإسلامية، صورة يقف فيها الشيخ بجوار القسيس تحت حراسة الجنرال يصرخون في طائفة آخرى لا تختلف كثيراً عنهم بأنهم ليسوا وطنيين ولا ينتمون لهذا الشعب.
في المقابل يلاحظ وسط هذا المهرجان خفوت نبرة الأغنية الوطنية الشبابية التي فرضت وجودها بعد ثورة 25 يناير، فلا ظهور للفرق الشبابية أو معانى كالحرية والشارع والميدان، تختفي فرقة كايروكى، واسكندريلا وغيرهم لتعود الأساطير القديمة من مصطفي كامل حتى محمد فؤاد وأخوه الشهيد إبراهيم.
—- —
نشرت في جريدة أخبار الأدب














Rogers