القاهرة، التى نعرفها، انتهت. لم يعد لها مستقبل.. “خسارة فادحة.. فاضحة للحضارة والتاريخ الإنسانى. والأكثر ألما ملايين البشر الذين فقدوا حياتهم، والملايين الأخرى الذين عاشوا فى ألم الفقدان بقية حياتهم”.
بهذه الفرضية الكابوسية، تُفتتح رواية استخدام الحياة للروائى والصحفى أحمد ناجى و الرسام أيمن الزرقانى، فى عمل فنى قائم على المزج بين الرواية المكتوبة والرواية المصورة بشكل جدلى ومغاير لتجارب سابقة دمجت بين “الكلمة” و”الصورة”.
تهب رياح خماسين وعواصف على القاهرة، فتدفن تحت أطنان من الرمال والأتربة فيما سيعرف بتسونامى الصحراء. حدثت بعد ذلك سلسلة من الهزات والزلازل “الزلزال العظيم”، ثم سلسلة من التشققات الأرضية. كل هذا حدث فى الماضى، يتذكره بسام بهجت فى أوراقه وكتاباته: ” كل هذا يبدو بعيدا الآن، ولا أسعى من وراء ما أكتبه إلى إلى اعادة التذكير بما كان، أو تحليل ما حدث. فليست هذه إلا مجموعة من الأوراق والذكريات لرجل عجوز احترف الكتابة سرا لسنوات. خطاب طويل مرسل إلى الماضى”.
لا تسعى الرواية من خلال تلك الفرضية إلى رسم القاهرة كديستوبيا، قدر عنايتها بتفاصيل جحيمها الآنى، واليومى. يؤكد الراوى أن وجود القاهرة قبل “الأحداث” كان كارثة فى حد ذاته.
” وكأن تركها حتى تصل إلى وضعها قبل النكسة، وتحول البشر إلى حيوانات متنوعة الفصائل وحشية الروح لم يكن كارثة”.
تشكل صفحات الرواية نصا فى كراهية “القاهرة الآن”. لا شئ يمكن أن يحدث أقبح مما نحياه اليوم. يتخبط بسام بين جماعة عالمية سرية ” جمعية المعماريين” ذات الجذور التاريخية، والتى تسعى لإعادة خلق المدينة وفق رؤاها الفلسفية وأفكارها عن العمارة والجمال.
تتجلى التحولات التى تخلقها بشاعة المدينة، أو التى تحدث لها، من خلال الرسومات، أى أن التحول المجازى للبشر القاطنين بها إلى حيوانات يجد تحققه العينى عبر الصورة، أو ترسخه الرسومات كواقع قائم. فاتسمت بعضها بالجروتسك، كما تبين لوحة الزرقانى للغلاف، وكما تبين رسومات الفصل الرابع “حيوانات القاهرة” بشكل خاص.
العالم الغريب، السرى، للرواية تتم صياغته من خلال الصورة. يخلق البصرى الطابع المقبض لأجوائها السوداوية، وفى الوقت نفسه تصنع الرسومات خفة مخاتلة تهرب بواسطتها من “الكيتش والحنين”، اللذين يحاذر منهما الراوى رغم استعادته وتذكره لأمور حدثت فى العشرينات من عمره. يأتى ذكر أحداث المستقبل فى الرواية عابرا ( تختتم الرواية أحداثها فى “خليج دالى”، مشهد سريالى مستوحى من إحدى لوحات سلفادور دالى تتحرك فيه قطعان من أفيال البحر ذات السيقان الطويلة). أو تلوح التغيرات الناجمة عنه من وقت لآخر كنتيجة منطقية، رغم خياليتها، للجحيم الذى دأبت القاهرة أن تكونه من قبل:
” العجول الشابة تظن ضياع القاهرة فاجعة تقارب الخروج من الجنة.
و الجنة حديقة البهائم العميان.”
- ●●
يطرح الناقد الأمريكى “تود ماى” فى مقدمته لفلسفة جيل دولوز السؤال الآتى، والذى يراه سؤال الفلسفة الأهم:
كيف يمكن أن يحيا المرء؟
يقول تود ماى: ” إنه لسؤال غريب، بمعنى من المعانى، سؤال لا نسأله لأنفسنا كثيرا. إننا ننهض فى الصباح، نغسل أسناننا، نزحف لندخل ملابسنا، ثم نحرق أيامنا كأن من المستحيل أن نحيا بأية طريقة أخرى، كأن هذه الحياة بالتحديدهى الوحيدة التى يمكن نحياها”.
ويضيف : ” هل هكذا نحيا؟ هل هكذا تصبح حيواتنا، الممتثلة غالبا، القابلة للتنبؤ غالبا، المخيبة للآمال غالبا، ما هى عليه؟ “.
ويوضح أن دولوز كان لا يكف أبدا عن طرح سؤال ” ما الإمكانات الأخرى التى تفتحها الحياة أمامنا؟”.
يبدو أن “استخدام الحياة” تنتظم حول هذا السؤال المحورى، أو تنطوى عليه، ويقدم خطابها مقاربة “فنية” له، ليصير سؤال الحياة هو ذاته سؤال الفن.
لذلك يمكننا أن نتساءل من خلال هذا العمل الفنى: ما الإمكانات الأخرى التى تفتحها الرواية، أو الفن عموما، أمامنا؟ كيف يمكن أن نفكر فى “الكتابة” بطرق يمكن أن تفتح مناطق جديدة للأدب؟
تسعى شخصية ايهاب حسن، عضو جمعية المعماريين، إلى تطويع كل موارد الطبيعة وتطويع ركام القاهرة إلى عناصر مفيدة للإنسان: ” نتمنى فقط أن نجعل الحياة فى هذه القاهرة أقل تعاسة وأكثر بهجة. أن نفتح نوافذ يمكن أن يدخل منها الضوء إلى هذا الخراب”. وبالمثل، تسعى استخدام الحياة إلى تطويع الثقافة الجماهيرية التى تم تسليعها وثقافة “البوب آرت”، وكثير مما تم اقصاءه خارج نطاق “الأدبية” أو “الأدب الرفيع”، لانتاج عمل فنى مستقل فى النهاية. يبدى علائم الاستقلال من حيث قدرته على تخطى الشروط التى أنتجته والمعطيات التى شكلته، ويتسم بصفة هدامة تتحدى الوضع القائم ولا تكتفى بمجرد التعبير عنه. ومثلما يقول الشاعر العربى
” وداونى بالتى كانت هى الداء”، يصوغ ناجى والزرقانى من منتجات صناعة الثقافة، السلعية الطابع، ما يواجهان به السوق، والداء الذى أصاب به الذائقة الفنية: النكوص..
من أجل مواجهة ما وصفته الرواية فى كلمات دالة بأنه ” لا مجال للتمرد”، وما تبدى فى خطابها عن حصار الفن: ” حتى الفن خاضع لرقابة صارمة من قوانين سوق المال العالمية لدرجة أن التمرد الفنى نفسه يتم تصنيفه كنوع فنى يمكن المضاربة على أسهمه فى السوق”، اتخذت الرواية عدة توظيفات فنية لتقويض كل من: السوق ومعايير الأدب الرفيع السلطوية، حتى لا تصير مجرد ” شذوذا طفيفا ومحسوبا يؤكد القاعدة والقانون ولاينفى هيبته”. يبدو أبرز تلك التوظيفات هذا المزج بين الرواية المكتوبة والرواية المصورة.
لا تعمد الصورة إلى خلق مصورة ذهنية كونتها أو خدمتها اللغة من قبل، بل تتولى زمام السرد من اللغة المكتوبة، لتصير هى أداة التوصيل الوحيدة فى أجزاء كثيرة. ينزع البصرى الألفة عن المدينة العريقة، فالشكل الذى يتخذه العمل الفنى، فى هذه الحالة، بالعلاقة مع المجتمع/الواقع/الوضع القائم هو ما يجعله مستقلا أو جذريا، كما يبين أدورنو.
يكمن خلف المزج الظاهرى بين الرواية المكتوبة والمصورة مزج آخر، حيث تستلهم الرواية روح الكوميكس وأجواءها التى تمتزج فيها الخفة والجرأة والسوداوية والمبالغات الخيالية، فنجد الراوى بسام بهجت وهو يصف مهارات “مونى مى” يقحم بعض العبارات المستوحاة من موروثات الرسوم الكارتونية المدبلجة، ولو على سبيل السخرية:
“صنع فيروسات بيولوجية من مكونات منزلية بسيطة، تحويل طلبة الجامعة الأمريكية الذين لا يروقون لها إلى جراد وبيعهم كجمبرى لمطاعم السوشى، ضربة النسر المحلق، قبضة النمر الشرس، التحدث بخمس لغات حية وقتلها، وطبعا مهارتها الأهم ضربة الكف الخماسى التى تمكنها من إخفاء أى شخص فى رمشة عين ” .
كما نجد فى رسومات الفصول الأخيرة، حين تهجم بابريكا بصحبة مجموعة من رجال النينجا القتلة المقنعين على بسام ومود وإيهاب حسن، محاكاة لرسومات كوميكس الأبطال الخارقين، بينما آخر الكلمات التى تتواشج مع تلك الرسوم: عبارة من العهد القديم (سفر التكوين) ” ورأى الرب ذلك أنه حسن” ، وكلمة “أحا” يطلقها بسام كصيحة غضب مقدسة.
- ••
يقوم النص الروائى بتوظيف البذاءة فنيا، كإحدى الثيمات التى تتضافر مع التثوير الشكلى.
تقوم لغة الرواية على مزج مستويات مختلفة من العامية والفصحى، لكن ما يميز استخدام الحياة هو الحضور القوى للكلمات التى تم دمغها بصفة “البذاءة”، من قبل حراس الخطاب، ومجتمع السيطرة الذى خلق عالم مغلق من الانشاء أو التعبير، تدور فى فلكه مؤسسات البحث والاعلام والدعاية ومكاتب الادارة والساسة. العامية والتعابير البذيئة تتصدى بسخرية مثيرة وحانقة للكلام “الرسمى” والأدبى”. وكما يوضح هربرت ماركوز فى عبارات دالة:
” وكأن الناطق الغفل بلسانه يؤكد انسانيته فى لغته بوضعه إياها على قطب معارض للسلطات القائمة. وكأن الرفض والتمرد الذين تمت السيطرة عليهما على صعيد السياسى ينفجران فى مفردات تسمى الأشياء بأسمائها”.
خلعت الرواية على الجنس بها صفة الميكانيكية، فصورت الأفعال الحميمية بلا أية تهويمات مجازية، ليأتى وصفها مباشرا وفجا فى آليته. وكأن قبح المدينة يطبع تمثلاته على العلاقات الحميمية بين ساكنيها، ويبدو أن الإشباع قد تم إرجاءه إلى ما لا نهاية. الجنس فى القاهرة التى نعرفها لم يكن مصدر سعادة لأحد : ” صيحات الألم المتسربة من نساء مختونات يضاجعن أزواجهن بغشم، وبسرعة قبل أن يغلق مترو الأنفاق أبوابه فى الساعة الحادية عشرة”.
“.. وكأنها حياة مجموعة من البؤساء يعبرون الطرق فى فوضى النساء المتشحات بالكثير من الملابس والأقمشة والرجال منكسى الرؤوس، هياجهم الجنسى دائم لكنه غير متحقق“.
أما القاهرة الجديدة، كمدينة ما بعد حداثية) أو ربما ما بعد بعد حداثية !)، مدينة ما بعد الكارثة/المحرقة، فيصاب شبابها بالاكتئاب، وتخضع سلوكيات ومشاعر أهلها للتنميط وآليات الرقابة التى تقوم بها وتروج لها “مؤسسات التنمية الذاتية ” وتأويلات ” علم نفس مابعد العاصفة”. محاولات سلطوية للتكيف تذكرنا بتلك التى أوردها أنتونى بيرجس فى “البرتقالة الآلي” ٬ كما تذكرنا الرواية بطبيعة السرد الشفاهى فى رواية بيرجس (وكما سمعناه فى ترجمة ستانلى كوبريك السينمائية).
- ••
تبدو “استخدام الحياة” كرواية تقدم منجزا معرفيا ما،عن طريق سرد بعض “الحقائق” التاريخية أو العلمية. لكن الحقائق الى توردها هوامش الرواية يجب أن تعامل كإحدى ألاعيب الرواية التخييلية. لا تلعب الهوامش الدور التوضيحى للمتن، قدر ما تمعن فى الإيهام بتماسك عالمها المخاتل.
تقيم الرواية البنى المعرفية الخاصة بها والتى تتماهى فيها الحدود بين “الحقيقة” و”الزيف” (إن كانت ثمة فروقات بينهما)، فالمعرفة إحدى أوجه قوة الدولة القومية أو الشركة الكونية الجديدة، ينزع النص الروائى القداسة عن التاريخ، ويعيد انتاج سرديته الخاصة. تتأكد سمات الاستقلال للعمل الفنى بنظرته المتشككة إلى اللغة والمعرفة والتاريخ، حيث يراها كأقانيم تشكل وجود السلطة، فلا يوظفها كموضوعات “محايدة” و”بريئة”، بل يسعى السرد إلى صياغة مغايرة لها، تنتج عالما مسكونا بعناصر نفيه.
تدفع الرواية المغزى الدلالى للأسماء فى النص إلى حدود مراوغة. المفاهيم أو الأفكارالتى تمثلها شخصيات فليمون و إيهاب حسن، بوصفها شخصيات مرجعية، تؤكد كونها علامات تنتج “خطاب”، كما أن الخطاب الروائى نفسه ينتج الشخصيات بمدلولات مختلفة عن تلك التى عهدناها فى الواقع. تصعِّد مراوغة النص الروائى، فى توظيف تلك الشخصيات، من المحددات الايديولوجية التى يبديها الكاتب. هل الرواية تقدم رؤية مناهضة لما بعد الحداثة (أو بالأدق احتقارها للأسئلة الكبرى) رغم تمثلها للعديد من سماتها الفنية؟ أم أن ما تبديه شخصية بسام بهجت من تفهم لأفكار وطموحات إيهاب حسن ينبئ عن تشاؤم حيال المرحلة الثقافية أو المعرفية التالية لما فيه العالم اليوم؟
يقول إيهاب حسن “الواقعى” فى إحدى مقالاته: ” بعض أعمال الهندسة المعمارية، درست كأمثلة لعمارة ما بعد حداثية، مثل متحف جاجنهيم لفرانك جاري في مدينة بيلباو الأسبانية، وقصر أشتون ريجات مكدوجال في ميلبورن بأستراليا، ومركز سكيوبا لأرتا أيسوزوكي في اليابان، وأصحاب هذه الأعمال تجنبوا خشونة الزوايا الهندسية للباوهاوس، ونقاءها التجريدي، فمثلا الأطر ذات الحد الأدنى من المعدن مع الزجاج عند فان دير روه تخلط العناصر الجمالية، بالتاريخية، كما تعبث بالشظايا، وتستخدم العناصر الرديئة.” أما إيهاب حسن فى “استخدام الحياة” نجده عن مطالعته لنفس تلك الأعمال المعمارية يطرح أسئلته حول “الدور الوظيفى للفن وتحديدا فن العمارة”، ويحمل سؤاله قدرا من “الثقة النقدية والإيمان الأعمى بحتمية وجود قوى عظمى أو حقيقة مطلقة تحدد ماهو صواب وما هو خطأ بشكل نهائى وقاطع” بتعبير الرواية. هنا يختلط الحقيقى والقصصى (بتعبير ايهاب حسن “الحقيقى”)، أو كما بين بودريار، فإن ما تمت حكايته (أو نموزج المحاكاة الروائية ) يحل محل الواقعى و”يغدو هو الواقعى بدلا منه”. فالصورة الفنية لم تعد مقيدة إلى شئ ثابت فى العالم الواقعى، بل تتحرك بكل طريقة يمكن تصورها.
- ●●
يرى المفكر وعالم الجمال ” ثيودور أدورنو” أن موسيقى شوينبرغ تعتبر مثالا للعمل الفنى المستقل. فشوينبرغ يرفض أن يقدم للمستمعين مقولات مألوفة ذات هالة تعمل على تنظيم استجاباتهم،بل يكسر سكونية التلقى عبر دفعهم إلى اتخاذ موقف من موسيقاه “المنفلتة إلى أبعد الحدود”. تقف “استخدام الحياة” على الحافة الحرجة، بتحطيمها الهالة المقدسة للفن مع التمرد على السوق والتسليع. روائع الموسيقى الكلاسيكية صارت مقرونة فى آذان الكثير منا بالإعلانات التجارية ( سمفونية بتهوفين التاسعة: اعلان السمن النباتى والزيوت المهدرجة، كارمن بورانا لكارل أورف: اعلانات المنتجعات السياحية و الوجبات السريعة). السلطة التعسفية ومراقبة الكتابة، وتحديد ما يمكن أن يدرج فى “المعيار الأدبى” وما ينبغى أن يستبعد من نطاق ا”لأدب الرفيع” وفق رؤى تنبنى على معايير السلطة الحاكمة فى المجتمع ومؤسساتها. وسط هذا الحصار تتخلق الرواية.
يؤكد الكاتب الأفريقى الكبير “وثيونجو” أن “الفن فعل ثورى”، و الصراع الذى وصفه بين الفن والدولة يجد صداه فى “استخدام الحياة”: “الصراع بين قوة أداء الفن وبين أداء قوة الدولة”.
وما تحاوله الرواية هو التحرر من القبضة المحكمة على الكتابة، وتستعين بقوة الفن النافية على كل القوى التى تحاول إفساد الفن.. و الحياة.










Rogers