بدأ مذيع الراديو الفقرة الثقافية الأسبوع الماضي بإذاعة نبأ افتتاح مهرجان فينسيا للفنون. كان يقصد بينالى فينسيا الدولي، لكنه قرر اعتباره مهرجاناً للفنون تأثراً بثقافة المهرجانات التي قامت عليها بنية العمل الثقافي في مصر خلال العقود الماضية.
زف المذيع البشري باختيار خمسة فنانين لتمثيل مصر للمرة الأولي في هذا الحدث، مع أن مصر تشارك كل عام. أما الضربة التالية فضيف الحلقة على الهاتف الأستاذة “ن” وكيل وزارة الثقافة السابق، ووالدة أحد الفنانين المشاركين في البينالي، والسؤال الذي وجهه المذيع للسيدة ودارت عنه معظم الفقرة هو: “هل أنت اليوم فخورة فخر الأم بابنها، أم الفخر بأن اسم مصر يرتفع خفاقاً عالياً في محفل دولى كمهرجان الفنون؟”
طبعاً إجابة السيدة وكيلة الوزارة كانت أن فخرها كمصرية يتجاوز فخرها بابنها، فاليوم جمال الخشن ليس ابنها بل ابن مصر ويحمل اسم مصر ومسئوليته رفعه عالياً. فهناك الفن الهادف، والفن للفن، والفن للفخر. والمشاركة المصرية في بينالى فينسيا تكون دائماً مناسبة لاشباع كل رغبات الفخر. والمتفاخر بذاته أعمي، لايري سوى انعكاس نرجسيته بينما الآخرون يضحكون عليه.
فبينما يفتخر المذيع ووكيلة الوزارة السابقة والصحف المحلية، حفلت الدوريات والمجلات الفنية بانتقادات حادة وساخرة للجناح المصري، حتى أن موقع “.artsy.net” أحد أهم المواقع الفنية خصص مقالة كاملة للسخرية من المشاركة المصرية حمل عنوان “في الجناح المصري، فنانون يصرخون من أجل السلام”. بدأت المقالة بجملة افتتاحية “حينما سيعلن عن تسليم الأسد الذهبي لبينالى فينسيا فالأكيد أن الجناح المصر لن يفوز” وحسبما جاء في المقال فالعمل الذي قدمه كلاً من “جمال الخشن، ماهر داود، أحمد عبد الفتاح” والذي حمل عنوان “هل يمكنك أن تري” يحتل مساحة الجناح المصري ألواح من النجيل الأخضر الصناعي، يتوسط الغرفة جهاز كمبيوتر لوحي يعرض كلمة “السلام” مكتوبة باللغة العربية والإنجليزية، وحين الضغط على الشاشة تتحول لتعرض صور مختلفة لفراشات وزهور. وصف المقال العرض بالطفولي. لكنه أيضاً انتقد أن الجناح تم إعداده من قبل وزارة الثقافة المصرية، التي بدورها اختارت منسق العرض وتيمته والفنانين المشتركين والرسالة الواضحة التي رأى أن العرض يعبر عنها هي محاولة من قبل الحكومة المصرية لمحاولة تحسين صورتها سياسياً والتغطية على الأخبار التي يعبر عنها المشهد السياسي في مصر، وليس عن حرية الفن التي كتب القائمون على العمل في منشوره الدعائي أنها موضوع العمل.
لا يمكننا التعليق على العمل الفني لأنه كان يعرض في فينسيا ونحن في القاهرة، لكن الأهم أن العمل غالباً لن يجد فرصة للعرض في القاهرة، ليس فقط لأن الفخر الوطنى أمام الأجانب لا أمامنا هو الغرض من هذه الأعمال بل لأن الأعمال التي تعرض في بينالي فينسيا ضمن المشاركات المصرية لا تجد فرصة في العرض داخل مصر.
في عام 1995 حصل مجموعة من الفنانين المصريين، الشباب وقتها على جائزة الأسد الذهبي لأفضل جناح دولة وكانوا حمدى عطية، مدحت شفيق، الموسيقي خالد شكري، والفنان والمعماري أكرم المجدوب. يروى أكرم تفاصيل العمل وملابساته في حكاية دالة على التعامل المصري مع المشاركات في الفعاليات الثقافية الدولية: “في ١٩٩٥ أوكلت لجنة المعارض الخارجية مهمة المشاركة لإثنان من الأكثر إحتراماً وعلماً وفناً، كقوميسييران للعمارة والفنون وهما “جمال بكري” و”مجدي قناوي”.إختيار الفنانين المشاركين تم بواسطة قومسييرا العرض مباشرة.
قام الفنانون بإعداد مشروع العمل الفني بعد إختيارهم وليس قبله. الفترة بين الإختيار وإفتتاح العرض كانت ستة أشهر. الميزانية تم استهلاك جزء كبير منها في تجهيزات الجناح نفسه ليطابق مواصفات إدارة البينالي المطلوب تنفيذها من جميع أجنحة الدول، ولإستكمال العمل إضطررنا لجمع خامات فائضة من أجنحة الدول الأخرى وإستعمالها في إنهاء عملنا الفني.
حضور وزير الثقافة كان لمشاهدة العمل الفني بعد انتهائه، بناء على نصيحة القومسيير لإعتقاده أن العمل يستحق المشاهدة. عند تسليم الجوائز لم يتمكن الفنانون وأحد القومسييرين من الحضور بسبب تدافع موظفي الأكاديمية المصرية آن ذاك حول الوزير وشغل المقاعد المخصصة للوفد المصري. تمت التغطية الصحفية بواسطة صحفي مصري واحد كان بصحبة الوزير، وإقتصرت على خبر الفوز بالجائزة، وليس تغطية البينالي كحدث هام في المشهد الفني الدولي.
رفضت الدولة كل العروض المقدمة من متاحف دولية لإقتناء العمل، بإعتبار أنه من الأولى أن يعود لبلده.
الواقع أن أحداً من مسئولي الفنون التشكيلية، بقطاعها ومجلسها ولجانها، لم يهتم على مدى عشرين عام بإعادة إقامة العمل وعرضه أو حتى الحفاظ عليه سليماً، بل من الممكن أن يكون هناك من إهتم بعكس ذلك.” وعلى صفحته على الفيسبوك نشر أكرم صوراً لما يفترض أنه أجزاء من العمل في مخازن الوزارة وقد تكسرت وتحطمت حتى أنها لتبدو مجموعة من “الكراكيب” المهملة.
لكن إذا كانت هذه سياسة الوزارة اتجاه البينالى، فأين الفنانون المصريون الذين يدركون بالتأكيد أن المشاركة المصرية في البينالي هي بمثابة واجهة تعبر عن صورة الفن المصري في المشهد العالمي وتؤثر بالتأكيد عليهم بشكل أو بآخر. مشاركة هذا العام التي أثرت استياء عدد من الفنانين المصريين، علق الفنان ياسر جاد: “أكن كل الاحترام والتقدير للفنانين المشاركين دون التطرق لمنتجهم الفنى المشارك بالبينالى . ولحسم الجدل الدائر واﻹتهامات الملصقة بضعف العمل وتواضعه ولفض اﻹلتباس الحاصل . أقترح على فريق العمل . إقامة عرض خاص عند العودة للقاهرة . يخضع من خلاله العمل للنقد المتخصص ولردة فعل الجمهور فى داخل مصر . وأن يقيموا ندوة على هامشه لطرح وجهة النظر الخاصة بهم .”
اعتبر ياسر أن الفنانين كبش فضاء والملام الحقيقي على ضعف المشاركة المصرية هو لجنة الفنون التشكيلية، والتي لم يخرج منها عضو واحد يدافع عن ذلك اﻹختيار ويعزز نتيجته. ويفند دفاعه عن ذلك اﻹختيار . بل يجلسون جميعاً خلف الشاشات ليستمتعوا بتلك الموجة من التجاوزات . فعار علينا أن نتشدق بالحرية والشفافية والنزاهة . ونتكبر على الرد على إعتراضات كل هؤلاء الفنانين والمتلقين . فأنا فى كامل الخجل أن تكون هناك مثل تلك اللجان ولو بشكل استشارى داخل المؤسسات الرسمية للدولة . لجنة أتت بإختيار شخص واحد يخضع رأيه للصواب والخطأ . يمسك منفردا بزمام اﻷمور . ويفرض علينا شخوصا يصبغهم بكنيات زائفة . ويملئ سيرتهم الذاتية بخبرات مزورة .وبدرجات علمية هذه ثمرة إشراكها فى عمل مثل تلك لجان . ويطلق ألسنتهم لتطال كل مبدع وفنان وتسوق لكونها تمنع وتمنح وتعطى وتأخذ .”
لكن الثورة على عملية اختيار المشاركات في البينالي وعمل لجنة الفنون التشكيلية، ليست جديدة بل حدث متكرر كل عام خصوصاً مع اقتراب موعد بينالى فينسيا. والأسباب وراء هذا كما يري أكرم مجدوب الفائز عام 1995: “أغلب الفنانين يتعاملون مع المشاركة في فينسيا وكأنه معرض تقيمه الدولة في جناحها هناك، والمشاركة فيه حق لمن لا يسبق لا الاشتراك، وهناك وهم مسيطر على كثير من الفنانين بأن المشاركة هو نوع من “الوصول للعالمية”. والأهم اعتقاد لدى القائمون على الحركة بأن مصر يجب أن تنافس على الجوائز، وهذا الاعتقاد يجد من الاهتمام ما يفوق الاهتمام بدعم الحركة الفنية إنتاجياً وفكرياً، في الوقت ذاته فمعظم أعضاء اللجان الفنية لا يزورون البينالي ولا يعلمون طبيعته، وليس هناك اهتمام يذكر بالاطلاع عليه وزيارته سواء من الفنانين أو منظمين العروض”.
نتيجة هذا المشهد يأتي بينالي فينسيا هذا العام معبر عن قواعد وسياسيات المشهد الفني المصري داخل أروقة الوزارة، حيث الصراعات الصغيرة والبيروقراطية واللوائح واللجان، وكل هذه الفوضى من أجل التمثيل المشرف وتعزيز مشاعر الفخر الداخلي متوهمين السلام والفخر كالنجيل الصناعي الذي يتوهم أنه عشب.
—— —————————————————-
نشر في أخبار الأدب












Rogers