يوميات الحرب الأهلية: سيجارة فوق المحور

ترددت الأنباء منذ الصباح بأن طريق المحور والذي يربط بين مدينة 6أكتوبر والقاهرة يتعرض لعمليات متعددة من قطع الطرق ولا سيارات مسموح لها بالعبور. في ذات التوقيت كان يتم حرق مبنى محافظة الجيزة. التلفاز يقول أنهم الإرهابيون. وهم على ما يبدو منظمين للغاية في الوقت الذي يهاجمون فيه المحافظة يقطعون كل الطرق المؤدية إليها من معسكرات إمداد القوات. المحور، الطريق الصحراوى، ومحور صفط اللبن.

على تويتر خدمة “بيقولك” والتي يفترض أن تساعدك في تجنب الشوارع المزدحمة كانت تقدم عرضاً خاصاً بمناسبة الحرب الأهلية وهى الشوارع المقطوعة وكيف تتفادى مناطق الاشتباك المسلح. لكن بعد ساعات سيأتى موعد الحظر ولا يمكننى تحمل البقاء في المنزل أكثر من ذلك. قررت الخروج من المنزل حتى لو كانت الطرق مقطوعة وتصادف أن عثرت على ميكروباص في طريقه نحو ميدان لبنان.

ركبت بجوار السائق، الذي أخذ يشير إلى بعض الشروخ في الزجاج ويحكى عن قطاع الطرق والأشقياء الذين يظهرون على الطريق فجأة ويكون عددهم قليلاً فلا يستطيعون قطع الطريق فينتهى بهم الأمر إلى قذف السيارات بالزجاجات والحجارة. فجأة وصلنا إلى نقطة في المحور حيث قطع حجارة كبيرة وإطارات مشتعلة تقطع الطريق على السيارات، وفي وسط كل هذا جذع نخلة ملقي بعرض الطريق والنار تأكله. خبت النار في بعض أجزاء الجذع لكن لب النخلة ظل متوجهاً كقلب أحمر يصارع الموت، وفي الخلفية أصوات رصاص متفرقة.

دور الكلاب والكائنات الخرافية في الحرب الأهلية

دور الكلاب والكائنات الخرافية في الحرب الأهلية

الوضع كان كالتالى، السيارات على الجهتين من طرق المحور متوقفة على الأرض مكتوب بالطلاء “مرسي رئيسي”، وكلما حاول أحد الركاب إزاحة الحجارة أو الإطارات المشتعلة يظهر من أسفل الطريق مجموعة من الشباب يحملون السلاح الآلى ويتنقلون فوق سيارة “ربع نقل” يطلقون النار على أي شخص يحاول فتح الطريق. وسط هذه الفوضى الحربية، نظرت خلفي لأجد شاب يرتدى “شورت” و “تى-شيرت” ويمسك بيده كلب ضخم، كان الغضب واضحاً على ملامح الفتى كممثل يتظاهر بغلظة القلب. أخذ الكلب يعوى وسط الرصاص، والولد يخاطب العابرين بجواره “أسيب عليهم الكلب يأكلهم”.

يأتيه الجواب من أحدهم “ياعم كلب أيه دول معاهم آلى، روح من هنا بدل ما يقتلوه لك” ظل الولد مصمماً على الوقوف ممسكاً بالكلب كسلاحه الخاص. أخيراً ظهر مجندين من الأمن المركزى يحملان السلاح. أخذ يتبادلا إطلاق النار مع قاطعى الطريق دون أي تأمين للجمهور المتوقف ولا حتى تأمين لأنفسهم. شعرت بيأس من عبثية المشهد كله، وقفت في زاوية بعيدة عن خط النار وأخرجت سيجارة. على بعد مترين رأيت مجند الأمن المركزى يطلق رصاصة في الهواء ثم يخاطبنى: “دى آخر رصاصة كانت معايا في العهدة”.

أخرجت سيجارة له فوقف بجوارى، كان عمره 19 عاماً وكل التدريب الذي تلقاه لا يتجاوز بضعة أشهر، وضعتهم العربة هنا بحجة تأمين المحور دون أي دعم أو خطة أو توجيه. قبل أن تنتهى السيجارة ظهرت سيارة مدينة من الجهة الآخرى من الطريق نزل منها ثلاث شباب بالأسلحة الآلية، وكأنما يمارسون فعلاً يومياً بدأوا في إطلاق النار بكثافة على قاطعى الطريق. أحدهم بدل خزنتين في أقل من ربع ساعة وبدا واضحاً أنهم مواطنين شرفاء ذخيرتهم لا تنفذ. مع تراجع قاطعى الطريق تقدم الآخرون لإزاحة الإطارات المشتعلة والحجارة. لكن كلما حاولوا إزاحة النخلة كان قلبها المشتعل يقذف بالشرر، ما أن انفتح جزء من الطريق حتى تحول المشهد إلى سيرك بلا أي تنظيم.

السيارات التي كان بعضها يحمل عائلات انطلقت بأقصى سرعتها في محاولة للهروب ومع الدخان في الجو والحجارة على الأرض أخذت بعضها ينحرف عن الطريق أو يدور في دوائر تحت وقع الارتطام بالحجارة أو الضغط فجأة على الفرامل.

طوال أكثر من عشر سنوات عبرات هذا الطريق بشكل يومى تقريباً، لكنه الآن كان يتحول إلى نقطة صراع حيوى بين جبهات متعددة متصارعة، ومواطنون يحملون السلاح الآلى للتدخل في حالة قيام أحدهم بقطع الطريق عليهم. كان هذا واقع جديد يتشكل، كانت هذا الحرب الأهلية على الطريقة المصرية.

Share
Tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *