بورتريه لعجوز في 6أكتوبر

أتذكر كل ما سبق، محاولاً استعادة رؤيتى للأمور وقت حدوثها في العشرينات من عمري، لا كما صرت أعرفها الآن. ربما لهذا بدأت في كتابة هذا التقرير.

أتذكر لحظة البداية في شروعى في كتابة التقرير المعنون باسم “استخدام الحياة”. كنت أمارس روتين الوحدة وتربية الأمل، ثم استلقيت على فراشي ذات مساء وبينما أتفقد “ايميلى” قبل النوم لفت نَظري تاريخ اليوم لأكتشف أن غداً هو عيد ميلادي السادس والأربعين. أندهش من الرقم، فقط 46. أطفئ الجهاز وأنا أفكر في معرض “برقية حب للضفادع” الذي شاهدته منذ بضعة أيام.

أين ذهب اللون الأخضر. هل كان أصلاً موجوداً؟ لماذا إذن الحنين للون الأخضر هو الذي يطغى على معظم التصميمات في المدينة، حتي الفنانين الطليعيين دائمي الهروب من الكيتش والحنين والذين ربما كانوا أطفالاً رضع وقت “النكسة”[1] يظهر اللون الأخضر في مُعظم أعمَالهم بكثافة. يبدو الأخضر كأنه معنى أكثر منه درجة لونيه. مفهوم مستقبلي وفي الوقت نفسه استعادي لإرث ثقافي وحضاري لا يرتبط فقط بالهوية الوطنية لمصر، بل جزء من حرَاك فنى وثقافي عَالمى. يَترافق هذا بالطبع مع تلك الحملة القومية لتخضير الصحراء والشعَار الأثير للدولة “لنُحَارب الأصفر”، تنويعه جديدة على الشعار القديم “عايزينها تبقى خضرة”.

الأخضر لم يظهر قبل الفاجعة، بل ولد كدين جديد وحزين في النصف الثانى من القرن العشرين، أخذ يكبر مع تطور قدرة الإنسان على مراقبة الطبيعة وتغيراتها. ومثل كل الأديان يؤمن أتباع الديانة بالأخير بقوة إلهية غير محدودة هى الأم “الطبيعة”. والإنسان هو الابن العاصي الضال لهذه القوة الإلهية. وإذا لم يتعظ ويتوب عما يفعله من ذنوب وكبائر في حق أمه الخضراء فسوف تنتقم منه وتغرقه وتدمره. هكذا تم تصوير ما حدث للقاهرة ولمدن آخرى في السنوات الأخيرة كغضب من الإله الأخضر سيد الديانة الخضراء.

واقع الأمر أن الطبيعة ليست حالة ساكنة وتغيرها وتبدل ظروفها المناخية والجغرافية هو الأمر الطبيعي، ولولا التبدلات المناخية تلك ما كان الجنس البشري وغيره من الأجناس ليظهر على سطح هذا الكوكب. واقع الأمر أن الطبيعة أيضاً ليست خضراء. فالصحراء برمالها الصفراء وأحيانا الحمراء في بعض المناطق الجغرافية هى جزء أساسي من الطبيعة، ومحاربة اللون الأصفر لصالح اللون الأخضر تحت زعم خدمة إله الطبيعة الأخضر هو تضليل بين واعتداء وحشي على الطبيعة.

لكن نقول لمين؟

وحتي الآن وبعد عشرين عاماً لم نستوعب حجم الفاجعة.

طُرح الأخضر كلون في شعار تحالف شركات التعمير الجديدة بعد سلسلة الزلازل والفيضانات الرملية التى اجتاحت الكثير من المدن، لكن في ظرف سنوات قليلة أصبح الأخضر مصدراً لفعل، ومن الفعل خرجت مجموعة من المشتقات اللغوية المتنوعة، كونت تلك المشتقات مفردات خطاب، والخطاب انبثق عنه مجموعة خطابات، الخطابات تحولت لظاهرة وانعكست في مجموعة متنوعة من الفنون والممارسات الثقافية الاجتماعية. ثم حتى القمر الفضي والأبيض صار لونه أخضر.

في معرض “برقية حب للضفادع” بذلت رانيا رفقي الكثير من الجهود لتخفي الحنين إلي ما مضى، لكن الضفادع التى توزعت على اللوحات وعلى أكثر من تكوين في قاعة العرض حملت داخلها رسَائل من المَاضي لا يمكن تجَاهلها. في أحد الأركان تراصت مَجمُوعة كبيرة من التمَاثيل الخضرَاءِ للضفَادعِ فوق بعضها البعض مُكونة هرمًا صغيرًا أخضر اللون. عقدة الذنب الكلبية لدى هذا الجيل الجديد من الفنانين تصل لدرجات أن حتى الهرم الأصفر يتمنون لو كان أخضر. حرف “لو” ينتهك عذرية مؤخراتهم كل يوم.

ماذا “لو” كنا أكثر حرصاً؟ ماذا “لو” كنا أكثر اعتناءاً بالبيئة وجغرافيا المدينة؟ ماذا “لو” كنا أقل إزعاجاً للطبيعة؟ ماذا “لو” كان عدد النباتيين أكثر في المدينة؟

العجول الشابة تظن أن ضياع القاهرة فاجعة تقارب الخروج من الجنة.

والجنة حديقة البهائم العميان.

سنوات ظلت المحاولات اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقَاذه تتكرر في غبَاءِ يَشترك فيه المصريون واليونسكو وشعوب العالم. الإنسانية تواجه كَارثة، وتُراثنا مُهدد بالضيَاعِ. أحوه يعنى. وكأن وجود القاهرة بحد ذاته قبل ذلك لم يكن كَارثة. وكأن تركها حتي تصل إلى وضعها قبل النكسة، وتحول البشر داخلها إلي حيوانات متنوعة الفصائل وحشية الروح لم يكن كارثة.

مع ذلك استمرت محاولات الإنقاذ. بَعَثَات اسْتِكْشَافِيَّة للتَنْقِيب فِي بَحْر الْرِّمَال دَائِم الْحَرَكَة، لَكِن الْكُل كَان يَغِيْب فِي صَحْرَاء الْرِّمَال الْمُتَحَرِّكَة وَلا يَعُوْد. إذاً لنعيد بناء ما ضاع. لنثبت أن الروح التى بنت الأهرامات، والحلوانى الذي رسم القاهرة لا يزال حياً حاضراً فينا لنبنى مصر من جديد، لتنهض من مقبرة الرمال. ليشدو صوت أم كلثوم “وقف الخلق جميعاً ينظرون”. كانت هذه هى الروح الجديدة في البلاد. وهى كما توقعت “بابريكا” ما دفع مصر والمنطقة إلي قفزات طويلة نحو المستقبل. أى مستقبل؟

نحن فيه الآن، وكم أشعر بالسأم منه.

هو الماضى يغير أشكاله، هى صور الذات تَدعي الانتعاش.

أصب الماء الساخن في الكوب، أحرك النعناع فيتحول لون الماء إلي الأصفر. أقف في النَافذةِ أُشَاهد بعيداً السفن تَتحرك في مينَاء أكتوبر الرملي. الحركة دائماً هادئة صباح يوم الجمعة.

* * *

أقرأ بضع صفحات من رواية “الأخوة كرامازوف” ثم أنظر إلى شَاشةِ الموبيل. أترك الكتاب وأستلقي على الأريكةِ. أعيد النظر لشَاشةِ الموبيل. أعرف أنها لن تتصل ومع ذلك يائساً انتظر اتصالها. أمسك التليفون وأقلب في الأسماء مُفكراً في شخص مُنَاسب يمكن تمضية النهار برفقته. عشرات الأسماء لا أعرف لماذا أحتفظ بها، والآخرون أعرف أنهم بالتأكيد مَشغولون. يهاجمني نوع من الندم على القرارات الماضية التي اتخذتها لكنى أبعد المنغصات عن ذهنى، يا حبيبي مضى وقت العتاب. أتوقف عند اسمها “مونى مي”. أتردد في الاتصَال ثم في النهايةِ أرسل رسَالة نَصية لها:

- مياو مياو :- )


-فصل من رواية “استخدام الحياة” تصدر قريبا عن دار التنوير

Share
Tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *