كل هذه السنين يا صاحبي..

صورة للتاريخكل هذه السنين، منذ ولدنا تحت ظل الفرخة، البقرة البائسة، آخر الجنرالات بالبدلة المدنية. كل هذه السنين يا صاحبي عشنا بلا شمس. بالبيض، بصفاره وقشرته نبنى جدران من البيض والبضان حتى لا نشعر بالحزن. حتى نحمى أنفسنا من عفن السلطة، من ركود الأفكار، من ازدواج القيم والمعايير في مجتمع يأكله السوس والدود.
.
لا يا صاحبي.. البيض لم يكن اختيار من ضمن اختيارات موضوعة أمامنا على الطاولة.. لم يكن لدينا اختيار. وسقف أحلامنا كان دائماً أن
يكون البيض صالح للاستخدام الآدمى. كان هناك مبارك وصفوت وأنس وفاروق ومنهم تخرج الخيوط تحرك كل المهرجين من حركة تدعى أن الإسلام هو الحل ولا تجد غضاضة في التوريث أو لعق أحذية السلطة، إلى عجائز فوق الخمسين يلقون محاضرات في أندية الروتارى عن قيم الليبرالية والحضارة والحوار مع الآخر.
“كل هذه السنين يا صاحبي.. حتى نجروء على إعلان أننا لسنا تماثيل، لنسقط مقطوعين على قواعدهم، ميتين برؤسٍ مفلطحة، بعيون معصورة كالمحار، بثقوب في عظامنا، كيف يا صاحبي كل هذه السنين ومازالنا لا نخرج سوى.. حشرجة”
.
حتى في اللحظة التى كانت الشوارع فيها تمتلأ بالقرود وأطفال البشر والضاحكين، وأصحاب المشاعر الفياضة يبكون من السعادة أمام الكاميرا ابتهاجاً بتنحى مبارك وتسليم السلطة للمجلس العسكري. لم نكن سعداء يا صاحبي..
بعد أكثر من ربع القرن من بناء جدران البيض حول القلب، من غلق المشاعر حتى لا نشعر بالحزن أو الألم الذي هو أكثر من السعادة والفرح. من الطبيعى ألا نشعر بأى فرح أو ابتهاج.
لكن على مدار الفترة الماضية كان هناك حلم متكرر يا صاحبي، كنت أري الشوارع خالية، والضباب كثيفاً، مع شروق الشمس يتحول لما يشبه الندى فيغسل الشوارع والأرصفة، الأشجار المتربة، الأسوار الحديدية والخرسانية خوذات الجنود الناعسين وقوفاً، ولاعة سجائر الضابط، وسبحة الشيخ، يترك الندى قطرات مياة مصفاة فوق الشبشب الجلد للمعفن في قدم من يكتب ما يظنه دستور. يغطى الندى كل شيء يا صاحبي حتى المعفن، والمدلس، والطاغية، والديكتاتور الأهبل، والفقيه الدستورى، وربات المنازل، وبائع الشوارما. فتتنمو النباتات أوراق خضراء تنبت على أطراف وأعضاء الجميع.
ليس ما يجري ويدور يا صاحبي صراعاً بين مراسيم ولوائح قانونية ودستورية. وليست القضية في سحب الإعلان الدستوري، أو إقرار الدستور، أو مسرحيات الغريانى الطويلة والمضحكة والمملة، ليست المسألة أن محمد الصاوى ينام بينما عصام العريان يلقي كلمته الختامية، ويستيقظ ليرفع يده مصوتاً باسم الكنيسة.
.

ليست هذا القضية. كل هؤلاء سيصيروا يوماً عظاماً وتراب، تسير القطط في وداعة بين قبورهم. ليست تلك هى القضية يا صاحبي..
.
القضية هى حياتنا. ماذا نفعل بها وفيها يا صاحبي. الصراع الحقيقي على حياتنا. بينما نرغب في تقضية ما تبقي منها كبشر لا تماثيل. يستمد طرف آخر لذته واحساسه بتحقيق الذات من قدرته على الفرض والجبر والتحكم في حياة الآخرين وتحويلهم لعبيد حيث دستور يجيز تشريع قوانين تفرض العمل “جبراً”. ورئيس لا يناقش وقراراته يظنها أوامر إلهية باسم الشريعة والشرعية.
لم يعد هناك ما نخسره يا صاحبي، والأسوء أنه لم يعد بالامكان أن نبنى أسواراً بقشر البيض حول مستعمراتنا الصغيرة المنعزلة.. حتى الصمت أو التجاهل لم يعد اختياراً. أم أن نعيش بشراً لأول مرة أو نسقط كتماثيل مهشمة..

Share
Tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to كل هذه السنين يا صاحبي..

  1. Bahey says:

    وثيقة اعلان بشري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *