يفتتح محمود توفيق مجموعته القصصية “بلو” بصفحة تحتوى على توضيح يقول فيه “بلو: كلمة انجليزية تعنى حالة خاصة من الشجن الممزوج بمتعة التأمل” يلى هذا التصدير مقطع من أغنية مجهولة باسم “كايرو بلوز” لفرقة غير معلومة تدعى “بانانا ايجيبت”.
هل الأغنية حقيقية؟
هل الفرقة كانت موجودة؟
من يعرف محمود توفيق، يعرف نشاطه في مجال التوليفات الموسيقية عمل لفترة في مجال الإذاعة، وشارك في عدد من المشاريع الموسيقية المعروفة والسرية، آخرها كانت الفرقة التي أسسها مع مجموعة من الموسيقيين تحت اسم “هيثم زا باند”. ما بين الخط الرفيع بين الواقعى والغرائبي، وفي الخلفية أصوات الهمهمات وضجيج اللغات واللهجات تأتى مجموعة توفيق.
ينزع محمود رداء اليقين، ومثل بطلة أول قصص المجموعة “شوارع الثورة” التي نزعت لافتات الشوارع في وسط البلد حتى يتوه الجيش إذا دخل، يسحبنا محمود في متاهة خاصة، ما يقدم كحقائق يمكن البناء عليها يتبدد كقلاع من الرمال، وتنكشف حفر، من الحفر ممرات، وأحياناً في نهاية كل ممر رحلة وفي نهاية كل رحلة يمنحنا محمود “هابي إيندينج”.
حينما تبنى علاقة مع اللغة مفتاحها السمع ووقع وآثر الكلمات، لا تتوقف كثيراً حول شرعية الألفاظ وحدودها القومية، وقع الكلمة وما تحمله من معانى يظل هو الأهم. “هابي إيندينج” يعنى نهاية سعيدة، لكن تسمية القصة بالاسم العربي يفقد المعنى المقصود بالهابي ايندينج وهو مصطلح مقصود به إنهاء جلسة المساج بممارسة جنسية، يتقابل في القصة مجموعة من الأصدقاء القدامى في ذات المكان الذي اعتادوا اللقاء فيه، يتظاهر الأصدقاء بأن الزمن قد ترك أثره عليهم وجعلهم أكثر حكمة وتعقلاً، لكن شيطان اللعبة يجرهم لاستعادة الماضى لنكتشف أنه رغم كل هذه السنين ياصاحبي لا نزال مكاناً كما كنا.
في قصة “مرآة” يتصاعد الصراع بين الكاتب ومترجمه الفوري. الكاتب في مدينة غريبة لا يتقن لغتها، يقرأ والمترجم يترجم محاولاً تقليد أسلوبه، لكن الجمهور يأتي في نهاية الندوة ليصافح المترجم ويثنى على أدائه، نهاية الصراع يذهب الكاتب إلى إدارة المهرجان ويطلب منهم أن يقرأ نصوصه من كابينة المترجم. الكاتب في كابينة المترجم ومع ذلك يتحدث بلغته، يا لها من نهاية سعيدة لإشكالية حزينة حول علاقة الكاتب باللغة.
ثم ينقلب الخطاب والصوت الرزين في معظم القصص في قصة “فيك من يكتم السر” تتضاءل مساحة الفصحى لنصبح أمام مونولوج يبدأ بالعبارة المفتاح للحكى “فيك من يكتم السر” لكن الراوى هنا امرأة. لعبة يكررها محمود على طول المجموعة. ما أن تقرأ نصاً مكتوباً بضمير المتكلم، حتى تتوقع أن الراوى ذكراً لكن الضمير ينقلب من السطر الثالث “خدنى على جنب وقاللى: “أنت عارفه أن أبوك خلاص هيموت قريب، موش كده؟” المونولوج يستمر على طول القصة كما يليق بلغة سيدة من الطبقة الوسطى تحشر الكلمات الإنجليزية كأنها جزء من العامية المصرية.
لكن هل اللغة كلمات فقط؟
يستمر توفيق في اللهو يفتتح قصة “ربنا موجود” قائلاً: “في يوم مشمس كهذا قرر الله أن يخرج عن صمته ويتدخل في شئون عباده. لكنه ما لبث أن فطن جل جلاله إلى أن ظهوره على إحدى صوره المعهودة من قديم الأزل، لما يرتبط به لزاماً من ترجيح كفة لغة وأمة وديانة على غيرها. كفيل ببث المزيد من الغمة بين البشر. لذا رأى تعالى أن يخرج على الناس في شكل كلمة بلا جسد وصوت غير مكلوم: على هيئة صفارة إنذار”. من المراقب الصامت إلى صوت صفارة الإنذار ترتفع كلما أوشك أحدهم على ارتكاب خطأ لتؤكد بأن الله موجود.
——————————— —
نشرت في أخبار الأدب













Rogers