التلامذة الحفاة في مملكة الأمير الهندى

ساعة كاملة استغرقها الطريق في السيارة من مدينة “ثيروفانانثابروم عاصمة ولاية “كارلا” في الجنوب الهندى إلى محيط القري داخل الأحراش الاستوائية للوصول إلى مقر مدرسة “ميترانكتين/ Mitraniketan”. بعد الوصول سيحتاج الزائر إلى دقائق لاستيعاب المدرسة وعمرانها المغاير لكل ما عرف عن المؤسسات التعليمية.

2014-02-17 15.23.20الفصول عبارة عن أشكال سداسية في وسط الطبيعة تحمل العمدان السقف، وحائط واحد يحمل سبورة تقف أمامها المدرسة، بينما التلاميذ في شكل دائرى حولها. في العادة يجلس التلاميذ حفاة أو يخلعون أحذيتهم قبل دخول حيز الفصل، أقدامهم تلامس الأرض متصلين بالطبيعة متجاورين جميعهم داخل دائرة واحدة.  300 تلميذ تستقبلهم المدرسة كل عام، يأتون للإقامة فيها كمدرسة داخلية يقضون الفصل الدراسي حيث يتم تقديم المأوى والطعام والشراب واكسابهم المهارات التعليمية المختلفة، ثم يعودون إلى عائلاتهم أو إلى المؤسسات التي ترعاهم. الطلبة يتلقون كل هذا بالمجان، والجزء الغالب منهم هم أطفال تم احضارهم من مناطق تشهد نزاعات إقليمية أو أيتام أو مناطق نائية لا يوجد فيه مدارس أو مؤسسات من أي نوع تقدم الخدمات التعليمية.

هذا المشروع ليس مشروع خيري مدفوع بدافع الشفقة، بل ثمرة أفكار طورها مؤسس المشروع “فيساناثان/Viswanathan ” ابن العائلة الاقطاعية الكبيرة في الولاية، والذي بعد انهاء دراسته الجامعية في الهند سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة المزيد في مجال تطوير التعليم، هناك تأثر مبكراً بأفكار الفنان والنحات الأمريكي آرثر سى. مورجان الذي أسس نمط مغاير لما هو متعارف عليه في مجال تدريس وتعليم الفن إلى جانب أفكار الفيلسوف والتربوى البرازيلي باولو فريري، وsالذي قاد في الخمسينات حركة التعليم كممارسة للحرية. ركزت ممارسات الاثنين والتي كان لها تأثير على أفكار “فيساناثان” على التعليم البديل، وكيف خلق نماذج وأطر اقتصادية تكفل للعملية التعليمية الاستمرار وتقديم خدماتها للفقراء والمحتاجين دون أن تكون مجرد ترس في ماكينة صنع عامل مطيع متعلم لخدمة النظام.

صورة مع الأمير

صورة مع الأمير

حينما عاد “فيساناثان” إلى الهند، وبعد صراع عائلى مع والده، حصل منه على قطعة أرض غير ممهده في قلب الغابات تبلغ مساحتها حوالى 400 هكتار لكن بل كهرباء ولا ماء ولا منزل، وبأيدى عارية بدأ “فيساناثان” في استخدام خشب الأشجار في بناء أول منزل له، وتطوع أخيه طالب إدارة العلوم بتطوير الأساسي الاقتصادي لتأسيس المدرسة التي تلقت أول طلابها عام 1956.

تعتمد المدرسة على مواردها الذاتية، فالطلبة إلى جانب دراستهم المعتادة يدرسون مناهج متطورة ومكثفة حول الزراعة وطرقها المختلفة، وكيفية ترشيد الطاقة وتوليدها من مصادر متجددة تبدأ من الطاقة الشمسية، وحتى تحويل الفضلات والمخلات إلى التخزين في مستودعات مجهزة لاستخلاص الغاز الطبيعي لاستخدامه في الطهو إلى جانب استخدام الخشب والأوراق الجافة لطهو الطعام عليها.

تتلقي مدرسة “ميترانكتين”  الدعم من عشرات المؤسسات الثقافية والتعليمية المحلية والأجنبية، وتكلفة إدارتها في العام لا تتجاوز حسبما يخبرنى “فيساناثان” حوالى 150 ألف دولار. لكنه في منزله والمبنى بالطوب اللبنى والخشب والذي تحتل الكتب معظم جدرانه يشعر بالضيق من حماس الجيل الجديد لجمع المال، أكبر مشاكل المدرسة تتعلق بهروب المدرسين، حيث تستثمر المدرسة في تعليم المدرسين وتنمية مهاراتهم، لكن بعض فترة لا تستطيع المدرسة منحهم نفس الأجر الذي قد يتلقونه في الخارج بضيق يرد “فيساناثان”: “من المفترض أنهم مدرسون ليس شرطاً أن يمتلكوا جميعهم أي فون”.

تعانى المدرسة من عدم ثبات مصادر التمويل واعتمادها على التبرعات الخيرية، لكن الجيل الجديد من الشباب الذين يتولون إدارة المدرسة يسعون إلى تطوير هيكلها الاقتصادي والتوسع أكثر فأكثر في عدد الطلبة التي يمكنها استقبالها، الخطة التي يسعون إليها تقضي بتحويل المدرسة إلى كيان اقتصادى أكثر اندماجاً مع المجتمع المحلى، بحيث لا تقتصر المنتجات التي يزرعها ويصنعها طلاب المدرسة على استخدامهم في نطاق المدرسة بل على بيعها وتسويقها أيضاً، إلى جانب تنظيم برامج عمل للمتطوعين من كافة أنحاء العالم، وبيت آخر لاستضافة الزائرين بمقابل مادى.

طالبات المدرسة

طالبات المدرسة

في بلد متعدد الطوائف وذو تاريخ من العنف الطائفي كالهند اختار “فيساناثان” ورغم خلفيته الهندوسية العلمانية شعاراً للمدرسة، يرفض تقديم أي نوع من التعليم الدينى للطلبة، لكن متاح لهم ممارسة شعائرهم الدينية. النتيجة فيض من الطلبة ينمون في بيئة متصلين فيها أكثر بالطبيعة من اتصالهم بالنزعات الطائفية والمحلية، اندماجهم بالمجتمع المحلى يقوم على عناصر الإفادة والاستفادة لا الصراعات ونزعات الانتماء المختلفة.

يبدو العمل في “ميترانكتين” كأنما يسير بهرمونية وكأنها جزء من الطبيعة لكن للوصول لهذا المستوى لزم الأمر سنين من الاجتهاد، ربنا يلزم مثلها لتأسيس تجربة مشابهه في البلدان العربية.

—- – -

نشرت في موقع المدن

Share

طارق العريس: الحداثة العربية سلسلة طويلة من المحن

 

يُدرس الناقد اللبناني طارق العريس الأدب المقارن بجامعة أوستن تكساس، وعلى مدى مسيرته الأكاديمية ركزت دراسته على خطابات ذات توجه بنيوى واضح بداية من المجون  والمثلية الجنسية في الأدب العربي، إلى الجنون والهلوسة، وموضعه الأثير “عصر النهضة” العربي وخطابات الهوية والثقافة في القرن التاسع عشر.

Tarek El-Arissفي كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان “Trials of Arab” عن مطبوعات جامعة “Fordham بنويورك يستجمع طارق كل مقالاته وأبحاثه المتفرقة ليحاول صياغتها في أطروحه متماسكة يتحدى بها مفهوم الحداثة الغربي وحتميته غير المبررة، وذلك بمحاولة تتبع أثر ذلك المشروع –الحداثة- في كتابات قائمة من الكتاب والمثقفين تمتد من القرن التاسع عشر حتى الآن بداية برفاعة الطهطاوى، أحمد فارس الشدياق، الطيب صالح، حنان الشيخ، حمدى أبو جليل، وأحمد العايدى.

بعد قراءة كتابه قمت بإجراء الحوار التالى مع طارق من خلال برنامج “اسكايب” على الانترنت، لكن حينما بدأت في كتابة الحوار واجهت صعوبة في تحديد الترجمة الدقيقة لعنوان كتابة وهو بالإنجليزية كاملاً”Trials of Arab Modernity: Literary affects and the new Political” عدت إلى طارق مرة آخرى، ووجدت لديه حيرة أكثر من حيرتى في العنوان العربي. فعلى الرغم أن المعنى الأشهر لكلمة “Trials” هي المحاكمات، لكن طارق لا يحاكم الحداثة العربية ومشروعها، بل على العكس يبدو متعاطفاً مع محنة هذا المشروع الذي قدم نفسه بصفته حاملاً لمشعل التنوير ومع ذلك كان دائماً في احتياج إلى سلطة توقد له هذا المشعل، كما أنه ظلاً واقعاً في محنته بين خصوصيته الثقافية وتصوراته عن طرق التوفيق بينه وبين الثقافة والحداثة الغربية. ومن الأدب يلتقط طارق أعمال أدبية سلطت الضوء على هذه المحنة.  استغرق الحوار والبحث عن ترجمة عربية لعنوان كتاب طارق حوار ثانى، انتهى بالاتفاق مع طارق على جعل الترجمة العربية للعنوان هي “محنة الحداثة العربية: الأثر الأدبي، والتحولات السياسية”.

النقاش مع طارق حول عنوان الكتاب بالعربية، ليس مجرد نقاش حول الترجمة وصلاحيتها بل هو جزء من انشغالات طارق، حول الكيفية التي تعمل بها الهيمنة الثقافية لمعانى المصطلحات مما يؤثر على استقبالنا ووعينا بيها. “الجنون” واحدة من تلك المصطلحات والمفاهيم التي ينشغل بها طارق في كتابته، وبطرق تعريفها غربيا وعربيا.

-تنشغل في كتابك الأخير بتتبع أثر “الجنون” وما ينتج عنه وحوله من خطابات في الأدب العربي منذ القرن التاسع عشر حتى الآن، لكن ما هو الجنون العربي، أليس “الجنون” مصطلح حديث نسبياً مرتبط بالتطور الصناعى الأوروبي في القرن التاسع عشر؟

-يؤكد “فوكو” أن الجنون جزء أساسي من عملية خلق “الأنا” الغربية الحديثة. وهو بهذا المنطلق مصطلع غربي تماماً.لا نستطيع الآن أن نتحدث عن الجنون إلا بالتعريف الذي وضعه العقل الغربي، لكن أيضاً قبل سيادة هذا التعريف سنجد في الأدب العربي أن ابن سينا كتب عن الجنون، وهناك “مجنون ليلي” وسيرد الجنون في الكثير من الأعمال الأدبية والتراثية العربية حتى قبل القرن التاسع عشر، وفي رأى أن هناك نقاط التقاء بين الخطابيين العربي والغربي في تلك النقطة وفي تعريف الجنون.

حينما تقرأ رواية حمدى أو جليل “لصوص متقاعدون” ستجده في أحد الفقرات يطالب بأن نستبدل الهوية الرسمية بإفادة من مصحة الأمراض العقلية بجنون أو صحة عقل الشخص”. وهو يعتبر أن مثل هذه الإفادة ستكون أكثر نفعاً من الهوية الرسمية. هذا بالضبط هو ما سيتحدث عنه فوكو حينما يقول أن الجنون هو أحدى ممارسات السلطة لتحديد المواطن العاقل البالغ المندمج في المنظومة، عن المواطن غير العاقل الذي يحتاج إلي إعادة التأهيل للدمج في تلك المنظومة. وفي هذا المقام فالتعريف الذي أقترحه للجنون هو الخروج عن الإطار، والتأديب اللغوى والفكرى، أو بمعنى آخر التمرد على التأطير. وما أحاول تتبعه هو الخطابات والأعمال الأدبية التي يمكن تصنيفها تحت هذا البند بصفتها أعمال “غير مؤدبة” أو مجنونة.

Botticelli

Botticelli

 -ربما يكون الأمر صحيحاً غربياً، لكن في الدول العربية كثيراً ما نجد السلطة أيضاً هي المنتج لخطابات الجنون “غير المؤطرة” في مصر على سبيل المثال شهدنا حكم الإخوان المسلمين وكيف أنتج خطاباً حول أستاذية العالم وعدم الاعتراف بالحدود القومية في مقابل التصور عن الأمة الإسلامية الواسعة، والآن نجد عودة لخطابات الستينات عن الريادة والعظمة المصرية بلا أي سند واقعى أو منطقي، بما تفسر مثل هذه الممارسات إذن؟

 -فوكو لا يقول أن السلطة تفرق بين العاقل والمجنون، لكنها تحتاج إلى المجنون غير العاقل لتأديبه، ولهذا فليس هناك نمط واحد لخطابات الجنون أو العقل بل يرتبط الأمر بالكثير من المعايير التي تشكل الإطار العام المؤدب. مشروع الدولة الحديثة ليس العقاب. بل منح هذا الفرد “نفس” تستطيع كدولة التسلط عليها والقدر على تقييمها والحكم عليها وإصلاحها وتعلميها، وهذا بالضبط هو جوهر مشروع “التنوير” العربي.

الأمر يشبه فيلم ستانلى كوبريك “البرتقالة الآلية” حينما يجتمع العجائز على الشاب المتمرد عن النسق الأخلاقي والاجتماعى ويشرعون في تعريته وفصحه لمعرفة أسباب عدم انسياقه داخل النظام، ولأجل هذا الفحص يتم إجراء الاختبارات عليه ومحاولة تقويم سلوكه الأخلاقي، هذه هي فانتازيا السلطة تتخيل أن لديها وسيلة وأسلوب يمكنها من خلاله إصلاح الفرد وتقويمه.

   في الكتاب أشدد أيضاً على هذا المعنى، فلا توجد حداثة خالصة لدى العرب أو مشروع متكامل، بل مثل الفيلم من خلال الفحص وإجراء الاختبارات نجد هناك مشاريع متعددة لخلق الهوية العربية الحديثة، أو الفرد العربي الحديث. وهذا مشروع جنونى في حد ذاته. وبالتالي من الطبيعي أن ينتج خطابات هلوسة متعددة سواء في هيئة أحلام القادة العسكريين أو البحث عن الخلافة المفقودة. وحتى تاريخاً ستجد أن مشاريع التنوير والتحديث العربي انتجت ديكتاتوريين ومجانين بداية من القذافي والأسد وحتى صدام.

 -هل تربط بهذا الشكل بين الحداثة والديكتاتورية؟

 -إلى حد ما، لكن الديكتاتورية أيضاً تحتوى على مركبات آخرى بداية من “السادية” ليس كسلوك جنسي فقط بل كنمط استقبال وتعامل عاطفي. الديكتاتور أيضاً أشبه بالطفل. تذكر مثلا بعد النكسة حينما خرجت الجماهير في مظاهرات لتطالب بعودة ناصر بينما هو يتمنع، أو حالياً حينما نشاهد تمنع السيسي ورغبة الجماهير، في هذه الحالة يبدو مثل طفل صغير يتمنع على أهله ويتظاهر بالزعل، فيظل الأهل يجرون خلفه ويرددون عليه عبارات الثناء مؤكدين له “أنت حلو.. أنت جميل”.

 

Bruegel d.Ä. Jan Allegory of Sight and Smell_-

Bruegel d.Ä. Jan Allegory of Sight and Smell_-

-في هذا السياق، والحديث عن الربيع العربي بصفته كسر لحاجز الخوف ونهاية لزمن الحكم الفرد، أليس من الغريب ألا تنتج هذه الثورات خطابا جديدا وأن تستمر الخطابات والمقاربات الفانتازيا التي تستدعى الحكم الفرد، وتبحث لها عن تمثيل في اللحظة الراهنة كهذا المزج في مصر مثلا بين السيسي وصورة عبد الناصر؟

 -تعريض الثورة لمثل هذا النوع من الاستجوابات أو الطلب منها أن تقدم بديل، هو طرح يأتي من أيدولوجيات علمية وسياسية لم تعد موجودة، ونفس الأمر ينطبق على محاولة مقارنة الثورة بثورات آخرى أو محاولة وضعها في إطار ما حدث في أماكن آخرى. في رأى هناك مسافة كبيرة جداً بين كل الثورات الحداثية التي شهدنها في القرن الماضي وما يحدث الآن في المنطقة العربية.

طرح أسئلة من نوعية “ما النظام الذي سيأتى” يعنى انك لا تعترف بالثورة كثورة، أو لست  معترفاً بقدرة الثورة على انتاج بديل. والبديل الذي أقصده هنا هو بديل بالمعنى الفلسفي. بمعنى انتاج نهج مغاير للنظر في مشاكلنا وطريقة تفكيرنا. في نهاية الكتاب أقدم اقتراحاً بالنظر إلى الثورة كسلسلة أحداث متعاقبة ستؤدي بنا إلى شيء جديد، لا نملك القدرة على استنباطه.

لكن في ذات الوقت تنتج هذه الحالة نوع من القلق، قلق على المستقبل، وعلى الحالة الاقتصادية والحاضر أيضاً. ولهذا تعود الخطابات القديمة بقوة على طريقة “وينو بابا يجى يضرب العيال اللى بتجري في الحارة”. بمعنى آخر أنه لمحو هذا القلق يتم البحث عن سلطة، ولذا تطرح أسئلة من نوعية “متى ستحكم الثورة؟” وحينما نكتشف أن الثورة لا تحكم، يتم استدعاء بدلاء من الماضي. في حين أن ما يحدث أن الثورة جاءت لتغيير طريقة التفكير هذه، فالثورة قامت بالأساس ضد هذا النوع من السرديات.

المسألة أيضاً لها جذور تاريخية طويلة، لدينا مشاكل اصطلاحية في الثقافة العربية في تعريف “الثورة”. على سبيل المثال نعتبر 23يوليو ثورة، بالرغم من أنه انقلاب واضح وصريح لكن الدولة وما تنتجه من خطابات رسمية تستمد أحياناً وجودها من هذا التلاعب المعرفي، لذا تصبح حركة الضباط الأحرار في 23يوليو ثورة.

-استدعاء خطابات الماضي لم يعد مسألة تتوقف على “المواطن القلق” بل امتدت لتشمل قطاعات كبيرة من المثقفين تدافع عن العودة للماضي، وتأييد  عودة حكم العسكر و”بابا” الذي سيؤدب العيال في الحارة، ونلاحظ ذلك بقوة لدى مثقفين الستينات، هل لديك تفسير لماذا يسود هذا النمط من التفكير لدى قطاع من المثقفين خصوصاً من هم من جيل الستينات؟

-لدى جيل الستينات تاريخ نضالى محترم بعضهم دفع ثمنه في السجون، لكن للآسف هم أبناء نظام معرفي غير قادرين على الخروج منه أو تجاوزه، وما يحدث الآن من موجات ثورية في جوهره هو صراع مع النظام المعرفي الذي انتجهم، ولذا في لحظة كتلك التي نعيشها الآن هم في حالة قلق لأن ما يحدث يتحدي الكثير من تصوراتهم عن هويتهم الخاصة وهوية أوطانهم، بل حتى يتحدى تصوراتهم عن دورهم كمثقفين. لذلك ما يحدث الآن من مواقف بعض رموز هذا الجيل من دفاع عن السلطة لا أراه كنوع من الموالاة بقدر ما هو موقف للدفاع عن منظومتهم المعرفية التي شكلت وعيهم.

DIEGO RIVERA

DIEGO RIVERA

-في أجزاء من كتابك توضح الرحلة العكسية لرفاعة الطهطاوى، كيف بدأ كشاب مؤمناً بالقدرة الكلية للسلطة/بابا متمثلة في الخديوى، وكيف تطورت كتابته نحو شكل أكثر تحرراً من تلك السلطة، ألا تري في هذا السياق أن تجربة جيل الستينات تبدو ارتداداً على ما فعله الطهطاوى؟

 -المقارنات الأدبية هي مجال تخصصي لكن هذه نوع من المقارنة أخاف من القيام بها. الطهطاوى كان صغيراً ولوحده تقريبا في الطريق الذي قطعه، وخائف من ارتكاب أي خطأ في تعامله مع سلطة لا يعرف حدود قوتها ولا كيفية التعامل معاها، وخلال رحلته وتطوره المعرفي صنع الطهطاوى رحلته الخاصة. لكن جيل الستينات أبناء حالة اجتماعية وسياسية انتجت وعى جماعى شكل جزءاً أساسياً من وعيهم، هم أيضاً من جيل واحد وأبناء تجربة مشتركة ويوجد بينهم نوع من التكاتف مختلف عن الطريق الذي قطعه الطهطاوى وحيداً.

-لكن لا يوجد خطاب واحد سائد الآن، ففي مقابل خطاب استدعاء سلطة “بابا” العسكرية القديمة، هناك جماعات تحركها خطابات حلم أستاذية العالم والخلافة الإسلامية، وهناك تزايد لخطابات المؤامرة على طريقة أبلة فاهيتا وأحمد سبايدر، والنظام القضائي والمحاكم التي تمثل حجر الأساس في النظام تتعامل مع هذه الخطابات بمنتهى الجدية، كيف نميز وسط فوضى خطابات الهلوسة والجنون تلك بين الواقع والخيال؟

-الخيال في رأى ليس بعيداً عن الواقع، بل دائماً له سرديات تاريخية. الخيالات مثلا عند انصار التيار الاسلامى تنبع من مصادر تاريخية عميقة بعضها واقعى وحدث بالفعل، وتمتد تصوراتهم عن المجتمع إلى مرحلة الجاهلية وتأسيس الإسلام. لذلك نحن الآن نعيش داخل هذه الفانتازيا ليس بصفتها حالة جنونية خارجة عن الواقع بل كنظام جديد للواقع. وتنامى مثل هذه الخيالات والفانتازيات والدور الذي تلعبه في حركة الأفراد والجماعات متصل بالقلق والخوف المرضي “البارا نويا” التي نعيش فيها، بحيث أصبح الخوف المرضي هو النظام الفعلى في الدول العربية تحديداً دول الربيع العربي.

في مصر يزداد الأمر تعقيداً لأن هناك أطراف تحقق مكاسب سياسية واقتصادية بتغذية هذه الخوف واستمراره، والسلطة تستفيد من استمراره هذه الخطابات من أحمد سبايدر إلى موروث الجاهلية لدى التيارات الإسلامية، وتعمل على تغذية هذه الفانتازيات وتقويتها لهذا من الطبيعى التعامل مع بلاغ سبايدر ضد دمية “أبلة فاهيتا” بمنتهى الجدية وأن يذهب إلى المحكمة ويفتح التحقيق في البلاغ، ويظهر الاثنان على القنوات التلفزيونية في البرامج المخصصة للأخبار الجادة. فتغذية هذه الفانتازيا والهلاوس تعذي بالتالى الصراع وتحافظ على وقوده مشتعلاً. بمعنى آخر أن السلطة تعلم أنها “فانتازيا” وخطابات أشبه بخطابات الجنون، لكنها تصدقها وتستفيد منها.

لذلك اعتقد أننا الآن بوضوح خرجنا من حالة الثنائيات والازدواجية بين الواقع والخيال، فالاثنان اصبحوا في علاقة واحدة.

-في كتبك تجادل بأن الكثير من الثنائيات الكلاسيكية التي عرفناها في تاريخ الثقافة والنهضة العربية لا تقدم الصورة كاملة، كيف توضح ذلك؟

-أعمل بشكل خاص على النصوص التي عادة يتم تجاهلها، فيما يخص الطهطاوى مثلاً حاولت التركيز على الارتباطات الشعرية وتفضيلات المجاز التي يستخدمها. فهذه المساحة تجسد الخيال، والخيال يجسد الخبرة الحديثة كما يجادل فالتر بنايمين.

المدهش أن هذا التقليد من تجاوز الثنائيات بل وخرقها ليس جديداً بل نراه في طبيعة المجازات والمقاربات التي يستخدمها الطهطاوى، حينما تنظر إلى نصوص المديح التي كتبها الطهطاوى وتقاطعها مع نوع أدبي آخر وهو “الرحلة”، ستجد أن الطهطاوى من خلال هذا المزج والذي يظهر أثره في مجتزئات محددة يقدم وجهه نظرة أخرى عن خطاب “النهضة”.

“فالنهضة” ليست  موضوع للدراسات التاريخية والسياسية، ومن الصعب اختصارها في الثنائيات المعتادة في تاريخ الثقافة العربية كالتقاليد/ الحداثة أو الشرق/الغرب. ومن مجتزئات الطهطاوى يتجلى لنا كيف أن “الحداثة” تتشكل في سلسلة من المحن، لا تُدرك أو تكتمل أبداً، بل وتتطور من خبرات القلق والتيه والإعجاب أحياناً أخرى، وكل هذا لا يجد مساحة للتعبير عن نفسه في النص المكتوب إلى في مساحات الخيال في ثنايا خطاب الطهطاوى. وهو أمر مستمر إلى الآن، لاحظت مثلاً استخدام السلطة ومنابر الإعلام الرسمي في مصر لتعبير “فض” عند الحديث عن اعتصام رابعة، كان يتم استخدام تعبير “فض اعتصام رابعة”. رفاعة الطهطاوى في أحد نصوصه مثلا يصف محمد على بأنه الوحيد القادر على فض غشاء بكارة عكا وغيرها من مدن الشام.

استخدام تعبير كالفض بكل ما يحمله من ذكورية ومن سياقات تاريخة ولغوية تقليدية، يأتي سواء وقت رفاعة أو حالياً في سياق يفترض أنه يعبر عن خطاب الدولة الراشدة المستنيرة القائمة على تنظيم المجتمع وإدارته، لكن مثل هذه التعبيرات والتي تجد من خلال الخيال والمجاز مساحة للتعبير عن نفسها هي الدلالة الأكيدة على محنة هذا المشروع، ومحنة الحداثة العربية.

—-

نشرت في أخبار الأدب، للاطلاع على فصول مترجمة من كتاب طارق العريس يمكن مطالعة كتب وترجمة أمير ذكى

Share

3 -فبراير

أدقق في أوراق الفيزا لاكتشف أن عدد المرات المسموح لى بدخول فيها الأراضي الهندية هي مرة واحدة، لا أعرف لماذا أشعر أنها ستكون الزيارة الأولى لكن ليست الأخيرة، هناك باب أحس بوجوده في تلك الغرفة لكن لم أصل بعد لمقبضه.

 

Share

2-فبراير

لم يكن لدى خطة. قليل من الشغف ربما لكن لم أعلم ما الذي يمكن أن افعله حقاً في الهند.  أعلمنى المسئول بمركز “مولانا آزاد الثقافي” أنهم مركز ثقافي، والقسم القنصلي في بناية آخري بجوار سينما مترو في شارع طلعت حرب.

تصادف أنى كنت أتحدث مع “نويل” صديق الهندى المقيم في أمريكا، وحينما أخبرته أنى أفكر هذه المرة جدياً في زيارة الهند ارسل على الشات ابتسامة مضاعفة “:)))))” وقال أنه مستعد لتنظيم الرحلة، أرسل لى بعد ذلك إيميل محدداً نقطة اللقاء الأولى بيننا “مومبي” ونقطة الوداع “دلهى”. ما بين النقطتين تركه غير محدداً غير معلوماً. بدا الأمر كاتفاق سري غير معلن. أرسل لى تكلفة اجمالية بالتنقلات والإقامة والتكاليف المختلفة ومجموعة نصائح كتبه وجمعها بنفسه. لن أعلم إلي أين سأذهب. ولن يعلمنى نويل. سوف أترك نفسي دون تخطيط، ودون بحث على الانترنت عن الأسعار والطرق وغيرها من مشتملات.

ما قد يحدث من مفاجأة لن يكون خطراً بقدر قنبلة تنفجر أثناء مرور بقسم شرطة هنا في القاهرة، وداخلياً كان آخر ما أقلق منه هو أي مفاجآت غير سارة قد تحدث إلا أن تتم الرحلة.

في الأيام التالية وحين كنت أخبر أحدهم أنا مسافر الهند، كنت أواجه بسؤالين محيرين؛ أين ستذهب؟ وكنت أرد باقتضاب انى سأدخل من مومبي وأخرج من دلهى، ولا أعرف بينهما أين سأمضي.

السؤال الثانى؛ ماذا سوف تفعل هناك؟

بدا السؤال مغيراً حيث كل من يعرفوننى يدركون بعدى التام عن “تراك” إدراك الحكمة والسلام النفسي من خلال مجمل الممارسات الشرقية وإن كان الأمر لا ينفي احترامى وتقديرى، لكن لم أكن شغوفاً لأذهب على معظم طريقة الأصدقاء للبحث عن مساحة للصفاء النفسي، وهو سؤال سنجد أنه ليس بالبساطة التي كنت ومازالت أتصورها..

لكن لسبب غامض قفز في ذهنى أدب الرحلات، كمصطلح كلاسيكى على وشك الدخول في دائرة النسيان. ما الذي يمكن أن يقدمه أدب الرحلات، ما الذي يمكن كتابته عن رحلة..

ما هو معنى يوميات الرحلة، ومعنى اليوميات أصلاً، والغرض من إبقائها سرية ونشرها في بعض الحالات بعد وفاة صاحبها، مع تعرضها الدائم للوصاية والحذف والتعديل.

حضرت ذات مرة فصلاً دراسياً في اللغة الألمانية بجامعة “بيرويت” في جنوب ألمانيا، وكان زملاء الدراسة خليطاً من اليابانين، الكوريين، الإسرائيلين، الفلسطنين، وزميلات من كينيا والكونغو وجنوب أفريقيا. في أحد الدروس طلبت منا الأستاذة تحضر محاضرة قصيرة باللغة الألمانية لقصة من أساطير الخلق في الثقافة المحلية.

صعد طالب الفلسفة والزميل الياباني “ماشيورو يوشادى” وبعبارات ألمانية مختصرة قال: “كان هناك “ايزانج/ Izanagi” و”ايزنما/ Izanami” تزوج الاثنان وانجبا 8 ابن وابنة. الثمانية أصبحوا هم جزر اليابان.

هكذا بلا دراما، بلا تفسير، بلا صراع، أو بحث مضنى.

وعاشوا في هناء وسعادة.

Share

28-يناير

تصنعت الانشغال الذهنى بالتفاصيل والصغائر، حتى أجد ما يعيننى على تبديد الوقت دون الحاجة إلى الطموح.

أتذكر منذ حوالى عشر سنوات كنت قد بدأت أتدرب في “أخبار الأدب” حينما ذهبت لتغطية ندوة أدبية حيث تعرفت على شاعر كبير وقتها وصحفي في مجلة من مجلات الأهرام، دعانى ثانى يوم لشرب القهوة معه في مكتبه حيث ذهبت مدفوعاً بطاقة “اللا سبب”. دخلت وكان مشغولاً في مكالمة هاتفية طويلة. انهى مكالمته ولا أذكر طبيعة الحديث الذي خضناه، لكنه أشار إلى مجموعة كتب مرصوصة في زاوية الغرفة وقال أن من الممكن أن أجد فيها مراجع في موضوع حديثنا. قمت بالبطء والتمهل المميز لحركتى حينما صارحنى منفعلاً: “أنت مينفعش تبقي صحفي.” ابتسمت وسألت: “ليه؟”. فقال: “الصحفي لازم تبقي حركته سريعة وعنده فضول، حاول تحفز فضولك اتجاه الحياة أكثر من كدا“.

بعد عشر سنوات من هذا اليوم كنت أتمشى في وسط البلد، أراقب الحركة حولى، واتردد في اختيار الشوارع التي أمشى فيها، توقفت عند مخبز “عجيبة” واحترت هل أكل شيئاً أم لا أشعر بالجوع بعد، انصرفت وأجلت الأمر. من ميدان طلعت حرب دخلت إلى شارع طلعت حرب حتى وجدت نفسي أمام “مركز مولانا آزاد الثقافي” كنت قد حضرت دورات لليوجا في المكان لكني أبداً لم أخبر أحد بهذا الأمر، وهذا الآن تصريح لا تلميح. هذا المرة لم أكن أريد حضور درس لليوجا، وحينما سألنى موظف الاستقبال: “أي خدمة”. أجبت:

-أنا عايز أسافر الهند.

Share

لأن هذا هو ما يرغبون فيه

لم أكن معارضاً لمبارك أو نظامه. كنت محتقراً لهذا النظام. الاحتقار هو الشعور الأساسي الذي وجدته ينمو في داخلي منذ صغري في هذا البلد، الاحتقار ليس كالكراهية، بل هو شعور أرقي من الكراهية. على خلاف الكراهية لا يحول الاحتقار الأمر إلى عداوة، بل نزعة استخفاف بكل هذا الهراء من تعديلات دستور 2005 حتى خطاب مبارك العاطفي السابق لنهار موقعة الجمل.

وفي وسط الأيام التالية في الميدان، كنت لا أشعر أبداً بالألفة مع كل هذه الكراهية المصوبة نحو مبارك أو الداخلية والشرطة. الاثنان احتقرتهما ولم أكرههم يوماً. لكنى كنت أتفهم الكراهية، أصدقها أحياناً، وأعرف ضرورتها وضرورة إظهارها وتضخيمها في إطار معركة سياسية لا بد من خوضها لتتبعها معركة اجتماعية أعنف كثيراً لم تبدأ بعض، تتعلق بضرورة مواجهة هذا المجتمع أسئلة صعبه عن هويته، وطبيعة العلاقات الاجتماعية الحاكمة لمكوناته. 

وسط هذا الصراع هناك من ينحازون اللمة ودفيء الجماهير وصوتها الهادر وحضنها الغدار، هناك من من أمنوا سابقاً بايدلوجيات محددة والحمد لله أصبحت الآن أنماط حياة يطالبون بها، وهناك الأسوء من يتشبثون بالسكون واقعين تحت سطوة “العود الأبدى” في إنتظار مبارك آخر أو جنرال آخر يعيد سلطة دولة فقدت شرعيها وفعاليتها.

لكن ماذا أفعل أنا هنا وسط هذا؟

لا أخذ الأمر على محمل الجدية، لذلك ليس لدى إجابة محددة. وأتذكر نصيحة بهذا الشأن أخذتها عن ألبير قصير في روايته العنف والسخرية: “أعرف شيئين في غاية البساطة اما الباقي فلا اهمية له: الاول هو ان العالم الذي نعيش فيه تحكمه عصبة نبيلة من الانذال التي لطخت الارض، الثاني ..انه لا يجب ان نأخذ الامر علي محمل الجد لان هذا هو ما يرغبون فيه.”

Share

الشيخ والعسكرى… وملذات الانترنت

على موقع “إجابات غوغل” طرح أحدهم سؤالاً بسيطاً ومختصراً يعبر عن حيرة الرجل العربي المسلم في زمن لا تتوقف فيه مثيرات الغرائز عن الازدياد ولا المخيلة الجمعية عن انتاج صور مختلفة ومتباينة. السؤال ببساطة كان “هل لحس قدم الزوجة حرام؟”.

من أعمال: Hadas Patryk

من أعمال: Hadas Patryk

كون هذا الموضوع حساس ومثير للجدل، تطوع أحدهم وذهب إلى رجل دين مسلم –لم يذكر اسمه- ليستفتيه ونقل لنا الإجابة، حيث أكد الشيخ أن الأمر حلال بيّن، لكنه حذّر من الاندماج فيه والوقوع في خطر الشرك والعياذ بالله.

ويوضح الشيخ: “هناك من الرجال من يعبد (والعياذ بالله) قدم زوجته أو النساء عموماً لدرجة أنه من الممكن أن يهان ويضرب أو يذل بأي شكل من الأشكال في مقابل أن يقبل قدم المرأة أو يلحسها ويتخلى عن رجولته التي اعطاه الله إياها بما قال سبحانه وتعالى: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض”. فالمعروف أنك رجل ولو أنك تحب القدم لفعلت ما يحلو لك خلال العلاقة الجنسية وليس بالخضوع لأي شيء في سبيل ذلك”.

قدم الشيخ الإجابة المستفيضة هذه رداً على ظاهرة واقعية تزداد يوماً تلو الآخر، في العالم السفلي للشبكات الاجتماعية على الانترنت. فبينما يحلل الشيخ تقبيل قدمي الزوجة ولحسهما، يميز بين هذه الممارسة وغيرها من الممارسات المازوشية التي تربط بين فعل التقبيل واللعق، وبين الانضمام إلى صفحات مثل “سوق الكلاب” و”خدامين وعبيد لأقدام النساء”. وحيث أن العبودية لله وحده، فالشيخ يحذر من أن مثل هذه الممارسات رغم انها حلال لكنها قد تؤدي إلى الشرك والعياذ بالله.

تعكس مثل هذه الإجابة حيرة المواطن العربي ومعه السلطات التي تحكم حياته دينية وعسكرية، داخل فيض الصور و”الفانتازمات” التي يصادفها على الانترنت. يدعي العرب أن تراثهم قد عرف كتباً وأدبيات متنوعة في الإيروتيكا، لكن الحقيقة أن ميراث الإيروتيكا العربي والإسلامي من أضعف وأفقر تراث الإيروتيكا إذا ما قورن بحضارات ومجتمعات آخرى.

على سبيل المثال بينما عرفت الحضارات القديمة من إغريقية إلى مصرية إلى هندية، الجنس الفموي بأشكاله المختلفة، لعلنا لن نجد في التراث الإيروتيكي العربي من “ألف ليلة وليلة” وحتى “السيوطي” و”النفزواي” أي إشارة للجنس الفموي.

الإيروتيكا في التراث العربي تحضر كلعبة غزل خفيف تنتهي بالمضاجعة، والإنجاب والولادة جزء أساسي من غرض العملية. لا أزال أذكر في رواية “أمري كان لي” لصنع الله إبراهيم اندهاشي في أحدى فقرات الرواية يتحدث فيها عن الجنس الفموي باعتباره فعلا غير رجولي وجزء من المؤامرة الإمبريالية الكبرى، ويوماً ما ربما يجد أحد الباحثين هذا السؤال جديراً بالاهتمام، وهو متى وكيف عرف العرب الجنس الفموي؟

لكن حتى يجد الباحثون إجابة لهذا السؤال، فاللحظة الحاضرة تنتج بفضل الانترنت  عدداً لا نهائياً من “الفانتازمات”، وفي زمن الشبكات الاجتماعية يلتقي أصحاب “الفانتازمات” المشتركة بسهولة ويسر في دوائر متقاربة.

من “فيتيش” أقدام النساء، إلى شبكات تبادل الزوجات، إلى مجموعات تعليم الممارسات السادية والمازوشية المختلفة، شيء ما حاسم ومختلف يتغير في ممارسات العرب الجنسية، ولقاء كل هذه المجموعات على الانترنت ينتج مشهداً أكثر تنوعاً وإدهاشاً مما كنا نظنه عن المجتمع العربي الذكوري المحافظ. يجب أن نوضح هنا أننا لا نتحدث عن مجموعات أو مواقع وصفحات تنشر صوراً أو قصصاً جنسية. بل، على العكس، الكثير من هذه المجموعات يضع قواعد صارمة لتحافظ على محتواها بعيداً من المحتوى البورنوغرافي المعتاد. صفحة مجتمع الـBDSM المصري على سبيل المثال، تضع تعريفاً لها وهو “الصفحة مهتمة بالأساس لتعليم السادية والمازوشية. وشرح فكرة الـBDSM بشكل سهل و بسيط. نرجو التزام الآداب العامة في التحدث مع الأعضاء”. وعلى مدى حلقات متباعدة، ينشر القائمون على الصفحة مستويات “السادو مازوشية” كدليل للمبتدئين في عالم الألعاب السادية.

السلطة تراقب كل هذا من بعيد، لا تتدخل إلا على فترات متباعدة. وأكثر القضايا التي تتدخل فيها بشكل غير مفهوم هي قضايا شبكات الأزواج، تقريباً بمعدل شهري، ينتشر خبر عن القبض على شبكة لتبادل الزوجات. من الناحية القانونية لا توجد تُهم بهذا الاسم، وسيحتاج الضابط إلى تقديم دليل لوجود مقابل مادي حتى يمكنه توفيق القضية كقضية دعارة، وإلا ستنتهى بكونها قضية تحريض على الفجور عقوبتها لا تتجاوز بضعة أشهر. وفي النتيجة، يبدو أن سبب استمرار نشاط الأجهزة الأمنية في هذه القضايا ليس إلا لغرض إحداث ضجيج إعلامي، لكن حتى هذا الضجيج لا يلتفت إليه أحد.

الحرية والانفتاح على الرغبات والملذات السرية بين الشرق والغرب، لم يتوقف عند دخول كلمات جديدة من اللاتينية على العربية، كالسادية والمازوشية و”الفيتيش”، هناك أيضاً كلمات عربية جديدة، و”فانتازمات” عربية خاصة ومحلية بدأت في الانتشار والنمو على الشبكات الاجتماعية لكنها موضوع مقال آخر.

—- —

نشر في موقع: المدن

Share

الكومكس العربي، متى نتجاوز تخبط الخطوات الأولى؟

 قبل خمس سنوات بالضبط، قابلت مجدي الشافعي حاملاً معه مجلّداً بلاستيكياً، فتحه أمامي وأخرج رزمة أوراق. كتب على الصفحة الأولى بقلم رصاص: “برجاء الاقتراب من الأبواب”. كانت هذه المسوّدات الأولى مما سيعرف بعد ذلك بأول رواية “غرافيك” عربية بعنوان “مترو”. في ذلك الوقت، كنت أعمل محرّراً في دار “ملامح” للنشر، ووجدتها فرصة لفرض شغف خاص بفن الكومكس، اكتشفت قبائل متناثرة من محبّيه تنمو بازدياد بمرور الوقت في مختلف الدول العربية.

من مسودات جرافيك نوفل "مترو" لمجدى الشافعى

من مسودات جرافيك نوفل “مترو” لمجدى الشافعى

في بداية العام 2008 صدرت أيضاً أول أعداد مجلة “السمندل“، بينما كنا نراجع النسخة النهائية من “مترو” مع مجدي الشافعي، وعلى الهامش سلسلة من النقاشات حول معنى “الكومكس” بالعربي: هل من الأفضل استخدام الفصحى أم العامية؟ أم البحث عن لغة وسطية؟ رثاء وتذكر المحاولات المتناثرة على امتداد القرن الماضي، تأسيس مجلات “كومكس” للأطفال، أو محاولة تقديم أعمال للنَشء، لكن كل هذه المحاولات لم تحمل العلامة التي حملتها رواية “مترو” على الغلاف: “رواية غرافيك للبالغين”.

لكن حتى هذه العبارة لم تحم الرواية. صودرت النسخ المطبوعة منها، وحوكم الناشر والكاتب والفنان مجدي الشافعي، بتهمة إنتاج وتوزيع “مواد إباحية”، وغُرّم الإثنان بخمسة آلاف جنيه مصري (حوالي ألف دولار وقتها). المحكمة كانت تلخيصاً لأحد الصراعات التي خاضها مبكراً فن “الكومكس” العربي. طلب المتهمون آراء متخصصين في الفن والأدب من أساتذة الجامعات المصريات الذين أكدوا على فنية العمل وبُعده من الإباحية حتى ولو احتوى على مشهد عاطفي جنسي. لكن المحكمة حدّدت “كادرين” في الرواية، في الأول يظهر ظل “امرأة” مرسومة عارية، وفي الثاني جسدان تحت ملاءة، واعتبرتهما مادة إباحية.

كان هذا هو تحدّي “الكومكس” الأول، والذي ربما بسببه وضعت خطوط حمر لا يمكن تجاوزها. وفي الأعداد التي ستصدر بعد ذلك من مجلة “الكومكس” المصرية “توك توك”، أو في المحاولات الأخيرة التي ستقترب من “الكومكس”، سنلحظ غالباً الغياب التام لأي مشاهد عاطفية أو إيحاءات جنسية. هكذا ولد “الكومكس” المصري نقياً طاهراً، كما “السينما النظيفة”.

 

"ممنوع الاقتراب والتصوير" العنوان الأول لجرافيك نوفل مترو لمجدى الشافعى

“ممنوع الاقتراب والتصوير” العنوان الأول لجرافيك نوفل مترو لمجدى الشافعى

في لبنان كانت تجربة “السمندل”. الدعم من جهات مانحة، والقائمون من خلفيات فنية تدور في فلك “عالم الفن المعاصر”. بينما في مصر أتى معظم فناني “الكومكس” من عالم الكاريكاتير أو التصميم الإعلاني. ففي لبنان كنا مضطرين إلى قراءة مجلة “كومكس” تحمل تجارب مازن كرباج العابرة للفنون والمعادية للجودة، أضف إلى ذلك عدم وضوح مجال عمل “السمندل”، والإصرار على نشر الكومكس بلغات أوروبية أخرى، أو نشر “الكومكس” المكتوب بالعربي بلغات أخرى، وهو أمر مفسد للأعمال أحياناً.

 

 

 

 

كان الربيع العربي دافعاً لاقتحام فضاءات مختلفة، دافعاً لأشكال تعبير جديدة نسبياً، كالغرافيتي على سبيل المثال. لكن تأثير الربيع في “الكومكس” بدا خافتاً بالمقارنة. “الكومكس” فن مكلف، يتطلب ناشراً مختلفاً قادراً على المغامرة، لكن شناوي ومجموعة من فناني “الكومكس” المصريين قرّروا خوض التجربة اعتماداً على تمويل شخصي من جيبهم، ودعم بسيط من جهات أخرى، فصدر العدد الأول من مجلة “توك توك” تزامناً مع عزل مبارك.

حققت “توك توك” حالة نجاح جديرة بالاهتمام، معظم الأعداد نفدت من الأسواق، والتجارب المعروضة في “توك توك” متنوعة، ما بين تلك القائمة على السخرية والكوميديا، وحتى التجارب التي تطمح إلى إعادة إنتاج أعمال روائية كبيرة، كمحاولة “أميجو” التي تقدم معالجة في ثوب “غرافيك” لرواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا”.

 

 

نجاح تجربة شناوي، دفعت مؤسسات ومجموعات في دول عربية أخرى إلى فتح قنوات للتعاون، كان نتيجتها تعاون شناوي مع مجموعة من الفنانين المغاربة لإخراج مطبوعة “سكف كف”.

لكن غياب الإدارة، واعتماد كلا المشروعين، “توك توك” و”سكف كف”، على مبادرة الفنانين الذاتية، أفقدهما عنصراً آخر حيوياً وهو الانتظام في الصدور، وهو ما يؤثر كثيراً في الأعمال المنشورة. فبعضها ينشر في “توك توك” في شكل مسلسل، لكن عدم استمرار صدورها يفقد تلك الأعمال جزءاً من سمتها الفنية، ويحولها دائماً إلى مشاريع غير مكتملة.

 

 

الناشرون الآن لا يرفضون “الكومكس”، والسؤال الذي سيصدمك به الناشر: أين “الكومكس” العربي؟

يحتاج إنتاج الروايات المصورة إلى تفرّغ وجهد وعمل يمتد لسنوات طويلة. وللدقة، يحتاج فن الرواية المصورة إلى فنانين للرواية المصورة، وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن. فمعظم فناني “الكومكس” يمارسون مهناً أخرى، ولا يمتلكون، كمعظم المبدعين العرب، رفاهية التفرّغ، وغالبية المؤسسات الثقافية التي توفر المنح الإنتاجية للكتّاب أو الفنانين لا تلتفت إلى فناني “الكومكس”. ربما لهذا تحاول مؤسسة “مزج”، المعنية بنشر ثقافة “الكومكس”، ملء هذا الفراغ، بينما بدأت دور نشر عربية اللجوء إلى الترجمة كحل وسط، يمهد الطريق لانتشار “الكومكس” ويصنع له جمهوراً أكبر، كتجربة دار “التنوير” في ترجمة أعمال “جو ساكو” الذي يوثق برسومه يومياته في غزة.

فن “الكومكس” أيضاً ليس كتباً منشورة فقط، بل هو ثقافة خاصة، ودائرة صناعة متكاملة تحوّل الرسوم إلى منتجات، تتسلل إلى الوعى البصري للجمهور، ومن الكتب تنتقل إلى الملابس والدمى ومنتجات أخرى ذات علاقة بالشخصية. هو فن، على الرغم من بساطته الظاهرة، يكلّف إنجازه ماكينة تشغيل ضخمة ومنتظمة. ربما ينجح “الكومكس” العربي وسط الرقابة المشدّدة عليه، وافتقار التنظيم الإنتاجى من خلال إنتاج طريقته الإنتاجية الخاصة، والتي تعكسها مسيرته خلال السنوات الخمس الأخيرة.. يسير بثقة لكن بخطوات متقطعة.

———————– –

نشر في موقع المدن

 

Share

“بلو” محمود توفيق: نزع رداء اليقين

يفتتح محمود توفيق مجموعته القصصية “بلو” بصفحة تحتوى على توضيح يقول فيه “بلو: كلمة انجليزية تعنى حالة خاصة من الشجن الممزوج بمتعة التأمل” يلى هذا التصدير مقطع من أغنية مجهولة باسم “كايرو بلوز” لفرقة غير معلومة تدعى “بانانا ايجيبت”.

هل الأغنية حقيقية؟

هل الفرقة كانت موجودة؟

من يعرف محمود توفيق، يعرف نشاطه في مجال التوليفات الموسيقية عمل لفترة في مجال الإذاعة، وشارك في عدد من المشاريع الموسيقية المعروفة والسرية، آخرها كانت الفرقة التي أسسها مع مجموعة من الموسيقيين تحت اسم “هيثم زا باند”. ما بين الخط الرفيع بين الواقعى والغرائبي، وفي الخلفية أصوات الهمهمات وضجيج اللغات واللهجات تأتى مجموعة توفيق.

من أعمال: luigi serafini

من أعمال: luigi serafini

ينزع محمود رداء اليقين، ومثل بطلة أول قصص المجموعة “شوارع الثورة” التي نزعت لافتات الشوارع في وسط البلد حتى يتوه الجيش إذا دخل، يسحبنا محمود في متاهة خاصة، ما يقدم كحقائق يمكن البناء عليها يتبدد كقلاع من الرمال، وتنكشف حفر، من الحفر ممرات، وأحياناً في نهاية كل ممر رحلة وفي نهاية كل رحلة يمنحنا محمود “هابي إيندينج”.

حينما تبنى علاقة مع اللغة مفتاحها السمع ووقع وآثر الكلمات، لا تتوقف كثيراً حول شرعية الألفاظ وحدودها القومية، وقع الكلمة وما تحمله من معانى يظل هو الأهم. “هابي إيندينج” يعنى نهاية سعيدة، لكن تسمية القصة بالاسم العربي يفقد المعنى المقصود بالهابي ايندينج وهو مصطلح مقصود به إنهاء جلسة المساج بممارسة جنسية، يتقابل في القصة مجموعة من الأصدقاء القدامى في ذات المكان الذي اعتادوا اللقاء فيه، يتظاهر الأصدقاء بأن الزمن قد ترك أثره عليهم وجعلهم أكثر حكمة وتعقلاً، لكن شيطان اللعبة يجرهم لاستعادة الماضى لنكتشف أنه رغم كل هذه السنين ياصاحبي لا نزال مكاناً كما كنا.

في قصة “مرآة” يتصاعد الصراع بين الكاتب ومترجمه الفوري. الكاتب في مدينة غريبة لا يتقن لغتها، يقرأ والمترجم يترجم محاولاً تقليد أسلوبه، لكن الجمهور يأتي في نهاية الندوة ليصافح المترجم ويثنى على أدائه، نهاية الصراع يذهب الكاتب إلى إدارة المهرجان ويطلب منهم أن يقرأ نصوصه من كابينة المترجم. الكاتب في كابينة المترجم ومع ذلك يتحدث بلغته، يا لها من نهاية سعيدة لإشكالية حزينة حول علاقة الكاتب باللغة.

ثم ينقلب الخطاب والصوت الرزين في معظم القصص في قصة “فيك من يكتم السر” تتضاءل مساحة الفصحى لنصبح أمام مونولوج يبدأ بالعبارة المفتاح للحكى “فيك من يكتم السر” لكن الراوى هنا امرأة. لعبة يكررها محمود على طول المجموعة. ما أن تقرأ نصاً مكتوباً بضمير المتكلم، حتى تتوقع أن الراوى ذكراً لكن الضمير ينقلب من السطر الثالث “خدنى على جنب وقاللى: “أنت عارفه أن أبوك خلاص هيموت قريب، موش كده؟” المونولوج يستمر على طول القصة كما يليق بلغة سيدة من الطبقة الوسطى تحشر الكلمات الإنجليزية كأنها جزء من العامية المصرية.

لكن هل اللغة كلمات فقط؟

يستمر توفيق في اللهو يفتتح قصة “ربنا موجود” قائلاً: “في يوم مشمس كهذا قرر الله أن يخرج عن صمته ويتدخل في شئون عباده. لكنه ما لبث أن فطن جل جلاله إلى أن ظهوره على إحدى صوره المعهودة من قديم الأزل، لما يرتبط به لزاماً من ترجيح كفة لغة وأمة وديانة على غيرها. كفيل ببث المزيد من الغمة بين البشر. لذا رأى تعالى أن يخرج على الناس في شكل كلمة بلا جسد وصوت غير مكلوم: على هيئة صفارة إنذار”. من المراقب الصامت إلى صوت صفارة الإنذار ترتفع كلما أوشك أحدهم على ارتكاب خطأ لتؤكد بأن الله موجود.

——————————— –

نشرت في أخبار الأدب

Share

كريم أحمد.. والخطوة الصغيرة نحو المشروع الكبير

  a_way_of_living_by_avalonfilth pg_19_20_by_avalonfilth-d6ycp6q         comictemplate3a

تعرفت على كريم أحمد للمرة الأولى منذ حوالى أربع سنوات، التقينا في ورشة عمل لفن القصة المصورة “الكومكس” استضافها معهد جوتة بشارع البستان بوسط البلد. ذهلت من مستوى رسوماته منذ المرة الأولى، ومسيرة كريم بدت مختلفة عن معظم من عرفتهم من فنانى الكومكس في مصر.

لم يدرس كريم الفنون الجميلة، بل تخرج من كلية التجارة، لكن شغفه بالرسم والكومكس ورثه عن والدته الفنانة التشكيلية وبشكل فردى طور كريم من مهاراته حتى كان من ضمن الفريق الذي عمل على انتاج الكومكس الكويتى “99” مع فريق من الرساميين العالميين من أمريكا وأوروبا.

طموح كريم كان دائماً تقديم شخصية بطل خارق مصري، لكن حيث أن مصر ليست ببلد الخارقيين وأبطالها من نوع آخر فقد بنى مشروعه على تصور مستقبلي تصبح فيه مصر صورة لقوة عظمى آخري. لم يلق مشروع “كريم” اهتمام الناشريين المحليين، وظروف البحث عن عمل جعلته يتوجه لمجال الإعلانات، لكن بصبر ظل كريم يقتطع من وقته ليعمل على تطوير مشروعه ليقدم على الأقل ولو الحلقة الأولى منه.

أخيراً أطلق كريم، نسخة أولية من الحلقة الأولى لشخصيته التي يعمل بصبر على بنائها، يمكنكم قرائتها والاطلاع عليها هنا

 

Share