كريم أحمد.. والخطوة الصغيرة نحو المشروع الكبير

  a_way_of_living_by_avalonfilth pg_19_20_by_avalonfilth-d6ycp6q         comictemplate3a

تعرفت على كريم أحمد للمرة الأولى منذ حوالى أربع سنوات، التقينا في ورشة عمل لفن القصة المصورة “الكومكس” استضافها معهد جوتة بشارع البستان بوسط البلد. ذهلت من مستوى رسوماته منذ المرة الأولى، ومسيرة كريم بدت مختلفة عن معظم من عرفتهم من فنانى الكومكس في مصر.

لم يدرس كريم الفنون الجميلة، بل تخرج من كلية التجارة، لكن شغفه بالرسم والكومكس ورثه عن والدته الفنانة التشكيلية وبشكل فردى طور كريم من مهاراته حتى كان من ضمن الفريق الذي عمل على انتاج الكومكس الكويتى “99” مع فريق من الرساميين العالميين من أمريكا وأوروبا.

طموح كريم كان دائماً تقديم شخصية بطل خارق مصري، لكن حيث أن مصر ليست ببلد الخارقيين وأبطالها من نوع آخر فقد بنى مشروعه على تصور مستقبلي تصبح فيه مصر صورة لقوة عظمى آخري. لم يلق مشروع “كريم” اهتمام الناشريين المحليين، وظروف البحث عن عمل جعلته يتوجه لمجال الإعلانات، لكن بصبر ظل كريم يقتطع من وقته ليعمل على تطوير مشروعه ليقدم على الأقل ولو الحلقة الأولى منه.

أخيراً أطلق كريم، نسخة أولية من الحلقة الأولى لشخصيته التي يعمل بصبر على بنائها، يمكنكم قرائتها والاطلاع عليها هنا

 

Share

الهراء في زجاجة: ديباجة الدستور أو كيف تدهن الهواء “دوكو”

 Hayv Kahraman

تبنى الجماعات الإنسانية هويتها المتخيلة في الغالب اعتماداً معطيات الواقع المرتبطة بالجغرافيات والتاريخ مع قليل من المجاز والرموز الشاعرية والثقافية، وفي هذا المقام تعبر الهوية الجمعية عن نفسها من خلال مجموعة من المنتجات الثقافية تبدأ من العلم والنشيد وحتى الأغانى الوطنية و”المارشات” العسكرية.

طبعا ليس هناك صورة واحدة، فالمجتمعات الحديثة تقوم على التنوع والتعدد، وتمتلك كل جماعة تصوراتها الخاصة عن هويتها الوطنية، وبينما في الدول الديمقراطية تجد كل تلك الصور متنفساً لها في الخطاب الرسمي، فالدول الشمولية لا تسمح بهذا التنوع أو تترك له مجالاً، بل تقدم ديباجة لدستور مثل تلك التي صاغها ابن المشروع الشمولى الستينى سيد حجاب وزملائه من كتاب الدولة المركزية في لجنة الدستور.

على ما يبدو لم يفرق كتاب ديباجة الدستور بين الأغانى الوطنية التي اعتادوا كتابتها في “الأوبريتات” العسكرية، وبين ديباجة دستور تعبر عن شعب أكثر تنوعاً لا يمكن اختصاره في عبارة “نحن نكتب دستور مصر”. ولهذا جاء نص الديباجة كموضوع تعبير لطالب إعدادى يرغب في إرضاء مدرسة محدود المعرفة لنيل الدرجة النهائية في موضوع تعبير.

يبدأ الدستور العظيم بجملة عظيمة “هذا دستورنا”. من هم؟

 Hayv Kahraman

Hayv Kahraman

أنهم لجنة الخمسين المعينة والذين تم اختيارهم في تشكيلة تعبر عن عودة الروح  إلى جثث زومبي الستينات، هراء الناصرية مع مزيج الدولة القومية ذات السيادة. هذا دستورهم، وبلا حياء يبدأ بعبارة لمؤرخ إغريقي “مصر هبه النيل”. من الجملة الأولى يصنع حجاب للكيتش معبد في ديباجة الدستور ويفتتحه بأكثر عبارات الكيتش الوطني المصري الخالية من المعنى. ليس هذا فقط بل مصر أيضاً هي “هبة المصريين للإنسانية”، وهى العبارة الأغرب والأكثر إثارة للدهشة، فبقليل من التأمل فيها نرى أن المعنى أن النيل وهب مصر، والمصريين وهبوا مصر للإنسانية، ليصبح السؤال، أين هي السنيورة/ مصر إذن.

تأتينا الإجابة من الجغرافيا، فمصر عربية تقع في أفريقيا ومفترق طرق مواصلاته البحرية واتصالاته، ومن الجغرافيا ينقلنا كاتب ديباجة الدستور العظيم إلى التاريخ، وعلى مدى صفحة يستعرض ما يظن أنه تاريخ مصر بشكل ينافي كل الدراسات التاريخية المعروفة فالتاريخ الذي تقدمه ديباجة الدستور، يبدأ من لحظة تجلى فيها ما يصفه كاتب التاريخ بأنه ضمير الإنسانية، وهذا الضمير جعل مجموعات من الصيادين والمزارعين يتحولون فجأة إلى مشرعين أسسوا بشكل جماعي دولة مركزية برضاهم، طبعا لا يهم في هذا المقام لوحة “مينا نارمر” الشهيرة والتي تظهر مؤسس الدولة المركزية  معاقباً ومنكلاً بالمتمردين، وعلى الرغم أننا لا نجد في التاريخ المصري القديم أى مبادرة لشكل من اشكال الحكم الجمهوري أو الديمقراطى عكس الحضارات الاغريقية، لكن كاتب الديباجة يؤكد أن الإرادة الخيرية للأجداد هي التي قادتهم إلى الدولة المركزية، لا اعتبارات الجغرافيا، أو الديانات القديمة التي جعلت من الحاكم الفرعون الإله.

تختار الديباجة من التاريخ ما تراه متمشياً مع ذائقة وخيال كاتبها، فموسي كليم الله، الذي نجى من الموت صغيراً في مصر وهرب بعد ذلك بقومه اليهود –حسب الروايات الدينية- بسبب خلاف على حرية العقيدة يدين بالفضل لمصر أيضاً، كاتب الديباجة أيضاً يحدثنا عن كليم الله، لكنه لا يذكر اسم موسي ولا يذكر الديانة اليهودية ولا المسيحية، بل صور شعرية غاية في التسطيح تنتهى بأن صدر المصريين انفتح للإسلام “فكنا خير أجناد الأرض جهادا فى سبيل الله” أحاول مثلا تخيل الترجمة الإنجليزية للفقرة السابقة  وأكاد أتخيل كيف أن أي قارئ من غربي سيؤكد على الجملة السابقة بالذات خصوصاً وهو يشاهد المجاهدين المصريين يفجرون مبنى التجارة العالمى ويقود أيمن المصرى أهم منظمة جهادية إرهابية عالمية، فللمصريون أيادى بيضاء خصوصاً في العقود الأخيرة في مجال تصنيع وتصدير للإرهاب تحت مسمى الجهاد إلى كل دول العالم، والإنسانية.

 31150_387776255307_344172930307_4499284_6614563_n

يستمر التلفيق التاريخى ورص العبارات الاكليشيه حتى نصل إلى التاريخ الحديث، لنجد الديباجة تقدم لنا مجموعة من الأحكام القطعية لتنهى بذلك الجدل الدائر حول عشرات النقاط والمسائل في التاريخ الحديث؛ فمحمد على هو بانى مصر الحديثة، وثورة 25 يناير هي انتصار للجيش الوطنى –فات على كاتب الديباجة شكر الشرطة على مساهماتهم في الثورة- وسعد زغلول ومصطفي النحاس هم مؤسسوا الديمقراطية، وطلعت حرب هو من وضع حجر الاقتصاد الوطنى، أما بقية الأسماء والشخصيات من خارج تلك التركيبة فلا مجال لهم في ديباجة الدستور ولا التاريخ الرسمي.

تؤكد الديباجة أيضاً أن جمال عبد الناصر هو الزعيم الخالد، ولا نعرف هل تخليد عبد الناصر في دستور عام 2013 يعنى التزام الدولة بتخليد الزعيم على طريقة تخليد كوريا الشمالية لزعيمها الخالد “كيم إل سونج”، أم أنه نوع من الهري وطحن الهواء على طريقة مصر هبه المصريين للإنسانية.

لكن تستمر فقرة إلقاء التحيات والمساء في الديباجة من أحمد عرابي ومصطفي كامل –لاوجد توضيح هل المقصود السياسي أم المغنى- والزعيم الخالد حتى السادات صاحب نصر أكتوبر المجيد، ولا نعرف لماذا لم يقدم كاتب الديباجة التحية أيضاً لحسنى مبارك قائد العبور الثانى، ومؤسس مصطلح “الاستكرار”.

إلى جانب التفصيل، فالافلفسفة التي أعتمدت في كتابة النص جعلته مبهماً وغريباً كأنه نص ولا نص. فالدستور وديباجته هي أسس تنظم العلاقات والقوانين داخل المجتمع ولذا فالوضوح والصراحة والدقة اللفظية سمات أساسية بدونها يفقد النص الغرض –العملى- من كتابته. وكتاب الديباجة نجحوا في ذلك وتحويل الهراء إلى زجاجات معبأة. فهو يقدم هذا الاستعراض التاريخى، دون أن يذكر صراحة الحضارة الفرعونية أو القبطية أو الهيلينة وغيرها من روافد تشكل ضفيرة التاريخ المصري.

 Hayv Kahraman

Hayv Kahraman

المدهش أكثر أن الديباجة لا تقدم فقط تصورات عن الماضى بل الحاضر أيضاً حينما يقول “وتأمل الإنسانية أن تنتقل من عصر الرشد إلى عصر الحكمة، لنبنى عالماً إنسانياً جديداً تسوده الحقيقة والعدل، وتصان فيه الحريات وحقوق الإنسان، ونحن المصريين نرى فى ثورتنا – – عودة لإسهامنا فى كتابة تاريخ جديد للإنسانية”. تأمل الحكمة حينما تختلط ببلاهة البرامج التلفزيونية، الكاتب لا يكتفي بالتحدث باسم المصريين بل باسم الإنسانية جمعاء، ويراها لم تبلغ عصر الرشد، من أين تنبع هذه المعرفة؟ ما هو عمر الإنسانية؟ إذا كنا نعيش في عصر رشد الإنسانية، فمتى كان كان عصر مراهقة الإنسانية؟ أسئلة عميقة تفتحها هذه الفقرة الفلسفية، متى توقف المصريون عن الاسهام في كتابة تاريخ الإنسانية؟ ومتى يعودون؟ وفي هذه الفترة ما التاريخ الذي كان يكتبه المصريون؟ هل هو تاريخ منفصل عن باقي تاريخ الإنسانية؟ والأهم لماذا نعود كمصريون إلى موضوع كتابة تاريخ الإنسانية؟ هل فيه مصلحة ولا مروحة..

 بعد هذا الفاصل التاريخي تعود الديباجة إلى أسلوب مطاحن الهوى، وبين كل هذى وهذى آخر يتحفنا سيد حجاب بواحدة من عباراته الشعرية الخفيفة والطريفة القائمة على الزخارف اللفظية والسجع والجناس كأن يقول “هذه الثورة إشارة وبشارة”. ثم يتذكر أنه يكتب دستوراً لا أغنية لمسلسل تلفزيونى. فينهى الديباجة بعدد من الجمل يقرر فيه الشاعر المعين من قبل السلطة العسكرية أن يتحدث باسم كل المصريين، ليوضح لنا ما هو الدستور الذي يكتبه لنا.

يرتب كاتب الديباجة الأولويات التي من أجلها يكتب هذا الدستور وهى بالترتيب؛ حق المواطن في الأمن والأمان، السيادة في وطن سيد، دولة عادلة تحقق طموحات اليوم والغد، دولة ديمقراطية حكومتها مدنية، نعالج جراح الماضى من زمن الفلاح الفصيح ومسلسل الشهد والدموع، مباديء الشريعة التي تحددها المحكمة الدستورية مصدر للتشريع، يتسق مع الإعلان العالمى للحقوق الانسان –طبعا فرق كبير بين الاتساق والالتزام- ويختم هذه الفقرة مؤكداً “نحن الشعب المصري السيد في الوطن السيد”.

ولا كلمة عن الحرية، الهتاف الأول من 2005 حتى الآن، ولا كلمة عن حقوق الأقليات العرقية والدينية المكونة للنسيج المركب لسكان هذه البلاد، ولا كلمة عن الحق في حياة كريمة بلا تعذيب قبل الأمن والآمان، ولا كلمة عن العدالة والحق في المحاكمة أمام قاضي طبيعى وليس قاضي عسكري، ولا كلمة عن الحق في حرية الاعتقاد والتعبير. ببساطة لأن هذا ليس دستورنا، بل دستورهم أهل الأمن والأمان والسادة في الوطن السيد

.

Hayv Kahraman_Levelled Leisure

——- –

نشرت في أخبار الأدب

Share

سيب نفسك للتيار

أوهام خلقتها، ومهمة غير حقيقة ابتكرها خيالى..

Share

الانتقام لا ينتمى إلى العصور الحديثة #استخدام_الحياة

03font

 

03

صفحة من رواية “استخدام الحياة” أحمد ناجى يكتب، أيمن الزرقانى يرسم. تصدر قريبا عن دار التنوير

Share

لكن منير ليس مسئولاً عن أحلامك الثورية

تحت عنوان «وقائع الثورة على محمد منير (مقال نقدي)» كتب الزميل محمد المصري مقالاً بدأه من المشهد الذي حدث في حفل منير الأخير نتيجة سوء التنظيم البالغ الذي يعتبر في العموم سمة أساسية تتزايد خبرتنا فيها. ونتيجة لهذا شهد الحفل سمة مصرية أخرى هي التحرشات الجنسية والتخبط والتدافع بين الجمهور، ومن هذا المشهد ينتقل كاتب المقال ليقدم في قفزات سريعة محطات من مشوار منير الفني ومشواره الخاص كمستمع لمنير.

ويربط بين ما يعتبره السقوط التدريجي لمنير منذ نهاية التسعينيات حتى الألفية وبين صعود مجموعات من الشباب تلتقي على الإنترنت في منتدى محمد منير تشكل جزءًا من فيض واسع من جمهور محمد منير، يجمعها حب استكشاف المزيكا والتشارك أحياناً في بعض التوجهات الفنية والفكرية وربما السياسية، ثم يرصد وقائع هتاف جزء من جمهور منير ضده في الحفل الأخير، حيث يعتبرها ثورة هذا الجيل على منير، نظراً لمواقفه السياسية الملتبسة، ولأنه يقوم بتسليع فنه وعمل إعلانات تجارية.

الحقيقة أن المقال يحمل عناصر تقويضه بداخله، فكاتب المقال يعزو ما يصفه بانحدار مشروع منير إلى اعتماده على كتاب وموسيقيين أقل في رأيه من المجموعة التي صنعت منير وشكلت مشروعه في البداية (عبد الرحيم منصور، منيب،.. إلخ) وإلى ابتعاد منير الملك عن شعبه.

منير تحت القياس والتصنيعلكن في الوقت ذاته يعيب على منير أنه اتجه منذ التسعينيات نحو المنافسة التجارية وتوسيع دائرة مستمعيه من هذا الشعب، بينما يرى أن الحالة الأمثل لمنير كانت حينما كان مغني النخبة الضيقة وتحت رقابة وسيطرة المجموعة التي يصفها بأنها أسست ما يراه ثورة السبعينيات الموسيقية!

تتخذ الكتابة عن منير منحى شخصيًا في الغالب، نظرًا لطبيعة مشروعه والصورة الفنية التي قدم منير من خلالها ذاته، حيث يبحث الجميع عن منير الخاص به، لكن من المؤسف أن يتم تبويب ذلك تحت عنوان «مقال نقدي».

وأنا لا أحب المقالات النقدية، لكن هذه إضافة أخرى حول نقاش عنوانه محمد منير، لكن يعكس صلب القيم القديمة والمتوارثة المسيطرة على هذا الجيل.

لم يكن منير يوماً بمغنى البروباجندا السياسية، ولا أعتقد أنه قد تم تصنيفه تحت بند «الفنان الملتزم» ولم يسع لهذا التصور، «فلماذا تتم محاسبته على هذا الأساس، ويتم اعتبار لجوئه للإعلانات خيانة لأفكار أو قيم يسارية؟».

المرحلة الأولى من مشروع منير والتي صاغها الأساتذة الأوائل للملك ذاتها لم تكن ثورية أو أيديولوجية بأي معنى من المعاني، وسيندر أن نجد في أغاني منير في تلك الفترة تحديداً أي دعوة للتغيير أو الثورة أكثر مما سنجد من نواح وحزن غير محدد السبب ورغبة مازوخية في المرمغة في تراب الوطن الأسمر، مع بصيص من رغبة أخرى هي في اختلاس فرح خاص، دافعه الحب أو الأحلام الفردية.

لذا من الطبيعي أن يبدو منير مضطرباً أمام التغيرات العاصفة، ولحظة تعلو فيها الهتافات الجماعية والأناشيد الحماسية الثورية، يبتعد عامداً عن ضجيج الطحين الثوري الذي ظهر آخر سنتين، لأن دوافعه أبداً لم تكن اجتماعية أو سياسية للغناء أكثر من كونها حبًا في الغناء والمغامرة والحالة الفنية والمسرحية، خلطة منير الخاصة بسيطة التركيب.

لماذا أيضاً يتم تعريف التمرد الفني بأنه الصريخ في صوت السلطة والإمبريالية العالمية، لا التمرد على الذات والصور المسبقة ومحاولة تجريب كل الألعاب الممكنة، هذا التمرد الذي كفل لمنير الاستمرار طوال تلك السنوات. فلو كان منير قد رضخ لرغبات وتصورات جمهوره القديم في الاستمرار في نفس الخط الذي شقه في البداية (شنودة، منصور.. إلخ)، لكان قد انتهى مثلما انتهى مغنو جيله، وسقف طموحه ربما سيكون مسرحية على مسارح الدولة بصحبة على الحجار. بينما قد يدفعه هذا التمرد الفني أحياناً إلى أعمال طريفة مع الشاعر الغنائي مصطفي كامل أو أعمال أكثر تعقيدًا مع رومان بونكا كالأرض والسلام.

أيضاً يعتبر من أنواع التضليل الإشارة إلى بعض أغانى منير باعتبارها مديحًا للحزب المنحل أو مبارك واستخدام ذلك كدليل على أنه ليس بالمغنى المتمرد فنياً أو الرجعى أو عندليب نظام مبارك. هذا حكم متعسف.. يتجاهل وضع سوق الإنتاج والتوزيع في مصر وظروف الرقابة في الوقت الذي ظهر فيه محمد منير وجيله، والذين معظمهم بالمناسبة في بداياتهم غنوا في الكباريهات التي كانت المسارح الوحيدة التي كان يمكن أن يُغَنَّى فيها، أضف إلى ذلك كمية التوازنات والمواءمات التي يجب على فنان أن يقوم بها من أجل فقط الحصول على مساحة بسيطة من أرض الأوبرا للغناء.

حقيقة أخرى يسقطها البعض من حساباته لسبب آخر، وهي أنه بعد عام واحد يكمل منير الستين، بما يعنيه هذا الرقم من ثقل وتجربة حياتية وإنسانية من يعرفون بعض تفاصيلها يدركون مدى تعقيدها وما قد يتركه هذا من أثر على روح فنان مازال يعتلى المسرح حافياً.

ينسى البعض هذه المعلومة ويسقطونها من حساباتهم، ربما لأن منير في أذهانهم يظل مرتبطاً بفترة شبابهم الخاص، موضوعاً هناك فوق رف الذكريات، ويشعرون بالضيق حينما يحاول منير الحى التعبير عن نفسه، لأنه يشوّه لهم تلك الصورة الجميلة عن شبابهم الخاص.

ربما لأنهم ينضجون ويتجاوزون الشباب، بينما يظل منير عجوزًا يطارد الشباب. يعرف كيف يجذب ويغوى دائماً هذه الفئة العمرية، الشباب الذين عبر أكثر من ثلاثين عاماً دائماً يكونون جمهوره الأساسي في كل الحفلات، لا العائلات أو الرجال في منتصف العمر.

 شباب قد يكونون الشباب اليساري المثقف في السبعينيات والثمانينيات أو الشباب الباحث عن حلم خاص وسط ملل التسعينيات العظيم أو آخرين يكتشفون الإنترنت في بداية الألفية أو مشجعي نادي الزمالك وشباب الثورة الطاهر النقي المجنون بمحمد منير

كأن منير هو الذي يلفظ جمهوره حينما يشيخ، يجدد جلده عامدًا متعمدًا كل فترة ليلفظهم ما إن يكبروا.

n515192718_216657_8787

 

Share

يا بايعتنى #فهمى

Share

مسيرة الديك

عين ديك.. منظور مقرب

عين ديك.. منظور مقرب

يقال أن الديك. هذا الحيوان ذو العرف الأحمر الأليف كدجاجة تمتلك قليل من عزة النفس، هذا الطير النبيل ذو المنقار الحزين، يقال أنه يبيض.

بيضة واحدة في العام. حتى الأسطورة الواقعة بين المعلوم بيولوجياً والمتردد كسراب فولكلوريا لم تمنح الديك غير بيضة واحدة. أي مأساة هذه؟

تخيل كل مرة يشعر الديك بحرقان في معدته أو فتحته الشرجية يشك أن هناك بيضة في الطريق، لكنها في الوقت ذاته قد تكون وهماً. بين الشك والحيرة في رشاقة ينتصب على خيط رفيع. الديك أيضاً مضطر لأن يجد نفسه في عدد من المواقف غير المفسرة. مَدفوعاً بكيمياء بيولوجيا يظل يصدر صوته المحير “كوكاديل.. كوكو كوكو”. وأن يتحول مزاجه من الحالة التأملية الواقف فيها شامخاً أمام الشمس في غروبها إلى حالة بهيمية يطارد فيها الدجاج ويقفز عليهن هنا وهناك.

أيها الديك النبيل!

أي مصير تعس كان يجب أن تدفعه، من أجل أن تحفظ مكانتك منتصباً، عزيزي ذو البيضة الواحدة

اجلس ها هنا

دعنا نشرب سوية، فالزجاجة لا تزال ممتلئة

والشوارع ليست طيبة في الخارج

هاهو المعطف يحترق

فلا حاجة لكى نأخذ الشمس في قلبنا، ضعها هنا فوق المدفئة

علها ترغب بقليل من الراحة

الشمس متعبة عزيزى الديك

فقط هذا مصيرها.. مثلما هذه مسيرتك

  .

1

كان هذا الشتاء، وفي إطار مسيرتنا البائسة كنا مضطرين لقضاء ليلة رأس السنة في مدينة البؤس المتجدد “المنصورة“. والإرهاق مسيرة أنهار تحفر مجاريها على الوجه. بنوا أمام مبنى الجامعة عمل ما يفترض أنه ينتمى إلى الفن الحديث يتكون من مجموعة من الكتب الضخمة مصفوفة في ميدان ليس بالميدان، وعلى أطراف المدينة المختنقة ببؤسها وحزامها الزراعي حملت بين يدي نسخة مما سيحمل بعد ذلك عنوان “روجرز“. لم أكن أعلم ما الذي يمكن فعله بهذه الجثة.

أمسكت الملف بين أصابع يديها، وكانت أظافرها قصيرة حيث اعتادت أن تأكلهم لسنوات كما بهيمة الصغيرة داخلها مجرة كبيرة. وكنت أعرف وأبحث عن باب للمحيط من خلال ابتسامتها. كان المشروع الذي حلمت به طوال سنوات المراهقة والجامعة ينهار بين يدى بعد اكتماله، يتبدى سخيفاً كما “الكلوت” الذي ارتدته أول مرة نمنا فيها مع بعضنا البعض.

ويا إلهى، تخيل بعد كل هذه الأعوام، يأتي التافه كما “المذى” يتساقط من الزب “كينى ويست” ليقولها حقيقة على قد ما تبدو صادمة، سطحية في الوقت ذاته.

ما من كنيسة هنا عزيزى الديك لتتصدر المشهد

ما من زخرف

لا متاع

لا لهو

لا صياح

لا رقص

.. أو موسيقي ميتة

هذه القصة صارت من قديم الزمان، هذه القصة صارت من أعوام.

 

من أعمال: koren shadm

من أعمال: koren shadm

2

هذه الرؤيا..

حوت يسبح نائماً كمن في سراب حلم لنجيب محفوظ، يحمل فوق ظهره جمل من النوع ذو السنام الواحد، عليه ديك أشقر زاهياً بحزنه، وبخيط الدم السائل من جرح في فتحته الشرجية.

3

كان (ش) زميلاً في الدراسة وشخصية للآسف تفرض نفسها في حياتى لأسباب يطول شرحها. في الوقت ذاته ابناً لعائلة بنت متناكة تعمل في مجال المقاولات في الحى العجائبي المعروف بدار السلام، وكان ل(ش) أخاً ابن متناكة أحياناً ما يظهر معه زائراً لشقتى المشتركة وقتها. وكنت مضطراً لتقبل صحبة ابن المتناكة أخو (ش) بسبب ورق البانجو الذي كان يحضره معه.

ولقد حاول أخو (ش) إغوائي دوناً عن كل الناس لسبب ما أكثر من مرة بتجربة “الانجكة”، إلا أننى لطالما قرفت من ابن المتناكة، وأى حاجة من طريقه أو سكته.

ثم أن ابن المتناكة كان يحكى كيف أن أحد العاملين في مخزن من مخازنهم اختلس ما يوازى تقريباً 500 جنيه، فقاموا بتكتيفه وسجنه في أحد المخازن لبضعة أيام وتعذيبه ثم إطلاق سراحه.

لا أعرف لماذا شعرت بقرف بالغ من ابن المتناكة هذا، لا بسبب الشغف الذي يحكى به عن التعذيب بل لتفاهة العمل كله، أتذكر أنى قاطعته بينما يحكى:

-هو حد فيكم يا زميلي في الحفلة دى ناك الواد دا؟

انقلب وجه فجأة للون الأحمر، توتر الجو في الغرفة وكان هناك جوب، واللى معاه الجوب مش بيحور.

نلتقي بعد الفاصل..

 

4- ذكر ما جرى في “مجاز الباب”

تقدمت امرأة للقاضي تشكو له قسوة زوجها في معاملتها، فلما استوضح القاضي الشهير ببسمته الودودة، كشفت المرأة عن سروالها فبان على مؤخرتها آثار أصابع وضربات ولون أحمر وما يشبه الجروح. كانت المرأة ذات بشرة بيضاء، تزداد نوراً فوق نور عند كفلها، كأنها قبة وتحت القبة شيخ كما قال مولانا.

هز القاضي رأسه، وربت بيده اليمنه فوق كرشه الصغير، حيث يحتفظ في معدته بتمثال لبوذا -الشخصية الفلكورية الهندية- ثم هز رأسه بمعنى “سننظر في الأمر”. وبعث في طلب الرجل، أجلسه أمامه وأخرج “خيرزانة” وضعها بجوار ساقيها، خاطب الراجل “لماذا تضرب امرأتك”. رد الرجل “حاشا وماشا سيدى.. لم يحدث فأنا أحبها”. أجاب القاضي: “لكنها أرتنى آثار الضرب وأصابعك”. رد الرجل “هذه أصابع الحب سيدنا”.

بهت القاضي، ولم ينطق البوذا في كرشه محتاراً.

 

5

نظر أخو (ش) ابن المتناكة لى شذراً، هذه النكرة، حثالة طفيليات المجتمع المصري من همل ورعاع، وقال:

-لا طبعاً.. استغفر الله، أنت مجنون يا ابنى… تلميس الطرابيش دا حاجة يهتز لها عرش الرحمن عز وجل من فوق سبع سماوات

مددت يدى وتناولت الجوب من يد كس ام ابن المتناكة، أخذت أول نفس بهدوء، وقلت:

-تصدق.. أنك ابن متناكة

6

صحيح..

وليه يا حبيبتى نسمعهم؟

7

ليل/خارجى

زقاق ضيق أمام مقر جريدة الفجر- حى مونفلورى- تونس

 

سيارة شرطة تصل إلى الزقاق، لا صوت أو حركة لكن كل العيون تتابع وهى تكتم أنفاسها من النوافذ، تترجل من السيارة شرطية “زبورة” زميلها يتبعها، غير مقدر لخطورة الموقف عيونه تتبع مؤخرتها في السروال الضيق، تتقدم الشرطية “الزبورة” من قوة التدخل إلى البناية التي تقع فيها مقر جريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي –انيكك تقول تانى- أمام البناية تتمدد جثة السياسي اللامع ذو المعجزات البارع الحبيب اللوزى، ممدة كمن مات للتوا برصاص القناصة، لكن سبحان الله ما من دم يخرج من أي مكان.

تتعجب الشرطية، تقترب منه مهرولة:

-سي الحبيب، اسم الله عليك، اللطف عليك.. سى الحبيب..

تركع الشرطية وتجلس على ساقيها وتأخذ رأس سى الحبيب بين فخذيها، تهدده كأم رؤوم تشرب الروم –أنيكك حتى لو انت مش مخروم- ، سى الحبيب فجأة –صلى .. صلى- يستفيق من غفوته كحوت يشرق من تحت الماء والشمس تغرق للمنتصف في رحلة الغروب.

هذه نهاية كل بدايات وملذات البهجة عزيزى الديك. هذا ما لديك، القلق وحتمية الأفعال.

تفتح الشرطية أزرار قميصها، تخرج نهدها محلاه، يتلقف سى الحبيب الحلمة ويأخذ في مصة، يستفيق الحبيب كعنقاء تشرق من رماد أعمدة قرطاج –تشبيه بليغ- يقف سى الحبيب، والمرأة الشرطية تحت قدميه، نهديها عاريين والشرطى يركع بعيون دامعة، وسى الحبيب يضحك:

-نيك رب زب أمكم، استغفر الله العظيم، كانوا فاكرين أنهم ممكن يغتالونى.

 

 

8

أوه.. ايت تيرنس مى أون.

 

 

9

في إسطنبول، وقت متأخر ربما قبل شروق الفجر، كانت ترتدى شورت جينز، نحمل في حقيبتها مشط زجاجة ويسكى وزجاجة ماء صغيرة، نغادر “استكلال” ونسير في حارات شعبية فرعية بعيدة، حتى نصل لشارع رئيسي، هناك بارات شعبية، أكشاك، مواقف للميكروباص، ولا نتوقف عن الضحك رغم آلم الأسنان الذي يضغط على فكى.

وهناك تلك الرائحة، الشيء الأكثر ازعاجاً في إسطنبول في كل حى تداهمك رائحة لشيء ما، تنظر حولك فلا ترى آثر له، “يشار كمال” تحدث ذات مرة عن هذا المذاق الكثيف لرائحة إسطنبول. قد تكون في سلطان أحمد فتشم رائحة مصانع الجبن القريش المصري ولا تجده، قد تكون صبحاً في استقلال فلا تجد أي آثر لأشجار الياسمين، والآن كنا ليلاً فداهمتنى رائحة تفاح أخضر، ولا تسألنى بكس أمك ما هي رائحة التفاح الأخضر.

ثم كان أن وصلنا لحديقة صغيرة، وبينما يدى تعانق خصرها الضيق قالت: “عايزه أعمل بيبي”

وقفنا في الحديقة، سكارى كما أسلاف قدماء في بحر من خمر الجنة، نظرنا حولنا وتأكدنا من خلو المشهد، وتصنعت كأنى أدارى عليها، بينما أزاحت هي الشورت وجلست لتبدأ في التبول. خيط أصفر كان يخرج من كسها على العشب الأخضر. جلست وفتحت بين فخذيها، رفعت حاجبيها فوق عويناتها كمن يراقب في الظلام، وحينما التقت عيوننا ابتسمت وانهمر الماء من كسها، كأنها تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.

 

Manet  Edouard

Manet Edouard

وداخل أحد القصور السلطانية تمددت على العشب في الشمس، والشبق والرغبة سلسلة مربوطة بمرسي حديدى عملاق تجرنا إلى الأسفل نحو أعماق الباسفور.

وضعنا في ذلك الوقت النواة الأولى لمتحف ألعابنا الجنسية، وبهذه المناسبة حملت لها “فايبروتر” مرصع بزجاج ماسي، ورأس جلدى صلب. وحينما ودعتنى في موقف الميكروباصات، قبلتنى على خدى وأكدت: “أنا أخدت الفايبرتور”..

هل مازال يهتز؟ هل مازالت الرعشة المنتفضة تفعل فعل مداهمتها، هذا جيد، على الأقل أحدنا مازال حياً وقادراً على ممارسة الحياة.

 

10-أشياء مؤسفة عن النجاح

+لن تعرف الصبر ولا لذته المازوشية.

+الوفاء فقط يشمل القضايا الخاسرة.

+الجسد يشيخ، ولا شيء يعوض ذلك.

+فراق الحبايب أصعب من طلوع الروح.

+كل ما هو خارج من مجتعمات إنسانية مخلقة في إطار النظام العالمى المعاصر لا يعول عليه.

+حتى من سيتحملك لن تتحمله لذا لا تحمل في انتظار مقابل، دينك ستدفعه غداً إن لم يأخذك ملاك الموت.

+كفاية عليك، وابقي تعالى بالليل وأنا أوريك الويل.

 

11

نظرة آخرى على إعادة تعريف الإنسان “البضائي.”

 

12

بلاد العجائب في أليس، نسخة انجليزية في مترو القاهرة. فتاة الإشعاعات تتحدث إليكم من خارج المجرة.

 

 

13

طيب ماخدتش.. ماخدتش.

 

 

14

في تلك الليلة، سترت كسها باندر وير أسود، ووضعت ما يشبه الشال الملون بخطوط ما بين الأحمر والأزرق والكحلى، شدت شعرها وربطته خلف رأسها، بانت عظام وجهها، والذقن المثيرة للأكل. هل من حنجرتها؟ هل من ضوء الأباجورة الخافت؟ هل من أشجار الياسمين؟ هل من شعر السجادة الذي يحتاج إلى الحلاقة؟

من أي مكان “هل” كان يأتي الصوت كأنها صوتها شافيلا في أغنية قمرنا، وكانت كل الطاقة في جسدى تنسحب من الشرايين، ولا شيء أملكه.

 

 

15

وفي تلك الصباحات حيث البسمة قريبة. استجمع الطاقة التي تتبدد من الشرايين، وصوت عبد الفتاح جرينى وقصي يأتى “وأنا بشكى بصوت قلبي للنسيان.. إلخ”. أقول كل هذا الركض اقترب من النهاية ويبدو الشاطئ كما يقولون قريباً.

 

 

16

إذا تكلمت بضانى فسوف تقول أن أكثر ما آلامها، ويؤلمه في هذه المسيرة هو صور ادعاء المثالية الزائفة؟ ببساطة لأن الحقيقة عمرها ما تموت يا آكوكو…

 

 

17

تأخذ المدونات مساحة بين ما هو خاص وعام في شيطنة عجيبة يصعب مقاومة إغرائها ويصعب مقاومة ادعاء أنها لا تفتح الباب لسجل لآثار حوافر البوم والخفافيش والحداية وغيره من الطير الجارح.

 

 

18

وبينما أحمل “صبارة” صغيرة، وأبحث عن مكانة لكس أم الباركنج في كس أم القاهرة، ينفجر صوت عدوية وعيونه تنظر للدور السابع والعشرون ويقول “شباكها من ستاير/ ومزيانة عنابية”. أعثر على مكان فارغ ويظهر وحش الباركنج ليأخذ المفتاح، ينتقل عدوية وخلفه الكورال النسائي “نظرة.. نظرة فوق، ونظرة تحت.. ياللى فوق”.

لكن يا عدوية اتجه نحو الأسفل، هاهى المدينة وكل المدن التي عبرنها معاً خلفي وأنا اتجه لأرض آخرى تحت البحر. كل المدن أعنيها يا عدوية؛ بداية بهامبروج الحبيبة حيث غنيت موال الخسيس، وخبرتنى يا مولانا: “الصاحب اللى يخون عيشك/ لابد يوم تنساه.. والخسيس خسيس مهما الزمن علاه” والله عليك يا أبو السعود وزمن الأكورديون.

وفي أوستن تكساس بينما الطفيلية البترولية يخوض الانتخابات ضد أوباما لكزتنى مذكراً: “قال دا في حد فيها مخلد.. / قلت له لأ،

قال أيه يكفي ابن آدم/ قلت له طقة

قال أيه يعجل بعمره/ قلت له زقة

وفي باريس يا عدوية في ليلة باردة في محطات مترو حقيرة قلنا “تيك.. ايت إيزى” بالراحة بشويش كله إلا الجيش، دخلته وحياتك يا عدوية، ووهبت قلبي ونفسي راهب في معبد تلك الأرداف العظيمة، وكان هذا الشروق اللامع لشهوة الحب الضائع.

ونحن نصعد هذه السلالم في بيروت وأنت تقول: “والله لأجيبك برضاك يا بلح/.. يا ما جرالى/ واطلعك فوق قصر عالى.. يا بلح/ بربعامية سلم.. وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن.. يا حاللى”.

 

19

يإلهى كأنى أفهم فيلم “دعاء على حس الكلاب” لشريف العظمة رغم أنى لم أشاهده.

 

 

20

بيبي، لماذا يتوقعون أحاديث سعيدة بعد الثورات؟

لقد كنا هناك، وسط الرصاص وقنابل الغاز ولم يكن شيئاً جيداً، عرفنا ذلك منذ البداية وتبادلنا القبل وقت الحظر. كأنه الفراق، كأنها مواساة.

 

 

21

يأتي أحمد عدوية كأسطورة متكاملة، محمية ومدججة بالتاريخ والحكايات الخرافية كما كل الأساطير. أتذكر أنى كنت طفلا ربما في الخامسة أو السادسة حينما كان سائق السيارة التي تقلنى من المدرسة إلى المنزل يشغل أغانى أحمد عدوية، ويحكى عن السلطان عدوية الذى تترمى النساء تحت قدميه، ويرتدى جزمة ذات كعب من الذهب.

وحتى بينما اعبر بمرحلة الموسيقي الأجنبية والروك وغابات الميتال مراهقاً، وحتى حينما وصلت لمرحلة الاستقرار الموسيقي، فطوال هذه الليال والأيام.. عدوية هو السلطان، وأينما ظهر طيفه فلا أملك إلا الخشوع، وتجميع شذرات الحكايات والأساطير  والاستسلام لهذا الخدر الخفيف الذي يتسلل كسم مثير للشبق ومهيجاً للروح من صوته وأغانيه.

أحمد عدوية هو الأسطورة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتى المبكرة وحتى الآن لم تهتز لحظة، ولم يخفت وهج تأثيرها، أو إشعاع روحها، بل يزداد وهجاً على وهج، ونور على نور.

وبينما أكتب هذا النص لموقع “معازف” المتخصص في النقد والانطباعات والمتابعات الموسيقية أشعر بحرج بالغ لعجز منطقي العقل وحسي النقدى في كل ما يتعلق بعدوية، وضعفي أمام الخدر والدلع الذي تثيره الصور والذكريات والمترادفات بمجرد ذكر اسمه مولانا السلطان طويل العمر يطول عمره.

أشعر أيضاً أن تلك اللحظة لم تأتى بعد. لا لست مأهولاً ولا قادراً على الكتابة عن عدوية، لا أبسط قواعد المنطق المعرفي، ولا الشجاعة للجرأة على المقدسات الوجدانية امتلكها للكتابة على عدوية، لكن ها هنا.. أخصص هذه المداخلة لموال بسيط لعدوية، وقعت في سحره على مدار سنوات، ومازالت صوره تتجدد وتتغير وتكشف عن عمقه ما يجعلنى دائماً غارقاً في سحرها الساطع كما الشمس على سطح البحر..

يفتتح موال “يا نجمة يا أخت القمر” بإيقاعات كهربائية ذات روح سبعانيه، كأنها شفايف “الكوكوروتشي”. وهناك في الخلفية كمنجات، ورق، وطبلة، ومزمار، وأكورديون، حفلة جنس جماعى خافتة تحتاج إلى تركيز وصفاء تأملى عالى، ثم يدخل صوت عدوية شاباً لكن كأنه رآى كل ما يجب وما تنفع رؤيته.

“يا نجمة يا أخت القمر/ قولى لى مال بختى../ بقول يا نجمة يا أخت القمر..” عدوية محتار من البغددة، والأكورديون  تحت ذراعى وفوق صدر وكرش الرايق دايماً حسن أبو السعود، يلعب في تقاطعات كأنما سكران يصعد سلالم أحلامه نحو الشمس بعد طرده من بار رخيص.

وفي النسخة الأكثر شهرة تلعب تقنيات “الاستريو” كما في معظم أعمال عدوية بعداً سرمدياً، خصوصاً مع القفزات التي يقوم بها الأورج ليخرج نغمات فضائية، يا إلهى هذه كانت ذات الفترة التي خرجت فيها أفلام كاميرون وحروب النجوم والمجرات، وعدوية يسير فوق سراب، يدخل الكهرباء إلى فن الموال، ولا أحد في هذا العالم الحقير يرفع ولو حتى القبعة شكراً..

وعدوية لا ينتظر، هو يعرف مصيره كما أي أسطورة من الدراما الإغريقية؛ “إن كان نصيبي كدا/.. أنا هرضي بنصيبي” وما الذي قد ينتظره سلطان كعدوية ملك الليل المتوج لعالم لا تحلم حتى أن تقف أمام بوابته.

أسطورة آخرى سأعرفها حينما أكبر كان عدوية يدخل شارع الهرم الساعة الثامنة، يخرج منه الثامنة صباحاً بعدما يكون قد طاف وبارك كل الكباريهات في شارع الهرم. ينحنى عادل إمام ويقبل رأس السلطان، وفي لندن يستوقفون الملك بينما يشرب كوب الشاي الصباحى ليحصلوا على توقيعه.

موال “يانجمة يا أخت القمر..” جوهرة فريدة من جواهر عدوية التي يلقيها كما طير عبر يوماً بوداى خلف جبال الوقواق وعادى ليلقي بإهمال الأحجار الكريمة التي تعكس أشعة الشمس فتضايقه، يخاطب عدوية الحلو بأسلوب شاعرى يتلاعب بضمائر المخاطب لينتج متاهة مُتشَابكة ترتفع بالمستمع لأفلاك عابرة “من بعد نوم العلالى.. يا بلح/ نيموك على الخوص.. ياما جرالى/ والله لأجيبك برضاك يا بلح.. يا ماجرالى..

واطلعك فوق قصر عالى يا بلح

بربعامية سلم..

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن

يا حاللى….. “

بين كل جواهر أحمد عدوية تقف يا بنت السطان كحجر جهنمى مجرد التفكير في مسه كفيل بإشعال النار في خلايا مخك الرمادية، هذه الجوهرة يقف عليها عدوية شخصياً في المقدمة حيث الزفة البلدى يقول: “واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة، بص شوف عدوية هيعمل أيه../ الشنجر بنجر نو عدوية هيملا الجوا/ الشنجر بنجر نوا.. أحمد هيملا الجو”

لكن بالضبط خلف هذا البناء الشامخ لموال وأغنية يا بنت السلطان الأسطورية، يقف موال “يا نجمة يا أخت القمر” من السهل التقاط الإشارات بين الأغنيتين، وهذا التردد للروح الكهربائية الشعبية، تلك القفزة الأسطورية التي حققها عدوية مبكراً كمن يرفع كأس تكيلا في دفعة واحدة دون ملح أو ليمون لأنه صاحب معدة مدربة على براندى 84 المقدم في قاع كباريهات وسط البلد بالقاهرة المدينة الأكثر وحشية في دائرة قطرها قارتين على الأقل..

هذا هو قاع أرواحنا القاهرة يا عزيزى.. أحمد،

وسط كل هذا الضباب الكونى، حيث “يوم يجى عقلك في راسك ويوم بيتوه”، وحيث تنعل البحر وسأم موجه الأبدى، يفتح عدوية ثقباً في السماء، عمل فريد من نوعه يمكن وضعه بجوار “استار واى تو هيفن” لليد زبلين أو الويش يو هير للبينك فلويد..

أنك تصعد في هذا الموال نحو جنة في قصر مشيد بقمة جبل مرتفع خلف وادي عميق، تحتاج للجلد والتجلى وقلب شفاف لكى تقبض على روح الموال الصوفي المطعم بالبلح، والخوص. وهذا التقشف وتلك الرغبة في التحقير الذاتي التي تنقلب فجأة لتحدى بأنى سأجيب كس أمك في مشهد مهيب..

كيف يمكن أن تحى فرحاً تتزواج فيه النجوم التي تخلق المجرات والأساطير يا عدوية؟ كيف لك أن تخلق النجم أوميجا الذي عنه تنبثق ملايين الشموس والنجوم المنفجرة والمجرات الآخرى..

أربعائمة سلمة يجب أن نصعدها معاً يا حمادة، وفوق كل سلمة بينما يزفنا أكورديون أبو السعود، هناك بنت بتوحد الرحمن..

صلى على النجوم الزاهرة.

 

22

انظر خلفك..

هاهى أعمدة الملح شامخة

وهناك “روج” على شكل شفاه كأنها يمامة تتعلم التقبيل فجأة وسط عاصفة

غارقة في المطار

ومغامرات ليلية مع زك أم الشرطة وقوات التدخل وأضوائها العالية

بينما نعبر بحيرة من الماء داخل “الكرهبة”..

جثة جاك كرواك تطفو محترقة

كأرنب على وشك الموت.. لا أنبت بشفة

ولا صوت يخرج من الحنجرة

فزعنا أغلق النافذة.. كرواك ميتاً في بحيرة من مياة المطر

و “مونى مى” تستغيث من هولوكست في القلب

ليلة الشموع

هذه ليلتى… أو كما حكم علينا الهوى..

هذا الثور المذبوح،

خصيتاه قرباناً.. لرحيق أنفاسك،

لا يوجد “يوتيرن” على طريق المحور عزيزتى –غزالة ترعى-

لا مفر..

ضعى القبعة،

فهذه الشمس

لا مفر..

ارتدى وشاحك،

فالسرطان ينمو فوق ساقي

لا مفر..

لا مفر

لا مفر

 

 

23

أوف هذا الرقم “23” أين كنا وقتها يا حمادة؟

يا إلهى 2008، كم أشعر بالشفقة لكن لا مفر من المطحنة على الجميع، الهرمونات تحترق هنا، ولعها..

وكما قال المرحوم “يا لعبك.. يا لعبك”

 

 

 

24- ملذات الدراما على طريقة تارنتينو

لنحكى عن الحاج جمال إبراهيم.

أولاد الأصول منكم، وأنا عشمى فمن سيتحملون معى إلى هذا المستوى سيمتلكون خلفية معرفية ومستوى محدد من الذائقة القرائية، أن يتذكروا هذا الشهاب الذي لمع كعاشق خط سطراً ومحى، والمعروف باسم على صالحين..

لقد تشرفت في سلسلة من الصدف النادرة أن حضرت للراحل على صالحين في فرح شعبي في محافظة المنيا، ووسط أنهار البيرة والبانجو وقبلها الملوخية بالشطة وجولة صباحية في بن حسن كنت أرفرف من بضانى لما فوق السحاب، ثم تجلى على صالحين.

أوه هل كان 24 أم 23.. أم ربما قبل هذا ببعيد، كما تلك التجعيدات والجبال والوديان الصغيرة فوق ظهر السلمندر البري.

في لحظة ما التقت عيونى مع عيون “على” وحينها نطق جملته مشيراً بأصبعه على: “حد ينسي نفسه..” ربما لم تتجاوز في زمن نبضات الساعة ثلاث ثوانى، لكن رأيت أوهام وصوراً كاملة عن كل ما سيكون، وحينما آتانى خبر رحيل على صالحين كما رأيت، تحققت من كل ما سيكون..

كنت مع “سلومة” في النادى اليوناني الحقير بعماد الدين، وقلت هذه أوهام، ثم في رسالة نصية قصيرة انهار العالم، عرفت أنه لا يمكن جمع الشتات الآن.. لكن ما هو أجمل من مشاهدة النهايات

أو كما قال على: “هوب.. هوب/ صب.. صب صب”

هو الشغل كدا يا رحال، أهم من الفن الاتقان في الفن.. والحاج جمال إبراهيم

25

مفيش حاجة اسمها حب..

………………. لو عايزه حاجة.. هات لها جوب

جرافيتى في مدينة 15 مايو

26

ويقول بشار بن برد عن الإنتظار:

قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ثنّي/ ولا تجعليها بيضة الديك

27

وعلى فترات متباعدة لكن محسوبة ذات إيقاع زمنى شه سنوي، تزورنى الكوابيس. كنت أقوم مفزوعاً وأحياناً بعيون تغرقها الدموع. وكانت بجوارى لا تستوعب ما جرى وتظل مكانها رابضة. وحينما تداهمنى حالات التعب واضطرابات المزاج غير المبررة أو المفهومة، كانت تتقوقع داخل ذاتها.

تقول: “أنت عايش جوا دماغك”.

ولا أجد إجابة، أو مخرج.

لكن شكراً. كان الهجران والآلم ممراً لاكتشاف ما هو أعمق، ربما الآن يمكنني إن امتلكت الإرادة أن انقذ نفسي من مصيرها التعس الذى ينتظرنى في المستقبل، وربما كما جدى يمكننى أن استمر إلى ما لا نهاية في تناول الدواء الذي كان يتناوله من أكثر من ثلاثين عاماً. الآن فقط صرت أمتلك إجابة لما لست سعيداً، ولدى اختيار بين مسارين، ومصيرين…

في النهاية أرواحناً، ليست انعكاس إلا لكيمياء جسدنا، لكن لعلكم تعلمون.

28

في عمره القصير المليء بالإحباطات، وبعد فشله في معظم العلاقات التي حاول بناءها، ورغم قناعته بأنه لا مجال لتحمله، وليس في قلبه حب ولا طاقة يمكنه منحها أكتر مما منحه لحبيبته في خطاباته الشهيرة. قرر كافكا الاستسلام لمغامرة غير محسوبة العواقب في عامه الأخير والانتقال إلى برلين لكى يعيش مع صديقته الجديدة “دورا”.

الأسطورة تقول أنه كان يتمشى في حديقة القمر “ماوير بارك” في برلين حينما لمح فتاة صغيرة تبكى لأنها فقدت دميتها. تقدم كافكا من الفتاة، وبسبب كذبة بسيطة حاول بها التخفيف من ألم الفتاة، قال:

-لكن دميتك لم تضع، لقد ركبت القطار وذهبت في رحلة.

“وكيف عرفت؟” سألت الفتاة.

“لقد أرسلت إلى خطاب” أجاب كافكا

“وأين هذا الخطاب؟” سألت الفتاة.

“في المنزل، لكن لو انتظرتينى إلى الغد سوف آتى لك به”. أجاب كافكا.

وبوجل كمن يكتب عمله الآخير جلس كافكا ليكتب خطاب مرسل من الدمية إلى الفتاة، في الخطاب تخبر الدمية الفتاة بأنها قد تعبت وملت من المدينة لذا قررت آخذ القطار والذهاب إلى مكان آخر. لكن الفتاة لم تكتفي بخطاب واحد فقط، لمدة أسبوعين ظل كافكا يكتب الخطابات على لسان الدمية موجهة للفتاة، والدمية تخبر الفتاة بحياتها الجديدة وكيف تعلمت أشياء جديدة، وصنعت “تاتو” على ظهرها، والتقت بدمية آخرى، وتمت خطبتها، وفي خطاب الدمية الآخير قالت الدمية أنها لن تسطيع مراسلة الفتاة بعد ذلك حيث أنها ستتزوج بالدمية الآخرى، وسيكون لديها أطفال آخرين مثل الفتاة يحتاجون رعايتها.

بعد أشهر قليلة من هذه الواقعة توفي كافكا.

Share

A Sad Melody at the End of the Road

The time for retreat is past and all the chances to avoid this path have been burned up. The incendiary speeches are escalating from every side and are morphing from incitement to war speeches. The television stations put up the slogan “Egypt is fighting terrorism” written in English and no one tells us who and what terrorism we are fighting? Are they Al-Qaeda? Ansar al-Sharia? The Al-Nusra Front? The Brotherhood? A little of this and a little of that?

We don’t know, and the soldier who is only twenty-one years old doesn’t know, but he obeys the orders of the gunman who directs him to get out of the bus so that he can be executed from behind. Likewise, someone else is led to the hearse, better known as the police truck, to die of asphyxiation.

No one stops to ask questions or demand accountability. War has its rules, but civil war falls outside the rules and the ethics of opposing armies.  Civil war has its own clear goals, and they are usually ethnic cleansing and the siege of one faction or group. This always fails. For proof you can look around yourself or in history books, or look at the performance of the Egyptian military state since July 23, 1952 to confirm for yourself that prison and prohibition have never been useful in eliminating the Brotherhood or other supporters of religious despotism.

Why, then, do we repeat the same mistakes that were made thirty years ago when Islamist groups were first released from Pandora’s box in the seventies?

The same old story that happened in the seventies is being played out right now. The military power in the seventies used the Islamist groups to get rid of the remains of Nasserism and the revolutionary left and, once it had accomplished that, the Islamist groups became a danger to this military power and it decided to take them on by force. Throughout the eighties and the nineties we saw how the state fought with unparalleled failure. The same story is being repeated by the military council and the security apparatus who refuse to try any other approach, and if anyone opposes their approach, the result is accusations of treason.

The state did not adopt any program against the ideology of religious despotism. Instead, it exploited this ideology, working to stay one step ahead of the Islamists. The most obvious evidence of this is the second article of the constitution, which Sadat put into place as part of this exploitation. In the same way, the civil state constitution will be written, under the presidency of Adly Mansour, with its sectarian articles and their comprehensive sources.

At the same time, the state left room for a faction of the Islamists to participate in the political process, run in elections, and share in power. In the eighties, this faction was the Brotherhood and now it appears that it’s the Salafi’s turn. It’s obvious that Dr. Yasser Al-Burhami is sitting back confidently waiting to gather the spoils.

 

In the eighties a large group of intellectuals, writers, and artists joined the state’s battle. At that time, the slogan was enlightenment fighting the forces of darkness. This proposed option of enlightenment was nothing more than a group of theses on renewing the religious discourse and leaving everything to a deeply corrupt regime without a position or a message. Now, some people are using slogans about fighting religious fascism or accepting the authority’s oppression and violence because it is the only way to stop religious violence.  But in the morgue, clothes are removed from the bodies and it becomes difficult to tell the soldiers from those who are called “terrorists” or from people who were just passing by at the time of the clashes. Even more importantly, the path that the current authorities are on has no indication of leading us over this ocean of blood to a civil state in which citizenship and equality are achieved. The committee that is working on amending the constitution decided to keep the sectarian articles that restrict citizens’ freedom of belief. Not only that, but the committee added, on the suggestions of some, an article to protect the office of the president of Egypt from protests, as though an article in the constitution could protect the president or any authority from the public’s anger.

Fighting terrorism or groups devoted to religious despotism is not a battle that we can win by liberating a piece of land or killing and arresting the largest possible number of people. It is, fundamentally, a battle of ideas and of a way of life that the Egyptian middle class chose to defend on July 30. Accepting the authority’s violence and illegal violations, and the nonsense that is taking place right now vis-à-vis the constitution means complete defeat in the battle against “terrorism” even if the Brotherhood’s Supreme Guide and the entire Guidance Office is arrested.

Share

الأغنية الوطنية الآن: هنحط السيخ المحمى في صرور ودنك

 

مضي وقت كانت فيه الدولة تحتكر صناعة الإنتاج والبث حيث بإمكانها جمع الأبنودى وعبد الحليم وبليغ في غرفة لإنتاج أغنية وطنية. لم يعد يحتكر شيئاً في العملية الإنتاجية كلها، بل أصبحت الأغاني الوطنية في النهاية مجرد سلعة يزداد الاحتياج إليها في ظل استمرار الصراع السياسي في مصر حيث يصبح من غير اللائق بث الأغاني العَاطفية وتحتاج كل هذه القنوات والإذاعات إلى مواد ترفيهية ذات صبغة وطنية، لكن حتى بعدما أصبحت الأغنية الوطنية سلعة رائجة يُقبل عليها الجمهور فلا تزال تحتفظ بوظيفتها كمرآة تعكس تصورات قطاع من المجتمع عن تصوراته عن نفسه وهويته الجمعية.

في محافظة المنيا حدثت هذه الحادثة بعد أيام من عزل الرئيس، صاحب قهوة رفع الصوت مع أوبريت “تسلم الأيادى” لمصطفي كامل، مجموعة من مؤيدى مرسي استمعوا للأغنية فقاموا بالرد عليها برفع صوت نشيد “مصر إسلامية”. بعد صراع الأغانى تطور الأمر إلى اشتباكات بالأيدى ثم بالأسلحة، الحصيلة مواطن مقتول وعدد من الإصابات.

رفع الإخوان “الإسلامية” كمعبر أول وربما وحيد عن هوية مصر، وفي المقابل يبدو الطرف الآخر والمنتصر حالياً تائهاً بين عدد من التصورات عن هوية مصر المدنية، تنعكس هذه الحيرة في كلمات الأغانى التي تتنوع بين مدائح الجيش والدول العربية الشقيقة، وشتائم للدول العربية والأجنبية غير المؤيدة لثورة 30 يونيو، وحتى الكراهية الخالصة للطرف الآخر في مصر والتأكد على الاختلاف وأننا شعبان ولسنا شعب واحد.

حتى قبل 30 يونيو، ظهر الرفيق السيسي في أوبريت احتفالات سيناء. الحفل لم تنظمه أجهزة الدولة الخاضعة في ذلك الوقت لحكم مرسي، ولم تدعمه الشئون المعنوية التابعة للجيش بل نظمته جامعة المستقبل بمبادرة من عدد من رجال الأعمال والفنانين تمتد قائمتهم من هانى شاكر ومحمد فؤاد، حتى المطرب الاماراتى حسين الجاسمى. شهد الحفل اعتلاء الفريق السيسي للمسرح، وصياغة خطابه الشهير الذي لخصته عبارته “تتقطع أيدينا قبل ما تتمد علينا” وبكاء محمد فؤاد في الخلفية مع صرخته المبحوبة “خلى بالك من مصر يا أفندم”.

ارتفعت الموجة بعد 30 يونيو، ولأن الصراع مع الإخوان ليس صراعاً على قطعة أرض أو يمكن الانتهاء منه بعزل مرسي، تضاعفت الأغانى الوطنية والمنتجات الفنية لتحاول أن تقدم صورة للهوية المصرية تصنع قطيعة كاملة مع تصورات الإخوان عن الهوية الوطنية أو حتى الإسلامية.

هنا يبرز مصطفي كامل كشاعر وملحن للأوبريت الأكثر انتشاراً، ليكمل مسيرة شعراء وملحنين كبار لعبوا أدواراً هامة من خلال الأغنية في صياغة مفهوم الوطنية المصرية، تجارب كصلاح جاهين، أو الابنودى، وبليغ وسيد مكاوى وغيرهم، كلها الآن يعبر عنها وعن اللحظة الراهنة شخص واحد جمع كل المواهب من غناء وتلحين وتأليف.

ما هي الهوية المدينة لمصر الجديد التي ترفض الإرهاب والاخوان؟

يرد مصطفي كامل: “افتحوا لنا كتاب تاريخنا/ واحكوا للناس دول مين، قول يا ابونا وقول يا شخنا”. الهوية المدنية الجديدة التي تقدمها وسائل الإعلام كما تبرز في تلك الأغنية، هي الهوية المدنية القائمة على صورة الشيخ والقسيس في عناق الرجل العسكري والذي يتم اختصار تاريخ نضال هذا الشعب في معاركه هو فقط.

28c610b7d80b89bf46c95e057768762bالبعد القومى والعربي والذي تعودنا حضوره في الأغانى الوطنية مع قيام الجمهورية المصرية لأول مرة بعد ثورة يوليو لا يزال أيضاً حاضراً ويتم استدعاءه لتحقيق نوع من التوازن مع الخطاب الإخوانى الأممى الذي يستدعى الأمة الإسلامية كبديل عن الدائرة العربية. لكن هذه المرة يأتي الخطاء القومى في الأغنية الوطنية المصرية بشروط وقيم جديدة. فبعد “تسلم الأيادى” أكمل مصطفي الملحمة بجزء ثاني حمل عنوان “وقت الشدايد.. شكر للبلاد العربية” يتحول الخطاب القومي هنا من خطاب عن وطن واحد يصعد نحو المجد والنجوم على ألحان محمد عبد الوهاب في أوبريت “وطن حبيبي”. إلى فقرة تحيات على طريقة مزيكا الأفراح، وعلى طريقة توزيع “النقوط” يحيى شاعر ومغنى ثورة 30 يونيو مصطفي كامل التحيات لدول عربية محددة أولها السعودية “جيش وملك وشعب” ثم يعدد العائلات الحاكمة في دول خارجية آخرى ويمسي ويحي أول وثانى.

لكن بينما يعبر مصطفي كامل بالكلمة الرقيقة وباللحن ذو الجذور الفلكلورية الشعبية، يختار آخرون السخرية والكلمة الغليظة كحالة الراقصة والمغنية سما المصري التي احتلت الأضواء منذ شهور بأغانيها الراقصة والتي تتعرض فيها للسخرية من كل رموز التيار الإسلامي ومؤيديهم من مرسي وحازم صلاح أبو إسماعيل وحتى الأسرة الحاكمة في قطر والتي تعتبرها مؤيدة للإخوان.

ورغم الانتشار الكبير لأغانى وأوبريتات مصطفي كامل وسما المصري وإيهاب توفيق، والتي تعبر عن حالة انسحاق مطلق أمام الجيش، فلا تلقي هذه الأغانى التقدير الكافي نقدياً، نظراً لتاريخ منتجيه والذين يعتبروا من خارج الجماعة الثقافية.

لكن كيف يعبر جمهور المثقفين عن رؤيته وتصوراته للهوية الوطنية الآن؟

على الحجار برفقة د.مدحت العدل والذي قدم قبل ذلك عشرات الأغاني الوطنية الشهيرة في العقدين الآخرين، يقدمان الإجابة في أغنية “احنا شعب وأنتم شعب”. هذه المرة لا يتخذ المثقف من البندقية والبيادة وقبعة الجنرال مرآة تعكس هويته على عكس مصطفي كامل وسما المصري يفضل أن يخوض معاركه وحيداً، لا يعرف ما يريده لكنه يعلن رفضه ويضع النهاية على العلاقة مؤكداً “احنا شعب وانتوا شعب”.

ينحاز الحجار في أغنيته لخيار الحرب الأهلية، فلا مساحة للتصالح مع أنصار التيار الإسلامي، من يصفهم بالأغنية “تجار المنابر”. تعبر الأغنية عن عقلية النخبة الثقافية المصرية والتي لا تزال حتى الآن تخجل من خيار العلمانية فتتمسك ببعض الصور النمطية لإضفاء رائحة الهوية الإسلامية كأن يقول الحجار: “احنا شايفين أن دينا/ دعوة للنور والحضارة/ وانتوا حاسرينه في توب قصير أو سيجارة/ احنا شايفين ابن سينا وابن رشد والحسين/ وانتوا شايفين ابن لادن والكهوف المظلمين/ رغم أن الرب واحد/ ليكوا رب واحنا رب”. ليتحول الخلاف مع الجماعة لا على دور الدين وضرورة فصله عن الدولة، بل لخلاف لتصور عن الدين وعن أشكال استغلاله بين تجار المنابر، وبين الشيخ والقسيس تحت قيادة الجنرال!

هكذا تنعكس تصورات قطاع ضخم من الطبقة الوسطى المصرية عن هويتهم الوطنية في مقابل الهوية الإسلامية، صورة يقف فيها الشيخ بجوار القسيس تحت حراسة الجنرال يصرخون في طائفة آخرى لا تختلف كثيراً عنهم بأنهم ليسوا وطنيين ولا ينتمون لهذا الشعب.

307588_389440841147266_1693184175_n

في المقابل يلاحظ وسط هذا المهرجان خفوت نبرة الأغنية الوطنية الشبابية التي فرضت وجودها بعد ثورة 25 يناير، فلا ظهور للفرق الشبابية أو معانى كالحرية والشارع والميدان، تختفي فرقة كايروكى، واسكندريلا وغيرهم لتعود الأساطير القديمة من مصطفي كامل حتى محمد فؤاد وأخوه الشهيد إبراهيم.

—– –

نشرت في جريدة أخبار الأدب

Share

الفن الإسلامي: مشروع أممى رسالته النسخ المشوه

الفن الايدلوجيا بشكل عام يشبه شجرة تنمو في وعاء ضيق خاص بها داخل “صوبة” زراعية تفصيلها عن محيطها. لكن مأزق الفن الإخوانى أكثر تعقيدا من ذلك.

بدأت جماعة الإخوان المسلمين كحركة كشفية مع المؤسس حسن البنا، لذا كانت الأنشطة الرياضية والفنية جزء أساسي من برنامج الجماعة، لكن تضاءلت مساحاتها بحكم ضرورات سنوات المحنة والاضطهاد والظرف السياسي. اقتصر النشاط الفني الاخوانى على الأناشيد الإسلامية والمسرحيات التي يتدرب عليها وينفذها الذكور من شباب الجماعة في الإخوان.

في العقد الأخرى قطعت الأناشيد الإسلامية الإخوانية شوطاً كبيراً في تجاوز الخطوط الحمراء، فبينما كانت أناشيد “أبومازن” في الثمانيات تقتصر على استخدام أصوات الهمهمات والطبول والدف، ادخل الجيل الجديد من المنشدين الإخوان الهندسة الصوتية والإيقاعات الإلكترونية بل وبدأنا نستمع إلى آلات موسيقية كاملة في بعض تلك الأعمال. لكن هذا التطور  لم يقترب من المسرح والدراما التي لا تزال خاضعة لشروط الفن الإسلامي الملتزم، وأهمها “لا نساء”.

قبل ثورة يناير قام الفن الإخوان بمختلف أشكاله (شعر، مسرح، إنشاد) على موضوعين أساسين الأول هو “القدس” والثانى حزمة من القيم الأخلاقية حول مكائد الشيطان وكيف يثبت الهمم ويمنعك من صلاة الفجر أو يدفعك لارتكاب المعاصي. لم يتعد جمهور هذه المنتجات دائرة كوادر وشباب الجماعة. أما بعد ثورة يناير وظهور الجماعة للعلن فقد ظهرت الحاجة إلى التوسع في توزيع ونشر فن الجماعة الملتزم.

أعلن الإخوان على مدار الأعوام الأخيرة عن عشرات المشاريع الفنية الكبرى بداية من إنتاج مسلسل عن الجماعة رداً على مسلسل وحيد حامد وحتى تأسيس شركة إنتاج لترويج الفن الإخوانى. لكن لم يظهر من كل هذه الأعمال سوى فيلم “عزازيل” لأمير شاكر وبطولة هادى الجيار وكمال أبو ورية، والذي يدور حول ثلاثة أخوة يفرق بينهم الشيطان بمكائده.

كانت البلد تشتعل بعد الثورة بالتجارب والمغامرات الفنية بينما الفن الإخوانى يزداد تقوقعاً، بل حتى دور هذا الفن كجزء من البروبجندا السياسية للجماعة كان يتضاءل ويصر على تقديم ذات المواضيع التي اعتاد تقديمها قبل الثورة. عرفنا بالطبع بعض الأسماء التي عرفت عن انتمائها للإخوان أو أيدت مشروعها قدمت الجماعة لنا أسماء كأحمد المغير وعز الدين دويدرا بصفتهم مخرجين لعدد من الفيديوهات على الانترنت. وفي الوقت ذاته هاجم قادة الجماعة كل أشكال الفن المصري الآخري في صراعهم الدائم مع أهل الفن. ربما لا أدل على هذه سوى تصريح المرشد في رمضان الماضى حينما وصف المسلسلات التلفزيونية المصرية بأنها خطة شيطانية لسرقة وقت الإنسان.

لكن مع اعتصام رابعة استُدعى كل مخزون الفن الإخوانى في محاولة لمقاومة الآلة الإعلامية الرسمية، فبينما كان يصعد الفريق السيسي المسرح بصحبة نجوم الصف الأول حكيم، محمد فؤاد ومصطفي كامل. كان مرشد جماعة الاخوان وقيادات ائتلاف الشرعية يعتلون منصة يعتليها “اسبونج بوب” الشخصية الكرتونية والفنان المعتزل وجدى العربي ومنشدون شباب مثل محمد طه، سليمان الشيخ، ومحمد بيومى. الأخير استشهد في الأحداث التي تلت فض اعتصام رابعة.

مع استشهاده تحول بيومى في منشد في جوقة منشدين كما هي العادة في فرق الإنشاد الإسلامي، إلى المنشد الشهيد. قدم بيومى عدد من الأناشيد أبرزها “ثورة دى ولا انقلاب” وكعادة الأناشيد الإسلامية تستنسخ أناشيد بيومى تيمات غنائية مشهور وتوزيعها بمصاحبة الآلات الإيقاعية مع تغيير الكلمات لتصبح “لما تيجى طيارات/ ترمى حبة منشورات/ ترمى في التحرير جوايز/ ترمى لنا تهديدات/ ليه تفرق في المعاملة”.

تختفي في الفن الإسلامي مجموعة من القيم التي تسيطر على السياقات الفنية الأخري، حيث لا قيمة للملكية الفكرية فلا توثيق لصناع الأعمال، ولا حدود لعمليات النسخ والتقليد. ولأن الفنانين الإخوان ينسخون من مصادر فنية شعبية هي ذاتها نسخ لمصادر آخرى، تكون النتيجة شبح مشوه من عمليات النسخ. ربما لا أدل على ذلك من أنشودة “تتشل الآيادى” التي شارك المنشد الشهيد محمد بيومى في غنائها.

الأغنية/ الأنشودة هي رد على أوبريت مصطفي كامل “تسلم الآيادى” والذي أصبح بمثابة الأغنية القومية لثورة 30 يونيو. وفي محافظات مختلفة من مصر نشبت اشتباكات راح ضحيتها مواطنين بسبب أن مواطن يستمع بصوت عالى لأوبريت تسلم الآيادى فقام مواطن مؤيد للشرعية بالعراك معه. أما أوبريت “تتشل الآيادى” فلا حاجة للقول أنه عبارة عن عكس كامل لكل معانى أوبريت مصطفي كامل، مع استخدام ذات اللحن.

أمام حالة الفقر تلك التي يشهدها الإنتاج الفني الإخوانى المصري، والبعد الأممى في مشروع الإخوان كان من الطبيعى أن يتصدر المشهد منشد آخر من لبنان هو إبراهيم الأحمد، على عكس أسلوب المنشدين المصريين القائم على “الشحتفة” وترقيق الصوت، يعتمد إبراهيم على الايقاعات البدوية الشامية السريعة والصوت المتباهى بغلاظته، وإنتاجه الفني لا يدعم الإخوان المسلمين في مصر فقط بل كل فصائل الجماعة في كل مكان، وهو يقدم نفسه باسم منشد الثورات من سوريا إلى ليبيا، ومن أشهر أغانية/أناشيدة عن الثورة السوريا انتشاراً “على القصر الجمهورى جايين”.

الأحمد وهو صاحب أكثر الأناشيد التي يتم بثها في الاعتصامات ومسيرات مؤيدى الشريعة والرئيس مرسي، وأينما تواجدوا فستسمع أنشودته “مصر إسلامية” بصوته معلنا فيها موقفه “ارجع لقصرك/ يا محمد مرسي ارجع لقصرك/ الله ناصرك على موسي وسيسي” ثم يدخل الكورال على طول الأغنية “مصر إسلامية.. لا علمانية”.

تَعلق مثل هذه المنتجات الفنية باللحظة الآنية وبالحدث السياسي المتغير قد يجعل عمرها الفني محدوداً، لكن في الوقت ذاته يجعلها جزء من هذا الحدث التاريخي مثلما تتردد أنشودة مصر إسلامية في معظم الفيديوهات التي توثق لعمليات فض مظاهرات أو اعتصامات مؤيدى مرسي.

374499_10151380106023064_802314796_n

Share