مسيرة الديك

عين ديك.. منظور مقرب

عين ديك.. منظور مقرب

يقال أن الديك. هذا الحيوان ذو العرف الأحمر الأليف كدجاجة تمتلك قليل من عزة النفس، هذا الطير النبيل ذو المنقار الحزين، يقال أنه يبيض.

بيضة واحدة في العام. حتى الأسطورة الواقعة بين المعلوم بيولوجياً والمتردد كسراب فولكلوريا لم تمنح الديك غير بيضة واحدة. أي مأساة هذه؟

تخيل كل مرة يشعر الديك بحرقان في معدته أو فتحته الشرجية يشك أن هناك بيضة في الطريق، لكنها في الوقت ذاته قد تكون وهماً. بين الشك والحيرة في رشاقة ينتصب على خيط رفيع. الديك أيضاً مضطر لأن يجد نفسه في عدد من المواقف غير المفسرة. مَدفوعاً بكيمياء بيولوجيا يظل يصدر صوته المحير “كوكاديل.. كوكو كوكو”. وأن يتحول مزاجه من الحالة التأملية الواقف فيها شامخاً أمام الشمس في غروبها إلى حالة بهيمية يطارد فيها الدجاج ويقفز عليهن هنا وهناك.

أيها الديك النبيل!

أي مصير تعس كان يجب أن تدفعه، من أجل أن تحفظ مكانتك منتصباً، عزيزي ذو البيضة الواحدة

اجلس ها هنا

دعنا نشرب سوية، فالزجاجة لا تزال ممتلئة

والشوارع ليست طيبة في الخارج

هاهو المعطف يحترق

فلا حاجة لكى نأخذ الشمس في قلبنا، ضعها هنا فوق المدفئة

علها ترغب بقليل من الراحة

الشمس متعبة عزيزى الديك

فقط هذا مصيرها.. مثلما هذه مسيرتك

  .

1

كان هذا الشتاء، وفي إطار مسيرتنا البائسة كنا مضطرين لقضاء ليلة رأس السنة في مدينة البؤس المتجدد “المنصورة“. والإرهاق مسيرة أنهار تحفر مجاريها على الوجه. بنوا أمام مبنى الجامعة عمل ما يفترض أنه ينتمى إلى الفن الحديث يتكون من مجموعة من الكتب الضخمة مصفوفة في ميدان ليس بالميدان، وعلى أطراف المدينة المختنقة ببؤسها وحزامها الزراعي حملت بين يدي نسخة مما سيحمل بعد ذلك عنوان “روجرز“. لم أكن أعلم ما الذي يمكن فعله بهذه الجثة.

أمسكت الملف بين أصابع يديها، وكانت أظافرها قصيرة حيث اعتادت أن تأكلهم لسنوات كما بهيمة الصغيرة داخلها مجرة كبيرة. وكنت أعرف وأبحث عن باب للمحيط من خلال ابتسامتها. كان المشروع الذي حلمت به طوال سنوات المراهقة والجامعة ينهار بين يدى بعد اكتماله، يتبدى سخيفاً كما “الكلوت” الذي ارتدته أول مرة نمنا فيها مع بعضنا البعض.

ويا إلهى، تخيل بعد كل هذه الأعوام، يأتي التافه كما “المذى” يتساقط من الزب “كينى ويست” ليقولها حقيقة على قد ما تبدو صادمة، سطحية في الوقت ذاته.

ما من كنيسة هنا عزيزى الديك لتتصدر المشهد

ما من زخرف

لا متاع

لا لهو

لا صياح

لا رقص

.. أو موسيقي ميتة

هذه القصة صارت من قديم الزمان، هذه القصة صارت من أعوام.

 

من أعمال: koren shadm

من أعمال: koren shadm

2

هذه الرؤيا..

حوت يسبح نائماً كمن في سراب حلم لنجيب محفوظ، يحمل فوق ظهره جمل من النوع ذو السنام الواحد، عليه ديك أشقر زاهياً بحزنه، وبخيط الدم السائل من جرح في فتحته الشرجية.

3

كان (ش) زميلاً في الدراسة وشخصية للآسف تفرض نفسها في حياتى لأسباب يطول شرحها. في الوقت ذاته ابناً لعائلة بنت متناكة تعمل في مجال المقاولات في الحى العجائبي المعروف بدار السلام، وكان ل(ش) أخاً ابن متناكة أحياناً ما يظهر معه زائراً لشقتى المشتركة وقتها. وكنت مضطراً لتقبل صحبة ابن المتناكة أخو (ش) بسبب ورق البانجو الذي كان يحضره معه.

ولقد حاول أخو (ش) إغوائي دوناً عن كل الناس لسبب ما أكثر من مرة بتجربة “الانجكة”، إلا أننى لطالما قرفت من ابن المتناكة، وأى حاجة من طريقه أو سكته.

ثم أن ابن المتناكة كان يحكى كيف أن أحد العاملين في مخزن من مخازنهم اختلس ما يوازى تقريباً 500 جنيه، فقاموا بتكتيفه وسجنه في أحد المخازن لبضعة أيام وتعذيبه ثم إطلاق سراحه.

لا أعرف لماذا شعرت بقرف بالغ من ابن المتناكة هذا، لا بسبب الشغف الذي يحكى به عن التعذيب بل لتفاهة العمل كله، أتذكر أنى قاطعته بينما يحكى:

-هو حد فيكم يا زميلي في الحفلة دى ناك الواد دا؟

انقلب وجه فجأة للون الأحمر، توتر الجو في الغرفة وكان هناك جوب، واللى معاه الجوب مش بيحور.

نلتقي بعد الفاصل..

 

4- ذكر ما جرى في “مجاز الباب”

تقدمت امرأة للقاضي تشكو له قسوة زوجها في معاملتها، فلما استوضح القاضي الشهير ببسمته الودودة، كشفت المرأة عن سروالها فبان على مؤخرتها آثار أصابع وضربات ولون أحمر وما يشبه الجروح. كانت المرأة ذات بشرة بيضاء، تزداد نوراً فوق نور عند كفلها، كأنها قبة وتحت القبة شيخ كما قال مولانا.

هز القاضي رأسه، وربت بيده اليمنه فوق كرشه الصغير، حيث يحتفظ في معدته بتمثال لبوذا -الشخصية الفلكورية الهندية- ثم هز رأسه بمعنى “سننظر في الأمر”. وبعث في طلب الرجل، أجلسه أمامه وأخرج “خيرزانة” وضعها بجوار ساقيها، خاطب الراجل “لماذا تضرب امرأتك”. رد الرجل “حاشا وماشا سيدى.. لم يحدث فأنا أحبها”. أجاب القاضي: “لكنها أرتنى آثار الضرب وأصابعك”. رد الرجل “هذه أصابع الحب سيدنا”.

بهت القاضي، ولم ينطق البوذا في كرشه محتاراً.

 

5

نظر أخو (ش) ابن المتناكة لى شذراً، هذه النكرة، حثالة طفيليات المجتمع المصري من همل ورعاع، وقال:

-لا طبعاً.. استغفر الله، أنت مجنون يا ابنى… تلميس الطرابيش دا حاجة يهتز لها عرش الرحمن عز وجل من فوق سبع سماوات

مددت يدى وتناولت الجوب من يد كس ام ابن المتناكة، أخذت أول نفس بهدوء، وقلت:

-تصدق.. أنك ابن متناكة

6

صحيح..

وليه يا حبيبتى نسمعهم؟

7

ليل/خارجى

زقاق ضيق أمام مقر جريدة الفجر- حى مونفلورى- تونس

 

سيارة شرطة تصل إلى الزقاق، لا صوت أو حركة لكن كل العيون تتابع وهى تكتم أنفاسها من النوافذ، تترجل من السيارة شرطية “زبورة” زميلها يتبعها، غير مقدر لخطورة الموقف عيونه تتبع مؤخرتها في السروال الضيق، تتقدم الشرطية “الزبورة” من قوة التدخل إلى البناية التي تقع فيها مقر جريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي –انيكك تقول تانى- أمام البناية تتمدد جثة السياسي اللامع ذو المعجزات البارع الحبيب اللوزى، ممدة كمن مات للتوا برصاص القناصة، لكن سبحان الله ما من دم يخرج من أي مكان.

تتعجب الشرطية، تقترب منه مهرولة:

-سي الحبيب، اسم الله عليك، اللطف عليك.. سى الحبيب..

تركع الشرطية وتجلس على ساقيها وتأخذ رأس سى الحبيب بين فخذيها، تهدده كأم رؤوم تشرب الروم –أنيكك حتى لو انت مش مخروم- ، سى الحبيب فجأة –صلى .. صلى- يستفيق من غفوته كحوت يشرق من تحت الماء والشمس تغرق للمنتصف في رحلة الغروب.

هذه نهاية كل بدايات وملذات البهجة عزيزى الديك. هذا ما لديك، القلق وحتمية الأفعال.

تفتح الشرطية أزرار قميصها، تخرج نهدها محلاه، يتلقف سى الحبيب الحلمة ويأخذ في مصة، يستفيق الحبيب كعنقاء تشرق من رماد أعمدة قرطاج –تشبيه بليغ- يقف سى الحبيب، والمرأة الشرطية تحت قدميه، نهديها عاريين والشرطى يركع بعيون دامعة، وسى الحبيب يضحك:

-نيك رب زب أمكم، استغفر الله العظيم، كانوا فاكرين أنهم ممكن يغتالونى.

 

 

8

أوه.. ايت تيرنس مى أون.

 

 

9

في إسطنبول، وقت متأخر ربما قبل شروق الفجر، كانت ترتدى شورت جينز، نحمل في حقيبتها مشط زجاجة ويسكى وزجاجة ماء صغيرة، نغادر “استكلال” ونسير في حارات شعبية فرعية بعيدة، حتى نصل لشارع رئيسي، هناك بارات شعبية، أكشاك، مواقف للميكروباص، ولا نتوقف عن الضحك رغم آلم الأسنان الذي يضغط على فكى.

وهناك تلك الرائحة، الشيء الأكثر ازعاجاً في إسطنبول في كل حى تداهمك رائحة لشيء ما، تنظر حولك فلا ترى آثر له، “يشار كمال” تحدث ذات مرة عن هذا المذاق الكثيف لرائحة إسطنبول. قد تكون في سلطان أحمد فتشم رائحة مصانع الجبن القريش المصري ولا تجده، قد تكون صبحاً في استقلال فلا تجد أي آثر لأشجار الياسمين، والآن كنا ليلاً فداهمتنى رائحة تفاح أخضر، ولا تسألنى بكس أمك ما هي رائحة التفاح الأخضر.

ثم كان أن وصلنا لحديقة صغيرة، وبينما يدى تعانق خصرها الضيق قالت: “عايزه أعمل بيبي”

وقفنا في الحديقة، سكارى كما أسلاف قدماء في بحر من خمر الجنة، نظرنا حولنا وتأكدنا من خلو المشهد، وتصنعت كأنى أدارى عليها، بينما أزاحت هي الشورت وجلست لتبدأ في التبول. خيط أصفر كان يخرج من كسها على العشب الأخضر. جلست وفتحت بين فخذيها، رفعت حاجبيها فوق عويناتها كمن يراقب في الظلام، وحينما التقت عيوننا ابتسمت وانهمر الماء من كسها، كأنها تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.

 

Manet  Edouard

Manet Edouard

وداخل أحد القصور السلطانية تمددت على العشب في الشمس، والشبق والرغبة سلسلة مربوطة بمرسي حديدى عملاق تجرنا إلى الأسفل نحو أعماق الباسفور.

وضعنا في ذلك الوقت النواة الأولى لمتحف ألعابنا الجنسية، وبهذه المناسبة حملت لها “فايبروتر” مرصع بزجاج ماسي، ورأس جلدى صلب. وحينما ودعتنى في موقف الميكروباصات، قبلتنى على خدى وأكدت: “أنا أخدت الفايبرتور”..

هل مازال يهتز؟ هل مازالت الرعشة المنتفضة تفعل فعل مداهمتها، هذا جيد، على الأقل أحدنا مازال حياً وقادراً على ممارسة الحياة.

 

10-أشياء مؤسفة عن النجاح

+لن تعرف الصبر ولا لذته المازوشية.

+الوفاء فقط يشمل القضايا الخاسرة.

+الجسد يشيخ، ولا شيء يعوض ذلك.

+فراق الحبايب أصعب من طلوع الروح.

+كل ما هو خارج من مجتعمات إنسانية مخلقة في إطار النظام العالمى المعاصر لا يعول عليه.

+حتى من سيتحملك لن تتحمله لذا لا تحمل في انتظار مقابل، دينك ستدفعه غداً إن لم يأخذك ملاك الموت.

+كفاية عليك، وابقي تعالى بالليل وأنا أوريك الويل.

 

11

نظرة آخرى على إعادة تعريف الإنسان “البضائي.”

 

12

بلاد العجائب في أليس، نسخة انجليزية في مترو القاهرة. فتاة الإشعاعات تتحدث إليكم من خارج المجرة.

 

 

13

طيب ماخدتش.. ماخدتش.

 

 

14

في تلك الليلة، سترت كسها باندر وير أسود، ووضعت ما يشبه الشال الملون بخطوط ما بين الأحمر والأزرق والكحلى، شدت شعرها وربطته خلف رأسها، بانت عظام وجهها، والذقن المثيرة للأكل. هل من حنجرتها؟ هل من ضوء الأباجورة الخافت؟ هل من أشجار الياسمين؟ هل من شعر السجادة الذي يحتاج إلى الحلاقة؟

من أي مكان “هل” كان يأتي الصوت كأنها صوتها شافيلا في أغنية قمرنا، وكانت كل الطاقة في جسدى تنسحب من الشرايين، ولا شيء أملكه.

 

 

15

وفي تلك الصباحات حيث البسمة قريبة. استجمع الطاقة التي تتبدد من الشرايين، وصوت عبد الفتاح جرينى وقصي يأتى “وأنا بشكى بصوت قلبي للنسيان.. إلخ”. أقول كل هذا الركض اقترب من النهاية ويبدو الشاطئ كما يقولون قريباً.

 

 

16

إذا تكلمت بضانى فسوف تقول أن أكثر ما آلامها، ويؤلمه في هذه المسيرة هو صور ادعاء المثالية الزائفة؟ ببساطة لأن الحقيقة عمرها ما تموت يا آكوكو…

 

 

17

تأخذ المدونات مساحة بين ما هو خاص وعام في شيطنة عجيبة يصعب مقاومة إغرائها ويصعب مقاومة ادعاء أنها لا تفتح الباب لسجل لآثار حوافر البوم والخفافيش والحداية وغيره من الطير الجارح.

 

 

18

وبينما أحمل “صبارة” صغيرة، وأبحث عن مكانة لكس أم الباركنج في كس أم القاهرة، ينفجر صوت عدوية وعيونه تنظر للدور السابع والعشرون ويقول “شباكها من ستاير/ ومزيانة عنابية”. أعثر على مكان فارغ ويظهر وحش الباركنج ليأخذ المفتاح، ينتقل عدوية وخلفه الكورال النسائي “نظرة.. نظرة فوق، ونظرة تحت.. ياللى فوق”.

لكن يا عدوية اتجه نحو الأسفل، هاهى المدينة وكل المدن التي عبرنها معاً خلفي وأنا اتجه لأرض آخرى تحت البحر. كل المدن أعنيها يا عدوية؛ بداية بهامبروج الحبيبة حيث غنيت موال الخسيس، وخبرتنى يا مولانا: “الصاحب اللى يخون عيشك/ لابد يوم تنساه.. والخسيس خسيس مهما الزمن علاه” والله عليك يا أبو السعود وزمن الأكورديون.

وفي أوستن تكساس بينما الطفيلية البترولية يخوض الانتخابات ضد أوباما لكزتنى مذكراً: “قال دا في حد فيها مخلد.. / قلت له لأ،

قال أيه يكفي ابن آدم/ قلت له طقة

قال أيه يعجل بعمره/ قلت له زقة

وفي باريس يا عدوية في ليلة باردة في محطات مترو حقيرة قلنا “تيك.. ايت إيزى” بالراحة بشويش كله إلا الجيش، دخلته وحياتك يا عدوية، ووهبت قلبي ونفسي راهب في معبد تلك الأرداف العظيمة، وكان هذا الشروق اللامع لشهوة الحب الضائع.

ونحن نصعد هذه السلالم في بيروت وأنت تقول: “والله لأجيبك برضاك يا بلح/.. يا ما جرالى/ واطلعك فوق قصر عالى.. يا بلح/ بربعامية سلم.. وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن.. يا حاللى”.

 

19

يإلهى كأنى أفهم فيلم “دعاء على حس الكلاب” لشريف العظمة رغم أنى لم أشاهده.

 

 

20

بيبي، لماذا يتوقعون أحاديث سعيدة بعد الثورات؟

لقد كنا هناك، وسط الرصاص وقنابل الغاز ولم يكن شيئاً جيداً، عرفنا ذلك منذ البداية وتبادلنا القبل وقت الحظر. كأنه الفراق، كأنها مواساة.

 

 

21

يأتي أحمد عدوية كأسطورة متكاملة، محمية ومدججة بالتاريخ والحكايات الخرافية كما كل الأساطير. أتذكر أنى كنت طفلا ربما في الخامسة أو السادسة حينما كان سائق السيارة التي تقلنى من المدرسة إلى المنزل يشغل أغانى أحمد عدوية، ويحكى عن السلطان عدوية الذى تترمى النساء تحت قدميه، ويرتدى جزمة ذات كعب من الذهب.

وحتى بينما اعبر بمرحلة الموسيقي الأجنبية والروك وغابات الميتال مراهقاً، وحتى حينما وصلت لمرحلة الاستقرار الموسيقي، فطوال هذه الليال والأيام.. عدوية هو السلطان، وأينما ظهر طيفه فلا أملك إلا الخشوع، وتجميع شذرات الحكايات والأساطير  والاستسلام لهذا الخدر الخفيف الذي يتسلل كسم مثير للشبق ومهيجاً للروح من صوته وأغانيه.

أحمد عدوية هو الأسطورة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتى المبكرة وحتى الآن لم تهتز لحظة، ولم يخفت وهج تأثيرها، أو إشعاع روحها، بل يزداد وهجاً على وهج، ونور على نور.

وبينما أكتب هذا النص لموقع “معازف” المتخصص في النقد والانطباعات والمتابعات الموسيقية أشعر بحرج بالغ لعجز منطقي العقل وحسي النقدى في كل ما يتعلق بعدوية، وضعفي أمام الخدر والدلع الذي تثيره الصور والذكريات والمترادفات بمجرد ذكر اسمه مولانا السلطان طويل العمر يطول عمره.

أشعر أيضاً أن تلك اللحظة لم تأتى بعد. لا لست مأهولاً ولا قادراً على الكتابة عن عدوية، لا أبسط قواعد المنطق المعرفي، ولا الشجاعة للجرأة على المقدسات الوجدانية امتلكها للكتابة على عدوية، لكن ها هنا.. أخصص هذه المداخلة لموال بسيط لعدوية، وقعت في سحره على مدار سنوات، ومازالت صوره تتجدد وتتغير وتكشف عن عمقه ما يجعلنى دائماً غارقاً في سحرها الساطع كما الشمس على سطح البحر..

يفتتح موال “يا نجمة يا أخت القمر” بإيقاعات كهربائية ذات روح سبعانيه، كأنها شفايف “الكوكوروتشي”. وهناك في الخلفية كمنجات، ورق، وطبلة، ومزمار، وأكورديون، حفلة جنس جماعى خافتة تحتاج إلى تركيز وصفاء تأملى عالى، ثم يدخل صوت عدوية شاباً لكن كأنه رآى كل ما يجب وما تنفع رؤيته.

“يا نجمة يا أخت القمر/ قولى لى مال بختى../ بقول يا نجمة يا أخت القمر..” عدوية محتار من البغددة، والأكورديون  تحت ذراعى وفوق صدر وكرش الرايق دايماً حسن أبو السعود، يلعب في تقاطعات كأنما سكران يصعد سلالم أحلامه نحو الشمس بعد طرده من بار رخيص.

وفي النسخة الأكثر شهرة تلعب تقنيات “الاستريو” كما في معظم أعمال عدوية بعداً سرمدياً، خصوصاً مع القفزات التي يقوم بها الأورج ليخرج نغمات فضائية، يا إلهى هذه كانت ذات الفترة التي خرجت فيها أفلام كاميرون وحروب النجوم والمجرات، وعدوية يسير فوق سراب، يدخل الكهرباء إلى فن الموال، ولا أحد في هذا العالم الحقير يرفع ولو حتى القبعة شكراً..

وعدوية لا ينتظر، هو يعرف مصيره كما أي أسطورة من الدراما الإغريقية؛ “إن كان نصيبي كدا/.. أنا هرضي بنصيبي” وما الذي قد ينتظره سلطان كعدوية ملك الليل المتوج لعالم لا تحلم حتى أن تقف أمام بوابته.

أسطورة آخرى سأعرفها حينما أكبر كان عدوية يدخل شارع الهرم الساعة الثامنة، يخرج منه الثامنة صباحاً بعدما يكون قد طاف وبارك كل الكباريهات في شارع الهرم. ينحنى عادل إمام ويقبل رأس السلطان، وفي لندن يستوقفون الملك بينما يشرب كوب الشاي الصباحى ليحصلوا على توقيعه.

موال “يانجمة يا أخت القمر..” جوهرة فريدة من جواهر عدوية التي يلقيها كما طير عبر يوماً بوداى خلف جبال الوقواق وعادى ليلقي بإهمال الأحجار الكريمة التي تعكس أشعة الشمس فتضايقه، يخاطب عدوية الحلو بأسلوب شاعرى يتلاعب بضمائر المخاطب لينتج متاهة مُتشَابكة ترتفع بالمستمع لأفلاك عابرة “من بعد نوم العلالى.. يا بلح/ نيموك على الخوص.. ياما جرالى/ والله لأجيبك برضاك يا بلح.. يا ماجرالى..

واطلعك فوق قصر عالى يا بلح

بربعامية سلم..

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن

يا حاللى….. “

بين كل جواهر أحمد عدوية تقف يا بنت السطان كحجر جهنمى مجرد التفكير في مسه كفيل بإشعال النار في خلايا مخك الرمادية، هذه الجوهرة يقف عليها عدوية شخصياً في المقدمة حيث الزفة البلدى يقول: “واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة، بص شوف عدوية هيعمل أيه../ الشنجر بنجر نو عدوية هيملا الجوا/ الشنجر بنجر نوا.. أحمد هيملا الجو”

لكن بالضبط خلف هذا البناء الشامخ لموال وأغنية يا بنت السلطان الأسطورية، يقف موال “يا نجمة يا أخت القمر” من السهل التقاط الإشارات بين الأغنيتين، وهذا التردد للروح الكهربائية الشعبية، تلك القفزة الأسطورية التي حققها عدوية مبكراً كمن يرفع كأس تكيلا في دفعة واحدة دون ملح أو ليمون لأنه صاحب معدة مدربة على براندى 84 المقدم في قاع كباريهات وسط البلد بالقاهرة المدينة الأكثر وحشية في دائرة قطرها قارتين على الأقل..

هذا هو قاع أرواحنا القاهرة يا عزيزى.. أحمد،

وسط كل هذا الضباب الكونى، حيث “يوم يجى عقلك في راسك ويوم بيتوه”، وحيث تنعل البحر وسأم موجه الأبدى، يفتح عدوية ثقباً في السماء، عمل فريد من نوعه يمكن وضعه بجوار “استار واى تو هيفن” لليد زبلين أو الويش يو هير للبينك فلويد..

أنك تصعد في هذا الموال نحو جنة في قصر مشيد بقمة جبل مرتفع خلف وادي عميق، تحتاج للجلد والتجلى وقلب شفاف لكى تقبض على روح الموال الصوفي المطعم بالبلح، والخوص. وهذا التقشف وتلك الرغبة في التحقير الذاتي التي تنقلب فجأة لتحدى بأنى سأجيب كس أمك في مشهد مهيب..

كيف يمكن أن تحى فرحاً تتزواج فيه النجوم التي تخلق المجرات والأساطير يا عدوية؟ كيف لك أن تخلق النجم أوميجا الذي عنه تنبثق ملايين الشموس والنجوم المنفجرة والمجرات الآخرى..

أربعائمة سلمة يجب أن نصعدها معاً يا حمادة، وفوق كل سلمة بينما يزفنا أكورديون أبو السعود، هناك بنت بتوحد الرحمن..

صلى على النجوم الزاهرة.

 

22

انظر خلفك..

هاهى أعمدة الملح شامخة

وهناك “روج” على شكل شفاه كأنها يمامة تتعلم التقبيل فجأة وسط عاصفة

غارقة في المطار

ومغامرات ليلية مع زك أم الشرطة وقوات التدخل وأضوائها العالية

بينما نعبر بحيرة من الماء داخل “الكرهبة”..

جثة جاك كرواك تطفو محترقة

كأرنب على وشك الموت.. لا أنبت بشفة

ولا صوت يخرج من الحنجرة

فزعنا أغلق النافذة.. كرواك ميتاً في بحيرة من مياة المطر

و “مونى مى” تستغيث من هولوكست في القلب

ليلة الشموع

هذه ليلتى… أو كما حكم علينا الهوى..

هذا الثور المذبوح،

خصيتاه قرباناً.. لرحيق أنفاسك،

لا يوجد “يوتيرن” على طريق المحور عزيزتى –غزالة ترعى-

لا مفر..

ضعى القبعة،

فهذه الشمس

لا مفر..

ارتدى وشاحك،

فالسرطان ينمو فوق ساقي

لا مفر..

لا مفر

لا مفر

 

 

23

أوف هذا الرقم “23” أين كنا وقتها يا حمادة؟

يا إلهى 2008، كم أشعر بالشفقة لكن لا مفر من المطحنة على الجميع، الهرمونات تحترق هنا، ولعها..

وكما قال المرحوم “يا لعبك.. يا لعبك”

 

 

 

24- ملذات الدراما على طريقة تارنتينو

لنحكى عن الحاج جمال إبراهيم.

أولاد الأصول منكم، وأنا عشمى فمن سيتحملون معى إلى هذا المستوى سيمتلكون خلفية معرفية ومستوى محدد من الذائقة القرائية، أن يتذكروا هذا الشهاب الذي لمع كعاشق خط سطراً ومحى، والمعروف باسم على صالحين..

لقد تشرفت في سلسلة من الصدف النادرة أن حضرت للراحل على صالحين في فرح شعبي في محافظة المنيا، ووسط أنهار البيرة والبانجو وقبلها الملوخية بالشطة وجولة صباحية في بن حسن كنت أرفرف من بضانى لما فوق السحاب، ثم تجلى على صالحين.

أوه هل كان 24 أم 23.. أم ربما قبل هذا ببعيد، كما تلك التجعيدات والجبال والوديان الصغيرة فوق ظهر السلمندر البري.

في لحظة ما التقت عيونى مع عيون “على” وحينها نطق جملته مشيراً بأصبعه على: “حد ينسي نفسه..” ربما لم تتجاوز في زمن نبضات الساعة ثلاث ثوانى، لكن رأيت أوهام وصوراً كاملة عن كل ما سيكون، وحينما آتانى خبر رحيل على صالحين كما رأيت، تحققت من كل ما سيكون..

كنت مع “سلومة” في النادى اليوناني الحقير بعماد الدين، وقلت هذه أوهام، ثم في رسالة نصية قصيرة انهار العالم، عرفت أنه لا يمكن جمع الشتات الآن.. لكن ما هو أجمل من مشاهدة النهايات

أو كما قال على: “هوب.. هوب/ صب.. صب صب”

هو الشغل كدا يا رحال، أهم من الفن الاتقان في الفن.. والحاج جمال إبراهيم

25

مفيش حاجة اسمها حب..

………………. لو عايزه حاجة.. هات لها جوب

جرافيتى في مدينة 15 مايو

26

ويقول بشار بن برد عن الإنتظار:

قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ثنّي/ ولا تجعليها بيضة الديك

27

وعلى فترات متباعدة لكن محسوبة ذات إيقاع زمنى شه سنوي، تزورنى الكوابيس. كنت أقوم مفزوعاً وأحياناً بعيون تغرقها الدموع. وكانت بجوارى لا تستوعب ما جرى وتظل مكانها رابضة. وحينما تداهمنى حالات التعب واضطرابات المزاج غير المبررة أو المفهومة، كانت تتقوقع داخل ذاتها.

تقول: “أنت عايش جوا دماغك”.

ولا أجد إجابة، أو مخرج.

لكن شكراً. كان الهجران والآلم ممراً لاكتشاف ما هو أعمق، ربما الآن يمكنني إن امتلكت الإرادة أن انقذ نفسي من مصيرها التعس الذى ينتظرنى في المستقبل، وربما كما جدى يمكننى أن استمر إلى ما لا نهاية في تناول الدواء الذي كان يتناوله من أكثر من ثلاثين عاماً. الآن فقط صرت أمتلك إجابة لما لست سعيداً، ولدى اختيار بين مسارين، ومصيرين…

في النهاية أرواحناً، ليست انعكاس إلا لكيمياء جسدنا، لكن لعلكم تعلمون.

28

في عمره القصير المليء بالإحباطات، وبعد فشله في معظم العلاقات التي حاول بناءها، ورغم قناعته بأنه لا مجال لتحمله، وليس في قلبه حب ولا طاقة يمكنه منحها أكتر مما منحه لحبيبته في خطاباته الشهيرة. قرر كافكا الاستسلام لمغامرة غير محسوبة العواقب في عامه الأخير والانتقال إلى برلين لكى يعيش مع صديقته الجديدة “دورا”.

الأسطورة تقول أنه كان يتمشى في حديقة القمر “ماوير بارك” في برلين حينما لمح فتاة صغيرة تبكى لأنها فقدت دميتها. تقدم كافكا من الفتاة، وبسبب كذبة بسيطة حاول بها التخفيف من ألم الفتاة، قال:

-لكن دميتك لم تضع، لقد ركبت القطار وذهبت في رحلة.

“وكيف عرفت؟” سألت الفتاة.

“لقد أرسلت إلى خطاب” أجاب كافكا

“وأين هذا الخطاب؟” سألت الفتاة.

“في المنزل، لكن لو انتظرتينى إلى الغد سوف آتى لك به”. أجاب كافكا.

وبوجل كمن يكتب عمله الآخير جلس كافكا ليكتب خطاب مرسل من الدمية إلى الفتاة، في الخطاب تخبر الدمية الفتاة بأنها قد تعبت وملت من المدينة لذا قررت آخذ القطار والذهاب إلى مكان آخر. لكن الفتاة لم تكتفي بخطاب واحد فقط، لمدة أسبوعين ظل كافكا يكتب الخطابات على لسان الدمية موجهة للفتاة، والدمية تخبر الفتاة بحياتها الجديدة وكيف تعلمت أشياء جديدة، وصنعت “تاتو” على ظهرها، والتقت بدمية آخرى، وتمت خطبتها، وفي خطاب الدمية الآخير قالت الدمية أنها لن تسطيع مراسلة الفتاة بعد ذلك حيث أنها ستتزوج بالدمية الآخرى، وسيكون لديها أطفال آخرين مثل الفتاة يحتاجون رعايتها.

بعد أشهر قليلة من هذه الواقعة توفي كافكا.

Share

A Sad Melody at the End of the Road

The time for retreat is past and all the chances to avoid this path have been burned up. The incendiary speeches are escalating from every side and are morphing from incitement to war speeches. The television stations put up the slogan “Egypt is fighting terrorism” written in English and no one tells us who and what terrorism we are fighting? Are they Al-Qaeda? Ansar al-Sharia? The Al-Nusra Front? The Brotherhood? A little of this and a little of that?

We don’t know, and the soldier who is only twenty-one years old doesn’t know, but he obeys the orders of the gunman who directs him to get out of the bus so that he can be executed from behind. Likewise, someone else is led to the hearse, better known as the police truck, to die of asphyxiation.

No one stops to ask questions or demand accountability. War has its rules, but civil war falls outside the rules and the ethics of opposing armies.  Civil war has its own clear goals, and they are usually ethnic cleansing and the siege of one faction or group. This always fails. For proof you can look around yourself or in history books, or look at the performance of the Egyptian military state since July 23, 1952 to confirm for yourself that prison and prohibition have never been useful in eliminating the Brotherhood or other supporters of religious despotism.

Why, then, do we repeat the same mistakes that were made thirty years ago when Islamist groups were first released from Pandora’s box in the seventies?

The same old story that happened in the seventies is being played out right now. The military power in the seventies used the Islamist groups to get rid of the remains of Nasserism and the revolutionary left and, once it had accomplished that, the Islamist groups became a danger to this military power and it decided to take them on by force. Throughout the eighties and the nineties we saw how the state fought with unparalleled failure. The same story is being repeated by the military council and the security apparatus who refuse to try any other approach, and if anyone opposes their approach, the result is accusations of treason.

The state did not adopt any program against the ideology of religious despotism. Instead, it exploited this ideology, working to stay one step ahead of the Islamists. The most obvious evidence of this is the second article of the constitution, which Sadat put into place as part of this exploitation. In the same way, the civil state constitution will be written, under the presidency of Adly Mansour, with its sectarian articles and their comprehensive sources.

At the same time, the state left room for a faction of the Islamists to participate in the political process, run in elections, and share in power. In the eighties, this faction was the Brotherhood and now it appears that it’s the Salafi’s turn. It’s obvious that Dr. Yasser Al-Burhami is sitting back confidently waiting to gather the spoils.

 

In the eighties a large group of intellectuals, writers, and artists joined the state’s battle. At that time, the slogan was enlightenment fighting the forces of darkness. This proposed option of enlightenment was nothing more than a group of theses on renewing the religious discourse and leaving everything to a deeply corrupt regime without a position or a message. Now, some people are using slogans about fighting religious fascism or accepting the authority’s oppression and violence because it is the only way to stop religious violence.  But in the morgue, clothes are removed from the bodies and it becomes difficult to tell the soldiers from those who are called “terrorists” or from people who were just passing by at the time of the clashes. Even more importantly, the path that the current authorities are on has no indication of leading us over this ocean of blood to a civil state in which citizenship and equality are achieved. The committee that is working on amending the constitution decided to keep the sectarian articles that restrict citizens’ freedom of belief. Not only that, but the committee added, on the suggestions of some, an article to protect the office of the president of Egypt from protests, as though an article in the constitution could protect the president or any authority from the public’s anger.

Fighting terrorism or groups devoted to religious despotism is not a battle that we can win by liberating a piece of land or killing and arresting the largest possible number of people. It is, fundamentally, a battle of ideas and of a way of life that the Egyptian middle class chose to defend on July 30. Accepting the authority’s violence and illegal violations, and the nonsense that is taking place right now vis-à-vis the constitution means complete defeat in the battle against “terrorism” even if the Brotherhood’s Supreme Guide and the entire Guidance Office is arrested.

Share

الأغنية الوطنية الآن: هنحط السيخ المحمى في صرور ودنك

 

مضي وقت كانت فيه الدولة تحتكر صناعة الإنتاج والبث حيث بإمكانها جمع الأبنودى وعبد الحليم وبليغ في غرفة لإنتاج أغنية وطنية. لم يعد يحتكر شيئاً في العملية الإنتاجية كلها، بل أصبحت الأغاني الوطنية في النهاية مجرد سلعة يزداد الاحتياج إليها في ظل استمرار الصراع السياسي في مصر حيث يصبح من غير اللائق بث الأغاني العَاطفية وتحتاج كل هذه القنوات والإذاعات إلى مواد ترفيهية ذات صبغة وطنية، لكن حتى بعدما أصبحت الأغنية الوطنية سلعة رائجة يُقبل عليها الجمهور فلا تزال تحتفظ بوظيفتها كمرآة تعكس تصورات قطاع من المجتمع عن تصوراته عن نفسه وهويته الجمعية.

في محافظة المنيا حدثت هذه الحادثة بعد أيام من عزل الرئيس، صاحب قهوة رفع الصوت مع أوبريت “تسلم الأيادى” لمصطفي كامل، مجموعة من مؤيدى مرسي استمعوا للأغنية فقاموا بالرد عليها برفع صوت نشيد “مصر إسلامية”. بعد صراع الأغانى تطور الأمر إلى اشتباكات بالأيدى ثم بالأسلحة، الحصيلة مواطن مقتول وعدد من الإصابات.

رفع الإخوان “الإسلامية” كمعبر أول وربما وحيد عن هوية مصر، وفي المقابل يبدو الطرف الآخر والمنتصر حالياً تائهاً بين عدد من التصورات عن هوية مصر المدنية، تنعكس هذه الحيرة في كلمات الأغانى التي تتنوع بين مدائح الجيش والدول العربية الشقيقة، وشتائم للدول العربية والأجنبية غير المؤيدة لثورة 30 يونيو، وحتى الكراهية الخالصة للطرف الآخر في مصر والتأكد على الاختلاف وأننا شعبان ولسنا شعب واحد.

حتى قبل 30 يونيو، ظهر الرفيق السيسي في أوبريت احتفالات سيناء. الحفل لم تنظمه أجهزة الدولة الخاضعة في ذلك الوقت لحكم مرسي، ولم تدعمه الشئون المعنوية التابعة للجيش بل نظمته جامعة المستقبل بمبادرة من عدد من رجال الأعمال والفنانين تمتد قائمتهم من هانى شاكر ومحمد فؤاد، حتى المطرب الاماراتى حسين الجاسمى. شهد الحفل اعتلاء الفريق السيسي للمسرح، وصياغة خطابه الشهير الذي لخصته عبارته “تتقطع أيدينا قبل ما تتمد علينا” وبكاء محمد فؤاد في الخلفية مع صرخته المبحوبة “خلى بالك من مصر يا أفندم”.

ارتفعت الموجة بعد 30 يونيو، ولأن الصراع مع الإخوان ليس صراعاً على قطعة أرض أو يمكن الانتهاء منه بعزل مرسي، تضاعفت الأغانى الوطنية والمنتجات الفنية لتحاول أن تقدم صورة للهوية المصرية تصنع قطيعة كاملة مع تصورات الإخوان عن الهوية الوطنية أو حتى الإسلامية.

هنا يبرز مصطفي كامل كشاعر وملحن للأوبريت الأكثر انتشاراً، ليكمل مسيرة شعراء وملحنين كبار لعبوا أدواراً هامة من خلال الأغنية في صياغة مفهوم الوطنية المصرية، تجارب كصلاح جاهين، أو الابنودى، وبليغ وسيد مكاوى وغيرهم، كلها الآن يعبر عنها وعن اللحظة الراهنة شخص واحد جمع كل المواهب من غناء وتلحين وتأليف.

ما هي الهوية المدينة لمصر الجديد التي ترفض الإرهاب والاخوان؟

يرد مصطفي كامل: “افتحوا لنا كتاب تاريخنا/ واحكوا للناس دول مين، قول يا ابونا وقول يا شخنا”. الهوية المدنية الجديدة التي تقدمها وسائل الإعلام كما تبرز في تلك الأغنية، هي الهوية المدنية القائمة على صورة الشيخ والقسيس في عناق الرجل العسكري والذي يتم اختصار تاريخ نضال هذا الشعب في معاركه هو فقط.

28c610b7d80b89bf46c95e057768762bالبعد القومى والعربي والذي تعودنا حضوره في الأغانى الوطنية مع قيام الجمهورية المصرية لأول مرة بعد ثورة يوليو لا يزال أيضاً حاضراً ويتم استدعاءه لتحقيق نوع من التوازن مع الخطاب الإخوانى الأممى الذي يستدعى الأمة الإسلامية كبديل عن الدائرة العربية. لكن هذه المرة يأتي الخطاء القومى في الأغنية الوطنية المصرية بشروط وقيم جديدة. فبعد “تسلم الأيادى” أكمل مصطفي الملحمة بجزء ثاني حمل عنوان “وقت الشدايد.. شكر للبلاد العربية” يتحول الخطاب القومي هنا من خطاب عن وطن واحد يصعد نحو المجد والنجوم على ألحان محمد عبد الوهاب في أوبريت “وطن حبيبي”. إلى فقرة تحيات على طريقة مزيكا الأفراح، وعلى طريقة توزيع “النقوط” يحيى شاعر ومغنى ثورة 30 يونيو مصطفي كامل التحيات لدول عربية محددة أولها السعودية “جيش وملك وشعب” ثم يعدد العائلات الحاكمة في دول خارجية آخرى ويمسي ويحي أول وثانى.

لكن بينما يعبر مصطفي كامل بالكلمة الرقيقة وباللحن ذو الجذور الفلكلورية الشعبية، يختار آخرون السخرية والكلمة الغليظة كحالة الراقصة والمغنية سما المصري التي احتلت الأضواء منذ شهور بأغانيها الراقصة والتي تتعرض فيها للسخرية من كل رموز التيار الإسلامي ومؤيديهم من مرسي وحازم صلاح أبو إسماعيل وحتى الأسرة الحاكمة في قطر والتي تعتبرها مؤيدة للإخوان.

ورغم الانتشار الكبير لأغانى وأوبريتات مصطفي كامل وسما المصري وإيهاب توفيق، والتي تعبر عن حالة انسحاق مطلق أمام الجيش، فلا تلقي هذه الأغانى التقدير الكافي نقدياً، نظراً لتاريخ منتجيه والذين يعتبروا من خارج الجماعة الثقافية.

لكن كيف يعبر جمهور المثقفين عن رؤيته وتصوراته للهوية الوطنية الآن؟

على الحجار برفقة د.مدحت العدل والذي قدم قبل ذلك عشرات الأغاني الوطنية الشهيرة في العقدين الآخرين، يقدمان الإجابة في أغنية “احنا شعب وأنتم شعب”. هذه المرة لا يتخذ المثقف من البندقية والبيادة وقبعة الجنرال مرآة تعكس هويته على عكس مصطفي كامل وسما المصري يفضل أن يخوض معاركه وحيداً، لا يعرف ما يريده لكنه يعلن رفضه ويضع النهاية على العلاقة مؤكداً “احنا شعب وانتوا شعب”.

ينحاز الحجار في أغنيته لخيار الحرب الأهلية، فلا مساحة للتصالح مع أنصار التيار الإسلامي، من يصفهم بالأغنية “تجار المنابر”. تعبر الأغنية عن عقلية النخبة الثقافية المصرية والتي لا تزال حتى الآن تخجل من خيار العلمانية فتتمسك ببعض الصور النمطية لإضفاء رائحة الهوية الإسلامية كأن يقول الحجار: “احنا شايفين أن دينا/ دعوة للنور والحضارة/ وانتوا حاسرينه في توب قصير أو سيجارة/ احنا شايفين ابن سينا وابن رشد والحسين/ وانتوا شايفين ابن لادن والكهوف المظلمين/ رغم أن الرب واحد/ ليكوا رب واحنا رب”. ليتحول الخلاف مع الجماعة لا على دور الدين وضرورة فصله عن الدولة، بل لخلاف لتصور عن الدين وعن أشكال استغلاله بين تجار المنابر، وبين الشيخ والقسيس تحت قيادة الجنرال!

هكذا تنعكس تصورات قطاع ضخم من الطبقة الوسطى المصرية عن هويتهم الوطنية في مقابل الهوية الإسلامية، صورة يقف فيها الشيخ بجوار القسيس تحت حراسة الجنرال يصرخون في طائفة آخرى لا تختلف كثيراً عنهم بأنهم ليسوا وطنيين ولا ينتمون لهذا الشعب.

307588_389440841147266_1693184175_n

في المقابل يلاحظ وسط هذا المهرجان خفوت نبرة الأغنية الوطنية الشبابية التي فرضت وجودها بعد ثورة 25 يناير، فلا ظهور للفرق الشبابية أو معانى كالحرية والشارع والميدان، تختفي فرقة كايروكى، واسكندريلا وغيرهم لتعود الأساطير القديمة من مصطفي كامل حتى محمد فؤاد وأخوه الشهيد إبراهيم.

—– –

نشرت في جريدة أخبار الأدب

Share

الفن الإسلامي: مشروع أممى رسالته النسخ المشوه

الفن الايدلوجيا بشكل عام يشبه شجرة تنمو في وعاء ضيق خاص بها داخل “صوبة” زراعية تفصيلها عن محيطها. لكن مأزق الفن الإخوانى أكثر تعقيدا من ذلك.

بدأت جماعة الإخوان المسلمين كحركة كشفية مع المؤسس حسن البنا، لذا كانت الأنشطة الرياضية والفنية جزء أساسي من برنامج الجماعة، لكن تضاءلت مساحاتها بحكم ضرورات سنوات المحنة والاضطهاد والظرف السياسي. اقتصر النشاط الفني الاخوانى على الأناشيد الإسلامية والمسرحيات التي يتدرب عليها وينفذها الذكور من شباب الجماعة في الإخوان.

في العقد الأخرى قطعت الأناشيد الإسلامية الإخوانية شوطاً كبيراً في تجاوز الخطوط الحمراء، فبينما كانت أناشيد “أبومازن” في الثمانيات تقتصر على استخدام أصوات الهمهمات والطبول والدف، ادخل الجيل الجديد من المنشدين الإخوان الهندسة الصوتية والإيقاعات الإلكترونية بل وبدأنا نستمع إلى آلات موسيقية كاملة في بعض تلك الأعمال. لكن هذا التطور  لم يقترب من المسرح والدراما التي لا تزال خاضعة لشروط الفن الإسلامي الملتزم، وأهمها “لا نساء”.

قبل ثورة يناير قام الفن الإخوان بمختلف أشكاله (شعر، مسرح، إنشاد) على موضوعين أساسين الأول هو “القدس” والثانى حزمة من القيم الأخلاقية حول مكائد الشيطان وكيف يثبت الهمم ويمنعك من صلاة الفجر أو يدفعك لارتكاب المعاصي. لم يتعد جمهور هذه المنتجات دائرة كوادر وشباب الجماعة. أما بعد ثورة يناير وظهور الجماعة للعلن فقد ظهرت الحاجة إلى التوسع في توزيع ونشر فن الجماعة الملتزم.

أعلن الإخوان على مدار الأعوام الأخيرة عن عشرات المشاريع الفنية الكبرى بداية من إنتاج مسلسل عن الجماعة رداً على مسلسل وحيد حامد وحتى تأسيس شركة إنتاج لترويج الفن الإخوانى. لكن لم يظهر من كل هذه الأعمال سوى فيلم “عزازيل” لأمير شاكر وبطولة هادى الجيار وكمال أبو ورية، والذي يدور حول ثلاثة أخوة يفرق بينهم الشيطان بمكائده.

كانت البلد تشتعل بعد الثورة بالتجارب والمغامرات الفنية بينما الفن الإخوانى يزداد تقوقعاً، بل حتى دور هذا الفن كجزء من البروبجندا السياسية للجماعة كان يتضاءل ويصر على تقديم ذات المواضيع التي اعتاد تقديمها قبل الثورة. عرفنا بالطبع بعض الأسماء التي عرفت عن انتمائها للإخوان أو أيدت مشروعها قدمت الجماعة لنا أسماء كأحمد المغير وعز الدين دويدرا بصفتهم مخرجين لعدد من الفيديوهات على الانترنت. وفي الوقت ذاته هاجم قادة الجماعة كل أشكال الفن المصري الآخري في صراعهم الدائم مع أهل الفن. ربما لا أدل على هذه سوى تصريح المرشد في رمضان الماضى حينما وصف المسلسلات التلفزيونية المصرية بأنها خطة شيطانية لسرقة وقت الإنسان.

لكن مع اعتصام رابعة استُدعى كل مخزون الفن الإخوانى في محاولة لمقاومة الآلة الإعلامية الرسمية، فبينما كان يصعد الفريق السيسي المسرح بصحبة نجوم الصف الأول حكيم، محمد فؤاد ومصطفي كامل. كان مرشد جماعة الاخوان وقيادات ائتلاف الشرعية يعتلون منصة يعتليها “اسبونج بوب” الشخصية الكرتونية والفنان المعتزل وجدى العربي ومنشدون شباب مثل محمد طه، سليمان الشيخ، ومحمد بيومى. الأخير استشهد في الأحداث التي تلت فض اعتصام رابعة.

مع استشهاده تحول بيومى في منشد في جوقة منشدين كما هي العادة في فرق الإنشاد الإسلامي، إلى المنشد الشهيد. قدم بيومى عدد من الأناشيد أبرزها “ثورة دى ولا انقلاب” وكعادة الأناشيد الإسلامية تستنسخ أناشيد بيومى تيمات غنائية مشهور وتوزيعها بمصاحبة الآلات الإيقاعية مع تغيير الكلمات لتصبح “لما تيجى طيارات/ ترمى حبة منشورات/ ترمى في التحرير جوايز/ ترمى لنا تهديدات/ ليه تفرق في المعاملة”.

تختفي في الفن الإسلامي مجموعة من القيم التي تسيطر على السياقات الفنية الأخري، حيث لا قيمة للملكية الفكرية فلا توثيق لصناع الأعمال، ولا حدود لعمليات النسخ والتقليد. ولأن الفنانين الإخوان ينسخون من مصادر فنية شعبية هي ذاتها نسخ لمصادر آخرى، تكون النتيجة شبح مشوه من عمليات النسخ. ربما لا أدل على ذلك من أنشودة “تتشل الآيادى” التي شارك المنشد الشهيد محمد بيومى في غنائها.

الأغنية/ الأنشودة هي رد على أوبريت مصطفي كامل “تسلم الآيادى” والذي أصبح بمثابة الأغنية القومية لثورة 30 يونيو. وفي محافظات مختلفة من مصر نشبت اشتباكات راح ضحيتها مواطنين بسبب أن مواطن يستمع بصوت عالى لأوبريت تسلم الآيادى فقام مواطن مؤيد للشرعية بالعراك معه. أما أوبريت “تتشل الآيادى” فلا حاجة للقول أنه عبارة عن عكس كامل لكل معانى أوبريت مصطفي كامل، مع استخدام ذات اللحن.

أمام حالة الفقر تلك التي يشهدها الإنتاج الفني الإخوانى المصري، والبعد الأممى في مشروع الإخوان كان من الطبيعى أن يتصدر المشهد منشد آخر من لبنان هو إبراهيم الأحمد، على عكس أسلوب المنشدين المصريين القائم على “الشحتفة” وترقيق الصوت، يعتمد إبراهيم على الايقاعات البدوية الشامية السريعة والصوت المتباهى بغلاظته، وإنتاجه الفني لا يدعم الإخوان المسلمين في مصر فقط بل كل فصائل الجماعة في كل مكان، وهو يقدم نفسه باسم منشد الثورات من سوريا إلى ليبيا، ومن أشهر أغانية/أناشيدة عن الثورة السوريا انتشاراً “على القصر الجمهورى جايين”.

الأحمد وهو صاحب أكثر الأناشيد التي يتم بثها في الاعتصامات ومسيرات مؤيدى الشريعة والرئيس مرسي، وأينما تواجدوا فستسمع أنشودته “مصر إسلامية” بصوته معلنا فيها موقفه “ارجع لقصرك/ يا محمد مرسي ارجع لقصرك/ الله ناصرك على موسي وسيسي” ثم يدخل الكورال على طول الأغنية “مصر إسلامية.. لا علمانية”.

تَعلق مثل هذه المنتجات الفنية باللحظة الآنية وبالحدث السياسي المتغير قد يجعل عمرها الفني محدوداً، لكن في الوقت ذاته يجعلها جزء من هذا الحدث التاريخي مثلما تتردد أنشودة مصر إسلامية في معظم الفيديوهات التي توثق لعمليات فض مظاهرات أو اعتصامات مؤيدى مرسي.

374499_10151380106023064_802314796_n

Share

جنينية الأزبكية: سقوط و صعود حديقة #2003

 

.

تقول الحكاية أن السلطان قايتباي رغب في مكافأة قائد جيوشه الأمير سيف الدين بن أزبك في نهاية خدمته له،  فمنحه أرض ناحية بركة بطن البقر جرداء خربة ، و لما كان الأمير يزبك قد أنهكته المعارك و الغزوات فقد رغب في التنعم  بأخريات أيامه و التمتع بملذات الحياة فرأي في تلك الأرض مكاناً يصلح لمبتغاة فهذبها و أوصل إليها المياه من القناة الناصرية و أعاد حفر البركة و بني على طولها رصيف من الحجارة ليتخذه الناس ممشى و مهد منتزهاً رائعاً حول البركة حمل اسمه فكانت الأزبكية . و جعل لها في كل سنة عيداً سماه ((احتفال فتح البركة)) فحينما يرتفع النيل يُفتح السد المقام عند مدخل البركة على الخليج الناصري فَتندفع الميَاه إليها ، و جَعل هذه المُناسبة عيداً سنوياً عظيماً و احتفالاً يُشبه وفَاء النيل ، بعدها يُخبرنا ابن إياس بإشاعة سارت في حواري و شوارع القَاهرة زعموا فيها أن يحيي بن الأمير أزبك قد سَحر لأبيه حتى مات ، و في فقره أخرى يَذكر ابن إياس أنه قد قُبض على شخصِ يُقال له ((القصيديرى)) و صبية بتهمةِ سحر أزبك حتى الموت !!

صورة قديمة للأزبكية

صورة قديمة للأزبكية

و سواء مات أزبك قضاء و قدر أم مسحوراً بالقصيديري الذي يبدو في الكتابات التاريخية و كأن القضية قد لفقت له، هذا أمر نتركه للسلطة القضائية لكن الآن سنحاول تذكر الأزبكية بعد ابن إياس مُحاطة بالخضرة و منتزه لطلبة اللهو و الراحة ، رغم ما أصابها في أيام العثمانيين من إهمالِ و تَقصير حتى تحول الجزء الجنوبي الشرقي منها إلى جبانةِ و مُنع فيها الطرب و العزف و الموسيقي حيث رأي العثمانيون أن بركة الأزبكية صارت مكاناً لطلبة الفسق و الفجور و المزاج و مجلساً و غرزه لأهل الكيف و الحشيشة، فتم منع إقامة دور اللهو و المتعة به و شن العثمانيون على ما يبدو حملات من المداهمة و القفش على الغوازى و تجار الكيف في المنطقة محاولين الحفاظ على جمال البركة و بهائها، و مع مجيء الحملة الفرنسية ظلت الأزبكية محتفظة بجمالها فسكنها نابليون عند نُزوله القَاهرة في 1799 و اتخذ دار بها و أيضاً شَهدت حدائقها الوَارفة اغتيال قائد الحملة الفرنسية وقتها الجنرال ((كليبر)) على يد سليمان الحلبي ، و مع ثَورة القَاهرة الثَانية شَهدت خراباً كبيراً مع انفجار بيت أحمد أغا شويكار و الذي لغمه الفرنسيون أثناء مُطاردتهم للثوارِ و حتى بعد خروج الحملة الفرنسية ظلت الأزبكية مَركزاً للسلطة سكنها الخديوي محمد على باشا في بداية ملكة لكنه تعرض لمحاولة اغتيال على يد الجنود الأرنؤود مما دفعه بعد ذلك ليصعد إلى قصره في الجبل ، لتظل الأزبكية مَسكناً للطبقةِ الوسطى و المرضِي عنهم من قبل الباشا  مما أكسبها أهمية متزايدة مع مرور الوقت حيث أصبحت مركزاً للطبقة الحَاكمة و مكاناً يمتلئ بالفنَادق و المتنزهات حتى وصفها على مبارك باشا في شهادة مقتضبة قائلاً أنها  ((سره البلاد)) .

على شرف الإمبراطورة

تعددت العمارة في الأزبكية لكن أشهرها كان قصر رضوان كتخدا الجلفي ، و كان يقع على الحافةِ الشَرقية للترعةِ و عُرف بقصرِ العتبة الزرقاء نسبة إلى بوابته الزرقاء التى كانت تؤدى إلى شارع الأزهر و كان عليها بلاطات زرقاء فوق عتبتها ، و تعدد ملاك هذا القصر حتى وصل إلى ملكية عباس حلمي الأول فهدمه و أعاد بنائه و أطلق عليه قصر العتبة الخضراء ، لأنه لم يكن يحب اللون الأزرق ، و عندما أعيد بعدها تقسيم المنطقة أطلق على هذا الجزء ميدان العتبة الخضراء و على الجزء الأخر ميدان أزبك و هو الجزء الذي يضم الآن حديقة الأزبكية التى  أنشأت على شرف الإمبراطورة الفرنسية أوجيني لدى حضورها حفل افتتاح قناة السويس.

فإسماعيل الشاب الذي شغف بالإمبراطورةِ منذ دراسته في فرنسا كان لديه إصراراً أن يكون حَفل القنَاة تَاريخياً يضمن له الخلود و يبهر جلالة الإمبراطورة و من برفقتها من الأوربيين فجهز احتفاليه  انشأ من أجلها دار الأوبرا ليعزف فيها للإيطالي جوسيبي فيردي أشهر أعماله بعد ذلك ((أوبرا عايدة )) و استدعى المهندس الفرنسي (ديشان) الذي كان مسئولا عن بساتين باريس. و أمره بردم بركة الأزبكية التى كانت تقع في الطريق لدار الأوبرا و بتصميم وتنفيذ حديقة الأزبكية. فشيدها على نمط حديقة (مونسو) و(ريفولي) بباريس على مساحة 20 فدانا وزودت بـ2500 مصباح غاز وأقيم بها مسرح للعروض الكوميدية وبحيرة رائعة و جبلاية صناعية وممرات مظللة و نافورة من الرخام الأبيض تحتوى على زخارف لنباتات و زهور تنتمي لعصر الباروك .وجسور على بحيرات صغيرة وقنوات. ومراكب للنزهة تسير بالبدال كما كانت مزودة بالحوانيت ومنصة لبيع الدخان و كشك للموسيقي ومعمل تصوير ومطاعم ومقاه أوروبية وشرقية وغرست بها مجموعات من أندر أنواع الأشجار التي استوردها (باريل بك) مسئول الأشجار في الحديقة من أوروبا والهند وأفريقيا والبرازيل وأستراليا. وبعض من هذه الأشجار النادرة موجودة حاليا بحديقة الأسماك بالزمالك. و كان عدد الشجيرات المثمرة و المزهرة يوم افتتاحها 153 نوعاً غير الأصناف التى غرست لتكون أحراشاً كل هذا يحيطه سور ضخم به أربعة أبواب و في حفل افتتاح الحديقة حضر الخديوي إسماعيل بنفسه و استمع على مسرحها لعدد من الفرق الفرنسية و الانجليزية على شرف جلالة الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث إمبراطور فرنسا .

حديقة الازبكية ١٨٧٠ الي ١٨٧٥

حديقة الازبكية ١٨٧٠ الي ١٨٧٥

و مثلما ظهرت الأزبكية البركة على مسرح التاريخ السياسي كمكان لسكن نابليون و مسرح لمقتل كليبر ، فقد لعبت دورها أيضاَ بعد ذلك حيث انطلقت من حديقتها الشرارة الأولى لثورة عرابي ، كما شهدت اجتماعات و خطب جمال الدين الأفغاني التى كان يلقيها أحياناً في الحديقة و أحياناً في قهوة ماتتيا المجاورة للحديقة .

الجنينية

بعد افتتاح حديقة الأزبكية كانت الجنينية تحت الإشراف المباشر لنظارة الأشغال و على وجه التحديد مصلحة التنظيم التابعة لهذه النظارة و التى كانت تحدد مواعيد الفتح و الإقفال و مقدار الرسوم التى تحصل من مرتاديها و إعطاء التصاريح في حالة إقامة حفل في جنابتها بالإضافة إلى الأشراف على سائر محتوياتها من الأشجار و النباتات و المباني ، و كان دخول الحديقة يتم برسوم مالية بعد فترة الظهيرة فقط ، أما طوال النهار فقد كان الدخول مجاني ، لذا فقد كان المصريون غالباً يزورون الحديقة في النهار بينما كان الأجانب يرتادون الحديقة بعد الظهيرة و كان ذلك بفعل تمركز الجَاليات الأجنبية في حي الأزبكية مما اكسب الجنينية طَابعاً أوربياً حتى أن كتباً سياحياً فرنسياً صدر عام 1877 اعتبر الأزبكية مكاناً مهماً للزائر الفرنسي لأنها تُذكره بوطنه حيث ينَتقل فيها من الأوبرا إلى المسرح فيجد فيها ما يجده في وطنه باريس، لذا فلم يكن غَريباً أن يصدر قراراً يسمح  للموسيقي العسكرية الانجليزية بأن تصدح في حديقة الأزبكية يومي الاثنين و الخميس من الساعة التاسعة إلى الساعة الحادية عشر ، و هو ما رد عليه سرادار الجيش المصري بقرارِ يَقضى بأن تعزف الموسيقي العسكرية المصرية في الجنينية يومي الثلاثاء و الجمعة و في نفس التوقيت .

و رغم ذلك فأن جنينية الأزبكية كانت تتحول في ثلاث مناسبات محددة إلى قطعة من دول أوربي ، الأولى كانت يوم  14 يوليو من كل عام حيث عيد الجالية الفرنسية ، و المناسبة الثانية يوم 24 يونيو عيد جلالة ملكة انكلترا العظمي و الأخيرة يوم 28 يناير حين تحتفل الجالية الألمانية بتذكار عيد ملكها غليوم الثاني ، و في المناسبات الثلاثة كانت الحفلة تبدأ بالسلام الوطني للبلد صاحب المناسبة ثم السلام الخديوي العالي ، لتصدح بعد ذلك الآلات العربية و الأجنبية و لتبدأ الحفلة.

 وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تلك الحفلات تقام في جنينية الأزبكية تضم رجال  ببدل سوداء فخمة ، طرابيش حمراء ، قبعات أفرنجية ، عطور نسائية موسيقي حيه، نساء ارستقراطيات، عطور خفيفة، و ورود حمراء، رقصات شعبية، فساتين للسهرة ترقص الفالس، خليط من اللهجات الأوربية و الشرقية لا يمكن تحديد مصدره، سماء زرقاء صافية بلا غيوم و لا سحب سوداء. كل شيء كان بهياً و أنيقاً كما يليق بهذا العصر .

استمر الحال هكذا حتى سنوات الأربعينات حيث قل عدد الجاليات الأجنبية مع الحرب العالمية الثانية ، لكن الجنينية لم تخف جاذبيتها حيث صعد منها في ذلك الوقت نجم أم كلثوم ، التى واظبت على أحياء حفلاتها على مسرح الأزبكية في الخميس الأول من كل شهر و في الوقت الذي كان يجلس فيه الملك فاروق تحت كرسي تاجه الملكي بحديقة الأزبكية كان آلاف المصريون يجلسون حول الراديو في انتظار صوت أم كلثوم القادم من جنات الأزبكية .

و لم تكن الموسيقي هي النشاط الفني الوحيد التى احتوته جنينية الأزبكية ، فقد شهد مسرحها القديم ((1870-1919))  بداية الحركة المسرحية الوطنية مع يعقوب صنوع الذي قدم على خشبته عدد من المسرحيات التى اقتبس موضوعاتها من المسرح الفرنسي ، و كانت بدايات صنوع الأولى هي الضوء الذي جذب بعد ذلك كل رواد المسرح للأزبكية لتنطلق منها بداية المسرح العربي .

تطوير ما بعد الثورة

بعد ثورة يوليو كان لدى جماعة الضباط الأحرار رؤية أخري مختلفة لحديقة الأزبكية من مكان للمتعة و ((شم الهواء)) إلى مكان لتصنيع الوعي و تثقيف الشعب طبقاً لمفهوم الثقافة كتطعيم أو حقنة يجب إعطائها للمواطنين ممتلئة بما يراه العسكر القائمين على النظام مناسباً. و بالتالي أقيم مسرح للعرائس و افتتح و مسرح 26 يوليو المعروف الآن بالمسرح القومي و الذي كان ملكاً لشركة مصر للتمثيل و السينما أحدى شركات مصر التى أنشأها طلعت حرب ، و كان وقتها يجاوره في الحديقة مكان يستخدم كسينما مكشوفة في الصيف ، لكن مرحلة التطوير الثورية لغت السينما الصيفية و حافظت فقط على المسرح منفصلاً عن الحديقة .

و في 27 يوليو سنة 1954 ، افتتح امتداد شارع 26 يوليو ليخترق الحديقة و يقسمها إلى شطرين و يقتطع جزء كبير من خضرتها و أشجارها وجداولها المائية و أزيلت أسوارها القديمة الفخمة المزينة بالحجارة و استبدل مكانها أسوار حديدية خضراء بسيطة الشكل لا يتجاوز ارتفاعها المترين و تقلصت مساحتها من عشرين فدان إلى عشرة ، ثم وصل الخراب فيها حتى تم إغلاقها ثم أعيد تجديدها عام 1993 في حفل بسيط حضرته السيدة سوزان مبارك و قدمت فيه بعض العروض الموسيقية، لكن الاهتمام لم يستمر مرت حديقة الأزبكية بفترات من السواد و الانحدار حتى عام 1997 حينما وقعت حادثة اغتصاب شهيرة داخل أسوار الحديقة حيث تناوب مجموعة من البلطجية اغتصاب فتاة تحت تهديد السلاح على نجيله الحديقة الخضراء ، كان من المتوقع أن يهتم المسئولين بالحديقة بعد هذه الحادثة لكن لم يحدث شيء .

الآن الحديقة مغلقة لا تفتح إلا يومي الأحد و الجمعة برسم دخول واحد جنيه ، و طوال الأسبوع يسكنها مجموعة من اللصوص و المراهقين و أطفال الشوارع ، الذين ينامون فيها و يتعاطون المخدرات ، في جنبات الحديقة تشم الروائح الكريهة و يصادفك البول أحياناً ، النافورة المزينة بالرخام الأبيض و زخارف الباروك التى أنشأها إسماعيل باشا صارت مجرد شاهد متهالك –رغم ترميمها منذ سبع سنوات- على زمن قد ولي ، قفزت فوق سور الحديقة في أحد الأيام و تسللت لأشاهدها  … كان شخص رث الثياب يبول بجوارها .

——————— –

نشرت في أخبار الأدب عام 2003

Share

التسعينى.. إنسان بجد

يصعب الامساك بملامح وجه الكاتب التسعينى فهى نفس الملامح المصرية الأصيلة التى تحمل –لا مؤاخذة- طين مصر، فلا يختلف وجه الكاتب التسعينى عن الستينى أو السبعينى، لكن تمايز التسعينى ينبع بالأساس من مظهره بداية بذوقه في الملابس، وحتى طريقة إمساكه بالسيجارة.

لا يرتدى التسعينى بدلة الموظفين الصيفى التى يفضلها الكاتب الستينى، ولا يحب التسعينى البناطيل القماشية التى يفضلها الكاتب السبعينى. التسعينى هو ملك الروشنة يرتدى الجينز والتى – شيرت ويفتح أزرار قميصه ليترك شعر صدره يداعب الهواء، لا يجلس في مقاهى المثقفين بل يفضل عليها البارات الراقية رغم أنه لا يشرب كثيراً وغالباً دماغه خفيفة، لكن هذه أحد نقاط التمايز بينه والأجيال السابقة التى تفضل الاحتكاك بالجماهير والجلوس على مقاهى الشوارع وتفضيل الحشيش على المشروبات الكحولية.

يضفى الكحول والإضاءة الخافتة  للبارات على التسعينى جواً رومانسياً حزيناً يليق بشخصيته وتجربته كمحارب خسر المعركة قبل أن تبدأ، يخرج التسعينى لسانه للكاتب الستينى ويهاجمه بعنف معلناً موت الأب، وأنه بلا أساتذة لكنه ينهار على الطاولة ويخبطها بيده صارخاً “ليس لدى مشروع.. ليس لدى مشروع، لقد سقط الاتحاد السوفيتى وقامت حرب الخليج الثانية وأنا في الجامعة، أنا متشظ بلا مشروع”

ورغم هذا إلا أننى أعتقد أن جوهر الكاتب التسعينى لا يختلف كثيراً عن جوهر الكاتب الثمانينى أو الستينى أو حتى الأربعينى، فجوهره هو عمق الروح المصرية الأصيلة المزروعة في أرض وادى النيل منذ آلاف السنين والتى أخرجت لنا إبداعات الفنان المصرى القديم في وادى الملوك، وأشعار وأغانى الإنسان المصرى البسيط في القرى والنجوع، لكن التسعينى ليس مجرد ناقل للإبداع الكلاسيكى بل هو محدث ومطور لهذا الإبداع، الأمر الذى يجعله إضافة حقيقية فمثلاً الشاعر التسعينى سوف نجد في قصائده جميع الموضوعات الكلاسيكية من رثاء ومديح وغزل عفيف وغزل صريح لكنه مصاغ بلغة روشه  وكلمات شفافه رقيقة لاحظ مثلاً في أحد دواوين الرثاء لشاعر تسعينى كيف يودع أمه دون دموع بجملة حميمية عبقرية في إعجازها اللغوى قائلاً “تصبحين على خير”. ولا يمكن أن ننسى أن التسعينى هو مبتكر تيار اللاوعى والحساسية الجديدة وكتابة اليومى والعادى.

لغة الكاتب التسعينى الشفاهية أيضاً مثلت إضافة جديدة للغة العربية، يمكنك أن تعرف التسعينى إذا وجدته يردد أمامك عبارات من نوع ” حد جميل”، “إنسان بجد”، “حد حقيقى” أو يصف نص يعجبه بأنه فيه حاجة أو يستخدم كلمات من نوع  كاتوبه –من الكتابة-، مان –رجل بالانجليزية- مع الاكثار من كلمة حميمى.

*       *        *

 

أحد الأشياء التى تزعج التسعينى، هو لقبه كـ”تسعينى”، فهو لا يقبل أن يضعه أحد في درج واحد مع أى شخص آخر، لذلك يسعى دائماً إلى ما يجعله متميزاً مختلفاً حتى عن أبناء جيله التسعينين.

 فتسعينى القاهرة ينظر إلى نفسه باعتباره التسعينى الأصلى، هو ابن المدينة المتشظى، ابن الحداثة وما بعدها، نحن في تسعينات القرن العشرين وليس من المعقول أن نكتب عن القرية والريف أو أعمال ذات توجه إيدلوجى أو سياسى مثل كتابة الستينات، وكما قال كاتب تسعينى قاهرى شهير وأحد أمراء الرواية الذهنية “الكاتب الكبير لا يكتب عن الجنس أو السياسية أو الدين”.

التسعينى القاهرى هو أكثر نماذج التسعينى المسلط عليها الأضواء فهو القريب من المراكز الثقافية الأجنبية وهو الصحفى في المجلات الأدبية والفنية. أما التسعينى الجنوبى فهو على النقيض ينظر بحذر إلى التسعينى القاهرى ويراه خطراً على الروح والابداع المصري الأصيل ففى النهاية هو ابن الصعيد وحافظ الإبداع المصرى الحقيقى، بينما تسعينى القاهرة شوهته الامبريالية والعولمة والثقافة الأمريكية، لذلك ينحاز التسعينى الجنوبى في كتابته إلى عالم الهامش والقاع وقري الصعيد على اعتبار أن مصر تتكون فقط من مجموعة من الجياع والفقراء ونساء يرتدين العباءات السوداء. أما تسعينى الدلتا فهو الراقص على السلم،  قربه الجغرافى من القاهرة يوفر له قدراً ضئيلاً من الأضواء لكنه قنوع بذلك القدر ولا يسعى إلى ما هو أكثر لأنه أيضاً يخاف أن تبتلعه القاهرة، ويجد نفسه يردد كلمات من نوع “الكاتوبة” أو “مان”، لكن أظرفهم هو التسعينى السكندرى، فهو الرومانسى الجميل المحلق مع النورس فوق بحر المتوسط وفي سماء الأحلام بعيداً بقدر الإمكان عن ضوضاء القاهرة.

لا يفوتنا أيضاً التسعينى المهاجر، وهو الذى تمكن في الوقت المناسب من مغادرة كل هذا والسفر إلى إحدى الدول الأوربية أو الأمريكية، لكن لأنه مصرى أصيل شارب من ماء النيل لم تنقطع صلته بالوطن فمازال يظهر كل عام في نفس الموعد مع معرض القاهرة للكتاب لكى يقابل الأصدقاء ويتفق مع الناشر على كتابه الجديد ثم يعود إلى الغربة لكى يقاسى الحنين.

 

*       *        *

الآن يواجه التسعينى أزمة من أصعب أزمات حياته، فهو أولاً لم يعد روش، أصبح لديه ابنه صغيرة، شعره يتساقط، ونما له كرش خفيف ولم يعد يستطيع المنافسة أمام أجيال جديدة تضع الجل على شعرها ولديها قائمة من القراء والمعجبين على الفيس بوك، كما أن الكاتوبة لم تعد تتطاوعه ففى الوقت الذى تستغرق رواية واحدة منه خمس سنوات تكتب الأجيال الجديدة رواية كل عام وربما روايتين ومجموعة قصصية وديوان شعر في عام واحد.

ومؤخراً تلقى التسعينى القاهرى واحدة من أشد الطعنات غدراً حيث استيقظ ذات صباح ليجد أنه لم يعد ينتمى لمحافظة القاهرة بل لمحافظة حلوان أو الجيزة أو 6 أكتوبر وهكذا وجد نفسه قد صار كاتباً إقليمياً.

كل الأيدى تتكاتف على ما يبدو للعبث بالتسعينى لكنه حتى هذه اللحظة مازال متماسكاً، رغم اعتقادى أن عليه أن يدرك أنه لم يعد روشاً وعليه أن يعيش مرحلته العمرية والابداعية الجديدة.

 

Share

السنيورة (قصة زغيرة)

كنت شغوفاً بكسها، كشغفي بالانترنت. أو ربما كنت معلقاً بين الاثنين، ورأسي في المنتصف.
.
أقول رأسي لا قلبي لأن هذه ليست قصة عاطفية أو ايروتيكيا أو بورنوجرافية، لذلك لا أريد أن أجنح للمبالغات. بالطبع لدى شغف عام بالكس، لكن كسها بشكل خاص، كان شغفي الأهم. راقبته طوال سنوات علاقتنا عن كثب وملاحظة، فكرت أكثر من مرة أن أقوم بتصويره لكن خفت من ردة فعلها، فاحتفظت بالرغبة سرية مكبوتة كرغبات آخرى، حتى انتهى الأمر بالخسارة التامة.
.
.
لايزال ماثلاً في ذهنى، والفضل يعود إلى الأيام والليالى التي قضيتها مفتوناً بتقلباته وتحولاته المختلفة. عرفته نائماً مضموم الشفتين، وسجلت بدقه كيف ينفتح كشمس تنبثق من خلف الجبال على شاطيء نويبع. رأيت كيف يُضخ الدم إلى شفتى كسها عند الاستثارة فتتمددان ويتحولان من اللون الزهر إلى الوردى ثم إلى الأحمر. شاهدت أثار المداعبة بالأصابع عليه، وباللسان وكيف يتحول إلى عاصفة شمسية ذات لون أكثر اشتعالاً عن بقية الكرة الشمسية الصغيرة أثناء وبعد النيك. كان تشممي لرائحته أمر محبباً للنفس، وكان الرائحة تتبدل على حسب مزاجها ومزاجه. أحياناً حينما كنت استيقظ قبلها كنت أهرع إلى دورة المياه، أفرش أسناني برائحة الفلوريد وأعود لأتسلل بين فخذيها لتكون رائحته أول ما أشمه. تذوقته في كل الأوضاع، وتابعت تغيير طعمه مع كل درجة ترتفع فيها نحو الإثارة، وشجرة السعادة تتدلى علينا كما أوراق الجوافة. لو غميت عينى وتذوقته بين سبع أكساس مختلفة لعرفته بطرف لساني، شيء ما صار مرتبطاً بينه وبين بقية حواسى.
.
.
لم يكن كسها هو المثير لجنونى فقط، بل كل فتحتها، كثيراً ما كنت أطلب منها أن ترقد على بطنها. اتصنع إجراء نوع من المساج لها، وأتعجل النزول بيدى إلى أسفل أوسع بين ردفيها وابدأ في تشممها وتمشية لسانى بينهما. أتخيل ثبات المشهد والزمن لساعات طويلة تمتد إلى أيام وصوت “جريس سليك” يأتي من الخلفية ينساب متغلغلاً كنفس هادئ من الحشيش يأكل الدماغ بطيئاً، ها أنت تذوب والأرنب الأبيض ينتظرك على مدخل الحفرة.. تتذكر حارس البناية الآن، كيف كانت البداية إذن؟
.
في أحد الكوابيس كنت واقفاً متجمداً على ضفة النهر بينما مجموعة ضخمة من الكلب تنبح بوحشية وهى تقترب منى، ولم يكن الخوف من الكلاب بقدر ما كان المأزق هو الجسد المتخشب الذي فقد القدرة على الحركة دفعة واحدة. ركب العناد بعد ذلك ودلدل رجليه. كان هناك القليل من الصراخ والكثير من الدموع، وانفطر القلب أكثر من مرة، بدا كما لو أن السعادة تتبدد. كنا على ما يبدو قد شربنا سعادة بعضنا البعض.
.
.
انقطعت علاقتنا لفترة عملت فيها لفترة كمسئول مبيعات في أحد شركات خدمات المحمول. اشتريت سيارة من البنك وتفرغت لحياة جديدة ناجحة وتعرفت على شبكات اجتماعية جديدة وتعلمت الرقص وأصبت في حادث سيارة، وحينما استيقظت في المستشفى بكسر في الذراع الأيسر وخدوش في الوجه، قررت أنى لا أريد هذا. وفي تلك الليلة حلمت بأنى أغطس في مياه البحر الأحمر وفقدت الأكسجين ولم يكن من مصدر للتنفس أمامى سوى كسها فهرعت نحوها لالتقاط أنفاسي، استيقظت من الكابوس شاعراً بالبرد رغم أننا كنا في الصيف. لففت سيجارة حشيش ثم اتصلت بها وقلت: “هل فكرتى في أن تطبخى الحشيش بنفسك؟”
.
قالت أنها أتت بدافع الفضول، ابتسمت وجلسنا على طاولة صغيرة، فككت ورقة بانجو ناشف أحضرتها، وبدأت في تنقيته بصبر، ثم أحضرت وعاء بلاستيك، وضعت قطعة قماش بلاستيك فوق الوعاء وأحضرت مصفاة شاى، بدأت بفرك أوراق البانجو في المصفاة وهى تدخن سيجارة وتحتسى قهوتها. كان الكلام عالقاً في الغرفة، تقطعه هي بعبارات تستحثني على الكلام، كنت خائفاً من جملة خاطئة تفسد المشهد أو تجعل الوقت يمضى منتهياً أسرع مما أردت، صفيت الأوراق المفروكة في المصفاة وتحتها قطعة الشاش مشدود فوق الوعاء، وضعت ما تبقي في المصفاة جانباً وبدأت في دعك ما سقط من المصفاة على قطعة الشاش.
“وأيه كمان؟” سألتنى وهى تستحثنى على التحدث أكثر، لكن الهواء كان في حنجرتى ضئيلاً وروحى منقبضة في قلبي.
.
.
بدأت في شرح الخطوات التي أقوم بها لها، أوضحت أن الغرض الآن هو تنقيه البانجو من الشوائب حتى نصل لزهرة الزهرة، أزحت قطعة القماش كانت البودرة الخضراء مترسبة في قاع الوعاء البلاستيكى. أحضرت الحنة، وأنا أقول: “في العادة يجعلون نسبة الحنة إلى البانجو 2:1 لكننها سنحاول جعلها 3:1 “
.
قمت بتصفية الحنة بنفس الطريقة، ثم خلطت البانجو مع الحنة وأعدت تصفيتهما مرة آخري.
“وبعدين.. وأيه كمان؟” مرة آخرى طرحت السؤال..
.
“في سينا مثلا مش بيحطوا حنة، علشان كدا بيطلع لونه أخضر أو مصفر فاتح، كمان في سينا مش بيحطوا عسل أسود، في المغرب ولبنان بيجففوا الورق ويكبسوه، الزرعة هناك فيها الراتنج أعلى ومش بيحتاج إضافات صمغية”.
.
.
.
قمت من على الطاولة وعدت وفي يدى وعاء عسل أسود، أكملت وأنا أشرح لها: “معظم الطبخات اللى في مصر بالإضافة للكيميا والبنج مش بيحطوا عسل أسود وبيفضلوا اللبان الدكر. احنا بنحتاج العسل علشان نعجن الحنة مع الحشيش ويطلع الحتة متماسكة بدون العسل أو اللبان الدكر عمر ما حتة الحشيش هتطلع متماسكة معاك ولا هتعرفي تفرديها وتعمليها منها دبوس لو عايزه.”
-وأنت معندكش لبان دكر؟
-اللبان الدكر ريحته بتبقي ظاهرة أوى، وبيخلى حتة الحشيش حامية وبتضرب في النافوخ على طول، وكمان لو لفيتها في سيجارة هتطلع معاك “روكيتس”.
.
.
ابتسمت وأشرت إلى حرق صغير في التي-شير الذي ترتديه، وأكملت “واحنا مش عايزين “روكيتس” تانى يا آكوكو، مش عايزين ألم ولا وجع أكثر من الموجود”
.
تكونت في قاع الوعاء البلستيكى ذو اللون البرتقالى عجينة طرية، تناولت موس حلاقة من على الطاولة وأخذت أجمع به العجينة من قاع الوعاء، ثو وضعتها على ورق سلوفان  وأخذت أشكلها، أغلقت السولفان عليها بحرص، ثم قطعت ورقة “فويل” فضية لامعة ولففتها حول السولفان. نظرت لوجهها كانت أشعة الشمس القادم من نافذة البلكونة تنتشر في الصالة وتنير وجهها فيظهر صافياً، شعرت برغبة جارفة في تقبيل شفتيها.
ابتسمت وقالت:
-“ها.. وبعدين؟”
ناولتها ورقة الفويل، وأنا أجاوبها:
-“تعرفي تحطى دى في الفرن، على نار هادية..”
.
تناولتها واتجهت إلى المطبخ. ظللت جالساً مكانى أحدق في الكرسي الفارغ الذي غادرته. تذكرت حلماً رأيتنى فيه معلقاً في مطار أجنبي مع حقائب ثقيلة في مدينة لا أعرفها، في انتظار طائرة ستأتى غداً، ثم تحضر هي بسيارة حمراء موديل الثمانينات. أتانى صوتها:
-أنت بتولع الفرن بأيه؟
.
دخلت إلى المطبخ كانت منحنيه تحاول التفاهم مع الفرن، تقدمت نحوها واحتضنتها من الخلف.
.
قررنا المحافظة على الأمر كسر صغير، على ألا يغير من الوضع القائم، ما هو الوضع القائم؟ كنت أغطس في البحر الأحمر حينما انقطع حبل الأكسجين فجأة.
.
طلبت هي في المرة الثانية أن تقوم بالعملية بنفسها، بدأت في القراءة عن طرق التصنيع المختلفة والأشكال التي يتخذها الحشيش وعمليات معالجات النباتات والحشائش. في البداية كنا نقوم بتدخين ما نطبخه سوياً.
ثم ذات مرة عرضت عليا عرضاً لا أستطيع رفضه. كنا في انتظار تسوية عجينة الحشيش في الفرن حينما قالت كمن يقص حكاية عن زيارة والدته: “أنا امبارح رحت عملت ليزر شيلت كل الشعر اللى هنا” وأشارت إلى ما بين فخذيها.
.
أثناء علاقتنا كانت تفضل قص الشعر فقط، ولم أكن قد رأيته بدون حتى الزغب الخفيف المحيط به من قبل. كأنما عرفت أين سرحت بخيالى، باغتتني بالعرض:
“أنا بفكر نبيع مش دا انتاجنا الخاصة”. عرضت الأمر بصيغة شراكة تجارية سرية، أساسها الصداقة والمنفعة والاستمتاع بمتعة الطبخ التي قد تحولت معها إلى طقوس هرمونية معقدة. اختتمت العرض بعبارته التي تؤكد بها كل اتفاقتنا
-لكن هذا لن يغير من وضعنا القائم.
.
.
.
كانت تختفي لأسابيع لا ترد فيها على اتصالاتى، ولا تحكى لى عما تفعله، وحينما كنا نلتقي صدفة في مكان عام تصافحنى مادة يدها بينا لتحرمنى حتى من قبلة الصداقة أمام من يعرفونا. بل ذات مرة كانت تبيع إلى أحدهم “صباع حشيش” مما طبخناه معاً وتحكى أسطورة عن الديلر الشبح الذى تتعامل معه ولديه أنواع متعددة من “الاستفات” وأنا ملتزم الصمت بل وأتصنع الاندهاش.
.
رسمت في البداية أسطورة الشبح، ثم اعترفت لدوائر من المقربين بأنها من تطبخ الحشيش ولديها خلطتها الخاصة، عند تلك النقطة بدأت في استخدام مكبس معدنى طلبت نقش كلمة”Siniora ” عليه، كانت تكبس به العجينة، وبدأت أسطورة السنيورة في التشكل.  
.
في الخارج عرفت باسم سنيورة الحشيش. أما بيتى الذي كان مقر الطبخة فقد تحول إلى معبد تتجلى فيه كإله من شوارع المدينة. تنفذ الطلب الوحيد الذي اشترطته لحظة إغلاق الباب خلفها، تخلع الجزء الأسفل من ملابسها. ثم تجلس على الكنبة، أو على الأرض –لم تفضل أبداً الطاولة الصغيرة- تفتح ساقيها وتبدأ في إعداد الطبخة، أظل حولها أدخن أو اختار الموسيقي وعيونى معلقة فقط بكسها المنتوف الخالى من الشعر، مضيئاً كشمس صغيرة. “الوضع على ما هو عليه” هش جداً وقابل للانكسار وردود الأفعال المدفوعة بتفاصيل الماضى والخسائر السابقة. أحياناً كنت أظن أن “الوضع على ما هو عليه” ليس حقيقياً مائة في المائة. ربما هو وهم أو نبته تخيلات ولدها الفقد والوحشة، وحتى لا أفقد لذة اللحظة، لا أقترب أو أحاول لمسها. أكتفي فقط بقواعد الشراكة السرية التي فرضتها ونسبتها الأكبر في حصة ما هو مباع.
.
.
.
عرفت أنها لم تعد تذهب إلى العمل بانتظام وتفكر في تركه وتأسيس مشروعها الخاص، لكنها لم تفصح لى ما هو. بدأت في تحسين مستوى جودة المنتجات التي تقدمها ورفع سعرها، وخلق تمايز وأسماء لبلاطات الحشيش التي تنتجها، استغللت البلكونة وحجرة المكتب وبدأت في زراعة النباتات بنفسي قادتنى توجيهاتها حول كيفية الرعاية كلما كانت الأوراق طازجة يساهم هذا في زيادة جودة الحشيش في النهاية، كما أن معالجة الأوراق الطازجة في الخلاط والكبس يجعلها قادرة على استخراج جرامات صغيرة من زيت الحشيش تبيعه بأسعار أعلى.
.
كانت تكبر وتتطور، حياة جديدة تنفتح أمامها، أو بالأحرى ديانة جديدة تشرق على الإنسانية من المعبد الذي نصبته في الشقة لكسها المنتوف. وكنت أنا العجوز الذي يبحث عن خرافة دينية يؤمن بها في نهاية حياته لتمنحه قدر من الطمأنينة.
.
ثم اختفت.
لم يصلنى رد منها إلا بعدها بثلاثة شهور وكانت هذه أطول مرة تغيب عن المعبد منذ بدأنا شراكتنا كانت الرسالة مختصرة وحاسمة “لا داع لأن نلتقي مرة آخرى، نحن نأكل أرواح بعضنا البعض.”
.
حاولت العودة إلى ما كنت فلم أعرف ما هو. فقررت استكشاف الحاضر، كان العالم قد تغيير تماماً من حولى. بدأت في الخروج واستعادة العلاقات القديمة واكتساب خبرات وآلام جديدة، لكن في الوقت نفسه حافظت على رعاية النباتات لم أطبخ الحشيش مرة آخري. بدأت اسمع في الدوائر المقربة عن نوع من المخدرات جديد يحمل اسم “السنيورة” كان الانتشار كبيراً ورغم أن الشكل والرائحة مشابهة للحشيش إلا أن التأثير كان مختلفاً.
 ناره هادئة لا يسبب أي حرقان أو آلام في الحلق حتى مع شربه بطريقة الخابور السكندرى أو الدبوس، كما تميزت “السنيورة” بكثافة زيتها ورائحتها النفاذة التي تعلق باليد، كان يتسلل ببطء وإلى جانب تأثيرات الحشيشة العادية يسبب حالة من البهجة والسعادة وفيضان في المشاعر غريب من نوعه، كأنما يطلق كل ما هو مكبوت ويجعل كل الماضى ضحكة، ينزع الألم على الحاضر، ويضفى ضحكة بين الأصدقاء، وقبلات وحب طاهر سعيد على الجميع.
.
.
جربته أول مرة واندهشت من تأثيره، فاشتريت قطعة منه وأحضرتها للمنزل، حاولت استعادة كل تفاصيل طريقتها، كان لديها إضافات وخلطات مختلفة في كل مرة كانت تجرب شيئاً جديداً كأنما كانت في مرحلة شراكتنا تتدرب من أجل صناعة أفضل طبخاتها، وجدت أنواع متعددة من الحنة والعسل الأسود. وأنواع مختلفة من الأسمدة كان لديها جدول منتظم تنبهنى فيه لتوقيت وضعها بالتربة. تبدت حماقتى كاملة حينما اكتشفت أنى أعرف القليل عن تفاصيل خلطتها، كنت طوال مراحل الطبخ أركز أكثر مع الموسيقي أو ساقيها وكسها المنتوف، وانتظر اللحظة التي ستقوم فيه للمطبخ لوضع العجينة في الفرن حتى أشاهد ردفيها يتحركان كما الكواكب وهى تدندن “ماشية السنيورة.. كدا كده” وهى تغيب في الممر نحو المطبخ. كانت ضائعاً في بهاءها، أبحث عن غفرانها وانتظر وأعد ضحكاتها مع كل لحظة نلتقي فيها. وكانت مع كل طبخة تجعلنى أتذوق أول سيجارة وتسألنى رأى ثم تدون ملاحظات صغيرة في دفتر صغير عليه صورة أفيش فيلم “Kill Bill“.
نشرت الجرائد صفحات خاصة عما اسموه مخدر “السنيورة” وخطورته على الاقتصاد والصحة وأنه يدمر خلايا المخ. بدأ الكثيرون يواجهون صعوبة في الحصول على “السنيورة” وقدرت أنها تخوض حرباً مع تجار المخدرات الآخرين وشبكات المصالح التي تتحاكم في تجارة المخدرات في البلد، كانت تتوسع في توزيعها وكانت الأساطير تسبق حشيش “السنيورة”. قال أحدهم بعد ثالث نفس من السيجارة “السنيورة جاءت لتنقذ العالم”.
.
.
تصنعت القوة، ومارست ضغوط كبيرة لأجل النسيان، لكن في كل مرة كنت أحاول مغادرة المعبد المتهدم حيث أعيش وأزور بشر آخرين، كان الحديث يتحول إلي السنيورة من تكون؟ وما هو سر الحشيش الذي تصنعه. أحياناً يصيبني حزن عميق فأجلس في المنزل أعتنى بالنباتات وأشاهد أفلام أمريكية في التلفاز. ثم ذات يوم رأيت في الحلم كأن الماضى يفرض نفسه على لحظة الحاضر، كنا نعيش مع بعضنا البعض، قبل السنيورة وقبل أن يركب العناد الرأس ويدلدل الرجلين، كنت نائماً في الحلم وأتت هي واحتضنتني من ظهرى وشعرت كما لو أن السعادة كانت هنا دائماً أمام العينين لكن كان لابد من رحلة الآلم الطويلة. وفي الحلم كان لدينا كلب ضخم، رغم أننى وهى لم نكن نحب الكلاب.
.
استيقظت من الحلم، وأخذت أبكى في صمت شاعراً بحموضة تخرج من بطنى لحلقي، حينما رن التليفون فجأة وظهر اسمها على الشاشة، كانت شهور طويلة قد مضت دون أي اتصال منها، كتمت دموعى وسيطرت على تنفسي، قبل أن أرد في صوت محايد:
-ألو.. ازيك يا أكوكو.
.
في حسم وعجالة كما أصبحت جميع مداخلاتها طلبت أن نلتقي، حدد هي الموعد وقالت سوف آتى لزيارتك، لكن لا تخبر أحد حياتى الآن تغيرت وختمت الحديث: “لن يغير هذا من الوضع القائم”.
.
حينما دخلت المنزل لم أعرف هل تغيرت أم بسبب طول مدة غيابها بدت لى مختلفة، وإن كان لطلتها الحضور الذي يجعلنى ابتسم بلا سبب، جلست على الطاولة، أخذنا نتحدث في أمور عابرة ثم أخرجت قطعة حشيش متبقية لدى وبدأت في فركها، سألتنى وهى مبتسمة: “دى أنت اللى طابخها؟” هززت رأسى وجاوبتها “لا دى حشيش السنيورة.. يا سنيورة”
وضعت قدميها على الطاولة أمامى، حول قدمها اليسري كان هناك خلخال رقيق وشفاف، سلسلة فضية رفيعة تلتف حول ساقها الرخامية، بشرتها تلمع في منطقة ما تحت الضوء. من السلسلة تتدلى كرات صغيرة تشكل الكواكب التسعة، كل كرة مُفرغة ودَاخلها كوكب أصغر بحيث إذا سارت تهتز مُصدرة صوتاً كأصوات أجراس سرمدية.
.
ناولتها السيجارة ملفوفة. قصت على تفاصيل من عالمها الجديد. معظم الوقت تعيش بجوار البحر الأحمر تتنقل من العين السخنة إلى الجونة وسفاجا وحتى مرسي علم، تزور القاهرة على فترات متباعدة لإنجاز بعد “البيزنس” على حد تعبيرها. البيزنس كان عدد من الشراكات مع ديلرات وتجار حشيش بنظام “الفرنشايز” تشرف بنفسها على الخلطة، وتعيش على عائداتها. لكن الأمور مؤخراً لا تسير على مايرام. السوق ليس سهلاً والمنافسة شرسة ولكى تحصل على حماية من الشرطة لا بد أن تقدم لهم بعض القرابين، أمام الرأي العام يجب أن تعلن الشرطة عن القبض على شخص أو شبكة من مروجى مخدر “السنيورة” أخبرتنى أنها تفكر في السفر إلى خارج البلاد لبعض الوقت حتى تهديء الأجواء، لكنها لو غادرت السوق في الوقت الحالى فلا مجال للعودة مرة آخرى.
 سألتنى: “وأنت.. عامل أيه؟”
-وحشتينى، أنا عايزك.
.
.
جاوبتها وانهمر شلال طويل من الاعترافات، كان الأمر بمثابة إعلان استسلام كامل. بلا سبب مفهوم حتى الآن أخذت أحكى لها ذكرى قديمة عن مرة منذ سنوات كنا نسبح فيها على شاطيء نويبع وأخذنا نتأمل الشعب ونطارد أسماك ملونة، مددت يدى إلى إحداها فجرحنى شوكها، كان ترتدى مايوة قطعتين بلون وردى، شعرها كان أطول قليلاً، المياه تجعله يلتصق بجسدها. أخذت أقص عليها أوصاف السمكة بينما هي اقتربت منى وضمتنى، تسارعت أنفاسي وأنا اعانقها، نبضات قلبي كما لو كانت تخرج من سماعات تضخمها وأنفاسي تتسارع، بينما هي تضمنى وتزيح ملابسي عنى وهى تردد كلمة واحدة “بس.. بس” كأنما تهدهد طفلاً صغيراً.
.
تعرينا وكانت دموعنا تختلط بالقبلات والعسل واللعاب، العظام تطقطق تحت ضغط الأحضان والعناق، والروح في الحلقوم. مارسنا الحب بحزن، كنت أرغب فقط أن أظل داخلها بلا حراك كمن يرغب في في ثبات الزمن المستحيل. احتضنا بعضنا البعض بعد نصف نشوة لدقائق، ثم قامت وبدأت في ارتداء ملابسها وهى تلقي جمل مبعثرة مفاداها الوداع.
.
.
ظللت ليومين في ذات الموضع الذي تركتنى فيه عند مغادرتها للمنزل. شعرت أن كل الطاقة والرغبة في الحياة داخلى قد انتهت. أخيراً استطعت النهوض أخذت حماماً بالماء البارد، ثم خرجت وبدأت في جمع كل أوراق النباتات المزروعة في البلكون وفي الغرفة، أخرجت العدة، وضعت أغنية لأم كلثوم، وأخذت أطبخ كل الحشيش الموجود في المنزل، وضعت العجينة في الفرن، ثم أجريت اتصالاً بمخبر شرطة. أخرجت المكبس المنقوش عليه اسم السنيورة وأخذت أكبس به بلاطات الحشيش، ثم رصصتها على الطاولة.
جلست أدخن، وأنا أحلم بأسوار طويلة ومكان قذر لا مساحة فيه للأحلام ولا الرجاء.
  
..
.
Share

جمعية رسل التنوير الكاكى: الاستبداد المستنير

الزميل خالد البري روائي مثير للاهتمام، وصحفي وكاتب ننتظر تكريمه من جهاز الشئون المعنوية على مجهوداته في نشر التنوير الكاكى”. ويمكننا التعرف على أبرز سمات “التنوير الكاكى” من مقالاته المتنوعة والطريفة.

ما هو “التنوير الكاكى”؟

217995_10151165485711704_1192784419_n (1)أنه حزمة من الأفكار اللامعة تسعى لفرض نفسها بشكل تصاعدى خلال الفترة القادمة كمعبر عن ثورة 30 يونيو، يقسم التنوير الكاكى كما يتبدى من مقالات الزميل خالد العالم إلى قسمين محبي الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة وأعداء تلك الدولة. ومحبي تلك الدولة المدنية يرأسهم السيسي الذي لا ير خالد غضاضة في ترشحه إلى الرئاسة، إلى جانب من صوتوا لشفيق الذي يصفهم خالد بالثوار الحقيقين. في الجانب الآخر تضم قائمة الأعداء جماعة الإخوان وأنصار من يصفهم خالد بمؤيدى الاستبداد الدينى.

وهكذا نعود إلى ثنائية الاختيار بين استبدادين، استبداد سلطة ادعت بأنها تقودك إلى الجنة على طريق الشريعة، واستبداد سلطة تدعى أنها تقودك إلى المدنية عن طريق الإقصاء والتنوير وتحديد الأفكار الصالحة لك.

يعيب خالد على البرادعى أنه يقف ضد الاقصاء، ويري أن الدولة المدنية الحديثة لا تُصنع إلا بمنع قيام الأحزاب على أساس دينى، وبعلمانية حقيقة. طبعاً في الوقت ذاته سيتغاضي عن إصرار الفريق السيسي أن يظهر بجواره في الصورة بطريرك الكنيسة السنية أحمد الطيب وبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية. فالدولة الحديثة العلمانية التي يطالب بها خالد وفريقه لا تنادى بفصل الدين عن السياسية بل بفصل تيار معين محدد منه هو الإخوان المسلمين، أما شيوخ السلفية تربية أمن الدولة ورجال المؤسسات الدينية الرسمية فلا غضاضة من استخدامهم.

يفترض منهج التنوير الكاكى والذي يمثله رموز آخرى غير خالد منهم مثلا تهانى الجبالى أن الدولة بسلطاتها التشريعة والتنفيذية عليها مسئولية توعية الشعب وحمايته من نفسه من خلال التشريعات والإجراءات المناسبة. يريدنا خالد أن نصدق أن النص على على عدم جواز قيام أحزاب على أساس دينى كفيل بالقضاء على جذور الاستبداد الدينى وجماعة الإخوان المسلمين. بالرغم من أن هذا الطريق الفاشل خاضته الدولة المصرية طوال 60 عاماً حاربت فيه الجماعة بعشرات التشريعات والإجراءات الأمنية فشلت جميعها ولم تصنع سوى الوحش الذي نواجهه الآن.

لم يسقط الإخوان من الفضاء الخارجي علينا بعد 25 يناير، بل عاشوا في هذه الأرض لعقود طويلة وهم جزء من المشكلة لكنهم ليسوا مشكلة. ومحاولة تصوير أن مشاكل مصر كلها مرتبطة بالإخوان لا تختلف عن محاولة تصوير أن مشاكل مصر كلها كانت مرتبطة بوجود حسنى مبارك في رأس السلطة.

تحاول السلطة الحالية متمثلة في المؤسسة العسكرية والدولة العميقة معبراً عنها الجهاز القضائي، ادعاء أن كل ما يحدث في البلاد من اضطرابات هو نتيجة لاستمرار اعتصام رابعة والنهضة. لكن حتى الآن لم تبذل تلك السلطة أي جهد حقيقي في محاربة الإرهاب الحقيقي في شمال سيناء سوى تقديم المزيد من الشهداء من عساكر وضباط الأمن. تتحرك هذه السلطة لاعتقال منافسيها السياسيين من جماعة الإخوان بحجة تحريضهم على العنف. لكن حتى الآن لم يلقي القبض أو يقدم للمحاكمة أي شخص من مرتكبي عمليات التعدى على الأقباط في الصعيد، ولم تبذل تلك السلطة التي تدعى المدنية أي جهود ملموسة في حماية الأقليات الدينية أو تقديم أي دليل ملموس على مدنيتها بخلاف خطابات الرئيس عدلى منصور “الكيوت” ومقالات خالد البري. بينما الحقيقة أن السلطة الحالية تستخدم الدين مثلما يستخدمه الإخوان، وبنية الدولة المصرية تقوم في جزء كبير منها على استغلال الدين لإضفاء الشرعية على كل الممارسات السلطوية. ومشكلة هذه السلطة التي تدعى المدنية هي في استغلال فئة محددة “الإخوان” للدين لانتاج خطاب مقاوم ومقوض لسلطتها.

يقول خالد: “قضية الدستور، وقواعد المنافسة السياسية، ومَن تنطبق عليهم شروط المشاركة العادلة ومن لا تنطبق عليهم، قضايا محورية.” وهنا مربط الفرس والمشكلة الأساسية في نموذج الدولة الذي يروج له خالد. حيث تتحول مؤسسات تلك الدولة ونخبتها إلى حاملين لمشاعل التنوير الوحيدة، وتفرض خطاباً وطنياً وأحياناً دينياً واحداً (الإسلام الوسطى الحقيقي كما يتحدث الآن بعد شيوخ الأزهر) وأى خرج عن هذا الخطاب لا مجال له في اللعبة. بالتالى تتحول الدولة إلى “أب” يرعى المجتمع وفي الوقت ذاته يعيق تطور هذه المجتمع أو نشأة حوار حقيقي داخل قواعده.

تمنع الدولة الحديثة التي يطالب بها خالد أي خطاب سياسي لا يقبل بقواعد لعبتها ويسعى لتغيرها. لكن مهما بلغت قوة هذه الدولة فهذا المنع لن يمنع تلك الخطابات من الانتشار إلى أسفل وبناء قواعد ودولة موازية لتلك الدولة العظيمة على السطح. الدفاع عن استبداد الدولة والمطالبة بإقصاء أي فصيل بحجة قواعد اللعبة الديمقراطية لن ينتج إلا ذات الدائرة التي جربناها قبل ذلك في عهد مبارك، ولن يعيدنا إلا لنقطة صفرية جديدة.

تسلم الآيادى.. تسلم يا جيش بلادى

 

 

Share

يوميات الحرب الأهلية: سيجارة فوق المحور

ترددت الأنباء منذ الصباح بأن طريق المحور والذي يربط بين مدينة 6أكتوبر والقاهرة يتعرض لعمليات متعددة من قطع الطرق ولا سيارات مسموح لها بالعبور. في ذات التوقيت كان يتم حرق مبنى محافظة الجيزة. التلفاز يقول أنهم الإرهابيون. وهم على ما يبدو منظمين للغاية في الوقت الذي يهاجمون فيه المحافظة يقطعون كل الطرق المؤدية إليها من معسكرات إمداد القوات. المحور، الطريق الصحراوى، ومحور صفط اللبن.

على تويتر خدمة “بيقولك” والتي يفترض أن تساعدك في تجنب الشوارع المزدحمة كانت تقدم عرضاً خاصاً بمناسبة الحرب الأهلية وهى الشوارع المقطوعة وكيف تتفادى مناطق الاشتباك المسلح. لكن بعد ساعات سيأتى موعد الحظر ولا يمكننى تحمل البقاء في المنزل أكثر من ذلك. قررت الخروج من المنزل حتى لو كانت الطرق مقطوعة وتصادف أن عثرت على ميكروباص في طريقه نحو ميدان لبنان.

ركبت بجوار السائق، الذي أخذ يشير إلى بعض الشروخ في الزجاج ويحكى عن قطاع الطرق والأشقياء الذين يظهرون على الطريق فجأة ويكون عددهم قليلاً فلا يستطيعون قطع الطريق فينتهى بهم الأمر إلى قذف السيارات بالزجاجات والحجارة. فجأة وصلنا إلى نقطة في المحور حيث قطع حجارة كبيرة وإطارات مشتعلة تقطع الطريق على السيارات، وفي وسط كل هذا جذع نخلة ملقي بعرض الطريق والنار تأكله. خبت النار في بعض أجزاء الجذع لكن لب النخلة ظل متوجهاً كقلب أحمر يصارع الموت، وفي الخلفية أصوات رصاص متفرقة.

دور الكلاب والكائنات الخرافية في الحرب الأهلية

دور الكلاب والكائنات الخرافية في الحرب الأهلية

الوضع كان كالتالى، السيارات على الجهتين من طرق المحور متوقفة على الأرض مكتوب بالطلاء “مرسي رئيسي”، وكلما حاول أحد الركاب إزاحة الحجارة أو الإطارات المشتعلة يظهر من أسفل الطريق مجموعة من الشباب يحملون السلاح الآلى ويتنقلون فوق سيارة “ربع نقل” يطلقون النار على أي شخص يحاول فتح الطريق. وسط هذه الفوضى الحربية، نظرت خلفي لأجد شاب يرتدى “شورت” و “تى-شيرت” ويمسك بيده كلب ضخم، كان الغضب واضحاً على ملامح الفتى كممثل يتظاهر بغلظة القلب. أخذ الكلب يعوى وسط الرصاص، والولد يخاطب العابرين بجواره “أسيب عليهم الكلب يأكلهم”.

يأتيه الجواب من أحدهم “ياعم كلب أيه دول معاهم آلى، روح من هنا بدل ما يقتلوه لك” ظل الولد مصمماً على الوقوف ممسكاً بالكلب كسلاحه الخاص. أخيراً ظهر مجندين من الأمن المركزى يحملان السلاح. أخذ يتبادلا إطلاق النار مع قاطعى الطريق دون أي تأمين للجمهور المتوقف ولا حتى تأمين لأنفسهم. شعرت بيأس من عبثية المشهد كله، وقفت في زاوية بعيدة عن خط النار وأخرجت سيجارة. على بعد مترين رأيت مجند الأمن المركزى يطلق رصاصة في الهواء ثم يخاطبنى: “دى آخر رصاصة كانت معايا في العهدة”.

أخرجت سيجارة له فوقف بجوارى، كان عمره 19 عاماً وكل التدريب الذي تلقاه لا يتجاوز بضعة أشهر، وضعتهم العربة هنا بحجة تأمين المحور دون أي دعم أو خطة أو توجيه. قبل أن تنتهى السيجارة ظهرت سيارة مدينة من الجهة الآخرى من الطريق نزل منها ثلاث شباب بالأسلحة الآلية، وكأنما يمارسون فعلاً يومياً بدأوا في إطلاق النار بكثافة على قاطعى الطريق. أحدهم بدل خزنتين في أقل من ربع ساعة وبدا واضحاً أنهم مواطنين شرفاء ذخيرتهم لا تنفذ. مع تراجع قاطعى الطريق تقدم الآخرون لإزاحة الإطارات المشتعلة والحجارة. لكن كلما حاولوا إزاحة النخلة كان قلبها المشتعل يقذف بالشرر، ما أن انفتح جزء من الطريق حتى تحول المشهد إلى سيرك بلا أي تنظيم.

السيارات التي كان بعضها يحمل عائلات انطلقت بأقصى سرعتها في محاولة للهروب ومع الدخان في الجو والحجارة على الأرض أخذت بعضها ينحرف عن الطريق أو يدور في دوائر تحت وقع الارتطام بالحجارة أو الضغط فجأة على الفرامل.

طوال أكثر من عشر سنوات عبرات هذا الطريق بشكل يومى تقريباً، لكنه الآن كان يتحول إلى نقطة صراع حيوى بين جبهات متعددة متصارعة، ومواطنون يحملون السلاح الآلى للتدخل في حالة قيام أحدهم بقطع الطريق عليهم. كان هذا واقع جديد يتشكل، كانت هذا الحرب الأهلية على الطريقة المصرية.

Share

بورتريه لعجوز في 6أكتوبر

أتذكر كل ما سبق، محاولاً استعادة رؤيتى للأمور وقت حدوثها في العشرينات من عمري، لا كما صرت أعرفها الآن. ربما لهذا بدأت في كتابة هذا التقرير.

أتذكر لحظة البداية في شروعى في كتابة التقرير المعنون باسم “استخدام الحياة”. كنت أمارس روتين الوحدة وتربية الأمل، ثم استلقيت على فراشي ذات مساء وبينما أتفقد “ايميلى” قبل النوم لفت نَظري تاريخ اليوم لأكتشف أن غداً هو عيد ميلادي السادس والأربعين. أندهش من الرقم، فقط 46. أطفئ الجهاز وأنا أفكر في معرض “برقية حب للضفادع” الذي شاهدته منذ بضعة أيام.

أين ذهب اللون الأخضر. هل كان أصلاً موجوداً؟ لماذا إذن  الحنين للون الأخضر هو الذي يطغى على معظم التصميمات في المدينة، حتي الفنانين الطليعيين دائمي الهروب من الكيتش والحنين والذين ربما كانوا أطفالاً رضع وقت “النكسة”[1] يظهر اللون الأخضر في مُعظم أعمَالهم بكثافة. يبدو الأخضر كأنه معنى أكثر منه درجة لونيه. مفهوم مستقبلي وفي الوقت نفسه استعادي لإرث ثقافي وحضاري لا يرتبط فقط بالهوية الوطنية لمصر، بل جزء من حرَاك فنى وثقافي عَالمى. يَترافق هذا بالطبع مع تلك الحملة القومية لتخضير الصحراء والشعَار الأثير للدولة “لنُحَارب الأصفر”، تنويعه جديدة على الشعار القديم “عايزينها تبقى خضرة”.

الأخضر لم يظهر قبل الفاجعة، بل ولد كدين جديد وحزين في النصف الثانى من القرن العشرين، أخذ يكبر مع تطور قدرة الإنسان على مراقبة الطبيعة وتغيراتها. ومثل كل الأديان يؤمن أتباع الديانة بالأخير بقوة إلهية غير محدودة هى الأم “الطبيعة”. والإنسان هو الابن العاصي الضال لهذه القوة الإلهية. وإذا لم يتعظ ويتوب عما يفعله من ذنوب وكبائر في حق أمه الخضراء فسوف تنتقم منه وتغرقه وتدمره. هكذا تم تصوير ما حدث للقاهرة ولمدن آخرى في السنوات الأخيرة كغضب من الإله الأخضر سيد الديانة الخضراء.

واقع الأمر أن الطبيعة ليست حالة ساكنة وتغيرها وتبدل ظروفها المناخية والجغرافية هو الأمر الطبيعي، ولولا التبدلات المناخية تلك ما كان الجنس البشري وغيره من الأجناس ليظهر على سطح هذا الكوكب. واقع الأمر أن الطبيعة أيضاً ليست خضراء. فالصحراء برمالها الصفراء وأحيانا الحمراء في بعض المناطق الجغرافية هى جزء أساسي من الطبيعة، ومحاربة اللون الأصفر لصالح اللون الأخضر تحت زعم خدمة إله الطبيعة الأخضر هو تضليل بين واعتداء وحشي على الطبيعة.

لكن نقول لمين؟

وحتي الآن  وبعد عشرين عاماً لم نستوعب حجم الفاجعة.

طُرح الأخضر كلون في شعار تحالف شركات التعمير الجديدة بعد سلسلة الزلازل والفيضانات الرملية التى اجتاحت الكثير من المدن، لكن في ظرف سنوات قليلة أصبح الأخضر مصدراً لفعل، ومن الفعل خرجت مجموعة من المشتقات اللغوية المتنوعة، كونت تلك المشتقات مفردات خطاب، والخطاب انبثق عنه مجموعة خطابات، الخطابات تحولت لظاهرة وانعكست في مجموعة متنوعة من الفنون والممارسات الثقافية الاجتماعية. ثم حتى القمر الفضي والأبيض صار لونه أخضر.

 في معرض “برقية حب للضفادع” بذلت رانيا رفقي الكثير من الجهود لتخفي الحنين إلي ما مضى، لكن الضفادع التى توزعت على اللوحات وعلى أكثر من تكوين في قاعة العرض حملت داخلها رسَائل من المَاضي لا يمكن تجَاهلها. في أحد الأركان تراصت مَجمُوعة كبيرة من التمَاثيل الخضرَاءِ للضفَادعِ فوق بعضها البعض مُكونة هرمًا صغيرًا أخضر اللون. عقدة الذنب الكلبية لدى هذا الجيل الجديد من الفنانين تصل لدرجات أن حتى الهرم الأصفر يتمنون لو كان أخضر. حرف “لو” ينتهك عذرية مؤخراتهم كل يوم.

ماذا “لو” كنا أكثر حرصاً؟ ماذا “لو” كنا أكثر اعتناءاً بالبيئة وجغرافيا المدينة؟ ماذا “لو” كنا أقل إزعاجاً للطبيعة؟ ماذا “لو” كان عدد النباتيين أكثر في المدينة؟

العجول الشابة تظن أن  ضياع القاهرة فاجعة تقارب الخروج من الجنة.

والجنة حديقة البهائم العميان.

 سنوات ظلت المحاولات اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقَاذه تتكرر في غبَاءِ يَشترك فيه المصريون واليونسكو وشعوب العالم. الإنسانية تواجه كَارثة، وتُراثنا مُهدد بالضيَاعِ. أحوه يعنى. وكأن وجود القاهرة بحد ذاته قبل ذلك لم يكن كَارثة. وكأن تركها حتي تصل إلى وضعها قبل النكسة، وتحول البشر داخلها إلي حيوانات متنوعة الفصائل وحشية الروح لم يكن كارثة.

مع ذلك استمرت محاولات الإنقاذ. بَعَثَات اسْتِكْشَافِيَّة للتَنْقِيب فِي بَحْر الْرِّمَال دَائِم الْحَرَكَة، لَكِن الْكُل كَان يَغِيْب فِي صَحْرَاء الْرِّمَال الْمُتَحَرِّكَة وَلا يَعُوْد. إذاً لنعيد بناء ما ضاع. لنثبت أن الروح التى بنت الأهرامات، والحلوانى الذي رسم القاهرة لا يزال حياً حاضراً فينا لنبنى مصر من جديد، لتنهض من مقبرة الرمال. ليشدو صوت أم كلثوم “وقف الخلق جميعاً ينظرون”. كانت هذه هى الروح الجديدة في البلاد. وهى كما توقعت “بابريكا” ما دفع مصر والمنطقة إلي قفزات طويلة نحو المستقبل. أى مستقبل؟

نحن فيه الآن، وكم أشعر بالسأم منه.

هو الماضى يغير أشكاله، هى صور الذات تَدعي الانتعاش.

أصب الماء الساخن في الكوب، أحرك النعناع فيتحول لون الماء إلي الأصفر. أقف في النَافذةِ أُشَاهد بعيداً السفن تَتحرك في مينَاء أكتوبر الرملي. الحركة دائماً هادئة صباح يوم الجمعة.

*       *        *

أقرأ بضع صفحات من رواية “الأخوة كرامازوف” ثم أنظر إلى شَاشةِ الموبيل. أترك الكتاب وأستلقي على الأريكةِ. أعيد النظر لشَاشةِ الموبيل. أعرف أنها لن تتصل ومع ذلك يائساً انتظر اتصالها. أمسك التليفون وأقلب في الأسماء مُفكراً في شخص مُنَاسب يمكن تمضية النهار برفقته. عشرات الأسماء لا أعرف لماذا أحتفظ بها، والآخرون أعرف أنهم بالتأكيد مَشغولون. يهاجمني نوع من الندم على القرارات الماضية التي اتخذتها لكنى أبعد المنغصات عن ذهنى، يا حبيبي مضى وقت العتاب. أتوقف عند اسمها “مونى مي”. أتردد في الاتصَال ثم في النهايةِ أرسل رسَالة نَصية لها:

-         مياو مياو :- )


-فصل من رواية “استخدام الحياة” تصدر قريبا عن دار التنوير

Share