الأغنية الوطنية الآن: هنحط السيخ المحمى في صرور ودنك

 

مضي وقت كانت فيه الدولة تحتكر صناعة الإنتاج والبث حيث بإمكانها جمع الأبنودى وعبد الحليم وبليغ في غرفة لإنتاج أغنية وطنية. لم يعد يحتكر شيئاً في العملية الإنتاجية كلها، بل أصبحت الأغاني الوطنية في النهاية مجرد سلعة يزداد الاحتياج إليها في ظل استمرار الصراع السياسي في مصر حيث يصبح من غير اللائق بث الأغاني العَاطفية وتحتاج كل هذه القنوات والإذاعات إلى مواد ترفيهية ذات صبغة وطنية، لكن حتى بعدما أصبحت الأغنية الوطنية سلعة رائجة يُقبل عليها الجمهور فلا تزال تحتفظ بوظيفتها كمرآة تعكس تصورات قطاع من المجتمع عن تصوراته عن نفسه وهويته الجمعية.

في محافظة المنيا حدثت هذه الحادثة بعد أيام من عزل الرئيس، صاحب قهوة رفع الصوت مع أوبريت “تسلم الأيادى” لمصطفي كامل، مجموعة من مؤيدى مرسي استمعوا للأغنية فقاموا بالرد عليها برفع صوت نشيد “مصر إسلامية”. بعد صراع الأغانى تطور الأمر إلى اشتباكات بالأيدى ثم بالأسلحة، الحصيلة مواطن مقتول وعدد من الإصابات.

رفع الإخوان “الإسلامية” كمعبر أول وربما وحيد عن هوية مصر، وفي المقابل يبدو الطرف الآخر والمنتصر حالياً تائهاً بين عدد من التصورات عن هوية مصر المدنية، تنعكس هذه الحيرة في كلمات الأغانى التي تتنوع بين مدائح الجيش والدول العربية الشقيقة، وشتائم للدول العربية والأجنبية غير المؤيدة لثورة 30 يونيو، وحتى الكراهية الخالصة للطرف الآخر في مصر والتأكد على الاختلاف وأننا شعبان ولسنا شعب واحد.

حتى قبل 30 يونيو، ظهر الرفيق السيسي في أوبريت احتفالات سيناء. الحفل لم تنظمه أجهزة الدولة الخاضعة في ذلك الوقت لحكم مرسي، ولم تدعمه الشئون المعنوية التابعة للجيش بل نظمته جامعة المستقبل بمبادرة من عدد من رجال الأعمال والفنانين تمتد قائمتهم من هانى شاكر ومحمد فؤاد، حتى المطرب الاماراتى حسين الجاسمى. شهد الحفل اعتلاء الفريق السيسي للمسرح، وصياغة خطابه الشهير الذي لخصته عبارته “تتقطع أيدينا قبل ما تتمد علينا” وبكاء محمد فؤاد في الخلفية مع صرخته المبحوبة “خلى بالك من مصر يا أفندم”.

ارتفعت الموجة بعد 30 يونيو، ولأن الصراع مع الإخوان ليس صراعاً على قطعة أرض أو يمكن الانتهاء منه بعزل مرسي، تضاعفت الأغانى الوطنية والمنتجات الفنية لتحاول أن تقدم صورة للهوية المصرية تصنع قطيعة كاملة مع تصورات الإخوان عن الهوية الوطنية أو حتى الإسلامية.

هنا يبرز مصطفي كامل كشاعر وملحن للأوبريت الأكثر انتشاراً، ليكمل مسيرة شعراء وملحنين كبار لعبوا أدواراً هامة من خلال الأغنية في صياغة مفهوم الوطنية المصرية، تجارب كصلاح جاهين، أو الابنودى، وبليغ وسيد مكاوى وغيرهم، كلها الآن يعبر عنها وعن اللحظة الراهنة شخص واحد جمع كل المواهب من غناء وتلحين وتأليف.

ما هي الهوية المدينة لمصر الجديد التي ترفض الإرهاب والاخوان؟

يرد مصطفي كامل: “افتحوا لنا كتاب تاريخنا/ واحكوا للناس دول مين، قول يا ابونا وقول يا شخنا”. الهوية المدنية الجديدة التي تقدمها وسائل الإعلام كما تبرز في تلك الأغنية، هي الهوية المدنية القائمة على صورة الشيخ والقسيس في عناق الرجل العسكري والذي يتم اختصار تاريخ نضال هذا الشعب في معاركه هو فقط.

28c610b7d80b89bf46c95e057768762bالبعد القومى والعربي والذي تعودنا حضوره في الأغانى الوطنية مع قيام الجمهورية المصرية لأول مرة بعد ثورة يوليو لا يزال أيضاً حاضراً ويتم استدعاءه لتحقيق نوع من التوازن مع الخطاب الإخوانى الأممى الذي يستدعى الأمة الإسلامية كبديل عن الدائرة العربية. لكن هذه المرة يأتي الخطاء القومى في الأغنية الوطنية المصرية بشروط وقيم جديدة. فبعد “تسلم الأيادى” أكمل مصطفي الملحمة بجزء ثاني حمل عنوان “وقت الشدايد.. شكر للبلاد العربية” يتحول الخطاب القومي هنا من خطاب عن وطن واحد يصعد نحو المجد والنجوم على ألحان محمد عبد الوهاب في أوبريت “وطن حبيبي”. إلى فقرة تحيات على طريقة مزيكا الأفراح، وعلى طريقة توزيع “النقوط” يحيى شاعر ومغنى ثورة 30 يونيو مصطفي كامل التحيات لدول عربية محددة أولها السعودية “جيش وملك وشعب” ثم يعدد العائلات الحاكمة في دول خارجية آخرى ويمسي ويحي أول وثانى.

لكن بينما يعبر مصطفي كامل بالكلمة الرقيقة وباللحن ذو الجذور الفلكلورية الشعبية، يختار آخرون السخرية والكلمة الغليظة كحالة الراقصة والمغنية سما المصري التي احتلت الأضواء منذ شهور بأغانيها الراقصة والتي تتعرض فيها للسخرية من كل رموز التيار الإسلامي ومؤيديهم من مرسي وحازم صلاح أبو إسماعيل وحتى الأسرة الحاكمة في قطر والتي تعتبرها مؤيدة للإخوان.

ورغم الانتشار الكبير لأغانى وأوبريتات مصطفي كامل وسما المصري وإيهاب توفيق، والتي تعبر عن حالة انسحاق مطلق أمام الجيش، فلا تلقي هذه الأغانى التقدير الكافي نقدياً، نظراً لتاريخ منتجيه والذين يعتبروا من خارج الجماعة الثقافية.

لكن كيف يعبر جمهور المثقفين عن رؤيته وتصوراته للهوية الوطنية الآن؟

على الحجار برفقة د.مدحت العدل والذي قدم قبل ذلك عشرات الأغاني الوطنية الشهيرة في العقدين الآخرين، يقدمان الإجابة في أغنية “احنا شعب وأنتم شعب”. هذه المرة لا يتخذ المثقف من البندقية والبيادة وقبعة الجنرال مرآة تعكس هويته على عكس مصطفي كامل وسما المصري يفضل أن يخوض معاركه وحيداً، لا يعرف ما يريده لكنه يعلن رفضه ويضع النهاية على العلاقة مؤكداً “احنا شعب وانتوا شعب”.

ينحاز الحجار في أغنيته لخيار الحرب الأهلية، فلا مساحة للتصالح مع أنصار التيار الإسلامي، من يصفهم بالأغنية “تجار المنابر”. تعبر الأغنية عن عقلية النخبة الثقافية المصرية والتي لا تزال حتى الآن تخجل من خيار العلمانية فتتمسك ببعض الصور النمطية لإضفاء رائحة الهوية الإسلامية كأن يقول الحجار: “احنا شايفين أن دينا/ دعوة للنور والحضارة/ وانتوا حاسرينه في توب قصير أو سيجارة/ احنا شايفين ابن سينا وابن رشد والحسين/ وانتوا شايفين ابن لادن والكهوف المظلمين/ رغم أن الرب واحد/ ليكوا رب واحنا رب”. ليتحول الخلاف مع الجماعة لا على دور الدين وضرورة فصله عن الدولة، بل لخلاف لتصور عن الدين وعن أشكال استغلاله بين تجار المنابر، وبين الشيخ والقسيس تحت قيادة الجنرال!

هكذا تنعكس تصورات قطاع ضخم من الطبقة الوسطى المصرية عن هويتهم الوطنية في مقابل الهوية الإسلامية، صورة يقف فيها الشيخ بجوار القسيس تحت حراسة الجنرال يصرخون في طائفة آخرى لا تختلف كثيراً عنهم بأنهم ليسوا وطنيين ولا ينتمون لهذا الشعب.

307588_389440841147266_1693184175_n

في المقابل يلاحظ وسط هذا المهرجان خفوت نبرة الأغنية الوطنية الشبابية التي فرضت وجودها بعد ثورة 25 يناير، فلا ظهور للفرق الشبابية أو معانى كالحرية والشارع والميدان، تختفي فرقة كايروكى، واسكندريلا وغيرهم لتعود الأساطير القديمة من مصطفي كامل حتى محمد فؤاد وأخوه الشهيد إبراهيم.

—– –

نشرت في جريدة أخبار الأدب

Share

الفن الإسلامي: مشروع أممى رسالته النسخ المشوه

الفن الايدلوجيا بشكل عام يشبه شجرة تنمو في وعاء ضيق خاص بها داخل “صوبة” زراعية تفصيلها عن محيطها. لكن مأزق الفن الإخوانى أكثر تعقيدا من ذلك.

بدأت جماعة الإخوان المسلمين كحركة كشفية مع المؤسس حسن البنا، لذا كانت الأنشطة الرياضية والفنية جزء أساسي من برنامج الجماعة، لكن تضاءلت مساحاتها بحكم ضرورات سنوات المحنة والاضطهاد والظرف السياسي. اقتصر النشاط الفني الاخوانى على الأناشيد الإسلامية والمسرحيات التي يتدرب عليها وينفذها الذكور من شباب الجماعة في الإخوان.

في العقد الأخرى قطعت الأناشيد الإسلامية الإخوانية شوطاً كبيراً في تجاوز الخطوط الحمراء، فبينما كانت أناشيد “أبومازن” في الثمانيات تقتصر على استخدام أصوات الهمهمات والطبول والدف، ادخل الجيل الجديد من المنشدين الإخوان الهندسة الصوتية والإيقاعات الإلكترونية بل وبدأنا نستمع إلى آلات موسيقية كاملة في بعض تلك الأعمال. لكن هذا التطور  لم يقترب من المسرح والدراما التي لا تزال خاضعة لشروط الفن الإسلامي الملتزم، وأهمها “لا نساء”.

قبل ثورة يناير قام الفن الإخوان بمختلف أشكاله (شعر، مسرح، إنشاد) على موضوعين أساسين الأول هو “القدس” والثانى حزمة من القيم الأخلاقية حول مكائد الشيطان وكيف يثبت الهمم ويمنعك من صلاة الفجر أو يدفعك لارتكاب المعاصي. لم يتعد جمهور هذه المنتجات دائرة كوادر وشباب الجماعة. أما بعد ثورة يناير وظهور الجماعة للعلن فقد ظهرت الحاجة إلى التوسع في توزيع ونشر فن الجماعة الملتزم.

أعلن الإخوان على مدار الأعوام الأخيرة عن عشرات المشاريع الفنية الكبرى بداية من إنتاج مسلسل عن الجماعة رداً على مسلسل وحيد حامد وحتى تأسيس شركة إنتاج لترويج الفن الإخوانى. لكن لم يظهر من كل هذه الأعمال سوى فيلم “عزازيل” لأمير شاكر وبطولة هادى الجيار وكمال أبو ورية، والذي يدور حول ثلاثة أخوة يفرق بينهم الشيطان بمكائده.

كانت البلد تشتعل بعد الثورة بالتجارب والمغامرات الفنية بينما الفن الإخوانى يزداد تقوقعاً، بل حتى دور هذا الفن كجزء من البروبجندا السياسية للجماعة كان يتضاءل ويصر على تقديم ذات المواضيع التي اعتاد تقديمها قبل الثورة. عرفنا بالطبع بعض الأسماء التي عرفت عن انتمائها للإخوان أو أيدت مشروعها قدمت الجماعة لنا أسماء كأحمد المغير وعز الدين دويدرا بصفتهم مخرجين لعدد من الفيديوهات على الانترنت. وفي الوقت ذاته هاجم قادة الجماعة كل أشكال الفن المصري الآخري في صراعهم الدائم مع أهل الفن. ربما لا أدل على هذه سوى تصريح المرشد في رمضان الماضى حينما وصف المسلسلات التلفزيونية المصرية بأنها خطة شيطانية لسرقة وقت الإنسان.

لكن مع اعتصام رابعة استُدعى كل مخزون الفن الإخوانى في محاولة لمقاومة الآلة الإعلامية الرسمية، فبينما كان يصعد الفريق السيسي المسرح بصحبة نجوم الصف الأول حكيم، محمد فؤاد ومصطفي كامل. كان مرشد جماعة الاخوان وقيادات ائتلاف الشرعية يعتلون منصة يعتليها “اسبونج بوب” الشخصية الكرتونية والفنان المعتزل وجدى العربي ومنشدون شباب مثل محمد طه، سليمان الشيخ، ومحمد بيومى. الأخير استشهد في الأحداث التي تلت فض اعتصام رابعة.

مع استشهاده تحول بيومى في منشد في جوقة منشدين كما هي العادة في فرق الإنشاد الإسلامي، إلى المنشد الشهيد. قدم بيومى عدد من الأناشيد أبرزها “ثورة دى ولا انقلاب” وكعادة الأناشيد الإسلامية تستنسخ أناشيد بيومى تيمات غنائية مشهور وتوزيعها بمصاحبة الآلات الإيقاعية مع تغيير الكلمات لتصبح “لما تيجى طيارات/ ترمى حبة منشورات/ ترمى في التحرير جوايز/ ترمى لنا تهديدات/ ليه تفرق في المعاملة”.

تختفي في الفن الإسلامي مجموعة من القيم التي تسيطر على السياقات الفنية الأخري، حيث لا قيمة للملكية الفكرية فلا توثيق لصناع الأعمال، ولا حدود لعمليات النسخ والتقليد. ولأن الفنانين الإخوان ينسخون من مصادر فنية شعبية هي ذاتها نسخ لمصادر آخرى، تكون النتيجة شبح مشوه من عمليات النسخ. ربما لا أدل على ذلك من أنشودة “تتشل الآيادى” التي شارك المنشد الشهيد محمد بيومى في غنائها.

الأغنية/ الأنشودة هي رد على أوبريت مصطفي كامل “تسلم الآيادى” والذي أصبح بمثابة الأغنية القومية لثورة 30 يونيو. وفي محافظات مختلفة من مصر نشبت اشتباكات راح ضحيتها مواطنين بسبب أن مواطن يستمع بصوت عالى لأوبريت تسلم الآيادى فقام مواطن مؤيد للشرعية بالعراك معه. أما أوبريت “تتشل الآيادى” فلا حاجة للقول أنه عبارة عن عكس كامل لكل معانى أوبريت مصطفي كامل، مع استخدام ذات اللحن.

أمام حالة الفقر تلك التي يشهدها الإنتاج الفني الإخوانى المصري، والبعد الأممى في مشروع الإخوان كان من الطبيعى أن يتصدر المشهد منشد آخر من لبنان هو إبراهيم الأحمد، على عكس أسلوب المنشدين المصريين القائم على “الشحتفة” وترقيق الصوت، يعتمد إبراهيم على الايقاعات البدوية الشامية السريعة والصوت المتباهى بغلاظته، وإنتاجه الفني لا يدعم الإخوان المسلمين في مصر فقط بل كل فصائل الجماعة في كل مكان، وهو يقدم نفسه باسم منشد الثورات من سوريا إلى ليبيا، ومن أشهر أغانية/أناشيدة عن الثورة السوريا انتشاراً “على القصر الجمهورى جايين”.

الأحمد وهو صاحب أكثر الأناشيد التي يتم بثها في الاعتصامات ومسيرات مؤيدى الشريعة والرئيس مرسي، وأينما تواجدوا فستسمع أنشودته “مصر إسلامية” بصوته معلنا فيها موقفه “ارجع لقصرك/ يا محمد مرسي ارجع لقصرك/ الله ناصرك على موسي وسيسي” ثم يدخل الكورال على طول الأغنية “مصر إسلامية.. لا علمانية”.

تَعلق مثل هذه المنتجات الفنية باللحظة الآنية وبالحدث السياسي المتغير قد يجعل عمرها الفني محدوداً، لكن في الوقت ذاته يجعلها جزء من هذا الحدث التاريخي مثلما تتردد أنشودة مصر إسلامية في معظم الفيديوهات التي توثق لعمليات فض مظاهرات أو اعتصامات مؤيدى مرسي.

374499_10151380106023064_802314796_n

Share

جنينية الأزبكية: سقوط و صعود حديقة #2003

 

.

تقول الحكاية أن السلطان قايتباي رغب في مكافأة قائد جيوشه الأمير سيف الدين بن أزبك في نهاية خدمته له،  فمنحه أرض ناحية بركة بطن البقر جرداء خربة ، و لما كان الأمير يزبك قد أنهكته المعارك و الغزوات فقد رغب في التنعم  بأخريات أيامه و التمتع بملذات الحياة فرأي في تلك الأرض مكاناً يصلح لمبتغاة فهذبها و أوصل إليها المياه من القناة الناصرية و أعاد حفر البركة و بني على طولها رصيف من الحجارة ليتخذه الناس ممشى و مهد منتزهاً رائعاً حول البركة حمل اسمه فكانت الأزبكية . و جعل لها في كل سنة عيداً سماه ((احتفال فتح البركة)) فحينما يرتفع النيل يُفتح السد المقام عند مدخل البركة على الخليج الناصري فَتندفع الميَاه إليها ، و جَعل هذه المُناسبة عيداً سنوياً عظيماً و احتفالاً يُشبه وفَاء النيل ، بعدها يُخبرنا ابن إياس بإشاعة سارت في حواري و شوارع القَاهرة زعموا فيها أن يحيي بن الأمير أزبك قد سَحر لأبيه حتى مات ، و في فقره أخرى يَذكر ابن إياس أنه قد قُبض على شخصِ يُقال له ((القصيديرى)) و صبية بتهمةِ سحر أزبك حتى الموت !!

صورة قديمة للأزبكية

صورة قديمة للأزبكية

و سواء مات أزبك قضاء و قدر أم مسحوراً بالقصيديري الذي يبدو في الكتابات التاريخية و كأن القضية قد لفقت له، هذا أمر نتركه للسلطة القضائية لكن الآن سنحاول تذكر الأزبكية بعد ابن إياس مُحاطة بالخضرة و منتزه لطلبة اللهو و الراحة ، رغم ما أصابها في أيام العثمانيين من إهمالِ و تَقصير حتى تحول الجزء الجنوبي الشرقي منها إلى جبانةِ و مُنع فيها الطرب و العزف و الموسيقي حيث رأي العثمانيون أن بركة الأزبكية صارت مكاناً لطلبة الفسق و الفجور و المزاج و مجلساً و غرزه لأهل الكيف و الحشيشة، فتم منع إقامة دور اللهو و المتعة به و شن العثمانيون على ما يبدو حملات من المداهمة و القفش على الغوازى و تجار الكيف في المنطقة محاولين الحفاظ على جمال البركة و بهائها، و مع مجيء الحملة الفرنسية ظلت الأزبكية محتفظة بجمالها فسكنها نابليون عند نُزوله القَاهرة في 1799 و اتخذ دار بها و أيضاً شَهدت حدائقها الوَارفة اغتيال قائد الحملة الفرنسية وقتها الجنرال ((كليبر)) على يد سليمان الحلبي ، و مع ثَورة القَاهرة الثَانية شَهدت خراباً كبيراً مع انفجار بيت أحمد أغا شويكار و الذي لغمه الفرنسيون أثناء مُطاردتهم للثوارِ و حتى بعد خروج الحملة الفرنسية ظلت الأزبكية مَركزاً للسلطة سكنها الخديوي محمد على باشا في بداية ملكة لكنه تعرض لمحاولة اغتيال على يد الجنود الأرنؤود مما دفعه بعد ذلك ليصعد إلى قصره في الجبل ، لتظل الأزبكية مَسكناً للطبقةِ الوسطى و المرضِي عنهم من قبل الباشا  مما أكسبها أهمية متزايدة مع مرور الوقت حيث أصبحت مركزاً للطبقة الحَاكمة و مكاناً يمتلئ بالفنَادق و المتنزهات حتى وصفها على مبارك باشا في شهادة مقتضبة قائلاً أنها  ((سره البلاد)) .

على شرف الإمبراطورة

تعددت العمارة في الأزبكية لكن أشهرها كان قصر رضوان كتخدا الجلفي ، و كان يقع على الحافةِ الشَرقية للترعةِ و عُرف بقصرِ العتبة الزرقاء نسبة إلى بوابته الزرقاء التى كانت تؤدى إلى شارع الأزهر و كان عليها بلاطات زرقاء فوق عتبتها ، و تعدد ملاك هذا القصر حتى وصل إلى ملكية عباس حلمي الأول فهدمه و أعاد بنائه و أطلق عليه قصر العتبة الخضراء ، لأنه لم يكن يحب اللون الأزرق ، و عندما أعيد بعدها تقسيم المنطقة أطلق على هذا الجزء ميدان العتبة الخضراء و على الجزء الأخر ميدان أزبك و هو الجزء الذي يضم الآن حديقة الأزبكية التى  أنشأت على شرف الإمبراطورة الفرنسية أوجيني لدى حضورها حفل افتتاح قناة السويس.

فإسماعيل الشاب الذي شغف بالإمبراطورةِ منذ دراسته في فرنسا كان لديه إصراراً أن يكون حَفل القنَاة تَاريخياً يضمن له الخلود و يبهر جلالة الإمبراطورة و من برفقتها من الأوربيين فجهز احتفاليه  انشأ من أجلها دار الأوبرا ليعزف فيها للإيطالي جوسيبي فيردي أشهر أعماله بعد ذلك ((أوبرا عايدة )) و استدعى المهندس الفرنسي (ديشان) الذي كان مسئولا عن بساتين باريس. و أمره بردم بركة الأزبكية التى كانت تقع في الطريق لدار الأوبرا و بتصميم وتنفيذ حديقة الأزبكية. فشيدها على نمط حديقة (مونسو) و(ريفولي) بباريس على مساحة 20 فدانا وزودت بـ2500 مصباح غاز وأقيم بها مسرح للعروض الكوميدية وبحيرة رائعة و جبلاية صناعية وممرات مظللة و نافورة من الرخام الأبيض تحتوى على زخارف لنباتات و زهور تنتمي لعصر الباروك .وجسور على بحيرات صغيرة وقنوات. ومراكب للنزهة تسير بالبدال كما كانت مزودة بالحوانيت ومنصة لبيع الدخان و كشك للموسيقي ومعمل تصوير ومطاعم ومقاه أوروبية وشرقية وغرست بها مجموعات من أندر أنواع الأشجار التي استوردها (باريل بك) مسئول الأشجار في الحديقة من أوروبا والهند وأفريقيا والبرازيل وأستراليا. وبعض من هذه الأشجار النادرة موجودة حاليا بحديقة الأسماك بالزمالك. و كان عدد الشجيرات المثمرة و المزهرة يوم افتتاحها 153 نوعاً غير الأصناف التى غرست لتكون أحراشاً كل هذا يحيطه سور ضخم به أربعة أبواب و في حفل افتتاح الحديقة حضر الخديوي إسماعيل بنفسه و استمع على مسرحها لعدد من الفرق الفرنسية و الانجليزية على شرف جلالة الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث إمبراطور فرنسا .

حديقة الازبكية ١٨٧٠ الي ١٨٧٥

حديقة الازبكية ١٨٧٠ الي ١٨٧٥

و مثلما ظهرت الأزبكية البركة على مسرح التاريخ السياسي كمكان لسكن نابليون و مسرح لمقتل كليبر ، فقد لعبت دورها أيضاَ بعد ذلك حيث انطلقت من حديقتها الشرارة الأولى لثورة عرابي ، كما شهدت اجتماعات و خطب جمال الدين الأفغاني التى كان يلقيها أحياناً في الحديقة و أحياناً في قهوة ماتتيا المجاورة للحديقة .

الجنينية

بعد افتتاح حديقة الأزبكية كانت الجنينية تحت الإشراف المباشر لنظارة الأشغال و على وجه التحديد مصلحة التنظيم التابعة لهذه النظارة و التى كانت تحدد مواعيد الفتح و الإقفال و مقدار الرسوم التى تحصل من مرتاديها و إعطاء التصاريح في حالة إقامة حفل في جنابتها بالإضافة إلى الأشراف على سائر محتوياتها من الأشجار و النباتات و المباني ، و كان دخول الحديقة يتم برسوم مالية بعد فترة الظهيرة فقط ، أما طوال النهار فقد كان الدخول مجاني ، لذا فقد كان المصريون غالباً يزورون الحديقة في النهار بينما كان الأجانب يرتادون الحديقة بعد الظهيرة و كان ذلك بفعل تمركز الجَاليات الأجنبية في حي الأزبكية مما اكسب الجنينية طَابعاً أوربياً حتى أن كتباً سياحياً فرنسياً صدر عام 1877 اعتبر الأزبكية مكاناً مهماً للزائر الفرنسي لأنها تُذكره بوطنه حيث ينَتقل فيها من الأوبرا إلى المسرح فيجد فيها ما يجده في وطنه باريس، لذا فلم يكن غَريباً أن يصدر قراراً يسمح  للموسيقي العسكرية الانجليزية بأن تصدح في حديقة الأزبكية يومي الاثنين و الخميس من الساعة التاسعة إلى الساعة الحادية عشر ، و هو ما رد عليه سرادار الجيش المصري بقرارِ يَقضى بأن تعزف الموسيقي العسكرية المصرية في الجنينية يومي الثلاثاء و الجمعة و في نفس التوقيت .

و رغم ذلك فأن جنينية الأزبكية كانت تتحول في ثلاث مناسبات محددة إلى قطعة من دول أوربي ، الأولى كانت يوم  14 يوليو من كل عام حيث عيد الجالية الفرنسية ، و المناسبة الثانية يوم 24 يونيو عيد جلالة ملكة انكلترا العظمي و الأخيرة يوم 28 يناير حين تحتفل الجالية الألمانية بتذكار عيد ملكها غليوم الثاني ، و في المناسبات الثلاثة كانت الحفلة تبدأ بالسلام الوطني للبلد صاحب المناسبة ثم السلام الخديوي العالي ، لتصدح بعد ذلك الآلات العربية و الأجنبية و لتبدأ الحفلة.

 وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تلك الحفلات تقام في جنينية الأزبكية تضم رجال  ببدل سوداء فخمة ، طرابيش حمراء ، قبعات أفرنجية ، عطور نسائية موسيقي حيه، نساء ارستقراطيات، عطور خفيفة، و ورود حمراء، رقصات شعبية، فساتين للسهرة ترقص الفالس، خليط من اللهجات الأوربية و الشرقية لا يمكن تحديد مصدره، سماء زرقاء صافية بلا غيوم و لا سحب سوداء. كل شيء كان بهياً و أنيقاً كما يليق بهذا العصر .

استمر الحال هكذا حتى سنوات الأربعينات حيث قل عدد الجاليات الأجنبية مع الحرب العالمية الثانية ، لكن الجنينية لم تخف جاذبيتها حيث صعد منها في ذلك الوقت نجم أم كلثوم ، التى واظبت على أحياء حفلاتها على مسرح الأزبكية في الخميس الأول من كل شهر و في الوقت الذي كان يجلس فيه الملك فاروق تحت كرسي تاجه الملكي بحديقة الأزبكية كان آلاف المصريون يجلسون حول الراديو في انتظار صوت أم كلثوم القادم من جنات الأزبكية .

و لم تكن الموسيقي هي النشاط الفني الوحيد التى احتوته جنينية الأزبكية ، فقد شهد مسرحها القديم ((1870-1919))  بداية الحركة المسرحية الوطنية مع يعقوب صنوع الذي قدم على خشبته عدد من المسرحيات التى اقتبس موضوعاتها من المسرح الفرنسي ، و كانت بدايات صنوع الأولى هي الضوء الذي جذب بعد ذلك كل رواد المسرح للأزبكية لتنطلق منها بداية المسرح العربي .

تطوير ما بعد الثورة

بعد ثورة يوليو كان لدى جماعة الضباط الأحرار رؤية أخري مختلفة لحديقة الأزبكية من مكان للمتعة و ((شم الهواء)) إلى مكان لتصنيع الوعي و تثقيف الشعب طبقاً لمفهوم الثقافة كتطعيم أو حقنة يجب إعطائها للمواطنين ممتلئة بما يراه العسكر القائمين على النظام مناسباً. و بالتالي أقيم مسرح للعرائس و افتتح و مسرح 26 يوليو المعروف الآن بالمسرح القومي و الذي كان ملكاً لشركة مصر للتمثيل و السينما أحدى شركات مصر التى أنشأها طلعت حرب ، و كان وقتها يجاوره في الحديقة مكان يستخدم كسينما مكشوفة في الصيف ، لكن مرحلة التطوير الثورية لغت السينما الصيفية و حافظت فقط على المسرح منفصلاً عن الحديقة .

و في 27 يوليو سنة 1954 ، افتتح امتداد شارع 26 يوليو ليخترق الحديقة و يقسمها إلى شطرين و يقتطع جزء كبير من خضرتها و أشجارها وجداولها المائية و أزيلت أسوارها القديمة الفخمة المزينة بالحجارة و استبدل مكانها أسوار حديدية خضراء بسيطة الشكل لا يتجاوز ارتفاعها المترين و تقلصت مساحتها من عشرين فدان إلى عشرة ، ثم وصل الخراب فيها حتى تم إغلاقها ثم أعيد تجديدها عام 1993 في حفل بسيط حضرته السيدة سوزان مبارك و قدمت فيه بعض العروض الموسيقية، لكن الاهتمام لم يستمر مرت حديقة الأزبكية بفترات من السواد و الانحدار حتى عام 1997 حينما وقعت حادثة اغتصاب شهيرة داخل أسوار الحديقة حيث تناوب مجموعة من البلطجية اغتصاب فتاة تحت تهديد السلاح على نجيله الحديقة الخضراء ، كان من المتوقع أن يهتم المسئولين بالحديقة بعد هذه الحادثة لكن لم يحدث شيء .

الآن الحديقة مغلقة لا تفتح إلا يومي الأحد و الجمعة برسم دخول واحد جنيه ، و طوال الأسبوع يسكنها مجموعة من اللصوص و المراهقين و أطفال الشوارع ، الذين ينامون فيها و يتعاطون المخدرات ، في جنبات الحديقة تشم الروائح الكريهة و يصادفك البول أحياناً ، النافورة المزينة بالرخام الأبيض و زخارف الباروك التى أنشأها إسماعيل باشا صارت مجرد شاهد متهالك –رغم ترميمها منذ سبع سنوات- على زمن قد ولي ، قفزت فوق سور الحديقة في أحد الأيام و تسللت لأشاهدها  … كان شخص رث الثياب يبول بجوارها .

——————— –

نشرت في أخبار الأدب عام 2003

Share

التسعينى.. إنسان بجد

يصعب الامساك بملامح وجه الكاتب التسعينى فهى نفس الملامح المصرية الأصيلة التى تحمل –لا مؤاخذة- طين مصر، فلا يختلف وجه الكاتب التسعينى عن الستينى أو السبعينى، لكن تمايز التسعينى ينبع بالأساس من مظهره بداية بذوقه في الملابس، وحتى طريقة إمساكه بالسيجارة.

لا يرتدى التسعينى بدلة الموظفين الصيفى التى يفضلها الكاتب الستينى، ولا يحب التسعينى البناطيل القماشية التى يفضلها الكاتب السبعينى. التسعينى هو ملك الروشنة يرتدى الجينز والتى – شيرت ويفتح أزرار قميصه ليترك شعر صدره يداعب الهواء، لا يجلس في مقاهى المثقفين بل يفضل عليها البارات الراقية رغم أنه لا يشرب كثيراً وغالباً دماغه خفيفة، لكن هذه أحد نقاط التمايز بينه والأجيال السابقة التى تفضل الاحتكاك بالجماهير والجلوس على مقاهى الشوارع وتفضيل الحشيش على المشروبات الكحولية.

يضفى الكحول والإضاءة الخافتة  للبارات على التسعينى جواً رومانسياً حزيناً يليق بشخصيته وتجربته كمحارب خسر المعركة قبل أن تبدأ، يخرج التسعينى لسانه للكاتب الستينى ويهاجمه بعنف معلناً موت الأب، وأنه بلا أساتذة لكنه ينهار على الطاولة ويخبطها بيده صارخاً “ليس لدى مشروع.. ليس لدى مشروع، لقد سقط الاتحاد السوفيتى وقامت حرب الخليج الثانية وأنا في الجامعة، أنا متشظ بلا مشروع”

ورغم هذا إلا أننى أعتقد أن جوهر الكاتب التسعينى لا يختلف كثيراً عن جوهر الكاتب الثمانينى أو الستينى أو حتى الأربعينى، فجوهره هو عمق الروح المصرية الأصيلة المزروعة في أرض وادى النيل منذ آلاف السنين والتى أخرجت لنا إبداعات الفنان المصرى القديم في وادى الملوك، وأشعار وأغانى الإنسان المصرى البسيط في القرى والنجوع، لكن التسعينى ليس مجرد ناقل للإبداع الكلاسيكى بل هو محدث ومطور لهذا الإبداع، الأمر الذى يجعله إضافة حقيقية فمثلاً الشاعر التسعينى سوف نجد في قصائده جميع الموضوعات الكلاسيكية من رثاء ومديح وغزل عفيف وغزل صريح لكنه مصاغ بلغة روشه  وكلمات شفافه رقيقة لاحظ مثلاً في أحد دواوين الرثاء لشاعر تسعينى كيف يودع أمه دون دموع بجملة حميمية عبقرية في إعجازها اللغوى قائلاً “تصبحين على خير”. ولا يمكن أن ننسى أن التسعينى هو مبتكر تيار اللاوعى والحساسية الجديدة وكتابة اليومى والعادى.

لغة الكاتب التسعينى الشفاهية أيضاً مثلت إضافة جديدة للغة العربية، يمكنك أن تعرف التسعينى إذا وجدته يردد أمامك عبارات من نوع ” حد جميل”، “إنسان بجد”، “حد حقيقى” أو يصف نص يعجبه بأنه فيه حاجة أو يستخدم كلمات من نوع  كاتوبه –من الكتابة-، مان –رجل بالانجليزية- مع الاكثار من كلمة حميمى.

*       *        *

 

أحد الأشياء التى تزعج التسعينى، هو لقبه كـ”تسعينى”، فهو لا يقبل أن يضعه أحد في درج واحد مع أى شخص آخر، لذلك يسعى دائماً إلى ما يجعله متميزاً مختلفاً حتى عن أبناء جيله التسعينين.

 فتسعينى القاهرة ينظر إلى نفسه باعتباره التسعينى الأصلى، هو ابن المدينة المتشظى، ابن الحداثة وما بعدها، نحن في تسعينات القرن العشرين وليس من المعقول أن نكتب عن القرية والريف أو أعمال ذات توجه إيدلوجى أو سياسى مثل كتابة الستينات، وكما قال كاتب تسعينى قاهرى شهير وأحد أمراء الرواية الذهنية “الكاتب الكبير لا يكتب عن الجنس أو السياسية أو الدين”.

التسعينى القاهرى هو أكثر نماذج التسعينى المسلط عليها الأضواء فهو القريب من المراكز الثقافية الأجنبية وهو الصحفى في المجلات الأدبية والفنية. أما التسعينى الجنوبى فهو على النقيض ينظر بحذر إلى التسعينى القاهرى ويراه خطراً على الروح والابداع المصري الأصيل ففى النهاية هو ابن الصعيد وحافظ الإبداع المصرى الحقيقى، بينما تسعينى القاهرة شوهته الامبريالية والعولمة والثقافة الأمريكية، لذلك ينحاز التسعينى الجنوبى في كتابته إلى عالم الهامش والقاع وقري الصعيد على اعتبار أن مصر تتكون فقط من مجموعة من الجياع والفقراء ونساء يرتدين العباءات السوداء. أما تسعينى الدلتا فهو الراقص على السلم،  قربه الجغرافى من القاهرة يوفر له قدراً ضئيلاً من الأضواء لكنه قنوع بذلك القدر ولا يسعى إلى ما هو أكثر لأنه أيضاً يخاف أن تبتلعه القاهرة، ويجد نفسه يردد كلمات من نوع “الكاتوبة” أو “مان”، لكن أظرفهم هو التسعينى السكندرى، فهو الرومانسى الجميل المحلق مع النورس فوق بحر المتوسط وفي سماء الأحلام بعيداً بقدر الإمكان عن ضوضاء القاهرة.

لا يفوتنا أيضاً التسعينى المهاجر، وهو الذى تمكن في الوقت المناسب من مغادرة كل هذا والسفر إلى إحدى الدول الأوربية أو الأمريكية، لكن لأنه مصرى أصيل شارب من ماء النيل لم تنقطع صلته بالوطن فمازال يظهر كل عام في نفس الموعد مع معرض القاهرة للكتاب لكى يقابل الأصدقاء ويتفق مع الناشر على كتابه الجديد ثم يعود إلى الغربة لكى يقاسى الحنين.

 

*       *        *

الآن يواجه التسعينى أزمة من أصعب أزمات حياته، فهو أولاً لم يعد روش، أصبح لديه ابنه صغيرة، شعره يتساقط، ونما له كرش خفيف ولم يعد يستطيع المنافسة أمام أجيال جديدة تضع الجل على شعرها ولديها قائمة من القراء والمعجبين على الفيس بوك، كما أن الكاتوبة لم تعد تتطاوعه ففى الوقت الذى تستغرق رواية واحدة منه خمس سنوات تكتب الأجيال الجديدة رواية كل عام وربما روايتين ومجموعة قصصية وديوان شعر في عام واحد.

ومؤخراً تلقى التسعينى القاهرى واحدة من أشد الطعنات غدراً حيث استيقظ ذات صباح ليجد أنه لم يعد ينتمى لمحافظة القاهرة بل لمحافظة حلوان أو الجيزة أو 6 أكتوبر وهكذا وجد نفسه قد صار كاتباً إقليمياً.

كل الأيدى تتكاتف على ما يبدو للعبث بالتسعينى لكنه حتى هذه اللحظة مازال متماسكاً، رغم اعتقادى أن عليه أن يدرك أنه لم يعد روشاً وعليه أن يعيش مرحلته العمرية والابداعية الجديدة.

 

Share

السنيورة (قصة زغيرة)

كنت شغوفاً بكسها، كشغفي بالانترنت. أو ربما كنت معلقاً بين الاثنين، ورأسي في المنتصف.
.
أقول رأسي لا قلبي لأن هذه ليست قصة عاطفية أو ايروتيكيا أو بورنوجرافية، لذلك لا أريد أن أجنح للمبالغات. بالطبع لدى شغف عام بالكس، لكن كسها بشكل خاص، كان شغفي الأهم. راقبته طوال سنوات علاقتنا عن كثب وملاحظة، فكرت أكثر من مرة أن أقوم بتصويره لكن خفت من ردة فعلها، فاحتفظت بالرغبة سرية مكبوتة كرغبات آخرى، حتى انتهى الأمر بالخسارة التامة.
.
.
لايزال ماثلاً في ذهنى، والفضل يعود إلى الأيام والليالى التي قضيتها مفتوناً بتقلباته وتحولاته المختلفة. عرفته نائماً مضموم الشفتين، وسجلت بدقه كيف ينفتح كشمس تنبثق من خلف الجبال على شاطيء نويبع. رأيت كيف يُضخ الدم إلى شفتى كسها عند الاستثارة فتتمددان ويتحولان من اللون الزهر إلى الوردى ثم إلى الأحمر. شاهدت أثار المداعبة بالأصابع عليه، وباللسان وكيف يتحول إلى عاصفة شمسية ذات لون أكثر اشتعالاً عن بقية الكرة الشمسية الصغيرة أثناء وبعد النيك. كان تشممي لرائحته أمر محبباً للنفس، وكان الرائحة تتبدل على حسب مزاجها ومزاجه. أحياناً حينما كنت استيقظ قبلها كنت أهرع إلى دورة المياه، أفرش أسناني برائحة الفلوريد وأعود لأتسلل بين فخذيها لتكون رائحته أول ما أشمه. تذوقته في كل الأوضاع، وتابعت تغيير طعمه مع كل درجة ترتفع فيها نحو الإثارة، وشجرة السعادة تتدلى علينا كما أوراق الجوافة. لو غميت عينى وتذوقته بين سبع أكساس مختلفة لعرفته بطرف لساني، شيء ما صار مرتبطاً بينه وبين بقية حواسى.
.
.
لم يكن كسها هو المثير لجنونى فقط، بل كل فتحتها، كثيراً ما كنت أطلب منها أن ترقد على بطنها. اتصنع إجراء نوع من المساج لها، وأتعجل النزول بيدى إلى أسفل أوسع بين ردفيها وابدأ في تشممها وتمشية لسانى بينهما. أتخيل ثبات المشهد والزمن لساعات طويلة تمتد إلى أيام وصوت “جريس سليك” يأتي من الخلفية ينساب متغلغلاً كنفس هادئ من الحشيش يأكل الدماغ بطيئاً، ها أنت تذوب والأرنب الأبيض ينتظرك على مدخل الحفرة.. تتذكر حارس البناية الآن، كيف كانت البداية إذن؟
.
في أحد الكوابيس كنت واقفاً متجمداً على ضفة النهر بينما مجموعة ضخمة من الكلب تنبح بوحشية وهى تقترب منى، ولم يكن الخوف من الكلاب بقدر ما كان المأزق هو الجسد المتخشب الذي فقد القدرة على الحركة دفعة واحدة. ركب العناد بعد ذلك ودلدل رجليه. كان هناك القليل من الصراخ والكثير من الدموع، وانفطر القلب أكثر من مرة، بدا كما لو أن السعادة تتبدد. كنا على ما يبدو قد شربنا سعادة بعضنا البعض.
.
.
انقطعت علاقتنا لفترة عملت فيها لفترة كمسئول مبيعات في أحد شركات خدمات المحمول. اشتريت سيارة من البنك وتفرغت لحياة جديدة ناجحة وتعرفت على شبكات اجتماعية جديدة وتعلمت الرقص وأصبت في حادث سيارة، وحينما استيقظت في المستشفى بكسر في الذراع الأيسر وخدوش في الوجه، قررت أنى لا أريد هذا. وفي تلك الليلة حلمت بأنى أغطس في مياه البحر الأحمر وفقدت الأكسجين ولم يكن من مصدر للتنفس أمامى سوى كسها فهرعت نحوها لالتقاط أنفاسي، استيقظت من الكابوس شاعراً بالبرد رغم أننا كنا في الصيف. لففت سيجارة حشيش ثم اتصلت بها وقلت: “هل فكرتى في أن تطبخى الحشيش بنفسك؟”
.
قالت أنها أتت بدافع الفضول، ابتسمت وجلسنا على طاولة صغيرة، فككت ورقة بانجو ناشف أحضرتها، وبدأت في تنقيته بصبر، ثم أحضرت وعاء بلاستيك، وضعت قطعة قماش بلاستيك فوق الوعاء وأحضرت مصفاة شاى، بدأت بفرك أوراق البانجو في المصفاة وهى تدخن سيجارة وتحتسى قهوتها. كان الكلام عالقاً في الغرفة، تقطعه هي بعبارات تستحثني على الكلام، كنت خائفاً من جملة خاطئة تفسد المشهد أو تجعل الوقت يمضى منتهياً أسرع مما أردت، صفيت الأوراق المفروكة في المصفاة وتحتها قطعة الشاش مشدود فوق الوعاء، وضعت ما تبقي في المصفاة جانباً وبدأت في دعك ما سقط من المصفاة على قطعة الشاش.
“وأيه كمان؟” سألتنى وهى تستحثنى على التحدث أكثر، لكن الهواء كان في حنجرتى ضئيلاً وروحى منقبضة في قلبي.
.
.
بدأت في شرح الخطوات التي أقوم بها لها، أوضحت أن الغرض الآن هو تنقيه البانجو من الشوائب حتى نصل لزهرة الزهرة، أزحت قطعة القماش كانت البودرة الخضراء مترسبة في قاع الوعاء البلاستيكى. أحضرت الحنة، وأنا أقول: “في العادة يجعلون نسبة الحنة إلى البانجو 2:1 لكننها سنحاول جعلها 3:1 “
.
قمت بتصفية الحنة بنفس الطريقة، ثم خلطت البانجو مع الحنة وأعدت تصفيتهما مرة آخري.
“وبعدين.. وأيه كمان؟” مرة آخرى طرحت السؤال..
.
“في سينا مثلا مش بيحطوا حنة، علشان كدا بيطلع لونه أخضر أو مصفر فاتح، كمان في سينا مش بيحطوا عسل أسود، في المغرب ولبنان بيجففوا الورق ويكبسوه، الزرعة هناك فيها الراتنج أعلى ومش بيحتاج إضافات صمغية”.
.
.
.
قمت من على الطاولة وعدت وفي يدى وعاء عسل أسود، أكملت وأنا أشرح لها: “معظم الطبخات اللى في مصر بالإضافة للكيميا والبنج مش بيحطوا عسل أسود وبيفضلوا اللبان الدكر. احنا بنحتاج العسل علشان نعجن الحنة مع الحشيش ويطلع الحتة متماسكة بدون العسل أو اللبان الدكر عمر ما حتة الحشيش هتطلع متماسكة معاك ولا هتعرفي تفرديها وتعمليها منها دبوس لو عايزه.”
-وأنت معندكش لبان دكر؟
-اللبان الدكر ريحته بتبقي ظاهرة أوى، وبيخلى حتة الحشيش حامية وبتضرب في النافوخ على طول، وكمان لو لفيتها في سيجارة هتطلع معاك “روكيتس”.
.
.
ابتسمت وأشرت إلى حرق صغير في التي-شير الذي ترتديه، وأكملت “واحنا مش عايزين “روكيتس” تانى يا آكوكو، مش عايزين ألم ولا وجع أكثر من الموجود”
.
تكونت في قاع الوعاء البلستيكى ذو اللون البرتقالى عجينة طرية، تناولت موس حلاقة من على الطاولة وأخذت أجمع به العجينة من قاع الوعاء، ثو وضعتها على ورق سلوفان  وأخذت أشكلها، أغلقت السولفان عليها بحرص، ثم قطعت ورقة “فويل” فضية لامعة ولففتها حول السولفان. نظرت لوجهها كانت أشعة الشمس القادم من نافذة البلكونة تنتشر في الصالة وتنير وجهها فيظهر صافياً، شعرت برغبة جارفة في تقبيل شفتيها.
ابتسمت وقالت:
-“ها.. وبعدين؟”
ناولتها ورقة الفويل، وأنا أجاوبها:
-“تعرفي تحطى دى في الفرن، على نار هادية..”
.
تناولتها واتجهت إلى المطبخ. ظللت جالساً مكانى أحدق في الكرسي الفارغ الذي غادرته. تذكرت حلماً رأيتنى فيه معلقاً في مطار أجنبي مع حقائب ثقيلة في مدينة لا أعرفها، في انتظار طائرة ستأتى غداً، ثم تحضر هي بسيارة حمراء موديل الثمانينات. أتانى صوتها:
-أنت بتولع الفرن بأيه؟
.
دخلت إلى المطبخ كانت منحنيه تحاول التفاهم مع الفرن، تقدمت نحوها واحتضنتها من الخلف.
.
قررنا المحافظة على الأمر كسر صغير، على ألا يغير من الوضع القائم، ما هو الوضع القائم؟ كنت أغطس في البحر الأحمر حينما انقطع حبل الأكسجين فجأة.
.
طلبت هي في المرة الثانية أن تقوم بالعملية بنفسها، بدأت في القراءة عن طرق التصنيع المختلفة والأشكال التي يتخذها الحشيش وعمليات معالجات النباتات والحشائش. في البداية كنا نقوم بتدخين ما نطبخه سوياً.
ثم ذات مرة عرضت عليا عرضاً لا أستطيع رفضه. كنا في انتظار تسوية عجينة الحشيش في الفرن حينما قالت كمن يقص حكاية عن زيارة والدته: “أنا امبارح رحت عملت ليزر شيلت كل الشعر اللى هنا” وأشارت إلى ما بين فخذيها.
.
أثناء علاقتنا كانت تفضل قص الشعر فقط، ولم أكن قد رأيته بدون حتى الزغب الخفيف المحيط به من قبل. كأنما عرفت أين سرحت بخيالى، باغتتني بالعرض:
“أنا بفكر نبيع مش دا انتاجنا الخاصة”. عرضت الأمر بصيغة شراكة تجارية سرية، أساسها الصداقة والمنفعة والاستمتاع بمتعة الطبخ التي قد تحولت معها إلى طقوس هرمونية معقدة. اختتمت العرض بعبارته التي تؤكد بها كل اتفاقتنا
-لكن هذا لن يغير من وضعنا القائم.
.
.
.
كانت تختفي لأسابيع لا ترد فيها على اتصالاتى، ولا تحكى لى عما تفعله، وحينما كنا نلتقي صدفة في مكان عام تصافحنى مادة يدها بينا لتحرمنى حتى من قبلة الصداقة أمام من يعرفونا. بل ذات مرة كانت تبيع إلى أحدهم “صباع حشيش” مما طبخناه معاً وتحكى أسطورة عن الديلر الشبح الذى تتعامل معه ولديه أنواع متعددة من “الاستفات” وأنا ملتزم الصمت بل وأتصنع الاندهاش.
.
رسمت في البداية أسطورة الشبح، ثم اعترفت لدوائر من المقربين بأنها من تطبخ الحشيش ولديها خلطتها الخاصة، عند تلك النقطة بدأت في استخدام مكبس معدنى طلبت نقش كلمة”Siniora ” عليه، كانت تكبس به العجينة، وبدأت أسطورة السنيورة في التشكل.  
.
في الخارج عرفت باسم سنيورة الحشيش. أما بيتى الذي كان مقر الطبخة فقد تحول إلى معبد تتجلى فيه كإله من شوارع المدينة. تنفذ الطلب الوحيد الذي اشترطته لحظة إغلاق الباب خلفها، تخلع الجزء الأسفل من ملابسها. ثم تجلس على الكنبة، أو على الأرض –لم تفضل أبداً الطاولة الصغيرة- تفتح ساقيها وتبدأ في إعداد الطبخة، أظل حولها أدخن أو اختار الموسيقي وعيونى معلقة فقط بكسها المنتوف الخالى من الشعر، مضيئاً كشمس صغيرة. “الوضع على ما هو عليه” هش جداً وقابل للانكسار وردود الأفعال المدفوعة بتفاصيل الماضى والخسائر السابقة. أحياناً كنت أظن أن “الوضع على ما هو عليه” ليس حقيقياً مائة في المائة. ربما هو وهم أو نبته تخيلات ولدها الفقد والوحشة، وحتى لا أفقد لذة اللحظة، لا أقترب أو أحاول لمسها. أكتفي فقط بقواعد الشراكة السرية التي فرضتها ونسبتها الأكبر في حصة ما هو مباع.
.
.
.
عرفت أنها لم تعد تذهب إلى العمل بانتظام وتفكر في تركه وتأسيس مشروعها الخاص، لكنها لم تفصح لى ما هو. بدأت في تحسين مستوى جودة المنتجات التي تقدمها ورفع سعرها، وخلق تمايز وأسماء لبلاطات الحشيش التي تنتجها، استغللت البلكونة وحجرة المكتب وبدأت في زراعة النباتات بنفسي قادتنى توجيهاتها حول كيفية الرعاية كلما كانت الأوراق طازجة يساهم هذا في زيادة جودة الحشيش في النهاية، كما أن معالجة الأوراق الطازجة في الخلاط والكبس يجعلها قادرة على استخراج جرامات صغيرة من زيت الحشيش تبيعه بأسعار أعلى.
.
كانت تكبر وتتطور، حياة جديدة تنفتح أمامها، أو بالأحرى ديانة جديدة تشرق على الإنسانية من المعبد الذي نصبته في الشقة لكسها المنتوف. وكنت أنا العجوز الذي يبحث عن خرافة دينية يؤمن بها في نهاية حياته لتمنحه قدر من الطمأنينة.
.
ثم اختفت.
لم يصلنى رد منها إلا بعدها بثلاثة شهور وكانت هذه أطول مرة تغيب عن المعبد منذ بدأنا شراكتنا كانت الرسالة مختصرة وحاسمة “لا داع لأن نلتقي مرة آخرى، نحن نأكل أرواح بعضنا البعض.”
.
حاولت العودة إلى ما كنت فلم أعرف ما هو. فقررت استكشاف الحاضر، كان العالم قد تغيير تماماً من حولى. بدأت في الخروج واستعادة العلاقات القديمة واكتساب خبرات وآلام جديدة، لكن في الوقت نفسه حافظت على رعاية النباتات لم أطبخ الحشيش مرة آخري. بدأت اسمع في الدوائر المقربة عن نوع من المخدرات جديد يحمل اسم “السنيورة” كان الانتشار كبيراً ورغم أن الشكل والرائحة مشابهة للحشيش إلا أن التأثير كان مختلفاً.
 ناره هادئة لا يسبب أي حرقان أو آلام في الحلق حتى مع شربه بطريقة الخابور السكندرى أو الدبوس، كما تميزت “السنيورة” بكثافة زيتها ورائحتها النفاذة التي تعلق باليد، كان يتسلل ببطء وإلى جانب تأثيرات الحشيشة العادية يسبب حالة من البهجة والسعادة وفيضان في المشاعر غريب من نوعه، كأنما يطلق كل ما هو مكبوت ويجعل كل الماضى ضحكة، ينزع الألم على الحاضر، ويضفى ضحكة بين الأصدقاء، وقبلات وحب طاهر سعيد على الجميع.
.
.
جربته أول مرة واندهشت من تأثيره، فاشتريت قطعة منه وأحضرتها للمنزل، حاولت استعادة كل تفاصيل طريقتها، كان لديها إضافات وخلطات مختلفة في كل مرة كانت تجرب شيئاً جديداً كأنما كانت في مرحلة شراكتنا تتدرب من أجل صناعة أفضل طبخاتها، وجدت أنواع متعددة من الحنة والعسل الأسود. وأنواع مختلفة من الأسمدة كان لديها جدول منتظم تنبهنى فيه لتوقيت وضعها بالتربة. تبدت حماقتى كاملة حينما اكتشفت أنى أعرف القليل عن تفاصيل خلطتها، كنت طوال مراحل الطبخ أركز أكثر مع الموسيقي أو ساقيها وكسها المنتوف، وانتظر اللحظة التي ستقوم فيه للمطبخ لوضع العجينة في الفرن حتى أشاهد ردفيها يتحركان كما الكواكب وهى تدندن “ماشية السنيورة.. كدا كده” وهى تغيب في الممر نحو المطبخ. كانت ضائعاً في بهاءها، أبحث عن غفرانها وانتظر وأعد ضحكاتها مع كل لحظة نلتقي فيها. وكانت مع كل طبخة تجعلنى أتذوق أول سيجارة وتسألنى رأى ثم تدون ملاحظات صغيرة في دفتر صغير عليه صورة أفيش فيلم “Kill Bill“.
نشرت الجرائد صفحات خاصة عما اسموه مخدر “السنيورة” وخطورته على الاقتصاد والصحة وأنه يدمر خلايا المخ. بدأ الكثيرون يواجهون صعوبة في الحصول على “السنيورة” وقدرت أنها تخوض حرباً مع تجار المخدرات الآخرين وشبكات المصالح التي تتحاكم في تجارة المخدرات في البلد، كانت تتوسع في توزيعها وكانت الأساطير تسبق حشيش “السنيورة”. قال أحدهم بعد ثالث نفس من السيجارة “السنيورة جاءت لتنقذ العالم”.
.
.
تصنعت القوة، ومارست ضغوط كبيرة لأجل النسيان، لكن في كل مرة كنت أحاول مغادرة المعبد المتهدم حيث أعيش وأزور بشر آخرين، كان الحديث يتحول إلي السنيورة من تكون؟ وما هو سر الحشيش الذي تصنعه. أحياناً يصيبني حزن عميق فأجلس في المنزل أعتنى بالنباتات وأشاهد أفلام أمريكية في التلفاز. ثم ذات يوم رأيت في الحلم كأن الماضى يفرض نفسه على لحظة الحاضر، كنا نعيش مع بعضنا البعض، قبل السنيورة وقبل أن يركب العناد الرأس ويدلدل الرجلين، كنت نائماً في الحلم وأتت هي واحتضنتني من ظهرى وشعرت كما لو أن السعادة كانت هنا دائماً أمام العينين لكن كان لابد من رحلة الآلم الطويلة. وفي الحلم كان لدينا كلب ضخم، رغم أننى وهى لم نكن نحب الكلاب.
.
استيقظت من الحلم، وأخذت أبكى في صمت شاعراً بحموضة تخرج من بطنى لحلقي، حينما رن التليفون فجأة وظهر اسمها على الشاشة، كانت شهور طويلة قد مضت دون أي اتصال منها، كتمت دموعى وسيطرت على تنفسي، قبل أن أرد في صوت محايد:
-ألو.. ازيك يا أكوكو.
.
في حسم وعجالة كما أصبحت جميع مداخلاتها طلبت أن نلتقي، حدد هي الموعد وقالت سوف آتى لزيارتك، لكن لا تخبر أحد حياتى الآن تغيرت وختمت الحديث: “لن يغير هذا من الوضع القائم”.
.
حينما دخلت المنزل لم أعرف هل تغيرت أم بسبب طول مدة غيابها بدت لى مختلفة، وإن كان لطلتها الحضور الذي يجعلنى ابتسم بلا سبب، جلست على الطاولة، أخذنا نتحدث في أمور عابرة ثم أخرجت قطعة حشيش متبقية لدى وبدأت في فركها، سألتنى وهى مبتسمة: “دى أنت اللى طابخها؟” هززت رأسى وجاوبتها “لا دى حشيش السنيورة.. يا سنيورة”
وضعت قدميها على الطاولة أمامى، حول قدمها اليسري كان هناك خلخال رقيق وشفاف، سلسلة فضية رفيعة تلتف حول ساقها الرخامية، بشرتها تلمع في منطقة ما تحت الضوء. من السلسلة تتدلى كرات صغيرة تشكل الكواكب التسعة، كل كرة مُفرغة ودَاخلها كوكب أصغر بحيث إذا سارت تهتز مُصدرة صوتاً كأصوات أجراس سرمدية.
.
ناولتها السيجارة ملفوفة. قصت على تفاصيل من عالمها الجديد. معظم الوقت تعيش بجوار البحر الأحمر تتنقل من العين السخنة إلى الجونة وسفاجا وحتى مرسي علم، تزور القاهرة على فترات متباعدة لإنجاز بعد “البيزنس” على حد تعبيرها. البيزنس كان عدد من الشراكات مع ديلرات وتجار حشيش بنظام “الفرنشايز” تشرف بنفسها على الخلطة، وتعيش على عائداتها. لكن الأمور مؤخراً لا تسير على مايرام. السوق ليس سهلاً والمنافسة شرسة ولكى تحصل على حماية من الشرطة لا بد أن تقدم لهم بعض القرابين، أمام الرأي العام يجب أن تعلن الشرطة عن القبض على شخص أو شبكة من مروجى مخدر “السنيورة” أخبرتنى أنها تفكر في السفر إلى خارج البلاد لبعض الوقت حتى تهديء الأجواء، لكنها لو غادرت السوق في الوقت الحالى فلا مجال للعودة مرة آخرى.
 سألتنى: “وأنت.. عامل أيه؟”
-وحشتينى، أنا عايزك.
.
.
جاوبتها وانهمر شلال طويل من الاعترافات، كان الأمر بمثابة إعلان استسلام كامل. بلا سبب مفهوم حتى الآن أخذت أحكى لها ذكرى قديمة عن مرة منذ سنوات كنا نسبح فيها على شاطيء نويبع وأخذنا نتأمل الشعب ونطارد أسماك ملونة، مددت يدى إلى إحداها فجرحنى شوكها، كان ترتدى مايوة قطعتين بلون وردى، شعرها كان أطول قليلاً، المياه تجعله يلتصق بجسدها. أخذت أقص عليها أوصاف السمكة بينما هي اقتربت منى وضمتنى، تسارعت أنفاسي وأنا اعانقها، نبضات قلبي كما لو كانت تخرج من سماعات تضخمها وأنفاسي تتسارع، بينما هي تضمنى وتزيح ملابسي عنى وهى تردد كلمة واحدة “بس.. بس” كأنما تهدهد طفلاً صغيراً.
.
تعرينا وكانت دموعنا تختلط بالقبلات والعسل واللعاب، العظام تطقطق تحت ضغط الأحضان والعناق، والروح في الحلقوم. مارسنا الحب بحزن، كنت أرغب فقط أن أظل داخلها بلا حراك كمن يرغب في في ثبات الزمن المستحيل. احتضنا بعضنا البعض بعد نصف نشوة لدقائق، ثم قامت وبدأت في ارتداء ملابسها وهى تلقي جمل مبعثرة مفاداها الوداع.
.
.
ظللت ليومين في ذات الموضع الذي تركتنى فيه عند مغادرتها للمنزل. شعرت أن كل الطاقة والرغبة في الحياة داخلى قد انتهت. أخيراً استطعت النهوض أخذت حماماً بالماء البارد، ثم خرجت وبدأت في جمع كل أوراق النباتات المزروعة في البلكون وفي الغرفة، أخرجت العدة، وضعت أغنية لأم كلثوم، وأخذت أطبخ كل الحشيش الموجود في المنزل، وضعت العجينة في الفرن، ثم أجريت اتصالاً بمخبر شرطة. أخرجت المكبس المنقوش عليه اسم السنيورة وأخذت أكبس به بلاطات الحشيش، ثم رصصتها على الطاولة.
جلست أدخن، وأنا أحلم بأسوار طويلة ومكان قذر لا مساحة فيه للأحلام ولا الرجاء.
  
..
.
Share

جمعية رسل التنوير الكاكى: الاستبداد المستنير

الزميل خالد البري روائي مثير للاهتمام، وصحفي وكاتب ننتظر تكريمه من جهاز الشئون المعنوية على مجهوداته في نشر التنوير الكاكى”. ويمكننا التعرف على أبرز سمات “التنوير الكاكى” من مقالاته المتنوعة والطريفة.

ما هو “التنوير الكاكى”؟

217995_10151165485711704_1192784419_n (1)أنه حزمة من الأفكار اللامعة تسعى لفرض نفسها بشكل تصاعدى خلال الفترة القادمة كمعبر عن ثورة 30 يونيو، يقسم التنوير الكاكى كما يتبدى من مقالات الزميل خالد العالم إلى قسمين محبي الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة وأعداء تلك الدولة. ومحبي تلك الدولة المدنية يرأسهم السيسي الذي لا ير خالد غضاضة في ترشحه إلى الرئاسة، إلى جانب من صوتوا لشفيق الذي يصفهم خالد بالثوار الحقيقين. في الجانب الآخر تضم قائمة الأعداء جماعة الإخوان وأنصار من يصفهم خالد بمؤيدى الاستبداد الدينى.

وهكذا نعود إلى ثنائية الاختيار بين استبدادين، استبداد سلطة ادعت بأنها تقودك إلى الجنة على طريق الشريعة، واستبداد سلطة تدعى أنها تقودك إلى المدنية عن طريق الإقصاء والتنوير وتحديد الأفكار الصالحة لك.

يعيب خالد على البرادعى أنه يقف ضد الاقصاء، ويري أن الدولة المدنية الحديثة لا تُصنع إلا بمنع قيام الأحزاب على أساس دينى، وبعلمانية حقيقة. طبعاً في الوقت ذاته سيتغاضي عن إصرار الفريق السيسي أن يظهر بجواره في الصورة بطريرك الكنيسة السنية أحمد الطيب وبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية. فالدولة الحديثة العلمانية التي يطالب بها خالد وفريقه لا تنادى بفصل الدين عن السياسية بل بفصل تيار معين محدد منه هو الإخوان المسلمين، أما شيوخ السلفية تربية أمن الدولة ورجال المؤسسات الدينية الرسمية فلا غضاضة من استخدامهم.

يفترض منهج التنوير الكاكى والذي يمثله رموز آخرى غير خالد منهم مثلا تهانى الجبالى أن الدولة بسلطاتها التشريعة والتنفيذية عليها مسئولية توعية الشعب وحمايته من نفسه من خلال التشريعات والإجراءات المناسبة. يريدنا خالد أن نصدق أن النص على على عدم جواز قيام أحزاب على أساس دينى كفيل بالقضاء على جذور الاستبداد الدينى وجماعة الإخوان المسلمين. بالرغم من أن هذا الطريق الفاشل خاضته الدولة المصرية طوال 60 عاماً حاربت فيه الجماعة بعشرات التشريعات والإجراءات الأمنية فشلت جميعها ولم تصنع سوى الوحش الذي نواجهه الآن.

لم يسقط الإخوان من الفضاء الخارجي علينا بعد 25 يناير، بل عاشوا في هذه الأرض لعقود طويلة وهم جزء من المشكلة لكنهم ليسوا مشكلة. ومحاولة تصوير أن مشاكل مصر كلها مرتبطة بالإخوان لا تختلف عن محاولة تصوير أن مشاكل مصر كلها كانت مرتبطة بوجود حسنى مبارك في رأس السلطة.

تحاول السلطة الحالية متمثلة في المؤسسة العسكرية والدولة العميقة معبراً عنها الجهاز القضائي، ادعاء أن كل ما يحدث في البلاد من اضطرابات هو نتيجة لاستمرار اعتصام رابعة والنهضة. لكن حتى الآن لم تبذل تلك السلطة أي جهد حقيقي في محاربة الإرهاب الحقيقي في شمال سيناء سوى تقديم المزيد من الشهداء من عساكر وضباط الأمن. تتحرك هذه السلطة لاعتقال منافسيها السياسيين من جماعة الإخوان بحجة تحريضهم على العنف. لكن حتى الآن لم يلقي القبض أو يقدم للمحاكمة أي شخص من مرتكبي عمليات التعدى على الأقباط في الصعيد، ولم تبذل تلك السلطة التي تدعى المدنية أي جهود ملموسة في حماية الأقليات الدينية أو تقديم أي دليل ملموس على مدنيتها بخلاف خطابات الرئيس عدلى منصور “الكيوت” ومقالات خالد البري. بينما الحقيقة أن السلطة الحالية تستخدم الدين مثلما يستخدمه الإخوان، وبنية الدولة المصرية تقوم في جزء كبير منها على استغلال الدين لإضفاء الشرعية على كل الممارسات السلطوية. ومشكلة هذه السلطة التي تدعى المدنية هي في استغلال فئة محددة “الإخوان” للدين لانتاج خطاب مقاوم ومقوض لسلطتها.

يقول خالد: “قضية الدستور، وقواعد المنافسة السياسية، ومَن تنطبق عليهم شروط المشاركة العادلة ومن لا تنطبق عليهم، قضايا محورية.” وهنا مربط الفرس والمشكلة الأساسية في نموذج الدولة الذي يروج له خالد. حيث تتحول مؤسسات تلك الدولة ونخبتها إلى حاملين لمشاعل التنوير الوحيدة، وتفرض خطاباً وطنياً وأحياناً دينياً واحداً (الإسلام الوسطى الحقيقي كما يتحدث الآن بعد شيوخ الأزهر) وأى خرج عن هذا الخطاب لا مجال له في اللعبة. بالتالى تتحول الدولة إلى “أب” يرعى المجتمع وفي الوقت ذاته يعيق تطور هذه المجتمع أو نشأة حوار حقيقي داخل قواعده.

تمنع الدولة الحديثة التي يطالب بها خالد أي خطاب سياسي لا يقبل بقواعد لعبتها ويسعى لتغيرها. لكن مهما بلغت قوة هذه الدولة فهذا المنع لن يمنع تلك الخطابات من الانتشار إلى أسفل وبناء قواعد ودولة موازية لتلك الدولة العظيمة على السطح. الدفاع عن استبداد الدولة والمطالبة بإقصاء أي فصيل بحجة قواعد اللعبة الديمقراطية لن ينتج إلا ذات الدائرة التي جربناها قبل ذلك في عهد مبارك، ولن يعيدنا إلا لنقطة صفرية جديدة.

تسلم الآيادى.. تسلم يا جيش بلادى

 

 

Share

يوميات الحرب الأهلية: سيجارة فوق المحور

ترددت الأنباء منذ الصباح بأن طريق المحور والذي يربط بين مدينة 6أكتوبر والقاهرة يتعرض لعمليات متعددة من قطع الطرق ولا سيارات مسموح لها بالعبور. في ذات التوقيت كان يتم حرق مبنى محافظة الجيزة. التلفاز يقول أنهم الإرهابيون. وهم على ما يبدو منظمين للغاية في الوقت الذي يهاجمون فيه المحافظة يقطعون كل الطرق المؤدية إليها من معسكرات إمداد القوات. المحور، الطريق الصحراوى، ومحور صفط اللبن.

على تويتر خدمة “بيقولك” والتي يفترض أن تساعدك في تجنب الشوارع المزدحمة كانت تقدم عرضاً خاصاً بمناسبة الحرب الأهلية وهى الشوارع المقطوعة وكيف تتفادى مناطق الاشتباك المسلح. لكن بعد ساعات سيأتى موعد الحظر ولا يمكننى تحمل البقاء في المنزل أكثر من ذلك. قررت الخروج من المنزل حتى لو كانت الطرق مقطوعة وتصادف أن عثرت على ميكروباص في طريقه نحو ميدان لبنان.

ركبت بجوار السائق، الذي أخذ يشير إلى بعض الشروخ في الزجاج ويحكى عن قطاع الطرق والأشقياء الذين يظهرون على الطريق فجأة ويكون عددهم قليلاً فلا يستطيعون قطع الطريق فينتهى بهم الأمر إلى قذف السيارات بالزجاجات والحجارة. فجأة وصلنا إلى نقطة في المحور حيث قطع حجارة كبيرة وإطارات مشتعلة تقطع الطريق على السيارات، وفي وسط كل هذا جذع نخلة ملقي بعرض الطريق والنار تأكله. خبت النار في بعض أجزاء الجذع لكن لب النخلة ظل متوجهاً كقلب أحمر يصارع الموت، وفي الخلفية أصوات رصاص متفرقة.

دور الكلاب والكائنات الخرافية في الحرب الأهلية

دور الكلاب والكائنات الخرافية في الحرب الأهلية

الوضع كان كالتالى، السيارات على الجهتين من طرق المحور متوقفة على الأرض مكتوب بالطلاء “مرسي رئيسي”، وكلما حاول أحد الركاب إزاحة الحجارة أو الإطارات المشتعلة يظهر من أسفل الطريق مجموعة من الشباب يحملون السلاح الآلى ويتنقلون فوق سيارة “ربع نقل” يطلقون النار على أي شخص يحاول فتح الطريق. وسط هذه الفوضى الحربية، نظرت خلفي لأجد شاب يرتدى “شورت” و “تى-شيرت” ويمسك بيده كلب ضخم، كان الغضب واضحاً على ملامح الفتى كممثل يتظاهر بغلظة القلب. أخذ الكلب يعوى وسط الرصاص، والولد يخاطب العابرين بجواره “أسيب عليهم الكلب يأكلهم”.

يأتيه الجواب من أحدهم “ياعم كلب أيه دول معاهم آلى، روح من هنا بدل ما يقتلوه لك” ظل الولد مصمماً على الوقوف ممسكاً بالكلب كسلاحه الخاص. أخيراً ظهر مجندين من الأمن المركزى يحملان السلاح. أخذ يتبادلا إطلاق النار مع قاطعى الطريق دون أي تأمين للجمهور المتوقف ولا حتى تأمين لأنفسهم. شعرت بيأس من عبثية المشهد كله، وقفت في زاوية بعيدة عن خط النار وأخرجت سيجارة. على بعد مترين رأيت مجند الأمن المركزى يطلق رصاصة في الهواء ثم يخاطبنى: “دى آخر رصاصة كانت معايا في العهدة”.

أخرجت سيجارة له فوقف بجوارى، كان عمره 19 عاماً وكل التدريب الذي تلقاه لا يتجاوز بضعة أشهر، وضعتهم العربة هنا بحجة تأمين المحور دون أي دعم أو خطة أو توجيه. قبل أن تنتهى السيجارة ظهرت سيارة مدينة من الجهة الآخرى من الطريق نزل منها ثلاث شباب بالأسلحة الآلية، وكأنما يمارسون فعلاً يومياً بدأوا في إطلاق النار بكثافة على قاطعى الطريق. أحدهم بدل خزنتين في أقل من ربع ساعة وبدا واضحاً أنهم مواطنين شرفاء ذخيرتهم لا تنفذ. مع تراجع قاطعى الطريق تقدم الآخرون لإزاحة الإطارات المشتعلة والحجارة. لكن كلما حاولوا إزاحة النخلة كان قلبها المشتعل يقذف بالشرر، ما أن انفتح جزء من الطريق حتى تحول المشهد إلى سيرك بلا أي تنظيم.

السيارات التي كان بعضها يحمل عائلات انطلقت بأقصى سرعتها في محاولة للهروب ومع الدخان في الجو والحجارة على الأرض أخذت بعضها ينحرف عن الطريق أو يدور في دوائر تحت وقع الارتطام بالحجارة أو الضغط فجأة على الفرامل.

طوال أكثر من عشر سنوات عبرات هذا الطريق بشكل يومى تقريباً، لكنه الآن كان يتحول إلى نقطة صراع حيوى بين جبهات متعددة متصارعة، ومواطنون يحملون السلاح الآلى للتدخل في حالة قيام أحدهم بقطع الطريق عليهم. كان هذا واقع جديد يتشكل، كانت هذا الحرب الأهلية على الطريقة المصرية.

Share

بورتريه لعجوز في 6أكتوبر

أتذكر كل ما سبق، محاولاً استعادة رؤيتى للأمور وقت حدوثها في العشرينات من عمري، لا كما صرت أعرفها الآن. ربما لهذا بدأت في كتابة هذا التقرير.

أتذكر لحظة البداية في شروعى في كتابة التقرير المعنون باسم “استخدام الحياة”. كنت أمارس روتين الوحدة وتربية الأمل، ثم استلقيت على فراشي ذات مساء وبينما أتفقد “ايميلى” قبل النوم لفت نَظري تاريخ اليوم لأكتشف أن غداً هو عيد ميلادي السادس والأربعين. أندهش من الرقم، فقط 46. أطفئ الجهاز وأنا أفكر في معرض “برقية حب للضفادع” الذي شاهدته منذ بضعة أيام.

أين ذهب اللون الأخضر. هل كان أصلاً موجوداً؟ لماذا إذن  الحنين للون الأخضر هو الذي يطغى على معظم التصميمات في المدينة، حتي الفنانين الطليعيين دائمي الهروب من الكيتش والحنين والذين ربما كانوا أطفالاً رضع وقت “النكسة”[1] يظهر اللون الأخضر في مُعظم أعمَالهم بكثافة. يبدو الأخضر كأنه معنى أكثر منه درجة لونيه. مفهوم مستقبلي وفي الوقت نفسه استعادي لإرث ثقافي وحضاري لا يرتبط فقط بالهوية الوطنية لمصر، بل جزء من حرَاك فنى وثقافي عَالمى. يَترافق هذا بالطبع مع تلك الحملة القومية لتخضير الصحراء والشعَار الأثير للدولة “لنُحَارب الأصفر”، تنويعه جديدة على الشعار القديم “عايزينها تبقى خضرة”.

الأخضر لم يظهر قبل الفاجعة، بل ولد كدين جديد وحزين في النصف الثانى من القرن العشرين، أخذ يكبر مع تطور قدرة الإنسان على مراقبة الطبيعة وتغيراتها. ومثل كل الأديان يؤمن أتباع الديانة بالأخير بقوة إلهية غير محدودة هى الأم “الطبيعة”. والإنسان هو الابن العاصي الضال لهذه القوة الإلهية. وإذا لم يتعظ ويتوب عما يفعله من ذنوب وكبائر في حق أمه الخضراء فسوف تنتقم منه وتغرقه وتدمره. هكذا تم تصوير ما حدث للقاهرة ولمدن آخرى في السنوات الأخيرة كغضب من الإله الأخضر سيد الديانة الخضراء.

واقع الأمر أن الطبيعة ليست حالة ساكنة وتغيرها وتبدل ظروفها المناخية والجغرافية هو الأمر الطبيعي، ولولا التبدلات المناخية تلك ما كان الجنس البشري وغيره من الأجناس ليظهر على سطح هذا الكوكب. واقع الأمر أن الطبيعة أيضاً ليست خضراء. فالصحراء برمالها الصفراء وأحيانا الحمراء في بعض المناطق الجغرافية هى جزء أساسي من الطبيعة، ومحاربة اللون الأصفر لصالح اللون الأخضر تحت زعم خدمة إله الطبيعة الأخضر هو تضليل بين واعتداء وحشي على الطبيعة.

لكن نقول لمين؟

وحتي الآن  وبعد عشرين عاماً لم نستوعب حجم الفاجعة.

طُرح الأخضر كلون في شعار تحالف شركات التعمير الجديدة بعد سلسلة الزلازل والفيضانات الرملية التى اجتاحت الكثير من المدن، لكن في ظرف سنوات قليلة أصبح الأخضر مصدراً لفعل، ومن الفعل خرجت مجموعة من المشتقات اللغوية المتنوعة، كونت تلك المشتقات مفردات خطاب، والخطاب انبثق عنه مجموعة خطابات، الخطابات تحولت لظاهرة وانعكست في مجموعة متنوعة من الفنون والممارسات الثقافية الاجتماعية. ثم حتى القمر الفضي والأبيض صار لونه أخضر.

 في معرض “برقية حب للضفادع” بذلت رانيا رفقي الكثير من الجهود لتخفي الحنين إلي ما مضى، لكن الضفادع التى توزعت على اللوحات وعلى أكثر من تكوين في قاعة العرض حملت داخلها رسَائل من المَاضي لا يمكن تجَاهلها. في أحد الأركان تراصت مَجمُوعة كبيرة من التمَاثيل الخضرَاءِ للضفَادعِ فوق بعضها البعض مُكونة هرمًا صغيرًا أخضر اللون. عقدة الذنب الكلبية لدى هذا الجيل الجديد من الفنانين تصل لدرجات أن حتى الهرم الأصفر يتمنون لو كان أخضر. حرف “لو” ينتهك عذرية مؤخراتهم كل يوم.

ماذا “لو” كنا أكثر حرصاً؟ ماذا “لو” كنا أكثر اعتناءاً بالبيئة وجغرافيا المدينة؟ ماذا “لو” كنا أقل إزعاجاً للطبيعة؟ ماذا “لو” كان عدد النباتيين أكثر في المدينة؟

العجول الشابة تظن أن  ضياع القاهرة فاجعة تقارب الخروج من الجنة.

والجنة حديقة البهائم العميان.

 سنوات ظلت المحاولات اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقَاذه تتكرر في غبَاءِ يَشترك فيه المصريون واليونسكو وشعوب العالم. الإنسانية تواجه كَارثة، وتُراثنا مُهدد بالضيَاعِ. أحوه يعنى. وكأن وجود القاهرة بحد ذاته قبل ذلك لم يكن كَارثة. وكأن تركها حتي تصل إلى وضعها قبل النكسة، وتحول البشر داخلها إلي حيوانات متنوعة الفصائل وحشية الروح لم يكن كارثة.

مع ذلك استمرت محاولات الإنقاذ. بَعَثَات اسْتِكْشَافِيَّة للتَنْقِيب فِي بَحْر الْرِّمَال دَائِم الْحَرَكَة، لَكِن الْكُل كَان يَغِيْب فِي صَحْرَاء الْرِّمَال الْمُتَحَرِّكَة وَلا يَعُوْد. إذاً لنعيد بناء ما ضاع. لنثبت أن الروح التى بنت الأهرامات، والحلوانى الذي رسم القاهرة لا يزال حياً حاضراً فينا لنبنى مصر من جديد، لتنهض من مقبرة الرمال. ليشدو صوت أم كلثوم “وقف الخلق جميعاً ينظرون”. كانت هذه هى الروح الجديدة في البلاد. وهى كما توقعت “بابريكا” ما دفع مصر والمنطقة إلي قفزات طويلة نحو المستقبل. أى مستقبل؟

نحن فيه الآن، وكم أشعر بالسأم منه.

هو الماضى يغير أشكاله، هى صور الذات تَدعي الانتعاش.

أصب الماء الساخن في الكوب، أحرك النعناع فيتحول لون الماء إلي الأصفر. أقف في النَافذةِ أُشَاهد بعيداً السفن تَتحرك في مينَاء أكتوبر الرملي. الحركة دائماً هادئة صباح يوم الجمعة.

*       *        *

أقرأ بضع صفحات من رواية “الأخوة كرامازوف” ثم أنظر إلى شَاشةِ الموبيل. أترك الكتاب وأستلقي على الأريكةِ. أعيد النظر لشَاشةِ الموبيل. أعرف أنها لن تتصل ومع ذلك يائساً انتظر اتصالها. أمسك التليفون وأقلب في الأسماء مُفكراً في شخص مُنَاسب يمكن تمضية النهار برفقته. عشرات الأسماء لا أعرف لماذا أحتفظ بها، والآخرون أعرف أنهم بالتأكيد مَشغولون. يهاجمني نوع من الندم على القرارات الماضية التي اتخذتها لكنى أبعد المنغصات عن ذهنى، يا حبيبي مضى وقت العتاب. أتوقف عند اسمها “مونى مي”. أتردد في الاتصَال ثم في النهايةِ أرسل رسَالة نَصية لها:

-         مياو مياو :- )


-فصل من رواية “استخدام الحياة” تصدر قريبا عن دار التنوير

Share

يقول جويس: كيف يمكن لك بحق الله أن تحبي شيئا مثلي؟

وصلتتني رسالتك الهزيلة هذا المساء، تخبرينني أنك تخرجين بلا ملابس داخلية.
لم أحصل علي مائتي كرونات في يوم الخامس والعشرين، فقط خمسين كرونة، وخمسين أخري سأحصل عليها مع اليوم الأول من الشهر. يكفينا حديثا عن المال. لقد أرسلت إليك قليلا من النقود آملا أن تشتري لنفسك منها علي الأقل زوجان من السراويل الداخلية المزخرفة قليلا وسوف أرسل لك المزيد حين يدفعوا لي مجددا.

كم أحب أن أري ارتداءك هذه السراويل الداخلية ذات الثلاث أو الأربع زخارف، واحدة فوق الأخري علي ركبتيك ثم بالأعلي علي فخذيك، بهذه الأقواس القرمزية فيها.. أفضل سراويل النساء – أو السيدات إذا كنت تفضلين هذه الكلمة – بنهاياتها الفضفاضة وأرجلها الواسعة، بزخارفها وأربطتها وأشرطتها، وامتلاءها بالعطر، فتظهر وقتما تريدين، حين تخلعي ملابسك سريعا أو حين تحتضني نفسك بحميمية وأنت تتهيأين للجماع، أستطيع فقط أن أري كتلة منتفخة من الأشياء البيضاء والزخارف، فأنحني فوقك لأفتحها، اطبع قبلة شهوانية حارقة علي مؤخرتك العارية الشقية، وأشم رائحة عطر سراويلك الداخلية بجانب رائحة فرجك الدافئة ورائحة مؤخرتك القوية.

هل صدمتك بهذه الأشياء البذيئة التي كتبتها لك؟ تظنين ربما أن حبي شئ دنئ.
هو كذلك يا حلوتي في بعض الأوقات.

 احلم بك في أوضاع فاحشة بعض الأحيان. أتخيل العديد من الأشياء شديدة العهر، لن أكتبها لك حتي أري كيف سيكون ردك علي. أصغر التفاصيل تعطي قضيبي انتصابا كبيرا: حركة عهر من فمك، كلمة بذيئة مفاجئة تخرج من شفتيك المبتلتين.  في لحظات كهذه، أحس بجنون في رغبتي أن أفعلها بطريقة بذيئة، أن أحس بشفتيك الساخنتين الفاسقتين تحلبان لي، أن أضاجع فرجك ذو الشفتين الزهريتين، أن آتي علي وجهك موزعا مائي علي خديك الدافئين وعينيك، والصق ذكري بين خدود ردفيك بادئا مضاجعة هذه المؤخرة.

يكفي هذا لهذه الليلة

..آمل أنك قد حصلتي علي برقيتي وأنك فهمتيها

وداعا، حبيبتي التي أحاول أن أحط من شأنها وأن أفسدها.. كيف يمكن لك بحق الله أن تحبي شيئا مثلي؟

آه، أنا متلهف للحصول علي ردك يا حلوتي

 ——

من رسائل جيمس جويس إلى زوجته نورا، المترجم: مجهول

Share

أحمد وائل يكتب: محطات الكوميكس العشر

مصر الجديدة؛ مرسم الراحل الكبير محى اللباد.

قبل وفاته بعام، تقريباً.

التدخين ممنوع، والمتاح النيسكافيه الأسود، والكلام..

أسأله عن مستقبل فن الكوميكس، فيحدثنى عن الأسلوب المصرى!

اللباد في مرسمة

اللباد في مرسمة

يستعيد تجاربه للكتابة والرسم معاً أقرب لسيناريو فنى. خلال الحديث عرض علىّ عملا كارتونيا ضخما، كما لو أنه كوميكس للأطفال، رسوم جميلة للزهور، هو يمارس الكوميكس، وكان أول من نشره، وتحمس له، فى مشروع دار الفتى العربى. كذلك كان مرسمه محطة رئيسية مرّ عليها أغلب منتجى الكوميكس، من لم يدخل المرسم، تابع كشكول الرسام، سلسة “نظر”. لكنه كان يشدد على الأسلوب المصرى، هذا أمر خاص بالرسام،  حينما حدثت الفنان الراحل عن التجارب الجديدة، عرّض علىّ نقوش الشهنامة، وفنون الزخرفة العربية، كذلك نقوش معابد الفراعنة..

حسنا هذه فنون جميلة، بديعة، لكن الزمن تجاوزها.

أذكر أنه قال إنها قابلة للتطوير، وقابلة للاستلهام من روحها..وهذا صحيح تماماً، إذا جذب الفنانون.

بشكل عام موقف اللباد يعتبر دوامة دائمة الحدوث فى مصر، دائما ما ننشغل بالحديث عن الأصالة، دون أن ندرى أننا نعطل الإبداع، لكنه كان مفاجئا، على الأقل بالنسبة لى، حينما أسمعه من “الأسطى” الذى صاغ دماغنا بصرياً.

بكن هذا التخبط، هذه الدوامة من النقاش، كل هذا  انتهى حينما بدأت عجلة الكوميكس فى التحرك.

مزاجه الشخصي

مزاجه الشخصي

(لم يكن اللباد الكبير يشرع لسطلة على الرسم، لا سمح الله، كان يعرض مزاجه الشخصى، لكنى ساعتها لم أفهم ذلك.

لو تأملنا رسوم / تراث اللباد، ما تركه لنا، سنجده يصيغ لقطة للأبطال الخارقين، السوبر هيروز يعنى، مع شخصيات ديزنى وهم يهتفون بكلمات أغنية محمد ثروت.مصريتنا وطنيتنا حماها الله. اللقطة بديعة، كنت أراها سخرية من هذا الفن، بينما الآن أرها تطويعا لهذه النماذج، محاولة لشدهم نحو ثقافتنا البصرية. )

  لكن سؤال الهوية لا يزال مطروحا داخل فن الكوميكس..هكذا نفتتح كلامنا عن الكوميكس.

2

لتعلم أن التوك توك ماشٍ، ولن يتوقف، وسر ذلك اللعب الممتع فى السياق، هذه التجربة خرجت من قلب رسامين فقط، الرسم هنا هو المعلم والأستاذ، عالم بصرى كامل، يمكنك أن تغرق فى الرسوم، متعة، مُلك.

كان لابد من هذا الاستهلال، لأننى أقول لك الحقيقة فأنا أحب “توك توك”.

ليس هذا الكائن الذى لا يستطيع العودة للخلف ويركبه الناس، بل هو توك توك لا يرجع للخلف، يتقدم فقط لكنه محطة الرسوم المتحركة.

بادى ذى بدء لابد من الاعتراف أننى متابع جيد، ليس  أكثر، لا أكتب هنا كقيم على منتج، أو كخبير، لا سمح الله، لكننى أعبر، فقط، عن اندهاشى من تجربة جبارة صنعتها فقط خمسة أعداد.

فريق توك توك

فريق توك توك

إذا تابعت “توك توك” ستجد أنها تتطور، الفنانون يتزايدون، المعالجات البصرية تتطور.

قبل الثورة بأيام قليلة صدر العدد الأول من محطة الرسوم المتحركة، قبلها كنا نعانى من غياب مجلات تنشر ثقافة الكوميكس فى مصر. أغلب تجارب هذا الفن تطورت بعدما تخصصت مجلات لتقديم هذا الفن، كنا قد بدأنا انتشار ملحوظ عبر الجرائد، جريدة “الدستور” فى طبعتها الثانية كانت تفرد مساحات بارزة لهذا الفن، كانت أول من نشر هذا الفن، أذكر إعادة نشر تنابلة السلطان للرسام الراحل الكبير حجازى.

الكائنات الدائرية، مغامرتهم اللطيفة، كسلهم المحبب. العمل نشر فى “سمير”، وربما يكون أول عمل كارتونى يحاكى فن الكوميكس. معالجات حجازى البصرية، فتحت الطريق لهذا الفن، وكذلك نحت اللباد، بهجت عثمان، وآخرين الطريق لثقافة بصرية حرة تكتفى بالرسم وحده لتقديم الحكاية..أى الكوميكس، والله أعلم.

صفحة من توك توك

صفحة من توك توك

‎3

منذ 2005 ، وأنت طالع كنت تسمع عن محاولات لتأسيس مجلات متخصصة لهذا الفن، جذب الكوميكس رسامين والكتاب له، ولكن الأماكان التى كانت متاحة هى مجلة “باسم” السعودية، و”علاء الدين” المصرية، كان الفنان أحمد اللباد يدعم نشر القصص المصورة المصرية، تلك كانت أيام الكوميكس الأطفال. بعدها بدأ التفكير فى تقديم الكوميكس للكبار، تحقيق هذه النقلة كان يتطلب تكاتف، تأسيس مجلات، لكن الأحلام لا تتحقق غالباً، لهذا كان الاعتماد على النشر بالجرائد، والإنترنت طبعاً.

فى الغالب تبدأ صناعة الكوميكس -فى أى ثقافة- بالمجلات المخصصة لهذه الصناعة، الانتشار الأول يكون عبر الصحافة، ثم تأتى المجلات، نسير على هذا المنوال، مثلما جرى ذلك فى أمريكا، وحتى لبنان، “السمندل”، مثلا، ساهمت فى نشر الثقافة، ولكن محاولات النشر فى مصر أصعب، ليس لدينا اعتياد على الكوميكس الاحترافى مثلا، أو الكوميكس المقدم للكبار، لهذا كنا فى حاجة لمجلة تدعم هذا الفن..هكذا ساعدت تجربة توك توك (يحررها شناوى، ومعه: مخلوف، هشام رحمة، أنديل، وتوفيق) فى دخول الكوميكس المصرى فى مرحلة المجلات، ثم جاءت “الدوشمة”، (يحررها مجدى الشافعى، وآخرون)، ثم قدم جنزير وجورج عزمى مجلة فى طبعة محدودة “م الآخر”، ومؤخرا بدأ فى تأسيس تجربة خاصة، أخرى، تحمل اسم “زين العرب”، هى تجربة إليكترونية، نشر نسختها الأولى على موقعه.

مجدى

مجدى

تقوم الفكرة على اختيار تيمة للعدد، ويساهم الفنانون للمشاركون برسوم مستوحاة من هذه التيمة، تيمة العدد الثانى متاحة الآن للجميع حتى يشاركوا. بوجود المجلات، سؤاء كانت فردية أو جماعية، يمكننا أن نطمئن على صناعة الكوميكس.

لا يمكننا وصف حالة الكوميكس إلا بالتأكيد على سيطرة الرسامون الآن على المشهد حاليا، وفى المستقبل أيضاً.

تجربة فردية طرحها مجدى الشافعى عام 2008 تمثلت فى “مترو” أول رواية مصرية مرسومة، ثم توالت التجارب، لكن الكوميكس المصرى تعطل كثيرا فى السير قدما بالرواية، وكان الإنجاز الأكبر فيما يخص المجلات، كما لو أننا نراهن على المجموعات القصصية فى لغة الأدب.

أنديل

أنديل

4

قلنا أن السيطرة كانت للرسامين، ربما انعكس ذلك على طبيعة الإبداعات الحالية..

قريبا جدا لن يحتاج القارئ لمتابعة بالونات الحوار، لأن الرسم بصريا يخبرك بكل شىء، وأنت تتأمل رسوم “أنديل”، بلا بالونات، وستكتشف ذلك بنفسك.

راجع “الراعى والذئب”، (توك توك 5) مثلا. يرسم أنديل دوما بسلاسة لا تتوقعها، أنديل يظلم نفسه، يمكن أن يكون ماكينة انتاج للكارتون بلا توقف. هذا الإنسان يفجر الكارتون من كل شئ.

رغم أن الأسلوب الذى تعتمده كافة منتجات الكوميكس حتى الآن أسلوب أقرب لصناعة الأفيه، إلا أن الحضور الطاغى للرسم، للتيمات البصرية الفارقة فى توك توك عامة، وفى حالة أنديل مثلا، لن يجعلك تنشغل بالنوعية، بأسئلة الحكاية، مسارات الدراما والعياذ بالله، بل ستسحبك الرسوم دون أن تدرى أين تقع قدمك، بل وأين ستكون بعد قليل.

فى الراعى والذئب ستتوقف عند كادر لضابط، جسده ممتلئ، يسيطر على الكادر تماما، فعل السلطة متكامل هنا، الصورة تعبر عنها كما يقول الكتاب، العين ستبقى مسلطة على فكرة مركزية الضابط سطوته الكاملة، لكن أنديل يضع بصمة تدمر منظومة التركيز على السلطة، فى طرفى الكادر أصابع الضابط تقدم رسالة أخرى تعكس تماما المركزية، لتتحول للطرفين فتعلم رسالة قد تكون صادمة، لكنها رسالة قوية، لن تنساها بسهولة..هذا ليس أفيهاً، ليست نكتة، ليست أسلوبا خارجا، بل مزج يقدم الدراما الحية بصرياً، ببساطة هكذا يصنع الكوميكس. صياغة بصرية، لا تشعر بصنعتها، بتكلفها، ببحثها عن الأفيه.

حرائق قادمة

حرائق قادمة

قد يكون الإبداع بشكل عام مهدد، نتوقع قريبا أزمات، حيث يخاف المبدع على أخيه المبدع، وعلى نفسه أيضا، من المد الدينى، ذلك الصاعد فى البرلمان، تجرى هذه المخاوف بينما تجربة توك توك تثبت أن الإبداع ماشى، ولا مخاوف ولا يحزنون.

5

قريباً، والله أعلم، إذا لم تجر مجازر للإبداع، كما يتوقع أغلب المثقفين، لن نستخدم أبدا كلمة جرئ للتعليق عن عمل فنى، لأن ذلك سيكون عاديا، ربما سيكون الجرئ شيئا آخر جديد تماما عما اعتدناه، لأن المساحات المفتوحة فى الكوميكس حاليا متجاوزة لكل ما تتخيله، قوس الجرأة الىن مفتوح، لم يغلق بعد، تأمل  قصة كاملة عن موضوع واحد حول العلاقة الجنسية، كيف ينبسط الرجل أكثر؟ هكذا هى القصة، تخيل..إذا ما تغاضينا عن التصور الذكورى سنجد أن الجرأة قد ماتت، لأنها صارت فعلا عادياً.

6

بشكل عام ما يشغلنى حاليا، وربما ما يشغل أغلب المتحمسين لخبطات الفن البصرى الجديد فى ثقافتنا، هو سؤال عن المستقبل فى مصر؟ المستقبل مُبشر كما يرى “أنديل”، لوجود خلفية وعلاقة جيدة بين القارئ المصرى والرسوم الفنية، بسبب تقديم الصحافة لها والتعود على الكوميكس الموجه للأطفال، خاصة بعد تجارب المطبوعات المخصصة للكبار، “بدأت تنشط تقافة تعاطى الكوميكس بين شريحة أكبر من القراء”، لكننا لم ندخل بعد مرحلة التصنيع، حيث يرى أنديل اننا لا نستطيع أن نقول أن لدينا “صناعة مستقلة، ما يحدث محاولات فردية أو جماعية من المحبين والدراويش”، أى أن عجلة الكوميكس تتحرك ببطء كما يقول أنديل.

تجارب معرفية

تجارب معرفية

أغلب الرساميين الآن يقلدون الكوميكس اليابانى والأمريكانى، ولا يمكنا الحديث عن المستقبل طالما أن الصناعة لم تتطور، “حينما تتطور (الصناعة) ويصبح لها أهداف تجارية، ورسالة فنية خاصة، حيبدأ يبقى لها شكل خاص، وستايل مصرى واضح وفريد، هنا يشير أنديل لتجربة “توك توك”، ومحليتها، والتى يراها ميزة، حيث يقول:” أجمل ما فى هذه التجربة هى جماعية المشروع، والعمل بروح بها قدر كبير من الإخلاص للقضية، كما أن المصرية المفرطة للتجربة ستساهم-إن شاء الله- فى تقريب الكوميكس للناس، وإشعارهم بقربه من واقعهم”

7

أعود لمرسم الراحل الكبير محى اللباد، بمصر الجديدة، ودوامة النقاش

أو سؤال الهوية الذى لا يزال مطروحا داخل فن الكوميكس..

أتكلم مع صاحب دار نشر جديدة متخصصة فى الكوميكس، الرجل متحمس، مؤمن، يريد أن يكون ناشرا متخصصا فى هذا الفن، لكنه ألقى جملة: أريد أن أقدم رسوما مصرية؟ هذه الجملة العادية جدا، ولا تتعجب، ربما تكون أجلت الكوميكس المصرى لسنوات وسنوات.

تقديم فن مصرى، سبحان الله، هناك شبه اتفاق على أشكال المصريين، إذا رسمت شخصيات وفقا لهذا التصور فأنت تقدم كوميكس مصرية، لونه قمحى، انفه مفلطح، شعره أكرت، هكذا. حتى لو تخليت قليلا عن هذا التصور، ستجد أننا لم نشكك للحظة فى وطنية المواطن المطحون(شخصية ابتدعها خالد الصفتى فى مجلة فلاش لشخص بلا ملامح عباره عن جمجمة وهيكل عظمى فقط.. ترى أين ذهب خالد الصفتى؟) “فلاش” لمن لا يعرفها كانت فتحا كبيرا وحجر زاوية  للجيل الحالى من منتجى الكوميكس، خالد الصفتى كان الفنان الأول الذى غزى العقول والأعين، “الومضة الخاطفة” بهرت العيون عام 89 واستمرت حتى اعتدنا بصريا على هذا الفن، كانت فلاش موجهة للأطفال، لكنها غرست فى هؤلاء الأطفال ما جعلهم يقدمون على خطوة تقديم توليفة بصرية للكبار.

بعد فلاش انفتح هذا الجيل على تجارب أكثر نضجا ووعياً محى اللباد، بهجت عثمان، وأخيراً مصطفى رحمة.

عاطف الطيب مخرج وفنان مصري قدم أعمالاً مصرية

عاطف الطيب مخرج وفنان مصري قدم أعمالاً مصرية

 لكن الكلام عن الفن المصرى، أو إبداع كوميكس مصرى، تفكير ليس عمليا، وليس فنيا، أفهم أن هناك مساهمات مصرية فى فن ما، فقط لأسباب خاصة بطبيعة المبدعين، لكن رسم مصرى أمر أقرب للتصور على أن كراسة التعبير هى المرجع الأساسى للإبداع، وأن هناك موضوع تعبير نموذجى يستحق الدرجة كاملة، وهذا بالطبع لا علاقة له بالفن. رغم ذلك لا يمكننا تجاهل فكرة أن سؤال فن الكوميكس المصرى كان مطروحا، بعض الفنانين الكبار رفضوا الكوميكس لمثل هذه الأسباب، أو لم يتحمسوا للمشاركة فيه، لكن هذه الآراء مواقف فنية شخصية، خاصة بنظر الواحد منهم لإبداعه، لا يمكن تعميمها، خاصة أن المساهمات المصرية فى هذا الفن تؤكد قدرته على استيعاب الإبداعات المصرية الشابة، والله أعلم.

من أعمال صاروخان

من أعمال صاروخان

8

تجارب كثيرة ..هناك من قدم رسوم توضيحية مع نصوصه، واعتبر ذلك ضمن الكوميكس، نحن فى مرحلة البدايات، ولا يمكننا أن نشدد. الجميع من حقه أن يساهم، لكن على الأقل علينا أن نضع تعريفا واضحا، الرسم والكتابة، والحكاية كذلك، الدراما كلها نابعة من الرسم، أقول هذا لأن هناك من قدم إبداعاً عبارة عن كولاج مجمع من روايات عالمية مرسومة بما يتناسب مع الحكاية الجديدة على أنه كوميكس، أو إعداد فنى لكوميكس، مثل هذه تجارب لها أهميتها، لأنها تثبت انتشار الاهتمام، لكن الإنتاج لا يزال محط نظر.

9

الكاتب محمد ربيع دخل مؤخرا عالم الكوميكس عبر مجلة الدوشمة، مساهمات ربيع فى الفن ستصدر ضمن العدد الثالث من المجلة التى تصدر عن مركز هشام مبارك للقانون، ويشرف عليها مجدى الشافعى. ربيع يأمل فى إنتاج رواية كاملة، لكنه خطوة مؤجلة الآن.

أفضل الاستريب.يقول. هو مُعبر بشكل جيد معى، يمكنك أن تقول أننى اكتشف التقنية.. مُبهرة، هناك تحديات كبيرة تواجهنى ككاتب.

الوسيط نفسه يقدم الخيال، يوضح ربيع، من الناحية البصرية القارئ لم يعد مشاركا فى الصياغة البصرية، هذا عامل ناقص فى عملية التلقى هنا. لكن الطريقة نفسها تفرض تحدى آخر، حينما تكتب تكون مشغولا طوال الوقت بطريقة الحفاظ على القارئ، بعض حيل الكتابة ربما يكون دافعها ذلك، لكنك هنا تقدم التصور البصرى كاملا، أمامك تحديات أخرى أن تجعله يتابع ما يراه فعلياً .. هى أفكار خاصة بالفرق بين التعامل بسلطة القراءة، العقل / الإدراك مثلا، وجذب العين مع الوسيط الآخر.. الكلام لا يزال لربيع.

نحتاج لإخلاص، أن تكون هناك مجموعة مخلصة، ربما يساعد ذلك على تطوير الفن، تهدف لإنتاج عملا ضخما روائيا مرسوما..يقدم ربيع هذا التصور كمحاولة لتحقيق حلم مؤجل برواية عملاقة من الكوميكس.

10

الكوميكس الآن ، بفضل أبطال كثر، خارج متناول الأطفال، والتوك توك ماشٍ، وما يليه كذلك.

Share