الأدهم شاخصاً

في الصباح التالى ظل راقداً مكانه، ينصت إلى أصوات الضجيج والصراخ وأبواق السيارات وزعيق الرجال مختلط بنحيب النساء. الحاجة فاطمة عثر عليها مطعونة أكثر من طعنة وميته عارية في البانيو في منزلها، دهب الست فاطمة تم سرقته إلى جانب مبلغ مالى لا يعرف أحد قيمته.

ظهره على الفراش وعيونه مثبتة في السقف لم يكن أدهم بحاجة ليعرف تفاصيل أكثر، رن الهاتف فجاء صوت والده:

-أنت مش هتروح الجامعة.

-النهاردا مفيش غير محاضرة واحدة، وأنا صاحى واخد دور برد شكلى، هقعد اذاكر في البيت.

-طيب هتلاقي محشي كوسة وصدر فرخة مسلوقة ممكن تسخنهم وتاكل لو جعت.

-شكراً.

أغلق الهاتف، خلع ملابسه، وذهب إلى الصالة حيث فتح التلفاز، ورفع صوته لأعلى درجة، بحيث تغطى الضوضاء التلفزيونية على ضوضاء الحادثة التي سيكتشفها الجميع الآن. اندلعت الصرخة الأولى كحريق، تبعتها صرخات وعويل، فتحت النوافذ وأبواب الشرفات، تكررت الجملة: “في أيه.. أيه اللى حصل؟”. أصوات الأقدام المتسارعة صاعدة وهابطة السلم.

الحاجة فاطمة ماتت، لقوها مدبوحة في شقتها.

الأدهم عارياً إلا من البوكسر، وضع يده على فمه، عيونه شاخصة في اتجاه التلفاز الذي يعرض لقاء مع محافظ القاهرة. انتبه بعد دقائق ليده الموضوعة على فمه كأنما تكتم عبارة أو صرخة، أزاح يده اليمنى بيده اليسري لكن لم تخرج صرخة ولا كلمة.

ما الفائدة من الكلام؟

ليست هذه المرة الأولى التي يمر بها الأدهم بمثل هذه التجربة، لكن شرخاً عميقاً حدث له هذه المرة. إحساس ثقيل بالمسئولية وقع عليه، لكنها مسئولية مجهولة ملغزة، لا يعرف ما يجب عليه فعله، ولا ما الذي كان بإمكانه فعله. حتى التفكير في مبادرة كأن يذهب ويطرق باب منزلها ويخبرها ببساطة كل ما رآه، لم تكن شخصيته المركبة والتي يمثل التناقض والتردد جوهرها بقادرة حتى على التفكير في فكرة كتلك.

ثم كان أن رن جرس الباب. ظل صامتاً عبرت برأسه أشباح وأفكارة متعددة، ثم سيطرة فكرة واحدة على كل عقلها وتسربت لجسدها فظل مشلولاً مكاناً. ماذا لو كانت الشرطة؟ وهذا مخبر يطرق الباب ليسأله ما إذا كان قد رأى شيئاً؟

لكن من كان يطرق الباب كان يعرف. خبط بكف يده على الباب وهو ينادى “افتح يا أدهم”.

ارتدى أدهم شورت، وذهب لفتح الباب عاري الصدر. دخل حمودة. للدقة تقدم خطوتين. تراجع أدهم ثلاث خطوات. نزل حمودة على ركبته ثم انثنى جذعه شبه ساجداً وقبل أصابع أدهم العارية.

Share

الفنانون عن المؤسسات المستقلة: رقابة بدعوى التنمية والأدب خارج الخريطة

 يأتي “دعم الفنانين والمبدعين” على رأس قائمة أهداف كل المؤسسات الثقافية العاملة في مصر والمنطقة العربية. ساهمت هذه المؤسسات طوال السنوات الماضية في إعطاء الفرصة للكثير من الفنانين أحياناً من خلال توفير أماكن للعرض وأحيانا من خلال الدعم المادى والمعنوي والتمويل والإنتاج. تبدو الصور مشرقة من الخارج، لكن تفاصيل علاقة الفنانين والمبدعين بالمؤسسات الثقافية من الداخل تبدو أكثر تعقيداً.

فوتوغرافيا: Ferdinando Scianna

فوتوغرافيا: Ferdinando Scianna

تبدأ علاقة المؤسسات الثقافية بالمبدعين بصفتهم أولاً من الجمهور المستهدف. مثال على ذلك علاقة المخرج السينمائي شريف زهيري بتلك المؤسسات، يوضحها قائلاً: “في 2004 بدأ نشاط المؤسسات الثقافية في التوسع والانتشار لا في القاهرة فقط بل حتى الإسكندرية. وفي ذلك الوقت كان هناك مساران يمكن للشخص منهم أن يتلقى المعرفة ويتعرف على العروض الفنية المختلفة. المسار الأول هو قصور الثقافة ومهرجانات وزارة الثقافة، وتتميز بالبؤس الشديد والزخرفة المبالغ فيها. فدائماً قبل كل عرض هناك الطقس المقزز الذي يبدأ بتوجيه التحية لرئيس المكان، ووكيل الوزارة، ووزير الثقافة وبعد ذلك يأتي المحتوى وفي الغالب يكون سيء جداً.”

بيروقراطية المؤسسات أعقد من الحكومة

في مقابل عروض وزارة الثقافة يري شريف أن عروض وبرامج المؤسسات الثقافية المستقلة تميزت منذ البداية بالتنوع والبعد عن التنميط، واتساع مساحة الحرية والتجريب. ومثل جيل كامل من فنانين وسينمائي الإسكندرية فقد كان “للجيزويت” كمركز ثقافي أثر كبير على تكوين شريف، وبعد فترة لم يتوقف دور الجيزويت على البرامج والعروض التي يقدمها بل امتد إلى تنظيم الدورات السينمائية ودعم وتطوير قدرات السينمائيين الشباب.

المرحلة الثانية من عمل المؤسسات الثقافية المستقلة في مصر خصوصاً في علاقتهم بالسينما يوضح زهيري أنها بدأت مع دخول بعض هذه المؤسسات إلى مجال التمويل والإنتاج، أصبحوا منتجين للأعمال الفنية لا مجرد وسيط لعرضها. ورغم الدفعة الإيجابية التي أحدثها دخول العديد من تلك المنظمات إلى مجال الإنتاج إلا أن شريف يسجل عدداً من الملاحظات على نشاطها الإنتاجى حيث يقول: “تتحرك معظم المنظمات الثقافية وفق أجندة تنموية، وهذه الأجندة أصبحت تشكل ضغطاً كبيراً على المبدعين. بحيث أصبح هناك منح لإنتاج الأفلام بشرط أن يكون للفيلم علاقة بقضية المرأة أو العشوائيات أو حقوق الإنسان. بل حتى في العرض أصبحنا نسمع عن مهرجان لأفلام حقوق الإنسان أو أفلام المرأة. ومعظم التمويل الموجهة للأعمال الفنية والثقافية أصبح منصباً على التنمية أو أجندات ضيقة جداً،.. هذا يهدر الكثير من الفرص على المبدعين ويضيق من من مساحة حرية الفن”.

شريف سبق له وأن أخرج أكثر من فيلم بدعم وتمويل من مؤسسات ثقافية مختلفة، بعض تجارب تعاونه معهم يصفها بالايجابي والبعض شهدت عوائق مختلفة. يقول شريف أن التعامل مع المنتج التجاري في السينما أفضل كثيراً من التعامل مع المؤسسات الثقافية. فالمنتج التجاري يريد فقط أن ينجح الفيلم ويعود عليه بالمال، لكن المؤسسات الثقافية أحياناً أجندتها لا تكون معلنة. وتدخلاتهم كثيراً ما تكون دقيقة وتمس تفاصيل العملية الفنية.

يضيف شريف موضحاً تلك النقطة: “إذا أعلنت جمعية أهلية أو مؤسسة ثقافية عن دعم فيلم يناقش قضايا المرأة، فيجب أن تقدم فيلماً يتفق مع رؤيتها لمسألة المرأة أيضاً، لن يمكننى مثلا أن أقدم فيلم يهين المرأة، أو يلومها لأنها ضعيفة أو يقدم أي وجهة نظر بخلاف الصور النمطية الحقوقية. هذا عملية رقابة مؤلمة تمارس باسم التنمية أو حقوق الإنسان. وإن كان هذا لا ينفي توافر مساحة من المرونة لدى بعض المؤسسات”.

 يختتم شريف زهيري حديثه بالإشارة أيضاً إلى طبيعة المعاملات الإدارية مع المؤسسات الثقافية المستقلة، ومرة آخرى يقارن الأمر بالتعامل مع المنتج التجاري قائلاً: “مع المنتج التجاري أن تقدمه له سيناريو والباقي يتم من خلال المناقشات وجهاً لوجه، لكن مع المؤسسات الثقافية فكل التفاصيل لابد أن تكون مكتوبة، وكل معاملة لابد أن تكون موثقة. البيروقراطية وكمية الأوراق والمعاملات المطلوب من المبدع إنجازها لدى تعامله مع المؤسسات الثقافية ضخمة جدا، ووصلت لمستوى يتجاوز حتى بيروقراطية الدولة المصرية”.

 لكن بينما يشكو شريف من بيروقراطية الورق مع المؤسسات الثقافية فمخرج الأفلام التسجيلية أحمد رحال يشكو من التجاهل التام من قبل هذه المؤسسات، يقول أحمد: “اتفهم أن ترفض أحدى المؤسسات تمويل أي عمل فنى، لكن على الأقل يمكن أن يكون هناك رد يوضح أسباب الرفض. الكثير من المؤسسات الثقافية الداعمة للفنون شروطها ومقاييسها لا تكون واضحة، وهذا يؤثر كثيراً على مصداقيتها”.

حتى إذا حصل المبدع على دعم هذه المؤسسات فأبداً لا يكون هذا الدعم كافياً، وأحياناً تضطر إلى التعامل مع أكثر من مؤسسة وأكثر من جهة لتمويل مشروع واحد كما يضيف رحال. أما عن المساحات التي توفرها تلك المؤسسات لعرض الأعمال فيري رحال أنه يجب البحث عن تطوير آخر لهذه الخدمة، فمسألة العرض أصبحت محلولة خصوصاً مع توافر الانترنت.

مريم صالح: لا اتعامل مع المؤسسات المطبعة

 بينما لا ينكر الكثير من المبدعين أن المؤسسات الثقافية لعبت دوراً هاماً في تكوينهم من خلال البرامج والعروض التي تقدمها فالمغنية مريم صالح ترى أن تأثيرها كان ضعيف عليها حيث من خلال أسرتها ووالدها المسرحى الراحل صالح سعد، لكن مريم لم تتعرف على أشكال مختلفة من الفنون من خلال والدها فقط بل تضيف: “والدى كان لديه مشكلة مع أي مؤسسة تتلقي تمويل من الخارج، وأنا كنت حاملة لجزء من هذه الأفكار. كان لدى وجهة نظر تعود للنظريات القديمة حول أن أي مؤسسة لديها أجندة وتبع أمريكا، لكن بعد ذلك تغيرت وجهة نظرى على حسب المجموعة المشتركة في التمويل والأهم إعطائي مساحة الحرية اللازمة والتي احتاجها وهو المعيار الأولى بالنسبة ليا”.

رغم تعاملها مع العديد من المؤسسات الثقافية الأجنبية والمحلية لكن مريم ترفض على سبيل المثال التعاون مع أي مؤسسة تعمل في مجال ثقافات البحر الأبيض المتوسط لأنه هذا يعنى في الغالب وجود إسرائيل وهى ترفض العمل معهم.

بدأت مريم الغناء في فرقة الورشة لمدة سنتين حيث اكتسبت معرفتها الموسيقية، وبدأت عروضها الموسيقية في ساقية الصاوى، لكن بعد هذا بدأت تظهر المشاكل مع الساقية بداية من فرضهم نوع محدد من الملابس على الفنانين، والرقابة المسبقة المفروضة من قبل إدارة الساقية، تحكى مريم أنها في إحدى العروض “انزلوا الستارة وأغلقوا المسرح فعلياً وأنا أغنية (شيد قصورك على المزارع) للشيخ إمام”

 مثل معظم الموسيقيين تشكو مريم من الأجور التي تمنحها المؤسسات الثقافية للفنانين تقول مريم: “في الثلاث سنوات الأخيرة ضخت الكثير من الأموال في القطاع الثقافي المستقل عن الدولة، لكن للآسف معظم المنظمات استغلت هذه الأموال في تكبير مؤسسساتهم ومساحتها، وهذا جيد لكن المشكلة أن هذا الأنفاق أتى على حساب ما يقدمونه للفنانين. حالياً تأتى بعض المؤسسات وأنا أعرف أن لديهم تمويل ضخم، لكنهم مثلا يعرضون عليك الغناء مقابل نصف الأجر الذي كنت تتقاضه من أربع سنوات. بعض المؤسسات ساعدتنى في بداية مشوارى وأكن احتراماً لهم فحينما يستدعونى اذهب للغناء بغض النظر عن الأجر، لكن الوضع بائس جداً لأن هذه المؤسسات تحتكر معظم المسارح والمساحات الفنية وتفرض شروطها وأجورها على الفنانين وتتركهم بلا خيار سوى البحث عن منحة إقامة في الخارج للحياة بشكل لائق والعمل على مشاريعهم الفنية.”

جحيم الساقية

جحيم الساقية

الساقية: جحيم الرقابة

 حصل مريم على منحة من آفاق لإنتاج ألبومها الموسيقي، وتأكد مريم قبلها أن تمويلها يأتي من خلال مجموعات من رجال الأعمال العرب، وفي المجمل تصف مريم تجربة عملها مع آفاق بأنها كانت إيجابية.

تحتل الساقية المرتبة الأولى كأكثر مكان يمارس الرقابة على الفنانين والمبدعين، وفي تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير الأخير عن “الرقابة على التعبير الفني في مصر.. رقباء على الإبداع” تأخذ الساقية مكاناً بارزاً حيث الرقابة تمتد إلى سلوكيات الجمهور والأعمال المعروضة وملابس الفنانين وحتى الطريقة التي يحيي بها الأصدقاء بعضهم البعض. يوسف عطوان من فريق “لايك جيلى” يقول عنهم: “آخر مرة تعاملنا مع الساقية أخبرونى أن أي مخالفة للآداب أو الأعراف سندفع عليها مائة جنيه، فتوقفنا عن الغناء هناك”.

لكن لا تتوقف الرقابة على الساقية بعض المؤسسات الثقافية تطلب منهم في بعض العروض عدم ذكر بعض الكلمات، لكن المشكلة الأكبر في رأى يوسف هي الأجور التي تعرضها هذه المؤسسات على الفنانين يقول يوسف: “لاتوجد مساواة حتى بين الفنانين المصريين والفنانين الذين يدعونهم من الخارج. المؤسسات الثقافية تدفع بالدولار وتتحمل مصاريف السفر والإقامة لاستقدام فنانين عرب إلى جانب مصاريف الدعاية لكن حينما يتعاملوا مع فنانين مصريين فيعرضون أجور مضحكة. المؤسسات تنفق ببزخ على المعدات وتجهيز المسارح لكن بند أجور الفنانين يبدو كأنه أول ما يتم اقتطاعه.” الأزمة في رأى يوسف أن تلك المؤسسات تحتكر المسارح ومساحات العرض وبالتالي تترك الفنانين بلا خيار إلا التعامل معهم والموافقة على شروطهم.

لا مكان للأدب

تتنوع المؤسسات العاملة في المجال الثقافي ما بين المخصصة للفن المعاصر أو الموسيقي أو تلك التي تركز على أكثر من نوع، لكن ولا مؤسسة من تلك المؤسسة تهتم بدعم الأدب أو الترجمة أو حتى القراءة. المترجم والكاتب محمد عبد النبي يحكى أنه منذ سنوات شارك في ورشة للكتابة نظمتها المورد الثقافي بعنوان “صفحة جديدة” لا يزال عبد النبي يذكر أثر تلك الورشة عليه وعلى عمله الابداعى، ويري أن الفضل يعود لها لقيامه بعد ذلك بسنوات بتنظيم ورشته الخاصة للكتابة. لكن برنامج “صفحة جديدة” اختفي من المورد مثلما اختفت كل البرامج الموجهه لدعم الأدب كأنما أصبح خارج النشاط الثقافي.

 صاحب “شبح أنطوان تشيخوف” يري أن وجود تلك المؤسسات إيجابي بكل المقاييس يقول عبد النبي: “أنا مع التعدد والتنوع وأن يكون هناك أشكال موسيقية وفنية مختلفة، حتى لو لدى هذه المؤسسات بعض التوجهات فمن حقهم، لا أحد يستطيع أن يقدم كل شيء، وأنا مع دعم هذه المؤسسات وبناء جسور بينها وبين الكيانات الحكومية.”

أما تفسيره لغياب الأدب عن خريطة برامج هذه المؤسسات يقول عبد النبي: “ربما لأن الأدب ليس فيه الجانب الاستعراضي، فالتركيز عليه ليس بما يكفي، أو ربما يرون أن الأدب لا يحتاج إلى الدعم. أنا شخصياً أري أن أكثر ما يحتاجه الكاتب هو الدعم المادى والمنح التي تقدمها هذه المؤسسات للكتاب شيء لطيف، لكن أيضاً ورش الكتابة والتعليم وحتى ورش الكتابة للمحترفين أمر مهم، بعض الأنواع الأدبية تحتاج إلى دعم حقيقي. الشعر مثلا يرفض معظم الناشرين نشره الآن، لماذا لا يكون هناك دعم لحركة نشر الشعر على سبيل المثال؟”

 لا ينكر محمد ربيع تأثير تلك المؤسسات على المشهد الثقافي أيضاً ويري أن دورها الأهم بالنسبة له في البرامج والحفلات الموسيقية التي تنظمها واستقدام فنانين من الخارج مما أتاح الفرصة للجمهور المصري بالتعرف على أنواع مختلفة من الموسيقي.

شارك صاحب “عام التنين” منذ سنوات في ورشة نظمتها جائزة البوكر للكتاب الشباب، وقد كان هذا من أفضل الفعاليات الثقافية التي شارك فيها لا على مستوى التعلم فقط بل لقاء كتاب عرب آخرين من العراق واليمن والتعرف على واقع وهموم الكتابة في تلك الدول. نتيجة هذه الورشة كانت انجاز كل كاتب لقصة أو فصل من رواية وترجمتها للانجليزيه حيث من المفترض ان تنشر في كتاب مع الجائزة. يعتقد ربيع أن مثل هذه الورش والنشاطات ذات العلاقة بالأدب لا تحدث في مصر نظراً لتكلفتها المرتفعة، لكنه يتمنى على الجانب الآخر أن تتيح تلك المؤسسات للجمهور المصري التعرف على كتاب عرب وعالميين آخريين مثلما تستدعى الموسيقيين والكتاب.

إسلام شبانة: الشللية تحكم

 مسألة أجور الفنانين المشاركين في عروض المؤسسات الثقافية تبدو أعقد من كونها نتيجة لضعف التمويل المقدم لها، فالفنان إسلام شبانة يعلق قائلاً: “هنالك أ أرقام فلكية تسمع على هوامش معارض او مشاريع “معينة” لأسماء فنانين “معينة” أيضا. خصوصا العروض الخاصة بالفنون المفاهيمية ومؤخرا أي عرض له علاقة بالثورة..مهما كان حجم العمل أو تعقيده أو حتى أهميته وجودته كإمتاع بصري أو فكري. وعند زيارة بعض تلك المعارض فنجد أن الجودة قد لا تتخطى جودة طلاب المعاهد والكليات الفنية في أي دولة أوروبية ناهيك عن العروض التي تتسم بصبغة الفلسفة الفائقة التعقيد وأيضا التقليد والفبركة. فأين الفن التجريبي اذن اذا كانت العروض قائمة على “نجوم” بعينهم في المشهد الفني في مصر. هؤلاء النجوم هم من يستطيعون بكل ثقة كسب أي منحة أو أي عرض (مهما كانت جودته) داخل أو خارج مصر تبعا لأي مؤسسة.  “

شبانة علق أيضاً على صفحتنا على الفيسبوك على التعليق الذي نشرناه العدد الماضى حول ميزانيات المؤسسات الثقافية قائلا: “أود أن يتم فتح النقاش فيما يخص تمويل الأجيال القادمة والفنانين “الشباب” وهل سيحتاجون لأن يعملوا في شركات الدعاية والإعلان أو الديكور لكي يوفروا لقمة العيش؟ وربما يستطيعون في وقت فراغ ما أن ينتجوا فنا تكون نتيجته أنه نصف فن ملطخ بالشقاء ونكهة التسويق أم سيتم توجيه تمويل تلك المؤسسات جديا لتغطية الفنانين وتوفير لهم الأدوات والتعليم والحياه الكريمة المنتجة. فبعد كل هذه الأرقام المعلنه (وما خفي كان أعظم) ولا نرى نتيجة منطقية لحجم هذا التمويل، والمشهد الفني مازال بجودة إبتدائية ومراهقة للغاية ولا يكتسب شرائح جديدة بل أن “الشللية” والمحسوبية هي سمته الأولى حتى في حضور المعارض

—-

نشرت في أخبار الأدب

Share

خريطة منح المؤسسات الثقافية المستقلة: فورد والاتحاد الأوروبي للكبار وعبارة والصندوق العربي للصغار

 

في أحد بنايات جاردن سيتى القديمة يقع مقر مؤسسة مدرار المعنية بدعم الفن المعاصر. أسس مدرار منذ سنوات محمد علام وضياء عثمان وانضم لهم مجموعة من الفنانين الآخرين الشباب، وطوال مدة عملها تميزت مدرار بتشجيع التجارب الجديدة ومحاولة دعم وتقديم أعمال وفنانين للمرة الأولى. ربما كانت أبرز الفعاليات التي نظمتها طوال الفترة الماضية هي معرض بشاير الذي نظمته أكثر من مرة وهو معرض جماعي نجح في تقديم عشرات الأسماء الجديدة إلى دائرة الفن المعاصر. وخلال السنوات الماضية  كبرت مدرار من كيان يربط بين مجموعة من الفنانين، إلى مؤسسة ذات مقر يتكون من مساحة واسعة في جاردن سيتى مقسومة لجزء يشمل المكاتب الإدارية للمؤسسة ومساحة عرض تستضيف حالياً معرض “صن-رع”.

لسنوات كان عمل مدرار يعتمد على الدعم الذاتي ويتحمل علام ورفاقه كل شيء من جيبهم الخاص، لكن الآن أصبح لمدرار علاقتها وسمعتها وتمويلها. سؤالي الأول لعلام كان عن ميزانية المؤسسة ولماذا لا يتم الإعلان عليه؟

فكرنا في مدرار أكثر من مرة في الإعلان عن ميزانيتنا خصوصاً وقد رأيت عشرات المؤسسات الثقافية في الخارج تعلن عن ميزانيتها من باب الشفافية، لكن المشكلة أنه لا توجد مؤسسة فنية أو ثقافية تقوم بذلك في مصر، لذلك تخوفنا إذا قمنا بهذه الخطوة أن تراها بعض المؤسسات الزميلة والشريكة معانا نوع من المزايدة.

مروة مرجان المسئول الإعلامى لجاليرى التاون هاوس نفت من جانبها أن تكون ميزانية التاون هاوس سرية حيث قالت: “ميزانية تاون هاوس ليست سرية، فعلى سبيل المثال نشرت مؤسسة المورد الثقافي مطبوعة “مقدمة إلى السياسات الثقافية في العالم العربي” في ٢٠١٠، و التي تضمنت ميزانيات العديد من القطاعات الثقافية في العالم العربي و معلومات عن مصادر التمويل، وتم الإعلان عن ميزانية تاون هاوس للناشرين. كما تنشر أغلب المؤسسات المانحة قيمة المنح التي تقدمها للمؤسسات الثقافية حول العالم و من بينها تاون هاوس.  لكن بما إننا لسنا مؤسسة حكومية أو ذات ملكية عامة فلا نرى أن هناك ضرورة تلزمنا من إعلان الميزانية بشكل رسمي للعامة.”

لكن حينما طالبت علام بالاطلاع على ميزانية مدرار قام مشكوراً بإرسال نسخة مبسطة من الميزانية. حيث تلقت مدرار خلال عام 2013 تسع منح متنوعة من مؤسسات مختلفة. ثلاثة من هذه المنح تلقتها مدرار من برنامج عبارة الذي تنظمه مؤسسة المورد الثقافي، منحة من صندوق شباب المسرح العربي، ومقابل قيمة الشراكة مع مهرجان دى-كاف وقد خصصت المنح الثلاثة للمصروفات الإدارية التي تشمل إيجار المكان والأجور والمرافق. أما بقية المنح فقد تم تخصيصها للمشاريع التي نظمتها مدرار خلال العام الماضى. وتضم منح من مؤسسة MITOST  الألمانية، مؤسسة التعبير الرقمى “أضف” مؤسسة دعم المبادرات الفنية بحيث تصل إيرادات مدرار خلال عام 2013 إلى 83 ألف دولار أمريكى.

تم صرفها 40% منها على المصروفات الإدارة لمساحة مدرار، 10% على مشروع معمل مصر الفني، 25% على مهرجان القاهرة الخامس للفيديو الذي تنظمه مدرار كل عام، 20% على مشروع تلفزيون مدرار والذي يهدف إلى توثيق وأرشفة حركة الفن المعاصر. وبلغت قيمة مصاريف 2013 لمؤسسة مدرار 64 ألف دولار، حيث تم توفير 19 ألف دولار لصالح مشاريع عام 2014.

***

تستحق مؤسسة مدرار الدراسة كحالة توضح طريقة عمل المؤسسات الثقافية، فالمشروع بدأ بمبادرة من محمد علام ورفاقه، لكن علام يأمل أن تتحول مدرار إلى مؤسسة لا تعتمد على وجوده كأشخاص. استفاد علام من منحة “عبارة” لدعم المؤسسات الثقافية في تطوير طريقة إدارة مدرار. حيث شكلوا مجلس إدارة من أصدقاء مدرار لكى يصبح المجلس مسئولاً عن وضع سياسة مدرار وبرامجها، لكن علام يعترف أن حتى الآن المجلس ليس فعال بشكل عملى، ويؤكد علام أن معظم المؤسسات الثقافية والفنية تعانى من ارتباطها بشخص المؤسسين والقائمين عليه. ربما يكون المثال الواضح على ذلك في حالة التاون هاوس، فمنذ فترة حينما مر “وليم” مؤسس ومدير التاون هاوس بوعكة صحية تعرض برنامج الجاليري كله للاضطراب. حينما سألت مروة مرجان المسئول الإعلامى للتاون هاوس حول الكيفية التي يتم بها اختيار وتصميم البرامج الفنية  قالت: “يعمل بتاون هاوس فريق فني، يقوم  بتصميم البرنامج بشكل موسمي بما يتماشى مع اهتماماته كمؤسسة تسعى إلى دعم الفنانين المعاصرين من الناشئين و المعروفين على حد سواء، و ما يتناسب مع ما تراه المؤسسة من احتياجات وفقاً للظروف والمعطيات المتغيرة للسياق الذي نعمل خلاله من أحداث سياسية و تغيرات اجتماعية و ثقافية. يقوم الفريق الفني بالبحث و التعاون مع الفنانين سواء من خلال دعوتهم للعمل في مشروعات محددة (مثل: مشروع الأمان الإجتماعي) أو تلقي طلباتهم لعرض أعمالهم (مثل عروض الأفلام الأولى، تعاون تاون هاوس مع فنانين شباب كأحمد شوقي في عرض فيلمه الأول “السيد الأقمر”، و مهند حريري في عرض فيلمه الأول أيضاً “غرفة بملايين الجدران”.

مروة أكدت أنه في الوقت الراهن، يعمل تاون هاوس على تطوير سياساته البرامجية.  خاصة وقد أقام تاون هاوس العديد من المشروعات “التجريبية”  خلال الموسمين الماضيين، وأضافت: “نحن على أتم الاستعداد لخوض تجارب فنية جديدة حتى و لو بدا خوضها مخاطرة. تاون هاوس كمؤسسة في حوار دائم مع الفنانين و العاملين بالمجال الثقافي لتبادل الخبرات و الآراء التي يستفيد منها في تطويره الذاتي.”

 

***

يمكن تقسيم التمويل الذي تتلقاه المؤسسات الثقافية إلى ثلاث مستويات، المستوى الأول هو المؤسسات المانحة المتوسطة والتي تدعم غالباً بمبالغ لا تتجاوز الـ50 ألف دولار، بعضها عربي كمؤسسة المورد، والصندوق العربي للثقافة والفنون وبعضها منظمات متوسطة في بعض الدول العربية. أما المستوى الثانى فهو التمويل من جانب السفارات وللحصول على هذا التمويل فيجب أن يشمل النشاط الثقافي تبادل ثقافي مع الدولة صاحبة السفارة المموله.

تعتبر السفارات الأوروبية هي أكثر السفارات العاملة في هذا المجال وتهتم بشكل خاص بدعم الفن المعاصر، ورغم أن مدرار قد نظمت مشاريع مع هذه السفارات إلا أن علام يعلق قائلاً: “لا أعلم الصراحة لماذا تهتم السفارات الأوروبية بدعم مشاريع الفن المعاصر بقوة ولماذا يهتمون بدعم مشاريع في النهاية لن يراها أكثر من 200 شخص”.

لكن الغموض الأكثر هو التمويل الأكبر خصوصاً من مؤسسة فورد والاتحاد الأوروبي والتي تدعم تأسيس المؤسسات الثقافية ومصاريفها الإدارية التي تكفل لها الاستمرار، وبالنسبة لمؤسسة صغيرة كمدرار فرغم كل هذه السنوات لم تنجح في الحصول على أي تمويل من تلك الجهات. والتي تقصر تمويلها على مؤسسات محددة أبرزها التاون هاوس ومؤسسة المورد. بعض المؤسسات لتسهيل حصولها على تمويل تلك الجهات تقوم بتسجيل نفسها في إحدى الدول الأوروبية وهو ما يسهل كثيراً من تعاونها مع الكيانات الداعمة الضخمة.

 هناك أيضاً المؤسسات التنموية حيث تنجح بعض المؤسسات الثقافية في الحصول على دعم من هذه المؤسسات وهى من الجهات الكريمة في منح التمويل لكن يستلزم الأمر لوى ذراع المشاريع الفنية لتصبح ذات غرض تنموى وهو ما يقول علام أنه لا يستطيع عمله.

على خلاف بقية المؤسسات الثقافية الأخيرة يمتلك المورد الثقافي بخلاف جهازه التنفيذي جمعية عمومية معلنة تضم مجموعة من المثقفين والفنانين من مختلف الدول العربية، إلى جانب مجلس فنى يرأسه حالياً محمد عبد الرحمن سالم المخرج المورتيانى، مسئولية المجلس الفني تحديداً السياسيات العامة للبرامج الثقافية التي ينظمها المورد. ولدى المورد قائمة معلنة بأهدافها خلال الفترة من (2012-2015) منها دعم وتشجيع 80 فناناً وأديباً عربياً، ودعم 30 مؤسسة ثقافية عربية وأهلية، إدارياً ومالياً.

يعلن المورد الثقافي تقاريره المالية كل عامين. في عام 2012 بلغ إجمالي دخل المورد 1,947,104  دولار أمريكى منها 1،902،625 دولار من مؤسسات داعمة والباقي من مبيعات التذاكر والمنتجات وتبرعات الأفراد. إجمالي المصاريف الإدارية 394 ألف دولار أمريكى، بينما بلغت مصاريف البرامج والأنشطة المختلفة 1،481،227. أما الجهات الممولة فأبرزها مؤسسة فورد، مؤسسة المجتمع المفتوح، المؤسسة الأوروبية الثقافيةومؤسسة الأغاخان الثقافية إلى جانب معهد جوتة والمركز الثقافي البريطاني، والهولندى، والفرنسي، والأسبانى.

 

Share

هل تخطت المؤسسات الثقافية البديلة مرحلة الفطام؟

 

1

حفاظاً على سرية المصدر لن نحكى الواقعة التالية بالأسماء أو التفاصيل، وإن كانت ليست حدثاً استثنائياً وإنما نمط متكرر معتاد ومتعارف عليه.

598586_411035178986557_304909219_n

منذ أيام نظمت أحدى المؤسسات الثقافية المصرية المستقلة ورشة عمل بدعم كريم من أحدي المؤسسات الثقافية الأجنبية العاملة في مصر. الورشة هدفت إلى حوار بين المؤسسة الثقافية المصرية وآخرى تقوم بدور مشابهه لما تقوم به في بلد أوروبي، اللقاء بهدف تبادل الخبرات على مدى عدة أيام في القاهرة. حضر الأجانب، جلسوا مع المصريين تحدثوا ليومين وتناولوا الشاي والقهوة ثم غادر الأجانب. قدمت المؤسسة المصرية المنظمة تقريريها وفواتيرها سليمة، وضع المسئول الثقافي الأجنبي ما قدموه له مع ملف إعلامى يحتوى على أخبار نشرت عن الورشة التى لم يعرف بها إلا عدد محدود من الأشخاص، رفع تقاير عن ذلك لرؤسائه في أوروبا، وشملوا التقرير في تقاريرهم إلى المجالس النيابية والجهات الرقابية لتتأكد من الديمقراطية لا تزال بخير، وكشعوب أوروبية يمارسون دورهم في نشر التنوير والتقدم وقيم الحوار والتعاون ونبذ التعصب.  

  تلتزم الدول الأوروبية –مشكورة على ذلك- بالتعاون في المجال الثقافي ولديها مراكز ثقافية أجنبية رسمية ومدنية ممثلة في القاهرة وأحياناً في مدن آخرى مختلفة من أنحاء الجمهورية. لدى هذه المراكز بالتأكيد توجهات ثقافية وآخرى قانونية كأن تشمل برامجها في مصر مشاركة فنانين من الدول التي تمثلها. ناتج ذلك هو ما يتملل منه المثقفون المصريون أحياناً تحت اسم “المركزية الأوروبية” وهو الاسم الآخر للانغلاق الثقافي.

يكفي أن ننظر سواء قبل 25 يناير أو بعدها على قائمة أسماء الشخصيات الثقافية والفنية التي تحضر في المهرجانات والأحداث المختلفة لنلاحظ غلبة الشخصيات والتوجهات الأوروبية، وذلك لأنهم يستثمرون في المجال الثقافي ونحن لا نملك المال اللازم للعمل في هذا المجال، وحتي إذا تم امتلاكه فلا توجد البنية القانونية والتشريعية التي يمكن أن تقنن وتسهل وتدعم عمل المؤسسات الثقافية وتساعدها على تنويع مصادر تمويلها.

2

كان من الجميل والمثير للفرحة بعد ثورة 25 يناير أن نشاهد كيف تدافع المثقفون المصريون لاجتماعات الأتيلية، وأن تدور النقاشات والمؤتمرات حول كيفية تحرير العمل الثقافي وهيكلة وزارة الثقافة، قدمت الخطط والاقتراحات لكن دارت دورة الحياة حتى أتى صابر عرب وقضي الله أمراً كان مفعولاً. لكن من المدهش كيف أن رؤساء مؤسسات ثقافية مدنية كانوا أكثر الفاعلين في وضع هذه الخطط والانخراط في جلسات برلمانية ولقاءات إدارية وسياسية لبحث سبل هيكلة وزارة الثقافة.

وزارة الثقافة تعانى بالتأكيد من مشاكل جمة وطاقات وإمكانيات يمكن استغلالها بشكل أفضل، وبعد ثورة 25 يناير يستحق الأمر وقفة وإعادة تفكير. لكن ماذا عن المؤسسات الثقافية البديلة، من يحاسبها على اختياراتها أو على انفاقها أو أجندتها؟ لا نقصد بالحساب هنا ما يتعلق بأرقام دقيقة عن جهات تمويلها ومصاريفها ونسبة ما تنفقه على مرتبات ومكافئات العاملين ففي النهاية هذا أمر يهم فقط الجهات الداعمة لها وأصحاب الأموال. وبينما نعرف كشعب مصري ميزانية وزارة الثقافة ومجمل أجور العاملين فيها وما يتم انفاقه على النشاط الحقيقي، فأننا لا نمتلك أي معرفة عن لوائح العمل الداخلى أو الأجور والميزانيات ونسبة النشاط الثقافي الحقيقي في المؤسسات الثقافية المستقلة، لكن هذه ليست أموالنا ومادامت المؤسسات الثقافية والقائمين عليها –الذين يحتكرون مقاعد القيادة وصناعة القرار منذ زمن فاروق حسنى- لا يريدون أن يشركونا في ذلك فلن نسأل.

سيتذمر الفنانون المصريون من الأجور التي يتقاضونها مقابل مشاركتهم في الفعاليات الثقافية المختلفة التي تنظمها تلك المؤسسات لكنهم سيقبلونها، لأنه ما من مجال آخري يمكنه احتوائهم وتقديم الدعم لهم. هذا الوضع يجعل من تلك المؤسسات خصوصاً في المجال الغنائي والموسيقي والفن المعاصر تلعب دور أخطر يتعلق بعملية التقييم الفني من خلال اختياراتها في الفنانين والعروض والبرامج التي تدعمها.

دارت معظم الخطط التي قدمها المثقفون ومعهم مديرين المؤسسات الثقافية المستقلة لهيكلة وزارة الثقافة حول كيفية تحرير ملكيتها وتفكيك سلطتها لصالح تخطيط لا مركزى وشكل إدارة أكثر حرية والتصاقا بالحراك المجتمعى، لكن الغريب أن لا أحد من مديرين المؤسسات الثقافية المستقلة أصحاب تلك الاقتراحات فكر في كيفية تطبيقها على مؤسساتهم التي يعملون بها.

دعوة لندوة ثقافية

دعوة لندوة ثقافية

3

المؤسسات الثقافية البديلة لعبت أدوار آخرى واستغلت ما تلى ثورة 25 يناير لاقتحام المجال العام على حياء والتوسع خارج إطار مركزية القاهرة والخروج بأنشطتها للشارع. كانت الفترة القصيرة من التفاؤل والبهجة التي تلت 25 يناير مرحلة خصبة أيضاً زاد فيه الدعم الموجه من قبل دول الاتحاد الأوروبي لدعم التنمية الثقافية خصوصاً في دول الربيع العربي، وإن حافظت البرامج المقدمة على نفس أجندتها وشروطها وعلى رأسها ضرورة تنفيذ المشاريع مع شريك أوروبي.

لكن المسألة لا تتعلق فقط بحتمية شراكة ترسخ لسيادة المركزية الأوروبية ثقافياً، بل بطلبية احتياجات الشريك الأوروبي الثقافية أحياناً وما يرغب في رؤيته. بعد ثورة 25 يناير طغى الاهتمام بالجرافيتى تزايد الكتب والدراسات والأفلام والورش التي تجمع فنانين جرافيتى من مصر مع فنانين من أوروبا. لكن في اندفاع المؤسسات الثقافية لتلبية الشغف الأوروبي بالثورة وفنها والجرافيتى كان كل شيء مباح حتى لو كان تحويل ما يفترض كونه فن شارع إلى معرض في قاعة بجدران مغلقة كما حدث مع معارض الجرافيتى المتعددة.

4

تربط السياسات الحكومية خصوصاً الأوروبية الثقافة بعملية التنمية، والدعم الموجه يأتي تحت بند دعم “التنمية الثقافية”. هذا الربط نتج عنه حتمية توظيف تلك المؤسسات للفنون التي تدعمها في مجال التنمية، بل وعلى الفنانين أحياناً أن يشكل هذا البعد التنموى جزء أساسي على الأقل من الأوراق التي يقدمون بها مشاريعهم.

هذا العام احتفل جاليري “التاون هاوس” بمرور 15 عاماً على تأسيسه، بينما يكون قد مر أكثر من عشرة أعوام على تأسيس المورد الثقافي. الاثنان ساهما بشكل مؤثر وفعال في المشهد الثقافي العقد الماضي، ولم يقتصر تأثيرهما على ما قدمها من خلال برامجهما فقط، بل دعمهم طوال هذه الفترة والمستمر حتى الآن لعشرات المشاريع والمؤسسات الثقافية والفنية. لم تعد المؤسسات الثقافية تجارب وليدة تستحق التشجيع فقط. ولم يعد التمويل قضية ذات حساسية يهاجمها مثقفوا الستينات فهم مشغولون الآن بتأيد السيسي، بل أصبح جزء رئيسي من اقتصاديات صناعة الثقافة والفن في مصر. مثلما التبرعات والقروض من الدول المختلفة تمثل جزء رئيسي من اقتصاد الدولة المصرية ذاتها.

—— —

نشرت في أخبار الأدب

Share

زيارة إلى كهف الخفاش

بعد أسابيع قليلة من تنحى مبارك عن السلطة غزت الشوارع موجة “جرافيتى” ذات وجه مزدوج تحتفي بانتصار الثورة أو تخلد شهدائها. لم يكن الأمر انتشاراً متزايداً في الجرافيتى بل انفجار لا يمكن الإحاطة به من شوارع وسط البلد حتى مختلف المدن المصري. وفي القاهرة وسط مهرجان الألوان المبهرجة، ظهر فنان جرافيتى ينفذ أعماله باللون الأسود فقط ويستخدم تقنية التكرار، حيث يرسم رسم واحد وهو بورتريه لوجه باندا حزين، أو صورة كاملة للباندا واقفاً في مكان ما وعلامات حزن غامض على وجهه كمن فقد حب حياته ولا يعرف سبباً لوجوده في الحاضر أو شغف يحمله للمستقبل.

من أعمال هشام

أثارت رسومات الباندا اهتمام عدد كبير من المتابعين، خصوصاً وقد حافظ على خصوصية الشخصية وسريتها. أصبح الباندا الحزين شخصية واسم فنى متداول ولا معلومات موثقة عن الشخصية الحقيقية. لكن أذكر أنى كنت في ميدان باب اللوق بوسط القاهرة حينما شاهدت الباند الحزين للمرة الأولى، وشعرت بالألفة منذ اللحظة التي وقعت فيه عيني عليه، لم يكن هذا الباند سوي مشروع لمجموعة فنية سرية حمل بصمة الخفاش كأحد الداعمين والمشاركين، الخفاش الذى تعرفت عليه في الكهوف السرية للانترنت منذ سنوات والمعروف على الشبكات الاجتماعية باسم “هاشم الكلش”.

في البدء كانت غرفة الشات، تلتها المنتديات فالمدونات ثم الشبكات الاجتماعية والتي بينما كان بنيانها يتشكل في السنوات التي تلت 2006، بدأت تظهر أشكال آخرى من التعبير لا تكتفي بالكتابة. وسط السديم كان الكلش يحاول تقديم نفسه للمجال الفني دون نتيجة، فحول من الانترنت منصة لعرض أعماله بعيداً عن سوق الجاليرهات، والتي تنوعت بشكل ثري في تعدده. كان أول ما شاهدته هي رسومات جريئة، بعضها منفذ إلكترونيا، والبعض لوحات بمقاسات مختلفة. كمثل معظم أعمال الكلش بعد ذلك كانت لوحاته تدور حول التابوهات الثلاثة، الجنس، الدين، والسياسية. إلى جانب الرسم والتصوير والفوتوغرافية فالموسيقي الالكترونية والتوليف هو أحد ألعاب كلش المفضلة يقدمها تحت اسم “Diijt”.

مؤخراً نظمت مؤسسة مدرار برنامج بعنوان “متروحش وايدك فاضية” الفكرة هي أن يفتح كل فنان مشارك في البرنامج/ المعرض أبواب الاستديو الخاص بيه للجمهور. وحينما زرت “هاشم” للمرة الأولى في غرفته الخاصة حيث يعمل وينام ويمارس الحياة كخفاش في كهفه كان يجلس بجوار صديقه مصطفي، يحاول تعريف جهاز التحكم في “البلاى ستيشن” على برنامج التوليف الموسيقي كرغبة منه في الاستفادة بولعه بالبلاى ستيشن واستخدام زراع التحكم كأداة موسيقية.

هذا الشغف بالشكل وبالتلاعب بدلالات الأشكال والرموز هو لعبة كلش المفضلة. لا يمكننا أن نلمح موقفاً سياسيا ايدلوجيا محدداً في أعمال الكلش. ستقف في حيرة إذا كنت تبحث عن تفسير وأنت تتأمل رسوماته والتي تتجاور فيها الرموز السياسية والدينية في خلفية بورنوجرافية. للآسف لم تلق لوحات وأعمال “كلش” اهتماماً قبل الثورة من أصحاب الجاليرهات، وإن شقت وجودها لدى جمهورها الانترنت، كان ولا يزال كلش يستغل الانترنت لبيع أعماله للجمهور دون وسيط.

photo.php

بينما نحن في الاستديو كان كلش يعرض علينا عدداً من لوحاته القديمة وحينما سألته لماذا توقف عن الرسم، كانت إجابته ببساطة “لأنه مبيأكلش عيش”. لا يريد كلش تحطيم منظومة صناعة الفن او التمرد عليها، بل يسعى ببساطة لأن يكون فناً أو للدقة عامل في قطاع الفنون كوظيفة وحياة ومصدر للرزق، حينما سألته مؤرخة الفنون كلير ديفيز أثناء الزيارة ما الذي يود أن يفعله إن أصبح لديه كل المال الذي يحتاجه. أجاب: “على الأرجح لن أفعل شيء سوف أكل وأشرب واستمتع بوقتى مع أصدقائي”. كأى عامل يسعى لحلم العيشة الهنية والحياة المرتاحة.

لكن لديه انحيازات جمالية وأفكار خاصة تتعلق بوظيفة الدور الذي يسعى لممارسته، فبعد الثورة حينما اشتهرت بعض أعماله خصوصاً في “الجرافيتى”. طلب منه المشاركة في معرض جمع عدداً متنوعاً من فنانى الجرافيتى، وكانت المفاجأة أن القطعة التي أنجزها “كلش” كانت أول ما تم بيعه وبسعر عالى جدا. تحمس أصحاب الجاليري وطلبوا منه أعمال آخرى، فأتى حاملاً لوحاته التي بالطبع كانت مختلفة عن ما يقدمه في “الجرافيتى” وحينما أخبرهم أنه لن يوقع لوحاته باسم “الباندا الحزين” اعتذر الجاليري عن قبول الأعمال.

يسعى كلش لدخول السوق لكن بشروطه الخاصة، لا يريد الدخول بصفته الباندا، لأن الباندا مكانه الشارع. يتحدث بمرارة عن “الشللية” والعلاقات الشخصية والروابط التي تجمع الفنانين وتحرك السوق بغض النظر عن قيمة الأعمال. لكنها في النهاية جماعات وتيارات تدفع بعضها البعض، وببطء خلال السنوات الأخيرة بدأ هاشم في الانفتاح على فنانين آخرين، ظهر هذا بقوة في المشاريع الموسيقية التي قدمها مع على طالباب وغيره من الفنانين.

في معرضه المقام حالياً بـ “Café De Prague” يعود هاشم بعد غياب إلى الفوتوغرافيا من خلال مجموعة من البورتريهات كلها التقطت في غرفته بورتريهات لزوار دعاهم إلى دخول منطقته الخاصة في كهف الخفاش، معظمهم حاضر في الصور بعالمه الخاص، كان الأمر أشبهه بتمرين بالنسبة لهاشم يتعرف من خلاله على عوالم آخرى دون أن يغادر كهفه. في أحدى الصور تظهر والدة هاشم وبين يديها قط أبيض، كانت هذه الصورة أول مرة يصور فيها والدته وصنع الصورة لها كهدية في عيد الأم.

553476_230889070357103_2008162510_n

Share

حديث غير مُجدى عن عقوبة الإعدام

ما أن يتم الحديث على ضرورة النظر في حق الدولة بالإعدام والمطالبة بإلغائه، حتى يشهر رد “ولكم في القصاص حياة”. ودون كل حدود الله ينفعل المدافعون عن إجرام الدولة في قتل المواطنين وسلب أرواحهم أمام حكم الإعدام، ويتجلى الإيمان والخشوع في صوتهم عند الحديث عن الحكمة الإلهية التي يفترضونها أن الله منح الدولة حق إعدام المواطنين.

في القرن التاسع عشر، ولتأسيس الدولة المصرية الحديثة جرت تغييرات جذرية في طريقة حكم مصر وتأسيس الهوية المصرية. حيث لم يعد المصريون رعايا ولا الحاكم خديوى أو رئيس جمهورية مسئول عن رعيته أو هكذا جرى تصور الأمر. ففي الدولة الحديثة تظهر المؤسسات ويتم تقسيم السلطات وإدارة اختصاصاتها بشكل قانونى يفترض التجريد والحيادية في خطابه، ويطرح نفسه بصفته ممثلاً لشيء خفي يدعى التطور أو التقدم أو أخطر ملاك ليس بوسع الجميع رؤيتها يدعى حكمة العدالة.

لا تنظر الدولة الحديثة إلى المواطن كغنمة شاردة تستحق الرعاية بل كممول لضرائبها وجزء أساسي من بنيانها وسبب وجودها. المواطن الصالح ذو الجسد السليم والعقل السليم هو ترس أضافي في ماكينة الدولة. هكذا صار الأمر، لذلك فإذا أخطأ المواطن لا يكون البديل هو عقابه أو القصاص، فالغرض من السجن ليس العقاب بل الإصلاح وإعادة تهيئة المواطن بحيث يمكن دمجه مرة آخري في بنية المجتمع ليعود الترس إلى مكانه.

لكن على رأى أستاذ مدحت يحدث هذا في حمامات الدول الأوروبية المتقدمة. أما في مصر فقد صار التطور في شكل هجين، لتكون النتيجة وحش  متنكر في ثياب البراءة والعدالة يطلق عليه الدول المصرية.

وضعت الدولة المصرية على سجونها شعار “السجن إصلاح وتهذيب”، وصدعت النخبة القانونية والتشريعية رأسنا طوال أكثر من قرن بالحديث عن الدولة الحديثة القائمة على إعادة مناقشة القوانين المصرية وإعادة تهيئتها بما يتناسب مع العصر الحديث. لكن كل هذا الخطاب يتوقف أمام عقوبة الإعدام ويظهر بدل منه خطاب “نخاف ألا نقيم حدود الله في الإعدام وقتل الناس.”

لا علاقة بين حد الإعدام في التشريع الإسلامي وأحكام الإعدام التي تصدرها الدولة المصرية الآن، فأولاً يجعل الفقه والتشريع الإسلامي تنفيذ حدود الإعدام محصوراً بحالات محددة ليس من ضمنها على سبيل المثال قلب نظام الحكم، أو الاتجار بالمخدرات، أو حتى الاغتصاب وإن كان يقرها في الزنا. كما تجعل الشريعة تنفيذ عقوبة الإعدام في حالة القتل العمد معلقة بعفو الأهل فإذا عفي أهل القتيل عن القاتل أو وافقوا على الدية سقط حد الاعدام، بل واعتبر القرآن الكريم الصفح والعفو هو الأصل. لكن لا مجال لحق العفو وأهل القتيل حينما تصدر الدولة الآن حكمها بالإعدام على مواطن. أين إذا العلاقة بين عقوبة الإعدام في القانون المصري وحد الإعدام في الشريعة الإسلامية؟

Andy-Warhol-Knives--c--1981-82--silver-and-black---gicl

الدولة المصرية تدعى مطابقة أحكامها بالإعدام لصحيح الدين والإسلام ولذا يجب أن تأخذ بركة المفتى عليها، المفتى الذي يصدق على أحكام الإعدام لكنه لا يمتلك سلطة رفضها، ولا يمتلك السلطة على التحقق حتى من مدى مطابقة حكم الإعدام بقوانين الشريعة التي يفتى على أساسها.

الإهانة الأساسية للشريعة الإسلامية ولحد الإعدام كما نادى الفقه الإسلامي بتطبيقه ترتكبها الدولة المصرية تحديداً مؤسسة القضاء ومؤسسة الإفتاء. ولا علاقة بين عقوبة الإعدام المنصوص عليها في القوانين المصرية والتي على أساسها يتم إصدار تلك الأحكام الخرافية وبين الشريعة الإسلامية وحد القتل كوسيلة للقصاص.

لذا فمن يغيرون على الشريعة والإسلام الحنيف هم يجب أول من يكون في الصفوف الأمامية في معركة انتزاع حق الإعدام من الدولة المصرية بكامل مؤسساتها. ربما تمنح الدولة الحق في السكن، وتنظم الحق في التعبير وبقية الحقوق المدنية، لكن الدولة لا تمنح الحياة، فبأى حق أصلا تحتكر الدولة حق الإعدام.

يحدثنا ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والعقاب” كيف أن حق الإعدام في عهد أوروبا القرون الوسطى، لم يكن يطبق على القاتل فقط لأنه قتل، بل لأنه انتزع حق من حقوق الملك وهو حق الحياة. لذا فحتى إذا عفي عليه أهل القتيل، فالعفو النهائي منوط فقط بأمر الملك. في أوروبا ذات التركيبة الاقتصادية الاقطاعية يملك الملك الأرض وما عليها، وبالتالي فحياة الأفراد ملكه، وتعدى أحدهم على الأفراد التابعين له هو انتزاع لهذا الحق الملكى بالتالى يكون الرد بعقابه وإعدامه.

يقول شيخ الأزهر ومعظم شيوخ الوسطية بأن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من الطاغوت. ومع نهاية القرن التاسع عشر بدأت من أوروبا حركة واسعة لمحاربة تقنين العباد والاتجار بالبشر، والذي أصبح الآن جريمة تعاقب عليها القانون. ذات القانون الذي يمنح الحق لإنسان آخر لمجرد أنه يحمل في خانة الوظيفة لقب قاضي أن يصدر أحكام بالإعدام بحق المئات دون حتى أن يستوفي الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون. البنية القانونية والفلسفية التشريعية للدولة المصرية لا تقوم أبداً على الاعتراف باستقلال حياة الأفراد عن سلطاتها ولا تمنحهم أي وسيلة لمقاومة طغيان هذه السلطات سوى أن يكونوا منبوذين وفي حالة حرب معلنة ضدها. في دول تطبق عقوبة الإعدام كالولايات المتحدة الأمريكية تعترف القوانين والدستور بحق الأفراد في حملة السلاح، وتقنه كحق لضبط النظام العام وأداة حتى في يد المواطن للدفاع عن حقوقه. بينما في مكان كما مصر ستصر قوانين الدولة على تجريم حمل السلاح والتجارة فيه إلا بموافقتها في حين أنه أداة طبيعية موجودة في بيوت العائلات والأسر المصرية في أماكن كثيرة من سيناء إلى الصعيد والآن حتى في مناطق من شارع فيصل إلى مدينة نصر.

لصالح من تعمل فلسفة القوانين المصرية؟

الأكيد أنها تعمل بعيداً عن التكييف مع احتياجات المواطنين وواقعهم. والأكيد أن المسألة أكبر من الحديث عن إصلاح أو تطهير لقضاة ذوى توجهات وأحياناً أدوار سياسية واضحة. فالنخبة القضائية المصرية إجمالاً هي حكم وجزء أساسي من كتلة النظام وأداة من أدوات قراراته. وأمر كتبه الله علينا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

—— –

نشرت في المصري اليوم

Share

الينبوع <السهو والخطأ>

تسيل الفكرة كما لو مياه تجري في حقل تنبت فيضاً من النباتات والأزهار والنباتات المنفرة محاصيل غذائية تصارع أشكال متنوعة من الصبار تظللها أشجار استوائية، ورود تظهر وتختفي لليلة واحدة، تخنق بذورها حشائش ونباتات متسلقة. ليست حديقة مُشذبه أبداً. ولا غابة تتكامل في هرمونية لتكمل شبكة من الجغرافيا والطقس. بل حقل للإنبات العشوائي. تتساقط البذور فيه دون سيطرة أو إحكام حقيقي، نتصور أننا نمارس بالوعى والإرادة إحكام متكامل عليها لكننا لا ندرك حقاً من أين تأتى البذرة، قد تكون من حكاية سمعناها، جملة هنا أو هناك، مشهد حقيقي أو متخيل أو حتى أداء تمثيلى في فيلم أو فراغ عينين ثابتين في صورة فوتوغرافية. ثم تأتى الفكرة انعكاس لما نتمثله في أنفسنا، كجدول مياه صغيرة ينبع من مرآة في جدار من جدران حقل التجارب.

ثم كما الحارس في حقل الشوفان تظهر الرغبة. يعتبرها أفلاطون فقدان، وفي زمننا يأتي التحليل النفسي ليجعل الرغبة مرتبطة بالجنس، كما يجعل اللذة هي هدف الرغبة وغايتها بحيث يكون الحصول على اللذة تخلصاً من الرغبة، وبالتالي يقوم بتهميش الدور الأكبر للمجتمع في عملية خلق الرغبة ودور الدولة في عملية الكبت. ندين لجيل دولوز بمعرفة هذا، وإن كان المغري هنا المجاز الاستعارى أكثر من تتبع جدل تصاعدى من التنظير والتشكيك

نقول؛: “التشتيت، التشويه، الحصر” ثلاث وظائف أساسية لكل برامج التنمية البشرية وروشتات السعادة في الزمن البائس. يتم طرح السعادة كوهم بلحظة أبدية ذات نغمة واحدة ثابتة وبحماس وتكثيف يجعلك تتساءل أحياناً أين ذهب الحقل، والمرآة، والينبوع، والنباتات المتنافرة؟!

cs-p31

Share

أيام الشمس والموسيقي

 

1

دافعت الموسيقي البديلة عن اختلافها بتنويع موضوعاتها وعدم اقتصارها على الأغانى العاطفية بكل مشتملاتها وبقاموسها المحدود المقدم في الموسيقي السائدة. كانت “الحرية” أحد الموضوع التي احتلت مساحة بارزة في فضاء الأغنية والموسيقي البديلة. وبعد ثورة 25 يناير والتغيير النسبي في قيم السوق فقد تحول موضوع الحرية، ليصبح هو الموضوع الأساسي، يأتي مصحوباً بكلمات عن الشارع والناس إلى آخر مصطلحات ثورة 25 يناير الجميلة.

لكن الحرية لم تنعكس على المجال العام ولا على صناعة الموسيقي، فلا تزال أماكن العرض محدودة وتخضع لقواعد رقابية مختلفة، وتضيق مسارح القاهرة على جمهور الفرق المستقلة. أضف إلى ذلك استمرار تأميم المجال العام وصعوبة استغلال الفضاء العام في الحفلات الموسيقية باستثناء تجارب ومبادرات قليلة كالفن ميدان. كما أنه بفضل دعم مؤسسات التنمية الثقافية والمجتمع المدنى فالموسيقي البديلة لا تزال بعد كل هذه السنوات في “الحضانة” غير قادرة على صناعة منظومة اقتصادية لا تعتمد على الدعم تحملها وتدعمها وتنظم دورتها الإنتاجية.

لكن الحدث الاستثنائي الذي قدم تجربة مختلفة عن كل ما سبق حدث منذ أسابيع في مرسي على شاطيء البحر الأحمر في مهرجان “عالجنوب” .

2

10271582_10152046140046198_6794822617691023710_nبدأ مهرجان عالجنوب منذ ثلاث سنوات بمبادرة شبهه تلقائية ضمت عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد الواحد من العازفين والفرق المستقلة وبسماعات بسيطة على شاطئ بحر مرسي علم، في أحد “الكامبات” البسيطة التي لا تتجاوز الإقامة فيها الخيم والعشش البسيطة. وهذا العام وصل جمهور المهرجان إلى حوالى ألف شخص ما بين شباب وشابات وعائلات بعضهم أتى بخيمته الخاصة.

يقام المهرجان كل عام في شم النسيم، بلا أي دعم من مؤسسة حكومية أو أهلية أو أياً من منظمات المجتمع المدنى أو المؤسسات الثقافية أو الموسيقية، فالداعم الأول للمهرجان هو الجمهور الذي أتى إلى بقعة خلابة بين الجبل والبحر. الفاعلون الأساسيون في عملية التنظيم مجموعة من المتطوعين عددهم لا يتجاوز الثمانية أفراد في فريق يقوده يوسف عطوان و”مو القوصينى” من فريق “لايك جيلي”.

3

لا يقدم “عالجنوب” نفسه بصفته مهرجاناً جماهيرياً أو حفل تجاري، وإلا كان من الأفضل تنظيمه في القاهرة أو مدينة من المدن المعتادة على مثل هذه الفعاليات. بل هو أشبهه بتجربة تنطلق من سؤال هو “هل بإمكان الأغنية والموسيقي البديلة أن تنتج نموذجها الاقتصادى الخاص الذي يكفل لها الاستمرارية والتطور وللاعبيها التفرغ والحرية؟”، ليخرج من حضانة دعم المراكز الثقافية الأجنبية، وأجندتها التي تربط الفن والموسيقي تحديداً بالتنمية الاجتماعية، أو تأتى الموسيقي كنشاط ترفيهي على هامش الفعاليات التي يكتب في برامجها أن الهدف تنمية الوعى والمجتمع والارتفاع بثقافته.

رغم العثرات المادية لكن “عالجنوب” أثبت إمكانية حدوث هذا. وأن هناك جمهور داخل السوق المصري الواسع يمكنه أن يدعم استمرار مهرجان كهذا لمدة ثلاث سنوات. بل وأن يستقطب فنانين وموسيقيين من لبنان، والسودان ومن مختلف محافظات مصر.

الحرية أيضاً هي القيمة الأساسية في عالجنوب، وهى لا تحضر بصفته شعاراً أو هتافاً في مظاهرة، بل كممارسة. طوال أيام المهرجان المقام على البحر حضرت الشرطة بأعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، راقبوا وشاهدوا ووقفوا بعيداً دون أي حاجة للتدخل. حتى أن هانى الدقاق المغنى الأساسي في فريق مسار إجباري في آخر ليالى المهرجان وعلى المسرح عبر عن اندهاشه كيف بالإمكان يمكن أن يجتمع كل هذا العدد من البشر لثلاث أيام دون مشاكل أمنية كبيرة ودون حادثة تحرش واحدة. هو ذاته الجمهور الذي لم يأت فقط للاستماع للموسيقي بل أيضاً لخلق علاقة مع مكان لا يزوره الكثير من المصريين، فبدفع من منظمى المهرجان استغلوا وجود هذا العدد من الجمهور للمساهمة بجسد بسيط في جمع المخلفات البلاستيكية المختلفة من المحميات والأماكن الطبيعية المهددة في مرسي علم.

4

لكن المهرجان لم يكن مجرد فرق اعتادت تقديم أعمالها لجمهورها في القاهرة والإسكندرية، وانتقلت لتقديمها في مرسي علم بذات الجمهور. عالجنوب كان مفتوحاً حتى لسكان المنطقة من عبابدة ومقيميين. وليس كالمهرجانات السياحية التي تكون مغلقة على جمهورها الخاصة، بل وعلى مسرح المهرجان قدمت الفرق التراثية والشعبية لمنطقة القصير وحلايب وشلاتين عروضها، ومن السودان أتت آسيا مدنى لتغنى للمدينة “جوبا” أجمل مدينة.

10295798_687716721287957_4832477045178838993_n

تقديراً لطبيعة المهرجان فعدد كبير من الفرق والموسيقيين الذين شاركوا تقاضوا أقل من أجرهم المعتاد، وعدد آخر منهم تنازل عن أجره.  تنوعت الفرق المشاركة بين فرق معروفة ولديها جمهورها الواسع بداية من مسار إجباري، يسرا الهواري، لايك جيلى. وبعضها أتى “عالجنوب” بطموح تقديم تجارب مغايرة، كمريم صالح التي قدمت حفلتها بمصاحبة زيد حمدان من لبنان مخلقاً الموسيقي الإلكترونية التي أصبحت بصمة مميزة لعمله منذ مشاركته قبل ذلك في فريق “الصابون يقتل” وكتحية للأيام الخوالى وبناء على طلب مريم لعب وغنى زيد أغنية “عرانيس”. إلى جانب مشاركة فريق “أبو والشباب”، وتامر أبوغزالة وفرقته، وفريق “فول تون”. وندى الشاذلى والتي تقدم تجربة فردية خاصة، حيث تكتب وتؤلف وتغنى جميع أغانيها وتولف الموسيقي الإلكترونية ما بين السخرية السوداء والعبث الهزلى للواقع وعلاقات الحب المعاصرة تدور معظم أغانى ندى.

الموسيقي الإلكترونية كانت أيضاً حاضرة بقوة بتجارب مميزة بداية من فريق “سوبر لوكس” وحتى “وايت نوبيين”، أما أكثر الفقرات تميزاً فكانت لموريس لوقا والذي يقود خطاً مغايراً في مجال توليف الموسيقي الإلكترونية حيث يصنعها من تدافع موجات الموسيقي الشعبية ومن بقايا إيقاعات موسيقي المهرجان وضجيج الآلات، ليولف موسيقي ذات إيقاع متدفق في انسيابته. يلعب موريس على الذاكرة الجمعية للأصوات والجمل اللحنية، بحيث يشعر المستمع بألفة غير معلومة المصدر مع ما يقدمه من موسيقي.

التنوع هو الكلمة المفتاح لمهرجان عالجنوب ليس فقط كنتيجة لعدد الفنانين والفرق المشاركة الذي وصل عددهم إلى 19 فنان وفرقة، بل لاشتمال المهرجان على عروض فنية غير موسيقية، فكريم عثمان وعلى هرم قماشي انتصب في منتصف المسرح قدم عروضه في مجال “الفيديو آرت” والتي صاحبت الكثير من الفقرات الموسيقية، وفي خيمة من خيم المهرجان حولها عمر مصطفي إلى جاليري لعرض جزء من معرضه “عفاريت الفنجان”. تتحرك أعمال عمر مصطفي في فضاء يتعامل مع السحر وتراث الماورائيات لا بصفته فلكلوراً شعبياً بل كمنظومة قوانين وفعل ورد فعل لها لغتها الخاصة، معرضه الصغير قدم خلاله عدد من صور الفوتوغرافيا، التقطها لتشكيلات البن في قاع الفنجان بعد شربه، يلتقط مصطفي صورة الفنجان ويتركها معروضها كأشبه ما تكون بفوتوغرافيا للعفاريت وخرائط المصير لأصحاب الفنجان المجهولين.

يتجه المهرجان في المستقبل إلى التوسع في مجالات فنية آخري ليتجاوز توصيفه كمهرجان موسيقي ليأخذ طابع مهرجان ثقافي متعدد الفنون

—– –

نشرت في أخبار الأدب

Share

هم الهموم

هم الهم، هم المم، هم الهدوم، هم النوم، هم الحب، هم الوهم، هم الحاضر، هم الرفقة في الدرب، هم الفرصة، هم الندم، هم الهدمة، هم الدرس، هم النفس، هم الغالى فارقنا ودارى، هم الوطن، هم البلد، هم الناس والفرد المحتاس، هم المشاعر، هم الوجع، هم الحموم هم الكذب، هم الخدعة، هم الجفاف، هم السيل في كبدك مش قلبك الدليل

هم الكيف، هم الشراب، هم الكحول، هم القطوس، هم الحمى، هم المرض، هم الحاجة، هم الجوع واللحمة الحمراء مش دهن صافي، هم الصداقة، عم الزمن، هم الصحبة، هم الجماعة وسيفها على رقبتك. هم الفن دليل وليس خريطة، هم مفقود، هم اليوميات، هم الكتابة، هم الدم، هم الراحة ياريتك كدا تعيش مرتاحة

هم الجندر، هم الأنثى، هم الذكر، هم الخول تحت سيف الجماعة، هم الشفقة، هم الإنسانية، هم القطب، هم الخال، هم الضحكة، هم الخذلان، هم الأم، هم الأب، هم الدال والمدلول، هم الشمس، هم البرد ياريتك ما فليت، هم البيبي.. اتز كولد أوت سايد، هم المدموزيل، هم العسكر، هم الشهيد وأمه

هم اللام، هم القيام، هم البعث، هم الخنقة، هم الدموع اللى ما كنت موجود لحضن قبل مسحها، هم السعال، هم الغد الذهبي، هم الغروب، هم مستقبل الفن، هم البيرة، هم الويسكى، هم الريم

Share

شهاب فخرى: هذا تاريخ الصرف الصحى

 

شهاب

شهاب

الطريق الذي قطعه شهاب فخرى من الفلسفة إلى تاريخ المجارى والصرف الصحى بالقاهرة كما يحب أن يقدم نفسه، حكاية مشوقة لا بسبب طبيعة الموضوعات البحثية والأكاديمية التي عمل عليها، بل أيضاً تكشف وتوضح لنا كيف تعمل المؤسسات الأكاديمية من الداخل سواء في مصر أو الولايات المتحدة، وهى طريقة تطرح الكثير من التساؤلات حول الحرية الأكاديمية وطبيعة الدور المطلوب من الجامعات اتجاه المجتمع.

في عامه الثانى بالجامعة الأمريكية حدثت سلسلة من الحوادث التي تمس الحرية الأكاديمية كان شهاب فخرى طالب الفلسفة في 1998/1999 شاهداً عليه. الأزمة تخص د.سامية محرز أستاذة الأدب لكن لا يذكر شهاب بدقة الآن هل كان الأمر يتعلق برواية الهجرة إلى الشمال للطيب صالح أم الخبز الحافي لمحمد شكرى، لكن الأمر نتج عنه منع تدريس الرواية واختفائها من مكتبة الجامعة. في ذات الوقت شهد شهاب كيف تم التضييق على أستاذ فرنسي حتى غادر الجامعة بسبب إصراره على تدريس كتاب “محمد” لماكسيم ردنسون.

كان شهاب في أبرز الجامعات المصرية وقتها، لكن بدا أنه حتى داخل الحصن الأكاديمى الأمريكي لا مهرب من تدخلات الرقابة، والسعي الدؤوب للسلطة للمراقبة والسيطرة على البحث الأكاديمي فاختار السفر إلى أمريكا حيث أكمل دراسته في مجال الفلسفة في جامعة “بنسلفانيا”

تخرج شهاب من جامعة بنسلفانيا في 2002، واتجه بعد ذلك لجامعة “The New School for Social Research” وهى جامعة برز اسمها بقوة في منتصف القرن العشرين، حينما انتقل معظم الفلاسفة والمفكرين اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد من أوروبا للتدريس فيها وأبرزهم شتراوس وحنا أرندت. الحصول على درجة الماجستير هناك يتطلب الاختيار بين مسارين أما العمل على تحضير مقال في موضوع محدد لا يتجاوز الـ60 صفحة على العكس المتبع في الجامعات المصرية حيث تكون المطلوب ضعف هذا الرقم. أو القراءة في موضوع محدد اختار وقتها شهاب الفترة من ديكارت لروسو ودخول اختبار متعدد الأسئلة والمراحل وهو ما اختاره شهاب. بعد ذلك أتت مرحلة الدكتوراة وقتها تنازعت فكرتين شهاب الأولى محاولة لطرح وجهة نظر هيجيلية في النقاش بين أفكار شتراوس وفوكو، والثانية هو التأثير الفلسفي للعلماء العرب في مجال العلوم الطبيعية خصوصاً الفيزياء.

 

***

 

وجد شهاب دفعاً من أساتذة الجامعة لموضوع العلماء العرب. كانت هذه سنوات الأسئلة “2004/2005” وكان هناك تحول نوعى يحدث في الأكاديمية الغريبة يوضحه شهاب قائلاً:

-كانت هذه فترة ما بعد غزو العراق وفي أمريكا وأوروبا أصبح هناك اهتمام متزايد وجهات مختلفة لديها طلب بأى دراسات أو تخصصات لها علاقة بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، أذكر في هذه الفترة أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية للمرة الأولى عن حاجاتها لخريجى “أنثروبولوجيا” للعمل في الوزارة وبمرتبات ضخمة.

الأمريكان كانوا يتورطون أكثر فأكثر في المنطقة بسبب الحرب وكان لديهم الكثير من الأسئلة. أيضاً في ذات الفترة تزايد نفوذ رأس المال العربي وتحديداً الخليجي في الجامعات الغربية وتمويل أقسام كاملة. لكن كانت العقبة في استفادة الإدارة الأمريكية من خريجى أقسام الشرق الأوسط أنه منذ السبعينات ومع ظهور أفكار إدوارد سعيد ترسخت تقاليد يسارية في أقسام الشرق الأوسط، لم يكن هناك تماشي بين توجهات الإدارة والمناخ العام في الأكاديمية الأمريكية وخصوصاً أقسام دراسات الشرق الأوسط، الطلبة الذين كانوا يدرسون اللغة العربية أو المجتمعات العربية من أجل الالتحاق بالإدارة الحكومية كانوا يتعرضون للنبذ داخل الكليات على سبيل المثال.

-كيف أثر كل هذا المناخ على اختياراتك؟

 كنت منحازاً للعمل على مشروع يتتبع الجدل بين “شتراوس وفوكو” لكن من وجهة نظر هيجلية بعض الشيء. لكن بسبب كونى عربياً، فقد وجدت دفعاً من قبل الأساتذة للعمل على موضوع العلماء العرب. ونتيجة لهذا فقدت اهتمامي باستكمال العمل على الفلسفة، وانتقلت إلى جامعة كولومبيا للتخصص في مجال آخر وهو التاريخ.

اهتممت منذ البداية بفترة الاحتلال البريطاني لمصر، وكان هذا غريباً فبينما نجد عدد كبير من الدراسات التاريخية حول فترة محمد على وحول التاريخ المصري بعد ثورة 1919، لكن الفترة التي تمثل المرحلة الأولى من الاحتلال البريطاني (1883-1920) أقل فترة نجد أن الدراسات التاريخية تناولتها وكانت هذه الفترة هي مجال اهتمامى الأول، ليس بسبب قلة الدراسات التي تناولتها، بل أيضاً بسبب كونها الفترة التي شهدت تشكل الأفكار الكبرى، بداية من الثورات العلمية وحتى الأفكار السياسية والاجتماعية.

 

-بماذا اخترت أن تبدأ إذن عن تلك الفترة؟

البداية كانت من الثورة العرابية، كانت موضوع رسالة الماجستير وحاولت فيه التركيز على الرواية الإنجليزية والأسباب التي دفعتهم للإقدام على خطوة التدخل في مصر واحتلالها.

الثورة العرابية كانت مسألة داخلية بامتياز. كان هناك خلاف بين الخديوى ومجلس النواب يتعلق بضرائب فرضها الخديوى على كبار ملاك الأراضي الزراعية، وهذا لأن مصر كانت واقعة تحت ضغط الدين الخارجي وكان الخديوى يحتاج لتسديد تلك الديون. أيضاً كانت الدولة المصرية مقسمة عرقيا، يسيطر على المناصب العليا فيها الطوائف العثمانية المختلفة.

 صحيح أن عرابي في لحظة انفعال هدد بإغلاق قناة السويس لكن لم يكن هذا ما استفز الانجليزى ودفعهم للتدخل، بل ببساطة لأن الانجليز ظنوا أن ثورة عرابي إذا نجحت وأصبح هناك مجلس نواب منتخب ذو سلطة تشريعية فلن تدفع مصر الضرائب المدينة بها للشركات والبنوك الإنجليزية. طبعاً إلى جانب التخوف الإنجليزي من تدخل الفرنسيين ودخولهم قبلهم إلى مصر.

الغريب في المقابل أن الرواية المصرية تكسب الثورة العرابية طابع مغاير بتصويرها ثورة من أجل الحرية أو صعود القومية، وهذا كلام بعيد تماماً عن الحقيقة الفلاحون على سبيل المثال مشاركتهم في الثورة لم تكن موجودة أو منظمة بل وللدقة لم تكن أوضاع الفلاحين لتتأثر بالخلاف بين الخديوى ومجلس النواب ولا حتى بالضرائب التي سعى لفرضها على ملاك الأراضي. ثورة عرابي كانت ثورة البرجوازية المصرية، وحاولت اكسابها أبعاداً أسطورياً. حكاية موقف عرابي حينما وقف أمام الخديوى وقال له خلقنا الله أحراراً ولن نستبعد بعد اليوم. هذه حكاية لم أعثر على أي مصدر لها إلا لدى الرافعى، وحتى الرافعى يرويها دون أي مصدر.

-في الماجستير وحتى في رسالة الدكتوراه التي تعمل عليها الآن تقدم رواية أن الانجليز كانوا الأكثر اهتماما بالفلاحين، كيف يستقيم هذا مع كونهم قوة احتلال ومشروع استعماري؟

-اللورد كرومر قالها صراحة في أكثر من موضع في خطابته وهو أنه يبنى نظام قائم على رضا الفلاحين وملاك الأراضي. لذلك كان من أول القرارات التي اتخذها الانجليز حينما دخلوا إلى مصر أنهم وضعوا ضريبة ثابتة للأراضي بل وثبتوا هذه الضريبة لمدة ثلاثين عاماً.

إنجلترا كانت تنظر لمصر باعتبارها المعبر لمستعمرتها الأساسية في الهند، وإضافة زراعية لعائدتها لا أكثر من ذلك. لذلك فاهتمام الانجليز بالمدينة جاء في فترة متأخرة وبسبب ضغوط من الرأي العام البريطاني والأوروبي. بعد عام من دخول الانجليز لمصر ظهر وباء للكوليرا قضي على ثلاثة آلاف مواطن في القاهرة في ثلاث أسابيع. وكانت أمراض كالتيفود والكوليرا تظهر في دورات مستمرة وتحديداً في القاهرة التي كانت تحتاج إلى إعادة تخطيط وبناء، لأن الوضع الصحى بالقاهرة كان متدهوراً للغاية.

 طالب الرأي العام الانجليز بالتدخل لإنقاذ الوضع لكن هذا الأمر تأخر كثيراً. لاحظ أيضاً أن مشاريع كالصرف الصحى هي مشاريع مكلفة جداً، وليس لديها عائد استثمارى. تكلفة انشاء شبكة الصرف الصحى في القاهرة تقارب تكلفة انشاء سد أسوان وقتها، لكن بينما ينتج مشروع السد عوائد اقتصادية ويكون له آثار إيجابية على توسيع الرقعة الزراعية، فشبكة الصرف الصحى لا يوجد هناك اقتصادى يمكن قياسه سينتج عنها.

إذا نظرت في تاريخ الفترة من (1882-1990) ستجد أن معظم الأموال التي ضخها الانجليز في مصر كانت موجهه نحو الإصلاح الزراعى من شق الترع والمصارف إلى القناطر وبناء سد أسوان، لكن مع ازدياد المشكلة الصحية في المدن خصوصاً القاهرة، فقد فرض الظرف عليهم التدخل في تخطيط المدينة.

-كيف جرت عملية إعادة تخطيط القاهرة لإنشاء شبكة الصرف الصحى إذن في هذه المرحلة؟

استعان الانجليز بمهندس مدنى بريطاني هو جيمس كاريكت، كان قد صمم شبكة الصرف الصحى في بمومبي بالهند، تتبعت أرشيف “كاريكت” الموجود في مصدرين الأول هو  مجلة “معهد المهندسين المدنيين” في إنجلترا، ووجدت لديهم خرائط تفصيلية للقاهرة ودراسات ومقالات عن شبكات الصرف الصحي وكيفية القيام بعملية التخطيط للمشروع.

وصل “كاريكت” إلى مصر بعد ثالث وباء للكوليرا أصاب القاهرة عام 1905، واستغرقت المرحلة الأولى من رسم للخرائط ودراسة للمدينة ما يقرب الخمس سنوات. ما نقصده بالخرائط هنا ليس فقط خرائط للشوارع وأزقة المدينة. بل خرائط اجتماعية توضح توزيع الجغرافيا البشرية في المدينة ومستوياتها الاجتماعية. كان يجب على “كاريكت” أن يحدد المستوى الاجتماعى لكل منطقة في المدينة لأنه على هذا الأساس يتم تصميم الشبكة وحجم ومقاسات المواسير. فالمناطق الغنية والبرجوازية تستهلك الكثير من المياة وهذا يعنى حاجاتهم إلى شبكة صرف أوسع من تلك الموجودة في المناطق الفقيرة.

الخطأ الذي وقع فيه “كاريكت” أنه تعامل مع المدينة بشكل “استاتيكى” كأنها ديمغرافي بشرية ساكنة. “كاريكت” كان يضع تصميم لشبكة صرف صحى من المفترض أن تستمر لمدة 25 عاماً. هو وضع تخطيطاً يتضمن حسابات الزيادة السكانية لكنه لم يضع اعتبار تغير الجغرافيا الاجتماعية المدينة.

*** 

 

-لكن هل شهدت هذه الفترة تغيرات اجتماعية جديدة في المدينة تؤثر على تخطيطها؟

بالتأكيد وهذا هو ما أثار الاضطراب لدى الإدارة البريطانية. فكما سبق وذكرنا تعامل الانجليز مع مصر باعتبارها تتكون من فلاحين وملاك أراضي، لكن مع توسع الجهاز الإداري للدولة وتوسع المدينة. ظهرت طبقة جديدة هي طبقة “الأفندية”. كرومر في هذه الفترة لم يكن يعتبر الأفندية مصريين، ويعتبرهم ظاهرة شاذة في المجتمع المصري، لاحظ أيضاً أن هؤلاء الأفندية هما طبقة المتعلمين والمثقفين الذين أخذوا يكتبون المقالات ويهاجمون الاحتلال وكرومر.

ظهور الأفندية غير الكثير من الجغرافيا الاجتماعية للمدينة، بل ربما يكون أحد الأسباب التي من أجلها وبعد سنتين من إتمام المشروع جرت تعديلات كبيرة على الشبكة.

-ماهى المشاكل الآخرى التي واجهت هذا المشروع؟

حينما تم اتخاذ القرار، لم تجر أي مناقصات بل تم تكليف المشروع بالأمر المباشر لشركة انجليزية بعينها، بالتالى المشروع كله كان في مصلحة الإنجليز لذا فقد قابله المصريون بالحذر وأحياناً بالرفض والممانعة.

المشروع تطلب الكثير من أعمال الإزالة، شارع بورسعيد تم تغييره بالكامل. وزارة الأوقاف والمساجد والجوامع رفضوا السماح للانجليز بالدخول إلى الجوامع لعمل المقايسات. وجرى صراع بين الجهتين حيث تمسكت الجوامع بالشكل التقليدي “للميضة” ورفضوا التخلي عنها، بينما أصرت الشركة على هدم الميضة واستبدالها بحمامات عصرية.

الطريف أن أعقد مشكلة واجهت الانجليز عند تنفيذ المشروع كانت إشاعة ليس لها أي مصدر من الصحة شغلت الرأي العام بشكل كبير وصنعت معارضة قوية للمشروع. هي أن الحفر في باطن الأرض سوف يخرج الكوليرا والتيفود المدفون في باطنها، وحينما تعود إلى الجرائد والمجلات في تلك الفترة تجد أراء لكتاب وصحفيين تعارض المشروع على هذا الأساس الأمر الذي كلف الشركة القيام بحملات دعاية ضد هذه الإشاعات والتأكيد على أن الحفر لن يصل لمدى عميق.

تركز دراستك على تاريخ انشاء شبكة الصرف الصحى في القاهرة، لكن ماذا عن بقية المدن الآخرى كالإسكندرية على سبيل المثال كيف جرى الأمر هنا؟

إسكندرية وضع مختلف. الإسكندرية كان لديها مجلس محلى منتخب هو المسئول عن المدينة. لذا فقرار شبكة الصرف الصحى في الإسكندرية خرج من المجلس المحلى وتم تنفيذ المشروع تحت إشراف المجلس المحلى، والمجتمع السكندرى الذي كان فاعلاً في دفع المشروع.

مشروع الإسكندرية كان أفضل كثيراً من مشروع شبكة الصرف الصحى في القاهرة، فبينما احتاجت الأخير إلى إعادة تهيئة وصيانة وتغيرات جذرية بعد سنوات من اتمامها استمر مشروع شبكة الصرف الصحى بالإسكندرية.

-تعمل الآن على الانتهاء من الفصول الأخيرة من الرواية واستكمال الإطلاع على ما ينقصك من أرشيف المشروع، كيف وجدت التعامل مع دار الوثائق؟

في العموم فدار الوثائق مكان منظم جداً في رأى، هناك طبعاً عدد من القوانين واللوائح الداخلية التي تنظم العمل في المكان لا استطيع أن أحدد الغرض منها، لكنها من خلال حبرتى تضع عوائق على البحث التاريخى. على سبيل المثال لا يمكننك تصوير أكثر من مائة ورقة، وهو رقم ضئيل جدا. أحياناً وثيقة واحدة يتجاوز عدد صفحاتها المائة. لا أفهم الغرض من هذا القرار. في الأرشيف البريطاني على سبيل المثال هناك كاميرا موضوعة يمكنك استخدامها لتصوير أي عدد من الصفحات.

هناك قرار آخرى لا أفهم السبب منه الأرشيف المصري مقسم إلى وحدات أرشيفية على ما أذكر يبلغ عددها حوالى أربعين وحدة، لكنك كباحث لا يمكنك الإطلاع على أكثر من 6وحدات في الوقت ذاته، في حين أنها حينما تعمل على موضوع بسيط مثل شبكة الصرف الصحى فسوف تجد ملفات متعلقة في عشرات الوحدات والهيئات الآخرى.

هناك أيضاً المسألة الأمنية. شخصياً لم أطلب ملف أو وثيقة ورفضوا إعطائها لي، لكن أحد زملائنا والذي يعمل على تاريخ شبكات الرى والزراعة حينما قدم طلبه للأمن ترافق هذا مع الضجة الإعلامية حول مشروع النيل، ولسبب ما فقد قام الضابط المكلف برفض تصريحه. موضوع تحميل ضباط من الداخلية مسئولية إعطاء تصاريح الإطلاع على الوثائق أمر في رأى يحتاج إلى المراجعة. أذكر أننى حينما بدأت إجراءات إستخراج التصريح وحتى ابعد نفسي عن أي شبهات كتبت في الورق المقدم كلام من نوعية أن هذا البحث يتتبع تاريخ الوطنية. طبعاً هناك ثغرات كبيرة في الأرشيف المصري أرشيف وزارة الداخلية مثلاً يقل بشكل تدريجى بداية من الثلاثينات حتى يختفي تماماً بعد 1952، أيضاً ملفات وأرشيف وزارة الخارجية من أقل الوحدات الأرشيفية التي يمكن أن تجد فيها أي وثائق.

—– —

نشرت في أخبار الأدب

 

Share