الفن ككمين يُنصب في جُنح الليل

واجعة منتدى الفنون بالاسكندرية قبل إغلاقه في 2012

واجعة منتدى الفنون بالاسكندرية قبل إغلاقه في 2012

يستشهد بسام الباروني في مقدمة الكتاب/ المشروع “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” بمقولة الفنان والكاتب الأوروغوانى لويس كامنتزر التى يعرف فيها “النظام” بأنه “يترسخ في إطار القوانين والمراسيم والبروتوكالات، أو يظهر ببساطة كتعسف السلطة”. يصلح هذا التعريف لفتح الكثير من النقاشات في المجال السياسي حول معنى الشعار الشهير “الشعب يريد إسقاط النظام” وهل سقط النظام بالفعل؟

 لكن في الكتاب الذي صدر مؤخراً عن منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة يأخذنا بسام البارونى من تعريف “كامنتزر” إلى طرح تساؤلات آخري حول نظام إنتاج الفن المعاصر وذلك بصحبة فيلسوف فرنسي وخمسة عشر فناناً عربياً ومقال نقدى لسهيل مالك.

من الصعب تصنيف كتاب “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” حيث يقع الكتاب بين مجالات عدة تبدأ من الفلسفة وتنتهي بالفن. يتكون الكتاب بشكل أساسي من مقدمة لبسام البارونى، ثم ترجمة عربية أعدها خالد حديد للأطروحات الخمسة عشر الفيلسوف الفرنسي آلان باديو عن الفن المعاصر مع ترجمة محاضرة باديو التى قدم فيها تلك الأطروحات للمرة الأولى عام 2003 ثم دراسة لسهيل مالك عن الأطروحات. بعد ذلك دعى بسام البارونى خمسة عشر فناناً ليقدم كل منهم عمل فنى يشتبك مع أطروحة أو أكثر من أطروحات باديو. ليخرج الكتاب مزيجاً بين مجالات متعددة ومحققاً لوصية باديو نفسه الذي يري أنه “من واجب الفلسفة أن تصوغ فكرها قدر الإمكان قريباً من موقف اللا-فلسفة”.

ابن سارتر ولاكان

حينما زار آلان باديو فلسطين عام 2009 قدم نفسه للجمهور العربي قائلاً:

” بداية، أنا ابن مستعمر أقام في المغرب لكنه سرعان ما عرف حقيقة الاستعمار وأهدافه اللاإنسانية وناضل ضده وابعد لفرنسا ثم ناضل ضد الاحتلال النازي لفرنسا، وكان من أصدقاء المهدي بن بركة. لذا فأنا من عائلة مناضلة، ولدت في المغرب وعشت فيها 5 سنوات. ساعدت الجزائريين في ثورتهم وأنا شاب ( لذا فأنا ارهابي ) .. درست الفلسفة في جامعة باريس واليوم ادرسها في سويسرا.”

هذا التعريف الموجز يصلح كمفتاح لفهم السيرة الذاتية لباديو المولود في الرباط بالمغرب عام 1937. لكن المشروع الفكرى والفلسفي لباديو يتسع إلى ما هو أبعد من المجال السياسي. ففي مراحل دراسته للفلسفة كان باديو  موزعاً ما بين الصراع البارز وسط أعوام الستينات تحت تسمية “الوجودية” من جهة، و”البنيوية من جهة آخري.

ورغم التعارض الظاهرى بين الاتجاهين إلا أن باديو يأخذ من الاتجاهين ما يصفه بأنه المهمة الأبرز للفلسفة وهى منح الشجاعة. فمن الوجودية تحتفظ فكر وأطروحات باديو بالحد الأدنى من البطولة الوجودية ومن البنيوية يتمسك باديو بأطروحات لاكان والذي رغم رؤيته المتشائمة والذاتية يراه باديو يحتفظ دائماً بشيء لا يقبل للانحلال كتمسكه بعبارة “لا تتنازل عن رغباتك”.

شكلت كتابات باديو منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم ما صار يعرف بالتيار الفلسفي المعادى لما بعد الحداثة في قائمة تضم أسماء كأنتونيو نيجري و اجامبيون وسولافيك جيجك.

لذا فالفيلسوف الذي يكتب كتب بعناوين مثل “مفهوم النموذج” أو “نظرية الذات” لا يجد غضاضة في أن تمر سنوات طويلة دون أن يكتب فيها كتاباً فلسفياً وحداً أو يصدر كتاب في الهجاء السياسي مثل كتابه “معنى ساركوزى”. فالنشاط الفلسفي عند باديو على حد تصريحه في مقابله صحفية هو “سعى المرء لإعطاء شيء من الشجاعة للجميع. فحتى الفيلسوف الأكثر خيبةً وتخيباً منذور لهذا الغرض: إذ يمكن استبطان الخيبة ورفعها إلى مستوى المثال عند البعض”. ومن هناك يأتي انفتاح باديو بشكل خاص على المجالات الفنية المختلفة ومنها “الفن المعاصر”.

نظام الفن المعاصر

في محاضرته التى ألقاها للمرة الأولى بمركز الرسم في نيويورك عام 2003 وحملت عنوان “خمسة عشرة أطروحة عن الفن المعاصر”. يوضح باديو من الأطروحة الأولى حتى الأطروحة الثامنة الحدود والمعالم التى يتصف بها الفن الذي يمكن وصفه بأنه فن معاصر. ويشرح بوضوح صفاته العامة والبروتوكالات الراسخة التى يلتزم بها ليحصل على لقب “معاصر”.

من الأطروحة التاسعة وحتى الأطروحة الخامسة عشر يعرف ويحدد باديو ما يسميه “بالفن اللا-إمبيريالى”. وفي هذا التعريف يتكأ باديو على مفهوم الإمبراطورية لأنتونيو نيجري كنظام حاكم لواقعنا السياسي والاقتصادي، ويحاول باديو وضع مجموعة من القيم والأطروحات التى من خلالها يمكن للفن المعاصر أن يعمل بشكل حر خارج قواعد الإمبراطورية وأن يكون في موضع مُضَاد لقواعده أو على حد تعبيره في الأطروحة الثانية عشر “ينبغي للفن اللا-امبيرالى أن يكون متماسكاً كشرح حسابي، مفاجئاً ككمين يُنصب في جُنح الليل، وسامياً كنجمة”.

سبل لتعدى الإمبراطورية وباديو

في دراسته عن الأطروحات الخمسة عشر والتي تحمل عنوان “الأشكال بين الفن والكونية: شرح توجيهي لـ “الأطروحات الخمس عشرة عن الفن المعاصر” لألان باديو يوجز سهيل مالك في المقدمة رؤية باديو قائلاً: “يهبط الفيلسوف علينا من السماء –أو من باريس، أو مايو 1968، كل ذلك سواء لدى هؤلاء- ويُخبرنا بالتالى:

-الفن يكون حقيقياً عندما يُنتج ذاتية لا متناهية عبر مجال الحواس.

-الإمبراطورية هى السيطرة على ماهية وكيفية العالم، على كل ما هو ممكن، من خلال النظام الرأسمالى وسلطة الدولة.

-يمكن للفن أن يتحدى الإمبراطورية، أو حتى أن يكسر نفوذها، حين يكون معنياً بالحقيقة (أو، في صورة معاكسة، الفن المعاصر يخضع للإمبراطورية”.

مثلما هناك إغراء للوقوع تحت سيطرة الإمبراطورية فهناك إغراء آخر في الوقوع تحت أفكار وأطروحات باديو. ومن هنا تأتى أهمية ذلك الكتاب/ المشروع الفنى. فلا يقدم منتدى الإسكندرية للفنون أطروحات باديو بصفتها مانفيستو أو جهد تنويري يسقط علينا من أعلى بل يفتح المجال أمام خمسة عشر فناناً من أجيال مختلفة للاشتباك مع أطروحات باديو ومعارضتها في بعض الحالات.

لذا فقراءة الكتاب والإطلاع على أعمال الفنانين المشاركين في المشروع هى دعوة لإعادة التفكير في مكانة الفن الآن في ظل التغيرات والتحولات التى تشهدها الإمبراطورية والتغييرات الشكلية التى يمر بها “النظام” الضابط للمجال السياسي والاجتماعى في مصر.

لذا نشاهد في الكتاب الفنان محمد علام ينشر حواراً متخيلاً على صفحته على الفيسبوك بينه وبين آلان باديو حول أطروحته الخامسة عشر. ونفس الأسلوب تتبعه عريب طوقان حيث تقدم عملها “ماركسية على عشاء تلفزيونى” بحوار تخيلي مع باديو، أما منى مرزوق في عملها “حاملات اللعنة” تقف منى في المسافة الفاصلة بين صراع الإمبراطورية والفن، حيث داخل الصراع على حد تعبير منى تصنع أشياء مثير للاهتمام”.

معظم الأعمال أتت محاولة الاشتباك مع باديو بشكل أو آخر، لكن في المنتصف يقف عمل عادل السيوى بشكل ما من أطروحات باديو ومن اليقين الدائم لمصاحب للتعريفات “الفن هو..” أو “الفن ليس” في بورتريه عصام محفوظ حيث الصورة معكوسة لحلاق يقص شعره أحدهم. إلى جانب مشاركات لكل من؛ محمد عبد الكريم، دعاء على،  حمدى عطية، بسام البارونى، حازم المستكاوى،  محمود خالد، حسن خان، باسم مجدى، ستانس،  أكرم زعتري، طارق زكن.

Share

تجربتى في شارع مصدق

يقع مقر عملي الذي أمارسه طوال العام الماضي في شارع مصدق بحي الدقي في القاهرة، على جانبي الشارع تمتد مبانى عشرات الشركات الكبرى بداية من مجموعة طلعت مصطفي وحتى أحد مكاتب مجموعة “هيرمس” إلى جانب البنوك والكافيهات المتنوعة. هذه ليست منطقة برجوازية لكنها منطقة مَال وأعمال، ورواد الشارع في الغالب من “الناس الشيك”.

لكن نظراً لظروف عملي التي تفرض العمل حتى وقت متأخر حتى بعد منتصف الليل أحياناً، فقد لاحظت كيف وبانتظام يومي بعد الساعة الثامنة مساءاً تظهر فتاتان أو أكثر وتقفان في زَاوية ثابتة من الشارع. أحياناً تظهر واحدة وأحياناً يظهرهن في مجموعة من ثلاثة أو أربعة. تمتد الوقفة في أيام إلى السَاعةِ الواحدة بعد منتصف الليل.

بدا واضحاً طبيعة المهنة التي يقومن بها، والغرض من وقوفهن في هذه الزاوية، لكنى اندهشت من تواجدهن المستمر ليلاً، ومعظم الوقت بدون أي حماية يوفرها ذكور كما تقتضي تقاليد هذه المهنة العريقة. وحتى العاملات في هذه المهنة في مصر لا يقفن في الشارع بمثل هذه الطريقة، لكن شارع مصدق كشف لي أن هذا المجتمع من الصعب معظم الوقت التنبؤ بردود أفعاله.

من نافذة مكتبي تابعت كيف ينصرف الجمهور عن فتيات مصدق، أحياناً كان يصل الأمر إلى أن الفتاة هي التي تطارد شاب يسير في الشارع وتتحرش بهم، أو توقف أحدهم لطلب سيجارة فيهرول هارباً. الطريقة التي يقف بها فتيات شارع مصدق كانت تجعل زبائنهن المفترضين يشعرون بالتوتر، فالواحدة منهن لا تنظر للأسفل بل عيونها تراقب كل حركة الشارع، وإذا مررت بجوارها فلن تصرف وجهها أو تتصنع البرود بل تنظر في عينك بنظرة مُتحدية.

لكن على الضفة المقابلة من الشارع يقع أحد مراكز خدمة العملاء التابعة لشركة اتصالات “وكافية” فخم بالتالى تعج الحركة بفتيات الطبقة الوسطى محجبات وغير محجبات يسيرن كما تفرض عليهن مدينة القاهرة، الأكتاف مضمومة، الظهر من أعلى متقوس، الرأس لأسفل والعين في الأرض تنظر فقط لموضع قدميها. وبينما تعبر الطريق أو تدخل أو تخرج من أحمد المحلات، ينطلق سيل التحرشات المختلفة من العابرين في الشارع، شاب يلقي بكلمة بذيئة بصوت عالي، آخر يبطء من سيارته ويخرج رأسه ويلقي بكلمة آخر، ثالث يعبر فوق درَاجة نارية فيمد يده ويمسك قطعة من جسد الفتاة.

تابعت على مدار عام هذا التناقض بين ضفتي شارع مصدق ليلاً، ففي جهة تقف فتيات يحترفن الدعارة ولا يجدن زبائن، وفي الجهة الآخري فتيات لا يفعلن شيئاً سوى مُحَاولة عبور الشارع فتتحول إلى مُغَامرةِ خطرة لتجاوز المعاكسات والتحرشات.

بل شاهدت ذات يوم راكب دراجة نارية اقترب من فتاة وكان على وشك الاصطدام بها ثم مال يساراً في آخر لحظة ليتفاداها، وأطلق جملة معاكسة سخيفة. نفس الراكب استدار عند نهاية الشارع إلى الضفة الآخري وحينما أوشك على العبور بجوار “فتيات مصدق” الواقفات في ملل أبطء من سرعته وهو يتأملهن متوجساً، وما إن اقتربت واحده منهن وهى مبتسمة حتى ضغط على البنزين وانطلق بأقصي سرعة مبتعداً.

ليس لدى استنتاجات كبيرة أو عميقة تفسر لماذا يهرب الذكور المتحرشين من فتيات شارع مصدق العاملات في مجال الخدمات الجنسية؟ ولماذا نفس الذكور يستعرضن بذائتهم وفحولتهم بالتحرش بفتيات يتلبسهن الخوف منذ خروجهن من بيوتهن وحتى عودتهن.

ليس في الأمر علاقة بالكبت الجنسي، وبالتأكيد هو بعيد تماماً عن غياب التربية وضعف الأخلاق والقيم الدينية إلى آخر هذه الخرافات التي يتم الترويج لها كسبب من أسباب التحرش. وليس لدى إجابات الصراحة، وإن كانت تجربة مصدق معمل اختبار يمكن أن نفهم منه شيء ما..

Share

أشياء لطيفة في الأسفل هكذا قالت

 

Otto dix

Otto dix

.
في الحلم كانت ترتدى فستان أصفر بحملات عريضة، قصير لكن يصل للركبة، من عند الوسط يتحول لجونلة منفوشة كحبة فيشار. كنا نحمل حقيبتين ونسير في عربة القطار حتى وصلنا لمقاعدنا، أخذت منها الحقيبة ووضعتها على الرف العلوى.
.
.
اختارت الجلوس بجوار النافذة ونامت على كتفي وكف يدها في يدى. 
في الحلم كان كف يدها رطباً، أصبعها ملفوفة وعليها طلاء لا أتذكر لونها، لكن كنت مندهشاً من جمال وتناسق الأصابع. مستثاراً بين الفنية والفنية كنت أنظر للفرجة لصدرها من الفستان، كانت مرهقة نائمة على كتفي وكنت أقرأ في كتاب ثقيل على النفس، ثم تعالت أصوات ضجيج من العربات الأخرى، فجأة انفتح باب العربي وظهر وحش غريب كما في لعبة “الاكس بوكس” “صعود الكوابيس”. بدا كأن كل عربات القطار تنفصل عن بعضها البعض وقوى ما تقفز بها في كل مكان. في الحلم أدركت أنى لن أموت لكن سأفقدها. ثم تحول المشهد تماما ليصبح أحد المشاهد الأشهر في كوابيسي المنتظمة؛ أسير في مدينة مهجورة لكنها غارقة بارتفاع متر واحد في مياه لا أدري مصدرها، لذلك أسير والمياة تصل لوسطى، وأشعر بمزيج من القرف والاشمئزاز والخطر حيث يطفوا على سطح الماء كل قاذورات المدينة التي يمكن تخيلها أو رؤيتها في شوارع القاهرة، والكثير من أعقاب السجائر تطفو في سرب متماسك على سطح الماء. وأنا لدى موعد هام ومصيري يجب أن أصل إليه في الميعاد المحدد، وأشعر بالحيرة من اضطرارى للتوجه للموعد الهام في مطعم فخم بملابس ملوثة بخراء المدينة.
.
.
حينما استيقظت كمضيف ذو خبرة عريقة في استضافة الكوابيس ظللت محافظاً على جفونى مغلقة ومحاولة استعادة كل تفاصيل الحلم وتسجيلها بوعى متيقظ واستيعابها. تعلمت عبر سنين طويل أن الأثر الأعمق للكوابيس يحدث حينما تستيقظ ولا تتذكره أو لا تتذكر منها سوى مشهد الصدمة والفزع وانقباض القلب. بينما إذا تذكرت تفاصيل الكابوس واحتفظت بها في مكان أمين تتاح لها فرصة تقليبها ودراستها واستكشاف أبعادها. لكن حتى مع كل ذلك كنت استيقظ فزعاً أحياناً. لكن هذه المرة حافظت على تماسكى. تنفست بعمق وتقلبت في السرير حتى اقتربت من الحافة وتناولت زجاجة المياة. وعلى ضوء خافت للأباجورة كانت تضع الكحل أمام المرأة وترتدى فستان أسود قصير.
.
أخذت رشفتين من الزجاجة مباشرة، وأعدتها إلى مكانها على الأرض استلقيت بعرض الفراش ويدى ممددة خارجة، قلت بصوت نصف نائم: “أنتِ خارجة؟” اقتربت منى وردت:
-لا.. كنت بقيس الفستان.
أمسكت به من عند خصرها، وقالت “واسع شوية من هنا”. وضعت يدى على ذلك الجزء ونزلت بها نحو الأسفل، مشيت بيدى على فخذها من فوق الفستان ثم نحو الأسفل إلى ركبتها وحتى ساقها، حيث في الأسفل عند قدميها كان الخلخال معلقاً، كنت مسحوراً كأنها غيمة في الحلم. ابتعدت خارج الغرفة وهى تنزع الفستان عارية تماماً بلا حمالة صدر ولا حتى خيوط “الاندر وير” الذي تفضل ارتداءه.
على الضوء الأبيض في الممر بدا ظلها قريباً، اعتدلت مستلقياً على ظهري في سقف الغرفة الأبيض رأيت ماكان وما سيكون وبدا اليأس معلقاً كالمصابيح الثلاثة في السقف.
.

.
Share

لماذا ستدفع الحكومة ربع مليار جنيه لأغنى رجل في العالم؟

على صفحته على الفيسبوك نشر السيد رئيس الوزراء هشام قنديل صورة لاجتماع مجلس الوزراء تحت عنوان “أهم القرارات الصادرة عن الإجتماع الإسبوعي الخامس عشر لمجلس الوزراء“.
وهي في المجمل 6 قرارات، لكن ما يهمنا هو القرار الأول والقرار الرابع. فقد نص القرار الأول على “الموافقة على تغيير مساحة 400 فدان مملوكة لشركة أبو الفتوح للتنمية الزراعية والسياحية من نشاط زراعي إلى نشاط عمراني لبناء مدينة سكنية متكاملة على طريق مصر/ إسكندرية الصحراوي الأمر الذي سيدر على الدولة حوالى 600 مليون جنيه.”
أما القرار الرابع فنصه كالتالي “فى مجال توفير ادوات نظم قواعد البيانات والبرمجيات تم الموافقة على التعاقد مع شركة “مايكروسوفت” لشراء الرخص الخاصة بالحاسبات المكتبية و الخوادم المستخدمة فى الحكومة، شاملة صيانة وتحديث البرامج طبقا لجدول اعداد الرخص وذلك بقيمة 43.762.321 دولار و 23 سنت ( ثلاثة واربعون مليون وسبعمائة واثنان وستون الف وثلاثمائة وواحد وعشرون دولار وثلاثة وعشرون سنت)” 43 مليون دولار أي ما يقارب 250 مليون جنيه مصري.
.
.
تقريباً نصف المبلغ الذي من أجله ستحول الحكومة أرض زراعية إلى مباني. في جلسة واحدة تقرر الحكومة قطع 400 فدان من “قوت” هذا الشعب ومن ثروته الزراعية لكى تدفع نصف هذا المبلغ إلى شركة مايكروسوفت لشراء برمجيات لم يعد يتم الاعتماد عليها في الإدارة الحكومية في معظم الدول المحترمة ببساطة لأنها تكنولوجيا احتكارية وبليدة.
الخبر لم يوضح هل تم طرح مناقصة وتقدمت شركات مختلفة، أم أن العرض قد تم منحه بالأمر المباشر لشركة مايكروسوفت. البرمجيات والرخص التي ستشتريها الحكومة المصرية في عز الأزمة الاقتصادية بـ43 مليون دولار، عبارة عن برامج لتشغيل الحواسب المكتبية والخوادم (Servers) التي تستخدم لحفظ قواعد البيانات والمعلومات الحكومية، أين الأمن القومي بالمناسبة، وهل تم افتتاح فرع للجهات السيادية في مايكروسوفت أم العكس حدث؟
.

اعملوا

اعملوا

لكن الأهم أنه وبعد عامين على ثورة الشباب الطاهر 25 يناير تأتى حكومة من مجموعة من العواجيز والرؤوس البيضاء الفارغة ولا أحد فيهم يتساءل لماذا تظل مصر من الدول القليلة المتخلفة الواقعة في براثين أنظمة مايكروسوفت فقط، دون التفكير في توسيع الدائرة أو الانفتاح على شركات وتقنيات آخري.
إلى جانب شركة مايكروسوفت فهناك عشرات الشركات العالمية التي تقدم نفس الخدمات وهناك شركتين محلتين مصريتين ربما كانوا أولى بال300 مليون جنيه أو على الأقل بمائة منهم. لكن الأهم أنه في مقابل برمجيات مايكروسوفت فهناك عالم كامل ومتكامل من البدائل المجانية التي يمكن للحكومة الاعتماد عليها وأقصد بذلك الأنظمة مفتوحة المصدر مثل “الأوبنتو Ubuntu” و “اللينوكس Linux” واستخدام هذه البرمجيات سيوفر على الحكومة طبقاً لتقديرات بعض الخبراء ما بين 70% إلى 90% مما تدفعه لشركة ميكروسوفت.
 ما ستدفعه الحكومة في حالة استخدام البرمجيات الحرة سيتوجه إلى شركات ومبرمجين مصريين شباب من أجل تطوير البرامج وصيانتها وتدريب الموظفين، أي أن الأموال سوف يتم دفعها بالعملة المحلية وستضخ في الاقتصاد المصري لا في جيب شركة مايكروسوفت.
.
.
البرمجيات الحرة ومفتوحة المصدر ليست بدعة أو اختراع جديد بل هي الخيار الأول لدى معظم حكومات ودول العالم، أبرز تلك الهيئات؛ البيت الأبيض، وزارة الدفاع الأمريكية، مدينة فينا، الحكومة الأسبانية، الحكومة الباكستانية، الفلبين، فرنسا، وأخيرا الحكومة الروسيا التي بداية من العام القادم ستحتفل بأن كل أجهزتها الحكومية تعتمد على أنظمة مفتوحة المصدر.
الفرق بين استخدام البرمجيات البليدة كتلك التي تقدمها ميكروسوفت والبرمجيات الحرة ليس فقط في انخفاض التكلفة، بل في نشر منظومة ثقافية وإلكترونية أكثر إبداعاً تؤثر في المناخ الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع ككل. وللتوضيح فإذا كانت برمجيات مايكروسوفت هي السمكة، فالبرمجيات الحرة هي الصنارة.
بينما مساحة التطوير والابتكار مغلقة في برمجيات مايكروسوفت، فمساحة التعديل والابتكار مطلقة في البرمجيات الحرة، وهو الأمر الذي ينعكس بشكل جذري على أداء دولاب العمل الحكومي ونمط الإداري كله في الدولة وأدعوكم لقراءة هذه الدراسة عن الأبعاد الاستراتيجية لاستخدام البرمجيات الحرة في الإدارة الحكومية.
***
بقيامها بدفع 43 مليون دولار لمايكروسوفت توجه حكومة مرسي رسالة قوية تعلن فيها عن تمسكها بالمسار المتخلف الذي اندفعت فيه مصر في عهد رئيس الوزراء نظيف. المسار الذي يقوم على قتل الأحلام والابتكار في ذهن الشباب، والاكتفاء بتحويلهم إلى عبيد في مستعمرات “القرية الذكية” حيث يعملون لأكثر من12 ساعة يردون على الهاتف ويقدمون خدمة العملاء، أما الأذكياء منهم فيعملون في فرع مايكروسوفت المحلى في مصر وغيرها من الشركات العالمية كمندوبين مبيعات وتسويق، والأذكى المبتكرين يتم تصديرهم مباشرة إلى الخارج بالطبع.
.

grant  cornett

grant cornett

>
>
لأجل هذا عزيزي القارئ تدفع الحكومة 43 مليون دولار لأغنى رجل في العالم؟
.
من أجل القضاء على أي بذرة ابتكار في هذا البلد، ونشر البلادة وانعدام الخيال. تأمل مثلا حينما بدأت الحكومة المصرية اعتماد تطبيق رخصة قيادة الحاسب الآلى، في أوروبا على سبيل المثال وحتى في دول آخري تعنى رخصة قيادة الحاسب الآلى “ICDL” تدريب استخدام جهاز الكمبيوتر بغض النظر عن نظام التشغيل المستخدم سواء كان “وندوز” أو أي نظام آخرى. لكن في مصر حينما اعتمدت الحكومة الشهادة تم صرف ملايين الملايين فقط لتعلم المصريين “برنامج الوندور” وبرنامج “الوورد”.
.
هل أبالغ؟
هل فعلا تدفع الحكومة 43 دولار للحفاظ على مستويات الجهل والبلادة في أفضل حالاتها؟
إذا كنت أبالغ، فلماذا ينشر السيد رئيس الوزراء بكل هذه الجرأة والثقة في النفس قرارته المتناقضة بمنتهى الفخر على الفيسبوك؟
 بالتأكيد لأنه يعتقد أنه يتعامل مع بهائم أو جهله لا يقرئون ولا يفقهون، ولن يتوقف أحدهم أمام هذا التناقض حكومة تتخلص من 500
فدان من الأراضي الزراعية مقابل 600 مليون جنيه، تدفع نصفهم لأغنى رجل في العالم، مقابل برامج كمبيوتر بليدة تحولك لعبد باستمرار لمايكروسوفت دون أن تمتلك سنارتك.
.
لماذا تريدك الحكومة جاهلاً بليداً لكى تبيعك بأرخص الأسعار والشروط لشركات القرية الذكية؟

لذا فبالتأكيد من أجل رفع نسبة الجهل والبلادة ، والحفاظ عليك مواطناً بليداً مطيعاً يمكن للحكومة أن تدفع 43 مليون دولار وأكثر.

Share

Waiel Ashry: The Queen of Brooklyn

I asked them: where is Nancy? They said: we call her the queen of Brooklyn now, master. I said: I asked you where Nancy is, not what you call her now! They said: you master didn’t leave your house in two years and you don’t know that she left after telling us a puzzling sentence, which we considered a sentence of the tenth rank, and it is: “I will go, on foot, you rotten cadavers, to San Francisco, like an echo.” And we sent and received twenty letters in its interpretation, yet none satisfied us.
.
Would you explain it to us master, by God, we revere you, and love you pure love in Nancy, and when you were in your seclusion we used to say: would God take away the eyesight of this so greatly revered man so that we may call him the master of the two bounds, so you would be more revered than very-revered like the poet Abu el-Ala`. I said to myself: thank you Nancy! They said: now master, I will go to San Francisco?
What is your interpretation? So it occurred to me that they never understood her, and I was surprised to see that they hadn’t even read her epistle on Cursing Longing to San Francisco. Then, I told them that it was a saying about the unity of existence, as the human is the echo, et
cetera…
—- ———– ————-
Translated by: Maged Zaher and Waiel Ashry
From Waiel’s new short story collection: The temptation next-to-last of Mr. Anderson
Share

All those years my friend

All those years my friend since we were born under the wing of the mother goose, the miserable cow, the last general in a Gucci suite. All those years my friend living without a sun, living with eggs, with yellowness of its yolks and the paleness of its shells. And we managed to build high walls of eggs and fuckry to keep the pain away. We built them so high to shelter ourselves from the rotting of authorities, from stagnation of ideas from double standards and lack of values in a society devoured by mites and worms.
.
.
No my friend, the fuckry was not a matter of choice, it is a set menu, you just take it or leave. And the extent of our dreams has always been for the eggings of this fuckry to be suitable for human consumption.  And there have always been a Mubarak, a Safwat, an Anas and a Farouq and from their fingertips strings pull and tug
making puppets dance. Some dance to an Islamist tune, some bend to lick army boots. And some are grey and old dancing on a podium in their Rich Man’s club filling the air with preaches about liberal values and civilized dialogue with the others.
.
.
All those years my friend, it took us all those years until we dared to declare ourselves human, statues no more. We declared ourselves human not torn at their bases, not dead with cracked skulls, with sunken eyes like dried oysters, with holes in our bones. But how after all those years my friend the only sound we can voice is the murmur of death.   
.
At those moments when the streets were filled with monkeys and human children and laughing nobodies, the sentimental fools were bursting in tears of joy in front of cameras. Mubarak was gone, but even then we dared not let happiness in.
Quarter of a century or more; we’ve been building high walls of eggs and indifferent fuckry around our hearts. Quarter of a century we’ve been sweeping emotions under the carpets of our soul because we don’t have time to waste dealing with grief. Now happiness is shut outside and we can’t let it in.
.

.
.
I had that recurrent dream my friend, it used to visit me every now and then, a dream of empty streets and fog so dense it turns to velvety dew when the sun comes up. And the dew would wash the roads and alleys and dusty trees, it would wash the rusty iron fences and concrete walls and warn out helmets of sleep standing CSF cadets. It washes the lighter in the hand of a police officer and a rosary in the hand of sheikh. The dew leaves glistening pearls on the musty leather slippers on the feet of this who thinks that what he’s scribbling is a constitution. The dew covers everything my friend, everything; even the rotten, the fraudulent, the tyrant, the dictator, the housewives and the Shawerma man. And of everyone’s limbs and organs greens are
sprouting and growing.
.
.
What we are facing today my friend id not a struggle between decrees and regulations of legal or constitutional form, it is not. Neither is it an issue of a withdrawal of a constitutional declaration or adoption of constitution. Nor is it an issue of a farce à la Gheriyani with all its tedious dullness. And most of all let me say the issue is not that Mohamed Elsawy falls asleep while Essam Eleriyan casts his closing speech and Elsawy wakes up just enough to raise his hand on behalf of the church to spit its vote out.
It is beyond all of those who would turn to dust someday. Street cats would stroll between their graves not know how much pain they brought to this world. The issue is way beyond those my friend.
This issue is our lives; what we will do with it and about it my friend? The true struggle is over our lives, for I would like to spend what’s left of it as human and not as a statue. Whereas there’s another who derives his pleasure and self validation out of enforcing his will and controlling others as if they were slaves by passing his constitution. A constitution that gives way to enslavement, a constitution which elevates presidential decrees to
be divine and irreversible in the name of Sharia and ironically “legitimacy”, a constitution that does not deserve its very name.
.
We have nothing to lose now my friend. Even worse; we have no more egg shells left for us to build a wall around our little isolated colonies. Even silence or indifference is no longer an option. We either make it as humans or die broken like fallen statues shattered into eighty something million pieces.
.
.
Translated by: Amy Shazly
.
.
Share

ما العمل؟

نقترب كثيراً في هذه الأيام المباركة من لحظة من لحظات الحقيقة النادرة. فلأول مرة تبدو الأشياء على حقيقتها بعيداً عن الخرافات والشعارات المجوفة والأحاديث التي يتساقط منها الهبل عن الوفاق والوحدة والدولة المدنية إلى آخر هذا البتنجان..
.
.
ما يحدث الآن أننا نواجه ديكتاتور عصبي وعنيد جداً يدعى خيرت بيه الشاطر، خطف جماعة من جماعات المجتمع المصري وحولها لشركة قطاع خاص، ثم عرض على برهامى وجماعته الدخول في تحالف نحو المجد. البرهامى ليس لديه ما يخسره في الحقيقة لكن بالتحالف أخيراً مع غريمه القديم “الشاطر” يدرك أنه يدخل رهان مفتوح. أما أن يكسب كل شيء أو يخسر كل شيء.
.
والشاطر يدفع “دنجل” ليقدم عروضاً مسلية على شاشات التلفزيون نشاهد أول انسان تقريباً يبل أصبعه وهو يقرأ من جهاز الآيباد. ومن الطبيعى أن ينجر الشباب بسبب استفزازات “دنجل” ويتظاهرون ويعتصمون، ومن الطبيعى أن يدفع الشاطر بقطاعات من جماعته في مجزرة يتحمل هو ومكتب الارشاد مسئوليتها كاملة وقريبا سيتم محاكمتهم ووضعهم في السجن بجوار جمال وعلاء مبارك بإذن الله.
لكن في وسط هذه العاصفة يجب أن ننتبه حتى لا نفقد البوصلة ولا الأهداف مرة آخري، ولا نقرر نفس الأخطاء أرجوكم. لا داعى للدخول في المتاهة اللولبية مرة آخري.
.
-مرسي أنهى واسقط دولة القانون. وهذا من فضل الله على أهل هذا البلد. الدولة المصرية والتي صممت بالأساس كجهاز لإدارة المستعمرات لخدمة السلطة لا الشعب انتهت. وانكشفت شبكة الفساد والزيف التي تحكم سلطاتها الثلاثة وعلاقتها ببعضها البعض. أنهم ليسوا أكثر من جماعات من المماليك تتصارع لمصالحها الخاصة . انتهت الدولة حافظوا على المجتمع.
ادفعوا المجتمع ليستعيد حريته ويسيطر على مؤسساته بنفسه. هناك إشاعة ظهرت منذ ساعات عن مجموعة دخلت إلى المجلس المحلى في مدينة المحلة وأعلنت استقلالها وعدم تبعيتها لمرسي. أعرف أن هذه إشاعة لكن لا يوجد ما يمنع من تحقيقها. هذا أفضل كثيراً من حرق مقرات الاخوان. اصنعوا حياتكم الآن إن استطعتم وإن أردتم.
.
-ليس هناك أي سبب أو داعى للانجرار خلف شهوة الانتقام، ولا يوجد أي مبرر لاستمرار التظاهرات في المحافظات أو القاهرة حول مقرات الاخوان. الجماعة نسق من الأفكار والقيم عاشت لعقود وستعيش لعقود أكثر لكن في هيئة وشكل مختلف ربما تنسحب مرة آخري من المدينة إلى القرية، لكنها ستستمر وبالطبع بقيادة آخرين غير مجموعة رجال الأعمال الحاليين. اسحبوا ما تبقي من أجهزة الدولة من يد هؤلاء، حرروها انزعوا الشرعية على الأرض من يد مرسي. إذا دعى للاستفتاء على الدستور يجب أن ألا يذهب أحد لهذا الاستفتاء وألا تستقبل السفارات أي شكل من أشكال التصويت وتعلق عملها. حولوه إلى طرطور فعلاً ما دام قد أرتضى أن يكون طرطور في يد الشاطر.
Share

كل هذه السنين يا صاحبي..

صورة للتاريخكل هذه السنين، منذ ولدنا تحت ظل الفرخة، البقرة البائسة، آخر الجنرالات بالبدلة المدنية. كل هذه السنين يا صاحبي عشنا بلا شمس. بالبيض، بصفاره وقشرته نبنى جدران من البيض والبضان حتى لا نشعر بالحزن. حتى نحمى أنفسنا من عفن السلطة، من ركود الأفكار، من ازدواج القيم والمعايير في مجتمع يأكله السوس والدود.
.
لا يا صاحبي.. البيض لم يكن اختيار من ضمن اختيارات موضوعة أمامنا على الطاولة.. لم يكن لدينا اختيار. وسقف أحلامنا كان دائماً أن
يكون البيض صالح للاستخدام الآدمى. كان هناك مبارك وصفوت وأنس وفاروق ومنهم تخرج الخيوط تحرك كل المهرجين من حركة تدعى أن الإسلام هو الحل ولا تجد غضاضة في التوريث أو لعق أحذية السلطة، إلى عجائز فوق الخمسين يلقون محاضرات في أندية الروتارى عن قيم الليبرالية والحضارة والحوار مع الآخر.
كل هذه السنين يا صاحبي.. حتى نجروء على إعلان أننا لسنا تماثيل، لنسقط مقطوعين على قواعدهم، ميتين برؤسٍ مفلطحة، بعيون معصورة كالمحار، بثقوب في عظامنا، كيف يا صاحبي كل هذه السنين ومازالنا لا نخرج سوى.. حشرجة”
.
حتى في اللحظة التى كانت الشوارع فيها تمتلأ بالقرود وأطفال البشر والضاحكين، وأصحاب المشاعر الفياضة يبكون من السعادة أمام الكاميرا ابتهاجاً بتنحى مبارك وتسليم السلطة للمجلس العسكري. لم نكن سعداء يا صاحبي..
بعد أكثر من ربع القرن من بناء جدران البيض حول القلب، من غلق المشاعر حتى لا نشعر بالحزن أو الألم الذي هو أكثر من السعادة والفرح. من الطبيعى ألا نشعر بأى فرح أو ابتهاج.
لكن على مدار الفترة الماضية كان هناك حلم متكرر يا صاحبي، كنت أري الشوارع خالية، والضباب كثيفاً، مع شروق الشمس يتحول لما يشبه الندى فيغسل الشوارع والأرصفة، الأشجار المتربة، الأسوار الحديدية والخرسانية خوذات الجنود الناعسين وقوفاً، ولاعة سجائر الضابط، وسبحة الشيخ، يترك الندى قطرات مياة مصفاة فوق الشبشب الجلد للمعفن في قدم من يكتب ما يظنه دستور. يغطى الندى كل شيء يا صاحبي حتى المعفن، والمدلس، والطاغية، والديكتاتور الأهبل، والفقيه الدستورى، وربات المنازل، وبائع الشوارما. فتتنمو النباتات أوراق خضراء تنبت على أطراف وأعضاء الجميع.
ليس ما يجري ويدور يا صاحبي صراعاً بين مراسيم ولوائح قانونية ودستورية. وليست القضية في سحب الإعلان الدستوري، أو إقرار الدستور، أو مسرحيات الغريانى الطويلة والمضحكة والمملة، ليست المسألة أن محمد الصاوى ينام بينما عصام العريان يلقي كلمته الختامية، ويستيقظ ليرفع يده مصوتاً باسم الكنيسة.
.

ليست هذا القضية. كل هؤلاء سيصيروا يوماً عظاماً وتراب، تسير القطط في وداعة بين قبورهم. ليست تلك هى القضية يا صاحبي..
.
القضية هى حياتنا. ماذا نفعل بها وفيها يا صاحبي. الصراع الحقيقي على حياتنا. بينما نرغب في تقضية ما تبقي منها كبشر لا تماثيل. يستمد طرف آخر لذته واحساسه بتحقيق الذات من قدرته على الفرض والجبر والتحكم في حياة الآخرين وتحويلهم لعبيد حيث دستور يجيز تشريع قوانين تفرض العمل “جبراً”. ورئيس لا يناقش وقراراته يظنها أوامر إلهية باسم الشريعة والشرعية.
لم يعد هناك ما نخسره يا صاحبي، والأسوء أنه لم يعد بالامكان أن نبنى أسواراً بقشر البيض حول مستعمراتنا الصغيرة المنعزلة.. حتى الصمت أو التجاهل لم يعد اختياراً. أم أن نعيش بشراً لأول مرة أو نسقط كتماثيل مهشمة..

Share

النعيم- إيمان مرسال

لديكم راتبٌ شهريّ لأن الدولة موجودة

وما دامت الشمس تُحدث ضجةً على عيونكم المكتئبة

فلديكم مبرر لوصف قذارة الطبيعة 

و بهذا تدخلون اللحظة التاريخية من جوربها



انتبهوا للنعيم

القمامة مثلا

توفّر للخنازير طعامها اليومي

ثم ان كل شيء تحسن

في الفترة الرئاسية الأخيرة

لدرجة أن مقابر أطراف المدينة

بها خمسة مكاتب للتليفون الدوليّ



أنا شخصيّاً لا أحتاج صوت أحد 



انتبهوا للنعيم

ولا تقلقوا بشأن المستقبل 

فليس عندكم الحرية اللازمة للموت.



من “المشي أطول وقت ممكن”-إيمان مرسال،
1997
Share

استخدام الحياة.. قريباً

أحمد ناجى- أيمن الزرقانى

رسوم أيمن الزرقانى، كتابه أحمد ناجى- استخدام الحياة، رواية قريباً

 

Share