حينما يظهر دين جديد في مصر..

في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ظهر على أرض الشعب المصري العريق ملك جديد عرف باسم ”امنحتب الرابع”. وقد ورث امنحتب العرش المصري في فترة نادرة، توسع فيها النفوذ المصري وسلطة الدولة المركزية لتشمل أراضي النوبة وشمال السودان وأجزاء كثيرة من آسيا.
.
ومن أجل تثبيت عرشه واجه امنحتب الرابع معضلة تخص علوم الميثولوجيا الآن، لكن وقتها كانت تخص علوم العقيدة والشريعة.
.
.
في الديانة المصرية القديمة والتى تراكمت وعاشت على أرض مصر الحبيبة لحوالى 3500 عام وعرفت بعبادة الإله “رع”، تمتد سلطة رع على أرض مصر فقط. العالم بالأساس يبدأ وينتهى في أرض مصر، و”رع” في الليل يركب مركبه ويسير تحت النيل مصارعاً قوى الشر والظلام المتمثلة في أفعى شريرة ويعبر 12 باباً تمثل عدد ساعات الليل ثم يظهر في الصباح فيعم السرور كل العالم. العالم الذى تقف حدوده على مصر.
.
كان امنحتب الرابع يواجه مشاكل كبيرة وصغيرة، هناك مصريون بسطاء يرفضون الخدمة خارج الحدود خوفاً من الموت خارج أرض مصر وبالتالى الضياع في عالم العدم، ومشاكل كبيرة تتمثل في أهمية اقتناء الدولة المصرية لرمز دينى يساهم في ترسيخ ودعم توسعاتها الاستعمارية. بالتالى تجلى امنحتب الرابع، وأصبح اخناتون رسول الإله الجديد الواحد الأحد “آتون” والذي تمتد قبضة سلطته المنبثقة من الشمس لتفرض سلطانها على كل الأرض.
.
يخاطب اخناتون آتون الإله الأبدى المحيط غير المحاط :”يا مذكرى بالأبديه/ وحجتى في إدراك الأبدية/  يامن سوى نفسه بنفسه/ إنك صانع مصور لنفسك بنفسك/ ومصور دون أن تصور/ منقطع القرين في صفاته مخترق الأبديه/ مرشد الملايين إلى السبل/ وعندما تقلع في عرض السماء يشاهدك كل البشر/ أنت خالق الكل وتمنحهم قوتك”
.
طبعاً اتهم ”اخناتون” بالهرطقة من قبل كهنة الديانة القديمة، واتهم الكهنة اخناتون بازدراء الأديان، والكفر والإلحاد. وطالبوا بوضع مادة في الدستور تكفل هوية الدولة المصرية، وبإن ذات الإله “رع” مقدسة لا تمس. وطبعاً أول من آمن بمباديء أخناتون كانت الطبقة المثقفة العلمانية الفاجرة من فنانين ومعمارين وكتاب وشعراء.
وكأى دين جديد كانت ديانة اخناتون في البداية نقية طاهرة عذبة كضوء الشمس، وكأى دين جديد كان لابد من هجرة، فخرج اخناتون بصحبة من تبعه من الصادقين المؤمنين وبنى عاصمة جديدة هى ما صار يعرف
“بتل العمارنة”. وكانت بالطبع مجتمع أخوى نخبوى. يوتوبيا يسودها الإبداع، والحب.
دام حكم أخناتون لفترة قصيرة لا تتجاوز 17 عام، ولسؤ الحظ مرت البلاد بعده بفترة ثورات ومظاهرات وفوضي وقطع طرق وانتشار لظاهرة البلطجة وسلسلة من الاغتيالات السياسية المتنوعة. ثم تعرض ابنه ”توت” الصغير للاغتيال، وتزوج الوزير الخائن بأرملته وأصبح ملكاً للبلاد وفرض العودة لديانة رع القديمة.
لكن ياللهول استمرت ديانة ”آتون” بشكل سري وفي دوائر محدودة واستمر الصراع دائراً بين الدينين حتى
بعد ظهور أديان جديدة، وتداخل الاثنين في فترات آخري. ثم انتهى كل ما له ذكر بهذا العالم لأسباب يطول شرحها، وظهرت أديان جديدة أعيد على أساسها تقسيم العالم.
عاشت ديانة رع والمذاهب التى خرجت منها لأكثر من “أربعة آلاف عام” وعاشت ديانة آتون في مصر لأكثر من 1500 وعام ولا تزال مستمرة لدى بعض الجماعات المتناثرة والصغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الغرب الكافر.
***
هناك دروس كثيرة يمكن التعليق عليها وملاحظات يمكن توضيحها في قصة ثورة اخناتون المجيدة. لكن أبرزها للتسجيل كيف أن قوانين كتلك التى تقيد حرية العقيدة، أو حرية ممارسة شعائر ما. لا تحمى أبدا العقيدة التى تُشرع لأجلها ولا تضر أو تمنع آخرين من الإيمان بما يعتقدون به.
ثم انظر يا أخى في الآية الكريمة حينما يقول الله تعالى في سورة يونس: “إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ “. فتفكر أخى الكريم.. تفكر.

فوتوغرافيا: Grant  cornett

فوتوغرافيا: Grant cornett

Share
Tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>