لا تنتظر شيئاً من أحد…
By AhmedNaje
شعرت بالآسف حينما سألني عم عبد الله يوم عيد العمال “هتنتخب مين“؟
تجاهلت الرد عليه وفضلت الصمت، فبدأ هو في مونولوج ذاتي وعزف منفرد في سرد مزايا وعيوب المرشحين للرئاسة، ثم عبر عن حيرته في النهاية بين اختيار “عمرو موسي وأبو الفتوح”. انقطع الحديث وعاد لتكرار السؤال مرة أخري:
-برده مقلتش لى هتنتخب مين؟
رددت عليه متسائلاً: “أنت انتخبت مين آخر مرة في انتخابات نقابة السائقين؟”
تحول فجأة عم عبد الله إلى شفيق وقال:
-أيــــــــــــه؟؟؟؟؟؟
***
مثل أى سائق تاكسي في مصري يدفع عم عبد الله اشتراك سنوى في نقابة السائقين، وكل مرة حينما يذهب لتجديد رخصة القيادة لابد أن يدفع مبلغ آخر للنقابة. لكنه مع ذلك وبمنتهى البساطة يقول لى: “النقابة لا تقدم لنا شيئاً“.
لا يوجد أى برامج رعاية صحية تقدمها النقابة، ولا أى نوع من أنواع برامج التضامن والتكافل الإجتماعى. لا تقوم النقابة بأى بدور في تعديل القوانين المنظمة لأوضاع السائقين في مصر سواء سائقي التاكسى أو السائق الخاص. بالتالى فمهنة السائق الخاص أشبه بنوع من العبودية الحديثة حيث لا يوجد أى نوع من الحقوق أو الواجبات المحدد على السائق الخاص. يمكن أن يعمل اليوم ويطرده صاحب السيارة غداً دون أى مبررات أو أسباب.
نفس الأمر ينطبق على القوانين المنظمة لأوضاع سائقي التاكسي. يقول عم عبد الله “15 سنة تسعيرة البنديرة على العداد 60 قرش”. وإذا –لا قدر الله- أصابه مكروه غداً فللن يسأل عليه أحد حتى لو واظب على مدار ثلاثين عاماً على دفع اشتراك النقابة.
على العكس من المهن الآخري التى يكون للنقابات دور مهم في مناقشة القوانين المتعلقة بها، فنقابة السائقين لا يسمع لها أى صوت في مناقشة قوانين المرور أو أى قوانين شبيهه.
السبب في كل ما سبق. أن النقابة تقع بشكل دائم تحت سيطرة وزارة الداخلية ومازال هذه الأمر مستمر حتى الآن.
حينما سألت عم عبد الله لماذا تسكتون كسائقين على هذا الوضع؟ بدأ أسطوانة النواح المصرية المعتادة “احنا غلابة، يعنى افرضأنا والسواقين رحنا عملنا مظاهرة أقل حاجة هيلبسونا مخالفات زيادة”.
رغم هذا الوضع البائس لعم عبد الله وغيره من السائقين في ربوع القطر المصري، إلا أنهم لا يهتمون بمحاول تغيير وضع نقابتهم أو البحث عن بدائل أو حتى معرفة أين تذهب الأموال التى يدفعونها كل عام لهذا الكيان المسمى بالنقابة. في المقابل يهتم عم عبد الله وزملائه من سائقي التاكسي بشكل جدى بالملهاة الممتلئة حتى الثمالة بالطراطير والمعروفة إعلامياً بانتخابات الرئاسة.
بعد حديث قصير مع عم عبد الله حول أوضاع النقابة الغائبة. قال عم عبد الله:
-أنت ليه بتقلب عليا المواجع… خلينا نتكلم في السياسية أحسن، أنت ايه رأيك في مرسي الإستبن؟
***
مثل عم سيد هناك مئات الآلاف من سائقي التاكسي، الذين يرون أن السياسية هى مشاهدة العروض الترفيهية التى يقدمها التلفزيون تحت عنوان “برامج التحليل السياسي” وإطلاق النكات والمفاضلة بين أنواع الطراطير المختلفة، فهناك الطرطور الأخوانى، والطرطور أبو لغد، والطرطور الإخوانى متنكراً، والطرطور القومجى وللآسف لم يكمل معنا الطرطور أبو جلابية ودقن.
الطراطير والأرجوازات مسلية بكل تأكيد وأنا شخصياً استمتع بمشاهدتها والفرجة عليها.
لكن لا تتوقع منها أكثر من التسلية وما تقدمه من عروض أدائية في التلفزيون.
لا تحمل الأمور أكثر مما تحتمل، ولا تترك الحصان وحيداً
يا عم عبد الله لن يغير الرئيس القادم من حالة الرصيف الذي تمشى عليها، وبالتأكيد لن يجعل البلد “تهدى”. والأهم من ذلك ستستمر نقابة السائقين في سرقة مالك وأنت كالمغفل تدفع لها بكل أريحية.
لا تنتظر شيئاً من أحد.
وبدلاً من الحديث عن الطراطير مع سائقي التاكسي، تحدث معهم عن السياسية الحقيقة وما يمكن أن يؤثر ويصنع فرقاً حقيقياً. حرض سائقي التاكسي على استعادة نقابتهم بدلاً من الجدل والمفاضلة بين الطراطير المختلفة.
لا يحتوى هذا التقرير على معلومات عن “حقيقة مقتل مهند”؟
By AhmedNaje
في مدخل معرض أحمد صبري المقام تحت عنوان “حقيقة مقتل مهند” بجاليري مشربية، وضع صبري لوحة تحتوى على ورود وتشكيلات زخرفيه بسيطة تحيط بعبارة مكتوبة “يا دين أمى“.
يستمتع صبري بالتعليقات التى تأتى له على هذه اللوحة، حيث يستغرب البعض من استخدام تلك “العبارة البذيئة” في رأيهم. يخوض معهم نقاشات حول موطن البذاءة في العبارة فلا يجد من يشير أو يوضح له مكمن خروجه عن النص.
هذه الحالة من الاستفزاز والسخرية المُبطنة تُسيطر على كل أجواء المعرض، كما أنها تشكل النواة الأساسية لمشروع صبري. برزت بقوة في معرضه السابق “تلفزيون البرنس” وتستمر معه في المعرض الحالي.
يهتم صبري بالطريقةِ التى يُعبر بها الناس عن أنفسهم، وكيف تَعكس وسَائط الاتصال المختلفة من تلفزيون وانترنت حياة البشر والأحداث السياسية والاجتماعية. لكن منبع هذا الاهتمام كما يوضح صبري قائلاً: “ليس الدافع هو القيام بدور تنويري أو الكشف عن التزيف والتسطيح الذي تمارسه تلك الوسائل، بل تتبع أثر هذه الوسائط على حياة الناس وكيف تصيغ وتشكل الكثير من المفاهيم والتصورات، ومحاولة اللعب على التناقض بين الصور التى تقدمها تلك الوسائط“.
في المعرض سنري سخرية صبري تأتى من تعليقات وصور “الفيسبوك” والشبكات الاجتماعية، هناك سخرية لاذعة من السلطة العسكرية ومن بعض ممارسات تيار الإسلامى السياسي كتلك اللوحة الجماعية حيث عدد من نواب حزب النور يلتقطون صورة تذكارية على منصة رئيس مجلس الشعب. لكن لدى صبري مثل الكثير من الفنانين المعاصرين حساسية اتجاه الأيدلوجيات المحددة بغض النظر عن مسمياتها لذلك فخط السخرية على حد قوله يأتى مستهزئا من كل شيء حتى على سبيل المثال أكليشيهات خطاب الوحدة الوطنية حيث “مروة نفس حروف مريام”.
تلعب الكلمات والجمل المكتوبة على اللوحات دوراً أساسياً في أعمال صبري، معظم اللوحات تحمل جمل أو تعليقات مقتضبة، والكثير منها لا يكون ذو علاقة باللوحة. ففضاء اللوحة لدى صبري لا يتشكل من الألوان والخطوط المرسومة بالزيت فقط. بل هو المسافة المتخيلة بين اللوحة المرسومة ودلالات الكلمة المصاحبة لها. حينما يضعنا في مواجهة لحمة تحمل كلمة “جمادى الأول” مكتوبة فكل الصور والتداعيات المصاحبة لقراءة هذه الكلمة تشكل نبضات كهربائية تكشف وتتلاعب بمعنى ما هو مرسوم.
بينما تأتى الجملة في لوحات أخري هى العنصر الأساسي والوحيد مثل لوحته التى تتكون من جملة واحدة هى “عاوز تفهمنى إن المشير سفر الأمريكان لوحده والإخوان كانوا فارشين سجادة وبيصلوا. !”.
روح الفيسبوك والصور المركبة التى تنتشر عليه تظهر في بعض أعمال صبري وفي رأيه يعود ذلك إلى تضخم دور الشبكات الاجتماعية على الانترنت مع تراجع محدود في مساحة التلفزيون الذى كان نجم معرضه السابق. الثورة أيضاً في رأى صبري وسعت مساحة هامش الحرية إلى حد كبير. يتذكر أنه في 2009 أنجز بورتريه ضخم للرئيس السابق محمد حسنى مبارك كمشاركة منه في أحد المعارض الرسمية، لكن تم رفض عرضه.
***
حينما تخرج صبري من كلية تربية فنية عام 2004 كانت الخطة هى الاتجاه لرسم الكاريكاتير، عمل بالفعل لفترة في عدد من الجرائد والمجلات المصرية لكنه كان مطالباً أن تكون رسوماته واضحة ومباشرة حيث السخرية في الكاريكاتير تقوم على المبالغة في إبراز التناقض، في حين أن السخرية في أعمال صبري تأتى مبطنة وليس شرطاً أن يكون التناقض نقطة انطلاقها.
——————— -
نشرت في أخبار الأدب عدد 22 أبريل
محمد فرج يكتب: دي – كاف.. محاولة لضخ الفن في قلب القاهرة
By AhmedNaje
ربما لم يعد مستغربا من جمهور المثقفين والفنانين ومرتادي وسط البلد وجود مهرجان فني سواء تركزت أنشطته على نوع فني واحد أو أكثر، وأيضا سواء كانت فعاليات المهرجان مقامة في مكان واحد، أو موزعة على أكثر من مكان.
لكن يأتي مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة أو “” D-caf –”دي –كاف” الكلمة المختصرة للدلالة على المهرجان وهي الحروف الاولى من الكلمة بالانجليزية، ليثير دفقة حيوية جديدة في منطقة وسط البلد، ربما لكونه أول فعالية فنية كبيرة متعددة النشاطات تقام في وسط القاهرة بعد الثورة، وأيضا لوجود فعاليات المهرجان في ساحات فنية جديدة اعاد المهرجان اكتشاف جزء منها مثل مسرح وسينما راديو بشارع طلعت حرب المغلق منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما، وفندق فينواز القديم بشارع محمود بسيوني، بالاضافة إلى مسرح الفلكي، ومكتبة الحرم الجامعي التابعين للجماعة الامريكية، وبعض الاماكن المعهودة مثل جاليري التاون هاوس، ومعهد جوته، والشوارع المجاورة لمبنى البورصة المصرية.
اتساع المدى الجغرافي للمهرجان داخل وسط القاهرة، ووجود العديد من الانشطة الفنية داخل هذه المساحة خلق ارتباطا في أذهان الكثيرين بين “دي – كاف” وبين مهرجان “نطاق” الذي عقد بوسط القاهرة أيضا قبل ما يقرب من عشر سنوات، والذي كان بمثابة نقطة الاعلان والانطلاق للمنظمات المستقلة العاملة في مجال الثقافة والفن بشكل عام، ورغم الهجوم الذي قاده الكثير على “نطاق” تحت دعاوى “التمويل الغربي”، “والتخريب تحت مسمى التجريب” الا ان نطاق استطاع فرض وجود هذه المنظمات كفاعل جديد على الساحة الثقافية المصرية لم يعد احد يستطيع بعدها انكار اهميتها على مستوى الفعل الثقافي المختلف والمؤثر والجاذب الحقيقي للجمهور المعني بمتابعة الانشطة الفنية الجديدة او ما يمكن تسميتها ب “البديلة”.
“دي – كاف” استمر على مدى ثلاثة اسابيع، حيث تم تقديم حوالي 14 حفل موسيقي، و15 عرض مسرحي وراقص.
بالاضافة إلى معرض فني، ومحاضرات لفنانين، وورشا فنية للعديد من الفنانين المصريين والعرب والاجانب، وتم اهداء المهرجان إلى “أرواح كل من أستشهد من أجل الحرية منذ 25 يناير 2011 وحتى الان”
ذخيرة الأمة…موسيقيا
الهدف المعلن من البرنامج الموسيقي ل “دي – كاف” هو “خلق منبر وشبكة اتصالات للموسيقيين المعاصرين والتجربيين الذينيقيمون ويعملون في القاهرة، وأيضا مع زملائهم الدوليين” مع التركيز على الموسيقى الإلكترونية تحديدا التي زادت شعبيتها خلال العشر سنوات الأخيرة كما يرى صناع المهرجان، ربما يكون القول السابق صحيحا فأشكال الموسيقى الاليكترونية أصبحت واسعة الانتشار خاصة موسيقى “المهرجانات” المنتشرة في شوارع مصر الان، والتي كان لها مكان في عروض “دي -كاف” الموسيقية، لكن تبقى الموسيقى الالكترونية التجريبية هي الأضيق على مستوى مساحات عرضها وايضا جمهورها وبالتالي اشكال التفاعل النقدي معها.
بدأت حفلات المهرجان الموسيقية مع الفنان حسن خان الكاتب والموسيقي والفنان البصري، الذي قدم حفله تحت عنوان “مصادر موثوق بها” الذي قدم من خلاله عددا من مقطوعاته “الموسيقية” التي سبق له تقديمها من قبل، وضع القوسين موسيقية حسن خان، ليس اعتباطا.
فبداية من شكل خان على المسرح، إذ لا يشبه الموسيقي التقليدي الذي يقف على خشبة المسرح مندمجا مع ألته الموسيقية التي يعزف عليها، حيث يمكنك كمستمع أن تستشعر إتجاه الموسيقى، كيف تصعد وكيف تهبط وكيف تتجه إلى النهاية. لكن خان يشبه عالماً يقف في معمل، أمامه لوحة هائلة من الازرار التي يحركها باستمرار متنقلا فيما بينها، ليصنع عبر تلك الحركات “موسيقاه”، التي تبدو غريبة على أذن غير معتادة على الموسيقى الاليكترونية التجريبية خاصة.
يبدو أن حسن أيضا يحب استعمال الكلمات الكبيرة اذ تستند موسيقاه على “التكوين الخارق لذخيرة الأمة” وهو اسم احدى المقطوعات التي لعبها حسن خلال حفله، اذ يعتمد حسن على استخدام تيمات موسيقية شهيرة من التسعينات بداية من تيمات حميد الشاعري، إلى تيمات الموسيقى الشعبية في ذلك الوقت وصولا إلى تيمات المهرجانات، الصيغة الاكثر شعبية للموسيقى الاليكترونية. هذه التيمات التي ربما عبرت على أذاننا تكتسي مع خان بعدا أخر يتجاوز شعبيتها ليدخل بها في دائرة أخرى أكثر نخبوية.
موسيقى خان طرحت علي سؤالا له علاقة بالتفاعل، كيف يمكن للمتلقي أن يتفاعل مع هذه “الموسيقى” خاصة انها ليست طربية، وبالتالي لا يمكن الاستماع لها جالسا – وهي احد مشاكل مسرح وسينما راديو حيث أقيمت الحفلة، إذ يبدو المكان غير مؤهل لاستقبال هذا النوع من الحفلات التي تحتاج إلى مكان أكثر خلوا بحيث يسمح للجمهور بالحركة أو بالرقص – ولكن حتى الرقص على مع خان يبدو مشكلا لانك لا تعلم اتجاه الموسيقى.
من ناحية أخرى ربما تلتقط الاذن المصرية تيمات التسعينات او الموسيقى الشعبية، ولكن ماذا عن الإذن الأجنبية التي تتلقى تلك الموسيقى بدون خبرة سابقة بخلفياتها، كيف يمكن ان تتفاعل معها، خاصة وان جزء كبير من الحاضرين كان أجانب، وايضا لان خان يقيم الكثير من الحفلات خارج مصر.
استخدام حسن “للذخيرة الهائلة الامة” يطرح اسئلة حول كيفية تلقي الموسيقى المعاصرة من ناحية، وايضا حول “مصرية الموسيقى” اذ كيف يمكن القول ان هذا المنتج الموسيقي هو مصري، او لا، او ان هذا السؤال بالاساس لم يعد مهما في السياق الموسيقي العالمي المعاصر التي تتداخل فيه خبرات الجميع عبر العالم.
سؤال “مصرية الموسيقى” كان ملحا علي بعد سماع خان، وايضا فرقة “تليبويتك” التي عرضت في ثاني ايام المهرجان، وهي فرقة مصرية تأسست في 2006 وتضم ثلاثة اعضاء اساسيين، وفي بعض الاحيان يشترك معهم لاعب الساكسفون محمد العيسوي الذي شارك في عرض تلك الليلة، لعبت الفرقة موسيقى إلكترونية يمكن الاحساس ببدايتها وصعودها ونهايتها، لكنها تطرح بقوة هذا السؤال حول “مصريتها”.
وهو الامر الذي أجاب العيسوي بأنه لا يعنيه كثيرا، وبالنسبة له هذا سؤال يمكن ان يحدده جنسية الفرقة التي تلعب الموسيقى، وعندما اسأله: وماذا لو ضمت الفرقة عازفا أجنبيا أو أكثر كيف يمكن تحديد جنسية الموسيقى؟ أجابني ستصبح ساعتها الموسيقى عالمية. حيث سؤال الجنسية في الموسيقى لم يعد سؤالا هاما في الموسيقى المعاصرة بحسب محمد العيسوي.
اجابة العسيوي لها دلالة هامة، ربما يصعب استيعابها على الاذن التقليدية، ولكنها ايضا تفتح الباب على اسئلة كثيرة لها علاقة باهمية التعاطي مع التجارب الموسيقية الجديدة بحيث يمكن ان تصنع أرضية سماعية، وجماهيرية تمهد الارض امام اشتباك نقدي معها وبالتالي فتح فضاءات ممكنة من التفاعل، خاصة وأن كل الحفلات الموسيقية في المهرجان كان لها رسم دخول وهو ما قصر عدد الجمهور وبالتالي مساحة التفاعل.
الرقابة …بصريا
مساحات التجريب لم تقتصر على العروض الموسيقية فقط، ولكن في الجزء المتعلق بالفنون البصرية في المهرجان كان هناك هما أوسع من مجرد التجريب، كانت الرقابة هي الهاجس الاساسي للمعرض الذي شهدته ساحة المصنع التابعة لجاليري التاون هاوس، والذي نظمه مركز الصورة المعاصرة تحت عنوان “أنا مش هنا” الذي لم يكن معرضا تقليديا ولكنه كان معرضا عن معارض واعمال فنية لم ترى النور بسبب “الرقابة” .
فالمعرض حكايات عن أعمال غير موجودة، ومكان الاعمال المفترض، هناك نصوص بطول الحوائط تحكي كيف تم منع العمل من العرض، بالاضافة الى اطارات فارغة كان من المفترض ان تضم الاعمال الفنية التي تبدو وكأنها تنطق بعنوان المعرض “أنا مش هنا“.
اللافت للنظر في المعرض انه لم يقتصر على شكل رقابي واحد مثل الرقابة السياسية أو الدينية، ولكنه تعرض لاشكال مختلفة من الرقابة او التعقيدات البيروقراطية التي تمارس دورا رقابيا ربما لا ينتبه اليه غالبية المتلقين، تحكي الفنانة هدى لطفي كيف ارادات المشاركة في معرض جماعي في البحرين في اوائل 2005، وبدأت في اجراءات شحن اعمالها الفنية التي كانت عبارة عن قوالب تشبه الاحذية وعليها نقوش عربية، ولكن موظفي الجمارك تستوقفهم النقوش التي يظنون انها أيات قرأنية فيبلغون الجهات الامنية، خاصة وان مكتب النقل الذي يتولى عملية الشحن يمتلكه مسيحيين، وبالتالي وجدت لطفي نفسها اما تهمة ازدراء الاسلام، ومحاولة الوقيعة بين المسلمين والمسحيين، وبعد مقابلات واتصالات تتم هدى من الخروج، لكن لا يتم السماح لاعمالها بالسفر.
حالة رقابية أخرى تعرضت لها الفنانة نرمين همام عند اقامة معرضها “ميتانويا” الذي كان نتيجة مشروع اقامت فيه ما يقرب من عام في احدى المصحات النفسية الحكومية، وقامت فيه بتصوير المرضى خلال حياتهم اليومية وذلك بالاتفاق مع مسئولي وزارة الصحة على الا تعرض وجوه المرضى، ولكنها بعد الانتهاء من مشروعها فرجئت بمنع مسئولي الصحة ل30% من اعمالها بحجة تشويه حياة المرضى.
بينما يحكي الفنان أيمن رمضان حكاية عن تنفيذها لعمل كلب ضخم من المخلفات والقمامة بعد ان لاحظ زيادة عدد كلاب الشوارع وايضا طريقة تعامل الدولة معهم عن طريق “تسميمهم” فقام بجمع مخلفات مختلفة لصنع كلب كبير ووضعه بجوار مبنى التاون هاوس، ولكنه فوجىء في اليوم التالي باختفاء الكلب وعرف ان الشرطة جاءت وعملت على تحطيم المجسم ونقل مكوناته بعيدا.
حالة رقابية أخرى ترويها الفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور والتي تم اختيارها من قبل متحف الاليزيه السويسري وشركة الازياء الفرنسية لاكوست لفوزها في مسابقة هي وثلاثة فنانين اخرين لتنفيذ عمل فني يختاره الفنانين تحت عنوان “متعة العيش” وتعمل لاريسا على مشروع تسميه “مشروع الدولة” وتقوم فيها بتخيل زحف المستوطنات الاسرائيلية على ارض فلسطين لم يترك مساحة للفسلطينيين باقامة دولتهم فتصنع لاريسا مبنى مجسم يمثل كل طابق فيه مدينة فلسطينية، ولكن يتم رفض العمل من قبل شركة الازياء الفرنسية لكونه “يناصر القضية الفلسطينية بشدة” حسبما اخبر المسئولون الفنانة في البداية ثم حاولوا الضغط عليها لاعلانها انها خرجت من المسابقة بارادتها، ولكن لاريسا ترسل بيانا للصحف ووسائل الاعلام بعنوان “مسابقة لاكوست…: لامكان للفنانين الفلسطينيين” الامر الذي يؤدي في النهاية إلى اعلان المتحف إلغاء المسابقة لهذا العام.
كلام صامت وفيلم مفقود
ساحة المصنع لم تكن فقط مكانا لمعرض “أنا مش هنا” ولكن شهد المكان أيضا عروض أفلام، ومحاضرات، وعرض بعنوان “ما تحكيش – مونولوج الرقابة”بصي” من تنفيذ سندس شبايك.
العرض بالاساس مأخوذ من عمل مسرحي أمريكي بعنوان “مونولوجات المهبل” العرض الامريكي قام على حكايات أكثر من مائتي امراة عن الاغتصاب والتحرش الجنسي بكافة أشكاله، قامت سندس بتنفيذ الفكرة مصريا اعتمادا على حكايات مصرية، ولكن منذ المرة الاولى التي عرضت فيها سندس في الهناجر اعترض المسئولين على بعض المقاطع بوصفها “خارجة” لذا عندما قدمت سندس العرض ضمن المهرجان كانت تقوم باداء المقاطع التي اعترضت عليها الرقابة بشكل صامت بحيث تحرك شفتيها بلا كلام. يروي العرض عدد من الحكايات عن التحرش اليومي الذي تتعرض له الفتيات في الشارع، عن الظواهر التي ننكر وجودها رغم انها تحدث مثل حالات زنا المحارم، عن المشاكل التي لها علاقة بالخبرة الجنسية لكل من الطرفين الرجل والمراة وكيف تؤثر على العلاقة بشكل عام.
عرض جريء رغم قصره الشديد، اذا لا يستغرق المقطع الواحد بضع جمل، بالاضافة الى الجمل الصامتة، وتأتي اقامة عرض سندس، وسط النصوص المعلقة على الحائط الخاصة بمعرض “أنا مش هنا” أشبه بعرض كبير حول الرقابة واشكالها الكثيرة الظاهرة والخفية.
شهدت أيضا ساحة المصنع عرض الفيلم اللبناني “الفيلم المفقود” من اخراج جوانا حاجي توما وخليل جريج، الفيلم الذ تم تنفيذه في 2003 يحكي رحلة بحثهما عن نسخة فيلم “بيت الزهر” الذي عرض قبل عام في اليمن وفقدت نسخته.
وقد حيرهما من يثيره الفيلم لدرجة ان يسرقه، ويصور الفيلم رحلتهما بين صنعاء وعدن بحثا عن الفيلم الضائع ومن خلال الرحلة تتكشف تفاصيل لها علاقة بوضع السينما في اليمن وايضا كيفية التعاطي الجماهيري معها. لتبدو ساحة المصنع وكأنها ساحة لعرض الاشكال الرقابية المختلفة، بدون سقوط في فخ عرض الرقابة كأكليشيه يعاد إنتاجه بشكل واحد.
مسرح يبحث عن عالم أفضل
الفنون الآدائية بمهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة طرحت بعدا فنيا أخر بعيد عن فكرة الرقابة التي أنشغلت بها العروض البصرية، حيث كان التجريب أحد الابعاد التي طرحتها عروض “دي- كاف” بداية من عروض المسرحي السويسري انت هامبتون “أوكيه أوكيه” الذي هو عبارة عن كوميديا مصغرة يقوم بأدائها الجمهور بنفسه حيث يقوم المشاركة في العرض أربعة فقط ولمدة 45 دقيقة،و”جوروجورو” والذي يشارك فيه ايضا خمسة مشاركين فقط لمدة 50 دقيقة ويحاول فضح جنون الاستهلاك بين ماذا يريد المستهلك وما يحتاجه، عرضت هذه العروض بشكل يومي خلال المهرجان بحيث يتم تقديم عرض كل ساعة.
ايضا شهد معهد جوته عرضا تجريبيا قدمته فرقة “فورسد انترتينمنت” التي تعد من أهم فرق المسرح البريطاني المعاصر بعنوان “كويزلا” العرض الذي استمر ست ساعات يقوم على اثنان من الممثلين رجل وامراة يواجهون الجمهور ويبدأ الرجل في سؤال المرأة أسئلة متتابعة تتحرك نغمة السؤال من كونها بين اثنين اصدقاء، ثم تبدو كما لو كانت اسئلة في مقابلة من اجل الحصول على عمل ثم تبدو كأنها اسئلة محقق، وبعد مدة تلتقط المرأة خيط الاسئلة لتبدأ هي الاخرى في توجيه الاسئلة. يحاول العرض استكشاف حاجة البشر الى اليقين والمعرفة، تصبح اللعبة احيانا ظالمة ومضحكة وسخيفة وحميمية في الوقت نفسه.
ويأتي عرض “لو لم أكن مصريا” لعمر غايات محاولا تتبع رغبة المصريين في حياة أفضل عبر رغبة شاب في السفر إلى ايطاليا، العرض يمكن رؤيته في سياق البحث الانساني العام الغير مرتبط بجنسية عن مكان افضل، هروبا من الواقع القابض، حيث يمكن أن تتحق الاحلام المحبطة، رغم ان العرض ينتهي بالموت لكنها لا تبدو هي النهاية الوحيدة لتلك الرغبة الانسانية.
ومن لبنان يأتي المسرحي عصام بو خالد بعرض “بنفسج” الذي كان أكثر العروض احترافية وفنية وعناية بتفاصيل الاضاءة والموسيقى والصوت بشكل عالي المستوى، وأيضا أكثر العروض انفتاحا على أكثر من مستوى للفهم والتأويل. العرض الذي يمثله برناديت حوديب و سعيد سرحان تدور أحداثه في مقبرة جماعية، هذا ما يفطن إليه المتفرج بعد ثلث العرض، تفاهة الحياة عند القاتلين، الرغبة في العيش عند المقتولين هي ما تدفعهم الى ان يعشوا مرة اخرى في المقبرة وبتصارعون ويقتلون بعضهم البعض ثانية ويتخاطفون اعضاء بعضهم البعض، هكذا تروي الممثلة بينما يبقى الممثل المربوط بحبل إلى اعلى ومكمم الفم يلهث مثل الكلب ونفهم من حوارها معه انه زوجها الذي كان يضربها ويعنفها كثيرا، وجاء وقتها لتعنيفه، وهي في بحث دائم عن طفلها الذي اختفى منها لحظة الموت، تفك هي الكمامة عن فم الزوج، الذي يحكي قصة اعتقاله وتعذيبه ومعاملته كالحيوان، ليبدو في النهاية كالحيوان يتحرك على اربع ويتكلم بالحمحمة، في اخر العرض تجد الام لفافة ابنها الرضيع لكنه كان قد تحول إلى تراب.
هاجس الحرب والموت وتفاصيلهما هي المسيطرة على العرض، وفيما يبدو على غالبية المسرحيين اللبنانيين،على الرغم من ان عرض بو خالد لم يحمل كلمة واحدة تدل على بيروت او الحرب الاهلية او منطقة بعينها دارت فيها احدى المعارك او اسرائيل وخلافه، كي يبقى العرض مفتوح على كافة الأوضاع الانسانية المشابهة.
محاولة لتغيير ذهنية ملتقي الفن البديل
المهرجان لم يكن فكرة وليدة اللحظة، ولكن بدا الاعداد له منذ 2010، كما ذكر لنا أحمد العطار المدير الفني للمهرجان، ومدير استوديو عماد الدين، لكن الثورة أوقفت ترتيبات المهرجان بعض الشيء ومن ناحية اخرى فتحت الباب امام تصور أكبر للمهرجان بحيث يصبح حدثا دوليا يشارك فيه فنانين من كل انحاء العالم، وبدأ العمل للحصول على ممولون وشركاء من اجل تنفيذ الفكرة.
أسأله لكن لما كانت العروض الموسيقية والمسرحية مقابل رسم دخول، يجيب العطار ” هناك فكرة اصبحت شبه ثابتة بين أوساط المثقفين والمعنيين بالفن بالقاهرة، وهي ان الفن البديل هو فن مجاني لا يجب ان يدفع الواحد مقابل رؤيته، في حين انه يمكن ان يدفع ثمن تذكرة سينما اضعاف ثمن تذكرة العرض المسرحي في المهرجان بدون اي مشكلة، وجود تذاكر للعروض كان محاولة منا لتعيير هذه الفكرة، فأنت تشاهد فنانين محترفين تعبوا في انتاج عروضهم، لذا من المهم ان تعطي اهتماما لمسألة القيمة، ومن ناحية أخرى كمحاولة لتغطية تكاليف المهرجان من استقدام فنانين واقامتهم واماكن العروض وما إلى ذلك”.
وجود تذاكر للعروض كان احد الاسباب التي جعلت الجمهور التقليدي للعروض الفنية يعرض عن المهرجان، ولكنه في الوقت نفسه جذب جمهورا جديدا غالبيته من الشباب لم يكن لديه هذه المشكلة، وهي نقطة يرى العطار انها في صالح المهرجان، حيث سيحتاج الجمهور التقليدي إلى وقت لتقبل هذه الفكرة.
مهرجان “نطاق” كان في ذهن العطار وهو يعد ل “دي – كاف” ولكنه يرى نقطتين للاختلاف الاولى ان “نطاق” كان اكثر تركيزا على الفنون البصرية في حين “دي – كاف” أكثر اتساعا وشمولا لممارسات فنية مختلفة، وايضا يحاول أحمد ان تكون هناك ادارة للمهرجان بحيث يصبح هذا العام دورة أولي لفعل فني كبير يقام كل سنة ويضع القاهرة من جديد على خريطة الحركة الفنية المعاصرة في العالم.
———————– -
نشرت في أخبار الأدب، عدد 16 أبريل
دكتور سنهوري أو كيف توقفت عن القلق بشأن الدستور وأحببت “الهمبكه”
By AhmedNaje
أنت الآن في مدينة بلا بشر أو كائنات حية. مباني وأرصفة أسمنتية لا ضجيج ولا زحام. لكن منذ يومين لم تأكل أو تشرب. ففي المدينة لا حشائش تنبت من الأسفلت لتمضغها، ولا نبع أو نهر صغير أو كبير لترتوي.
وهناك غرفة ذات نافذة ضيقة. من النافذة تري مائدة عامرة من المن والسلوى وشتى أنواع الأطباق الساخنة ذات العبير النفاذ. ستتسلق وستحاول العبور من النافذة لكنها ضيقة ستكون مُحشوراً وستشعر بحواف الإطار تضغط على خصرك وتجرحك في كل مكان، لكن ستجاهد مدفوعاً بغريزة الحياة.. بالجوع. ستعبر من النافذة تصل المائدة وتأكل ثم تأكل ثم تشرب وتشرب. سترتوى وتشعر بالسعادة. وحين تستيقظ سيكون السؤال المحير هل يمكن تصنيف الحلم بصفته كابوس؟
أم حلم سعيد انتهى بمائدة عامرة؟
هذا هو السؤال دكتور سنهوري.
***
في مشروع الدستور الذي أعده د.عبد الرازق السنهوري عام 1954، وتم رميه في الزبالة ليعثر عليها بعدها بعقود الكاتب الصحفي صلاح عيسي. نجد أن معظم الحقوق التى نص عليها الدستور للمواطنين يمكن إسقاطها بحكم قضائي، أو ينظمها قانون.
يري البعض أن ذلك الدستور يمثل أعلى درجات الحرية في تاريخ التشريع المصري. لكن الحقيقية أن السنهورى ورفاقه من فقهاء دستوريين ورجال قانون صمموا الدستور بحيث تصب المسائل أخيراً في أيديهم، كوسيلة تتستر خلف حكمة الشيوخ وجلال القضاء للالتفاف على سلطة العسكر لا منح السلطة للشعب. أصحاب النوايا الطيبة يرون أن السنهورى أراد من مؤسسة القضاء أن تكون السد والظهر الذي يحتمي خلفه المواطن من بطش الدولة والسلطة. لكن الأمر لم يعدو أن يكون سوى تباديل وتوافيق. والاستعاضة عن سلطة رجال الدولة من العسكر الشبان في ذلك الوقت بسلطة شيوخ وحكماء الأمة حيث يضع دستور 1954 في يدهم قرار اختيار رئيس الجمهورية بالاقتراع السري على ألا يقل سنه عن 45 سنة.
حتى حق اختيار الرئيس لم يمنحه دستور 1954 لهذا الشعب، مثلما جعل كل حقوقه مرهونة بتنظيم القانون أو قرار السلطة القضائية.
لا فرق كبير بين حالة إعداد دستور 1954 من نخبوية وحلقة ضيقة عن حالة إعداد دستور عبد الناصر بعد ذلك الذي منح كل السلطات لرئيس الجمهورية، الفرعون، ظل شمس رع على الأرض. ولا فرق عن نفس الحالة التى نمر بها الآن. وإن كان الهدف الآن تحويل الفرعون إلى فراعين.
يري حزب الحرية والعدالة وحزب النور أنهمالقوى السياسية الأغلبية على الساحة البرلمانية وبالتالي من حقهم وضع الدستور والاحتفاظ بعصا القيادة والقدرة على ترجيح أو رفض بعض المواد. وبالتالي تشعر القوى السياسية الآخري بالغيرة والزعل، لأن الإخوان والنور لا يريدون أن يلعبوا معهم الكرة.
طيب هما فين؟ واحنا فين.. يا ليل يا باشا يا ليل
***
لكن من حقاً يهتم بالدستور؟
أتذكر على سبيل المثال أنه طوال سنوات الدراسة في المراحل التعليمية المختلفة لم نتعلم أى كلمة عن الدستور، حتى مادة “التربية الوطنية” كان عبارة عن سلسلة من الحكايات حول انتصارات العسكرية المصرية بداية من الهكسوس والعجلة الحربية وحتى الصقر الجريء.
أتذكر أيضاً المرة الأولى التى قرأت فيها الدستور المصري في الجامعة وكيف أصبت بهستريا من الضحك حينما قرأت الديباجة الشهيرة “نحن جماهير شعب مصر العامل على هذه الأرض المجيدة”. وبدا لي كل ما فيه مزيجاً من أضغاث الأحلام والهلاوس.
وكان الأمل بعد ثورة 25 يناير، أن يكون هناك دستور حقيقي مبنى على أسس الحقوق والواجبات، لا الهوية و”الهبمكة”. لكن يبدو أن الطريق نحو هذه النقطة لا يزال طويلاً. ومثلما كانت الدساتير السابقة تتحدث عن عموميات مثل “الشعب” و “الجماهير” سوف يأتي الدستور الجديد ليستكمل “الهمبكة” لكن هذه المرة ستحمل اسمه الهوية.
سعى نظام ناصر إلى وضع دستور يغلق المجال السياسي على دائرة ضيقة واقعة تحت قبضته، في نظام يحول البشر إلى رعايا لا مواطنين بحقوق وواجبات.
ونفس الأمر يحدث الآن برتابة تبعث عن الملل وتؤكد عقم الخيال عندى أى تيار سياسي يحكمه الاستبداد سواء كان الاسم الناصرية أو الإسلامية. تظن السلطة بأنها بكتابة الدستور تحكم قبضتها على خيال المواطنين. ويظن التيار الإسلامي بأنه بكتابة وثيقة تحمل اسم الدستور وتنص على صور محددة في ذهنهم للهوية سيقضي على التنوع ويوقف أى طموح لتغيير مفهوم وطبيعة هذه الهوية.
لكن الواقع وما أعرفه شخصياً وما أعتقد أن كل شخص مصري يعرفه دون أن يقول له أحد، أنه مثلما رمى عبد الناصر دستور السنهورى في الزبالة، رمى الشعب دستور عبد الناصر والسادات ومبارك في الزبالة، وكانت الحياة تسير دائماً في مسار لا يحكمه لا الدستور ولا القانون. بل فقط شريعة الغاب والرشاوى والفساد والنفاق والتناقض بين المظهر والجوهر. وبالتالي تكرار نفس الأدوات القديمة وخلق دستور “همبكة” على طريقة الهوية. ليس بالأمر السيئ كما يتصور البعض. فمن ناحية استمرار الحياة على طريقة “الهمبكة” أسلوب اعتاده الشعب المصري العظيم العامل على هذه الأرض.
ومن جهه آخرى أصبحنا جميعاً نعرف إلى أين تؤدي “الهمكبة” في النهاية.
واللى عملها أولانى.. يقدر يعملها تانى.
حراس البهجة.. ملوك المهرجانات
By AhmedNaje
نجلس على مقهى “زهرة السلام” في مدينة السلام ومع ذلك يعرفه سُكَان المنطقة بمقهى الزلزال. يشير “السادات” إلى بركة مجارى تغطى الشارع كله أمام المقهى ويقول ساخراً:
-زى ما أنت شايف عندنا هنا مناظر طبيعية جميلة أوى.
نضحك. يتدخل علاء فيفتى موضحاً: “الشارع كله كان مرصوف حتى نهايته، وكان منظم ومرتب. فجأة الحكومة من حوالى بتاع خمس عشر سنين بدءوا يحفروا هنا، ضربوا ماسورة المجاري وسابوها كدا“.
اسأله: بيدخلو غاز ولا أيه بالضبط؟
يجيب “السادات”: بيدخلوا وخلاص المهم يحفروا طوال الوقت.
هنا مدينة السلام آخر محطات الخط الساخن لإنتاج موسيقي المهرجانات في مصر والذي يمتد ليشمل (عين شمس، المطرية، مدينة السلام).
موسيقي المهرجانات لن نجدها على القنوات الفضائية، ولا في المحطات الإذاعية، كما لن تجدها على شرائط كاسيت أو اسطوانات ولا يبدى فنانوها أدنى اهتمام بالدخول في عالم سوق الإنتاج الموسيقي والغنائي.مع ذلك في كل فرح تقريباً في مصر أصبحت موسيقي المهرجانات عنصراً أساسياً، وأصبحت في فترة قصيرة مُرادفاً لبهجة المصريين. هى خليط من الموسيقي الشعبية القاهرية والموسيقي الإلكترونية الغربية مع إيقاعات موسيقي “الراب” العربية.
موضوع هذا الملف الأساسي ثلاثة من فرسان البهجة في عالم موسيقي المهرجانات (السادات، علاء فيفتى، عمرو حاحا) لكننا نحاول من خلاله الاقتراب من الإيقاع الجديد لمدينة بحجم وفوضى القاهرة.
2005
خارج مدينة السلام. كانت الصحافة في القاهرة مشغولة بفتح باب الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية للمرة الأولى. والجدل الفني يتزايد حول هل يجوز اعتبار شعبان عبد الرحيم “فناناً” أم إفرازاً من إفرازات الانحطاط الاجتماعي. كان هناك المدونات وجيل غامض ينظر الكثيرون له باستهانة.
في مدينة السلام بعيداً عن كل هذا كان “علاء فيفتى” ينظر إلى مياه المجاري التى تتكَاثر كأنها كائنات حية تتناسل وتنتشر في شوارع مدينة السلام. الرطوبة تأكل المباني التى أعدتها على عجل القوات المسلحة بعد زلزال 92. يتحرك “فيفتى” وسط كل هذا وهو يستمع إلى أغاني أحمد عدوية وفنانى الراب العالميين في ذلك الوقت كان “ايمنيم – Eminem” الأبيض الذي يغنى موسيقي الأفارقة الأمريكان ويحقق نجاحاً أكثر منهم كلهم ظاهرة فريدة في كل أنحاء العالم.
“فيفتى” لم يكن مشغولاً بالموسيقي فقط بل بالسينما والتمثيل. هو حالة فنية ضائعة في متاهات شوارع مدينة السلام. حاول التمثيل ولو بأدوار صغيرة في بعض الأفلام السينمائية لكنه لم يتحمل المناخ المتسلط الذي يمارسه المخرج على مؤدى الأدوار الصغيرة.
ترك موقع التصوير وفي ذهنه يدور خليط الموسيقي المفضلة عنده. أحمد عدوية مع إيقاعات الراب الذى بدأ في ذلك الوقت ينتشر عربياً وظهر له نجوم على الانترنت والهوامش الثقافية لا التلفزيون أو السوق الرسمي. لكن الراب العربي الذي بدأ ينتشر في ذلك الوقت كان يعتمد على توظيف إيقاعات غربية يتم أحياناً تحميلها من على الإنترنت ثم إعادة توزيعها مع تركيب صوت المغنى عليها لتخرج في النهاية عملاً متكاملاً بكلمات عربية لكن تظل الإيقاعات غربية.
ما كان يحلم به “فيفتى” أمر مختلف تماماً كان يريد تفتيت الموسيقي الشعبية تجريدها من كل الحُلي والزخارف والآلات الشرقية مع الحفاظ على الروح ثم صب هذه الروح في إيقاع قوى وعنيف.
التجربة الأولى.
ذهب “فيفتى” إلى أحد أصدقائه الذين لديهم خبره في مجال الكمبيوتر وبرامج الهندسة الصوتية. على جهاز كمبيوتر منزلي تمت صناعة أول أغنية تندرج تحت ما سيعرف بعد ذلك بموسيقي المهرجانات. الأغنية كانت بعنوان “مهرجان السلام“.
مديح طويل لسكان مدينة السلام، رجالتها وشبابها، جدرانها وشوارعها التى لم تتوقف الحكومة حتى اليوم عن الحفر أسفل منها وكسر مواسير المجاري ومياه الشرب مخلفة مستنقعات تتكاثر في معظم الشوارع.
عم فتحى
في المرة الأولى التى قابلت فيها السادات في مدينة السلام أخذني إلى “عم فتحى”. بدا أنه لن يكون مُستريحاً في الحديث على مقهى زهرة السلام. وحينما وصلنا أدركت لماذا سيبدو مستريحاً أكثر لدى عم فتحى.
لا يتجاوز سن السادات الخامسة والعشرين. في أى مكان على أرض جمهورية مصر العربية هناك عم فتحى بالنسبة له ولجيله.
يتكون مكان عم فتحى من طاولة “بينج بونج” تعلوها تعريشة خشبية. غرفة صغيرة تحتل الجزء الأكبر من مساحتها طاولة بلياردو. ثم جهازا تلفزيون يتصل كل واحد منهما بجهاز ألعاب “بلاى ستيشن”. بسبب التطور التكنولوجى في العقود الأخيرة تغيرت أماكن الترفيه التى يقبل عليها الأطفال والمراهقين. لم يعد اللعب في الشارع كافياً. وظهرت ما يعرف بصالات “الفيديو جيم” البسيطة. في كل منطقة سكنية في مصر لا بد أن يوجد مكان مثل عم فتحى، وإن كان مستوى شاشات التلفزيون والألعاب الموجودة يتغير على حسب المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.
بينما السادات يسحب الكراسي ويسألني إذا ما كنت أرغب في بعض الشاى ويتحرك في المكان كأنه في منزله. يأتي بعض الأطفال يحادثون عم فتحى: “عم فتحى عايزين نلعب ربع ساعة بينج“.
يأخذ عم فتحى منهم المال. ثم يسحب سيجارة من علبة السادات “مارلبور أحمر”. في البداية يبدو مندهشاً لوجود صحفي ومصور في مكانه يجرون حديثاً صحفياً مع واحد من الشباب الذين يعرفهم منذ كانوا صغاراً. يأتي أحد الزبائن، ألمحه يشير نحونا وهو يقول:
-شفت الواد السادات هيظهر في التلفزيون.
حينما يطمأن لنا وتمتد الجلسة قليلاً، يأتى عم فتحى ليجلس جوارنا يقول لى:
-”السادات دا مجنون، وهو صغير كنا بنسميه المجنون. مكنش بيعمل حاجة غير المزيكا والرقص. كان أحسن واحد بيرقص في مدينة السلام“.
الرقص
يوضح السادات عالم الرقص في الأفراح والموسيقي الشعبية قائلاً: “الرقص عندنا نوعين جماعى، وفيه يكون الشباب أحياناً جماعات مدربة ويعملون في فرقة محددة مع أحد الفنانين الكبار. أما النوع الثانى فيكون فردى. وأنا كنت أحسن واحد في مدينة السلام يرقص فردى، لكن زمان بقي.. دلوقتى الواحد كبر“.
خطوات وحركات الرقص الفردى في موسيقي المهرجانات هى خليط مركب وجديد بين “البريك دانس” والرقص الشعبي واستعراضات اللعب بالأسلحة البيضاء. في بعض الأفراح والحفلات يحكى السادات عما يمكن وصفه بالمبارزة بين راقصين.
يرقص الاثنان في مواجهة بعضهما وقدرة الراقص تنبع من تمكنه من “تثبيت” من يرقص أمامه، بالإشارات الجسدية والحركة والسرعة يتم هزيمة الخصم والتنكيل به في إطار رمزي وودي بين الطرفيين في الغالب.
الرقص في عالم المهرجانات ليس أداة تعبير فقط بل جزء من الاستعراض. الراقص يتحمل بشكل كبير مسئولية تحريك الجمهور وبث الحماسة فيه ودفعه للرقص.
فيفتى يقاطع شرح السادات ويقول: “يا سلام لو الفرح فيه شباب من الألتراس“.
جزء كبير من جمهور وروابط الألتراس خصوصاً ألتراس الأهلى والزمالك يتمركز في مناطق الخط الساخن (مطرية- عين شمس- السلام). وبحكم الروابط الأخوية بين أعضاء هذه الروابط فهم يحضرون أفراح بعضهم البعض جماعات. وتكون الأفراح فرصة لعرض الاستعراضات والتشكيلات الجماعية التى يقدمون مثلها العشرات في الملاعب.
العالمي
من الخارج يبدو عالم المهرجانات فوضوياً والعمل فيه غير احترافي. أدوات التسجيل والإنتاج شبه بدائية، وحقوق الملكية الفكرية تقريباً ليست موجودة حتى أن معرفة المؤلف أو المغنى الأول لأغنية ما أمر يصعب التوصل إليه أحياناً.
الأغنية ما أن تضرب في السوق حتى تصبح مشاعاً. يأخذها أى فنان آخر ويغنيها، بل أحياناً يتم تفكيك الأغنية أو لقط الجملة الموسيقية أو اللفظية الأقوى فيها وتركيبها على أغنية ثانية.
ينمو عالم موسيقي المهرجانات دون وجود شركات أو كيانات اقتصادية عملاقة تتحكم فيه. بالتالي فخطوات قانونية وروتينية كالمعروفة في عالم الموسيقي التجارية من تسجيل الكلمات والأغاني في الشهر العقاري أو عضوية هيئات كنقابة الموسيقيين أو الملحنين كلها أشياء ومصطلحات بعيدة عن عالم المهرجانات ولا أحد يهتم به.
لكى يحمى بعضهم نفسه من سرقة أغانيه يقوم بذكر اسمه في الأغنية، في معظم أغانى عمرو حاحا مثلا سوف نسمع البصمة الصوتية بصوت “الروبوت” في بداية كل أغنية “دى.جى. عمرو حاحا”. لكن حتى هذا لا يمنع من إعادة تدوير عمل أى فنان منهم من قبل فنان آخر. لينتج عمل آخر مختلف.
ربما تكون هذه الحالة من المشاع الإبداعي امتداد لتقليد عريق في عالم الأغنية الشعبية حيث كل أغاني الأفراح الفلكلورية التى أعتاد المصريون غنائها في الأفراح والمناسبات الاجتماعية لا نعرف من مؤلفها. لكن هذا لا ينفي وجوده. السادات أو العالمي كما يعرف فنيا ليس مغنياً فقط بل هو مؤلف الكلمات أيضاً.
بعدما اشتهر كراقص في عالم الأفراح والمهرجانات، اعتاد السادات النزول مع علاء فيفتى في بعض الأفراح، خطوة ثم الثانية كان يسمح له بمسك المايك ليبدأ صعود السلم من أوله ويمارس مهنة (النبطشى) مهمة الرد على المغنى الأساسي. وقتها كان يمارس السادات مهمتين كورال للمغنى الأساسي، أو موزع للتحيات والسلامات. النبطشى.. هو صدى المهرجان، رجل الظل.
بعدها يكتب السادات أول أغانيه (صحوبية جت بندامه). ستتحول الأغنية إلى حمى وستصبح في فترة بمثابة نشيد أساسي في كل سيارات الميكروباص، التوك توك، الأفراح، والمهرجانات..سيقول السادات:
“لفيت كل البحور
راجع ضعيف مكسور
خلاص يا دنيا انسى حنانى
خلاص أنا هبقي واحد تانى
مش هأمن تانى لحد
واشهدوا يا ناس على كلامى
قلبي الحنين أنا شلته
بقلب ميت بدلته
أنا كنت عايش غرقان
ومدى للناس أمان
وبحب كل الناس
وطلعت أنا الغلطان
والدنيا ياما بتعلم
وجه وقتى وهتكلم..
وهسمعكوا الكلام..”
سيستمر نجاح السادات بعد ذلك ليصبح نجماً من نجوم الأفراح والمهرجانات الذين يكثر طلبهم، سيخرج من عالم المهرجانات ليؤدى أول حفلة له على مسرح الجنينة تحت رعاية مؤسسة المورد الثقافي، سيسافر أيضاً إلى لندن ليقدم أول حفلاته في أوروبا ليحمل بعد ذلك لقب العالمي. لكن مع ذلك ستظل جلسة عم فتحى مع الأصحاب وعلى رأسهم فيفتى وحاحا هى مكانه المفضل.
سيستمر السادات أيضاً في رفض لقب مغنى حينما ينادى به، يقاطعني طوال حديثنا موضحاً: “أنا مش مغنى. أنا مؤدى. قدرتي الحقيقية هى “رص” الكلام. لدى رسالة وأرغب في إيصالها للجمهور. حنجرتي ليست قوية ولم أدرس أو أتعلم الغناء“
فرحة الصحاب
للشيخ أحمد برين والعجوز عمل مشترك أشبه بأوبريت كامل بعنوان “فرش وغطا”. الاثنان من أساطيرالمديح والغناء الجنوبي. عالم آخر منفصل عن عالم المهرجانات له قواعده وآدابه وقيمه. لكن الموضوع الأساسي “لفرش وغطا” هو الصداقة والسفر والرفيق قبل الطريق. نفس الموضوع يتكرر في أغاني المهرجانات.
في أغاني المهرجانات تتكرر عبارات “فرحة الصحاب” أو “هنرقص الصحاب”. يتوجه مغنى المهرجان في كل أغانيه لجمهور محدد يرمز له بالصحاب. يوجه التحيات في منتصف الأغنية إلى الصحاب والجدعان.
هل هناك رابط بين الاثنين؟ أم أن المنبع الثقافي البعيد للاثنين واحد؟
“الصحوبية” والصداقة في عالم المهرجانات ليست فقط موضوعاً للغناء بل هى الرابط الأساسي بين كل العاملين في المجال. قيم الصداقة في عالم المهرجانات تعمل بمثابة دستور أخلاقي غير مكتوب لكن متعارف عليه وهى التى تجمع صناع أغنية المهرجان (موزع- كاتب كلمات- مغن- نبطشى- مهندس صوت) ببعضهم البعض.
الصحوبية أيضاً تربط المجموعة بالأماكن الجغرافية التى ينتمون إليها وتعزز من الأحاسيس الجماعية بينهم وبين المنطقة حيث يحتل الغناء عن المناطق المرتبة الأولى ضمن كل المواضيع التى نسمعها في موسيقي المهرجانات.
لهذا تتكرر في عالم المهرجانات الأسماء الثنائية والثلاثية من النادر أن نجد أغنية واحده تحمل اسم مغنى واحد بل في الغالب سنجد التوقيع “أوكا وأورتيجا”، “السادات وفيفتى”، “فيجو وحاحا”.
الأخير هو الاسم الأشهر في عالم المهرجانات وقصة الاثنين تجسد نموذجاً لتأثير الصداقة والصحوبية وتقلباتها على عالم أغنية المهرجان.
الدكتور
من عين شمس أتى عمرو حاحا من عالم بعيد عن الموسيقي والأفراح والمهرجانات. فحاحا بالأساس كان يعمل كمهندس صيانة لأجهزة الكمبيوتر. في زمن الألفين وستة انتشرت محلات الدقيقة ب 75 قرشاً مقابل الحديث في المحمول، أو تحميل أحدث الرنات مقابل جنيه على تليفونك المحمول.
يتحدث حاحا عن أول توزيع قام به: “بدأت في تعلم استخدام برامج معالجة الموسيقي والصوتيات، وكنت أقوم بتوزيع بعض المقطوعات كنغمات لرنات الموابيل. وزعت مَقطُوعة ذات إيقاع شرقي لكن باستخدام الموسيقي المميزة لبرنامج وندوز ووجدت انتشاراً كبيراً، بعدها بدأ بعض المغنين يأتون إلىّ بالكلمات ويطلبون توزيعها وتلحينها“.
تحول اسم عمرو حاحا في سنوات قليلة إلى علامة تجارية في عالم موسيقي المهرجانات، لا يبارز اسمه سوى موزع مدينة السلام الأشهر “فيجو”.
ساهمت في شهرة الاثنين الحرب الموسيقي التى جرت وقائعها بينهما، ذات مرة تورط حاحا في توزيع قطعة موسيقيه تحتوى على جمل هجائية لمدينة السلام، فما كان من فيجو ابن السلام إلا أن قدم أغنية أخري تهاجم حاحا وعين شمس. أثارت هذه الحروب الغنائية النعرات المحلية عند سكان المنطقتين السلام وعين شمس مما لفت الأنظار إلى حاحا وفيجو.
انتهت الحرب بصلح بين الاثنين. نتج عنه ألبوم موسيقي من سبع أغنيات شارك في إعداده حاحا وفيجو والسادات وفيفتى ووزه بل وظهرت المجموعة كاملة على مسرح الجنينة وفي عدد من الأفراح الشعبية بعد ذلك.
بينما يعرف السادات نفسه كمؤد للراب الشعبي. يقدم “الدكتور” نفسه كموزع شرقي ويصر على وصف الموسيقي التى يقدمها بأنها شرقية. يقول حاحا: “معظم شغلى يتم على “أرتام” وإيقاعات شرقية. بالتالي فأنا لم أخرج عن تصنيف الموسيقي الشرقية“
حكاية ثورة
على مقهى زهرة السلام أجلس بصحبة السادات وعلاء فيفتى في انتظار “الدكتور عمرو حاحا” القادم من عين شمس. يأتى حاحا نشرب الشاى ثم نقف لنتجه نحو منزل السادات لاستغلال الوقت الذي تغيب فيه عائلته عن المنزل لتسجيل أغنية جديدة. في الطريق بين شوارع مدينة السلام نعبر بركاً متناثرة من المياه والمجاري. في أحد الشوارع الجانبية تنتصب آلة ضخمة وعملاقة تحاول سحب المياه الجوفية التى تهدد جميع المنازل بالانهيار.
بنيت معظم تلك المنازل بعد زلزال 92 على عجل كلها بنايات متشابهه وكلها تعانى من الانخفاض وارتفاع منسوب الأرض، النتيجة أنه للدخول أو الخروج من البوابة الرئيسية لابد من الانحناء.
في بيت السادات بمساكن مدينة السلام، يجلس عمرو حاحا أمام اللابتوب الذي يخرج منه سلك لسماعة كبيرة وسلك آخر لميكروفون يمسكه السادات وآخر يمسكه علاء فيفتى.
هنا الاستديو -إذا صح هذا التعبير- الذي يتم فيه صناعة معظم التسجيلات حاحا والسادات، ومعظم الأماكن التى يتم فيها صناعة موسيقي المهرجانات لا تفرق كثيراً عن هذا المكان. بالنسبة لشباب المهرجانات الموسيقي لا تحتاج إلا “الدماغ- الكلمات- الكمبيوتر- والموزع الموسيقي”. بعد ذلك يتم رفع الأغنية على الإنترنت ومنه إلى الشبكات الاجتماعية. أقل أغنية من أغاني المهرجانات معدلات تحميلها على انترنت تبدأ من 50 ألف مرة، وبعضها يكسر حاجز المليون.
حينما سافر السادات للغناء في لندن شعر بالضيق لتقديمه بصفته ممثلا لموسيقي مصر ما بعد الثورة، يقول موضحاً: “قلت لهم هناك، المزيكا التى نصنعها ليس لها أى علاقة بالثورة ولم نكن ننتظر تنحى مبارك لنقدم ما نفعله. نحن موجودون من أيام مبارك وسنظل موجودين بعده”.
بعد الثورة ظهرت الكثير من أغانى المهرجانات التى تحمل تلميحات سياسية أشهرها “يا حسنى سيبنى حرام عليك” و “A7A الشبشب ضاع”. لم تحمل تلك الأغانى توقيع أى من الأسماء المعروفة في عالم المهرجانات لكنها لسبب ما التصقت بالسادات، الذي فضل على مدار عام كامل الابتعاد عن كل ما له علاقة بالثورة. إلا مؤخراً حينما قدم مع فيفتى وحاحا أغنية “حكاية ثورة”:
“نفسه يعيش عيشه هنيه
ظلموه قدام العالم وقالوا عليهم بلطجية
دايما بيجو ع الغلبان لو يسرق حق الرغيف
واللى بيسرق بالملايين بيقولوا عليه في زمنا شريف
النار في قلوبنا بتزيد.. بعد ما ضاع حق الشهيد
واللى يصرخ ويقول حقي.. يضربوه زى العبيد
كلام كتير عمال يتقال..
والنظام السابق شغال“
الحفلة والفرح
ليست أدوات إنتاج الموسيقي هى المختلفة في عالم موسيقي المهرجانات فقط بل الطريقة التى يعمل بها الشباب. في البداية يقوم “الدكتور حاحا” بتوليف الإيقاع الأساسي أو “البيت” ثم يبدأ السادات مع فيفتى في رص الكلام.
يأتى الكلام كما يقول السادات من مصادر متعددة، قد يكون موقف، فكرة تحوم حول رأسه، أفيه سمعه يوماً ما وأعجبه. بعض الأغاني تتم كتابتها كاملة أولاً، أحياناً تأتى الكلمات ارتجالية حينما يشعر السادات بأنه في الحالة الفنية. دعاني “السادات” إلى حضور أحد الأفراح في السيدة زينب أثناء الغناء فجأة ارتجل سلسلة من التحيات لأهل الأدب ولأخبار الأدب.
بعد تسجيل الكلمات يقوم حاحا بإضافة الحلى الموسيقية والمحسنات السمعية على العمل. في الحفلات والأفراح يقوم السادات وفيفتى بالغناء على الإيقاع الأساسي، بينما “وزة” على “مكنة الدى.جى” يقوم بتوليف إيقاعات موسيقية أخرى على حسب حالة الفرح والجمهور.
أما حاحا فحضوره في الأفراح والحفلات يكون للإشراف على العملية كلها. حاحا بتعبير السادات هو “رمانة الميزان” ودكتور المهرجان. في بعض الحفلات النادرة يقف حاحا بنفسه على “مكنة الدى.جى” ويقوم بلعب التوليفات الموسيقية من على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به الذي يمكن اعتباره بشكل مجازى آلته الموسيقية الخاصة.
رغم أن الأفراح الشعبية هى ما صنعت موسيقي المهرجانات وعالم السادات وحاحا وفيجو. إلا أن السادات يفضل الحفلات أكثر. يقول: “في الفرح أنا محدود على حسب المنطقة التى أغنى فيها، والأولوية ليست للكلام أو ما أغنيه بل لتوجيه التحيات للحاج فلان والمعلم علان. بعض الأفراح أيضاً تكون هادئة، الجمهور يكون جالساً ويرفض الرقص أو الحركة، في هذه الحالة يجب أن أغير مما أغنيه وأقدم أغاني فيها حكاية. فالجمهور الجالس ينجذب أكثر للأغنية التى تحكى حكاية أو موعظة ويشعر بها لأن كل واحد فيهم يتخيل أن ما أحكيه هو حكايته.”
مؤخراً تم دعوة حاحا والسادات والمجموعة لإحياء إحدى الأفراح في قاعة بفندق فخم. رفضت إدارة الفندق في البداية دخولهم أو تشغيل موسيقي المهرجانات. المسئول عن القاعة قال لهم: “لا يمكنني أن أسمح لك بالغناء هنا، أنتوا كدا بتنزلوا لى القاعة وبيغنى هنا نجوم، لكن أنتم موسيقي بيئة.” في منتصف الشجار مع المسئول أمسك السادات بالمايك، شغل الموسيقي، وانطلق مغنياً ليشعل الفرح:
“تانى تانى.. فيفتى وفيجو من تانى
تانى تانى.. فيجو وحاحا من تانى
اسمحى لى يا زمانى..
هغنى تانى تانى.. علشان دلوقتى جه أوانى“
غنى السادات في الفرح. ولم يستطع مدير القاعة أن يفعل شيئاً أمام حماس الجمهور في القاعة.
اسأله:
-لكن في الحفلات بعض المسارح والأماكن تضع شروطاً على نوعية الكلمات التى يسمحون بها؟
يجيب السادات ببساطة: “صح أحياناً يحدث ذلك معانا لكن حينما نصعد على المسرح نقول كل ما نريده، ولا يهمنا.” بثقة يضيف “نحن لا نغنى أو نقول كلاماً من عالم آخر. ما نقوله هو حياتنا وما يدور في الشارع. ولا أحد يستطيع أن يمنعنا من أن نقول ما نريده. ولهذا السبب حتى الآن نرفض التوقيع مع أى شركة من شركات الإنتاج الكبيرة. لأنى إذا وقعت سيكون للمنتج الصلاحية أن يتدخل أو يعدل فيما نريد تقديمه بينما على الانترنت والمسرح نحن أحرار”.
قيم
جزء من أجواء بعض المهرجانات والأفراح الشعبية هو أنها المتنفس الترفيهي الوحيد لمئات الشباب بعيدين عن عوالم كافيهات تقدم القهوة “الاسبريسو” مع كعك الشيكولاتا، أو أندية ليالية تكلفة دخولها تتجاوز المائة جنيه. في الأفراح تحضر الموسيقي والرقص وأحيانا البيرة وأحيانا أخري الحشيش كجزء من فعاليات الحدث.
ألفاظ وقاموس الشقاوة جزء من كلمات أغاني المهرجان. بعض الألفاظ التى ترد في كلمات أغاني المهرجان تصنف كألفاظ خارجة لدى طبقات وشرائح اجتماعية أخري. بالرغم من أنها تغنى ويسمعها الجمهور بأريحية ويندمج معها في شوارع السيد زينب وأفراح القري في الفيوم والشرقية.
بمرور السنوات يصبح لدى السادات وفيفتى حساسية لدى بعض الكلمات يقول فيفتى: “في الأول كنا صغيرين وكنا أحياناً بنقول كلام فيه تسخين، لكن مع الوقت بقينا نركز في الكلام لأنه مش “رص” وخلاص. مقدرش أعمل زى ناس تانية وأغنى كلام لا أرضي أن تسمعه أختى أو أمى.“
يضيف السادات: “الكلام لازم يبقي له معنى. وفي حاجات لا يصح أن أقولها. لا يصح مثلا بعد حادثة مثل بورسعيد أعمل أغنية أهاجم فيها بورسعيد علشان أكسب جمهور ألتراس الأهلى مثلاً”.
أثناء سيرنا في شوارع مدينة السلام يحادثنى السادات: “المنطقة هنا بعد الثورة بقت لبش، كل واحد معاه 300 أو 400 جنيه تلاقي ماشي “بفرد/مسدس” وعامل بلطجى. لكن احنا شباب محترمين والله.. اسأل علينا أى حد”. يدلل على كلامه قائلاً: “يعنى احنا مثلاً مش ممكن تلاقينا واقفين نشرب سيجارة في الشارع أو قصاد بيت حد، رغم أن أصحاب البيت ممكن يكونوا مش ممانعين بل أحياناً ممكن يكون مبسوطين”.
أضواء الشهرة
يسحب فيفيتى نفساً من السيجارة وبشكل سينمائي يقول: “أسمع الخلاصة، احنا المستقبل. الجيل الجديد دا كله مضروب بحاجتين؛ يا المخدرات يا مزيكا المهرجانات. أنا أعرف شباب جديد يلم أصحابه ويحبسوا نفسهم في الأودة بالثلاثة أيام علشان يطلع أغنية يقول فيها اللى جواه”.
ذات مرة أتى شاب ودق على باب منزل السادات فتح له فوجد الشاب الذي لا يعرفه يهديه بوستر كبيراً قام بتصميمه وطباعته للسادات وانصرف. في الأفراح الشعبية في السيدة زينب أو المطرية أو الزقازيق. خلف منصة الفرح يقف عشرات الشباب أعمارهم تبدأ من عشر سنوات وحتى السادسة عشر. في عيونهم تري الانبهار. بعضهم يمتلك الجرأة ويقترب من “وزة” على المكنة يحاول أن يفهم كيف تخرج كل طاقة البهجة تلك من “المكسر” ومكنة “الدى.جى”.
حاحا، فيجو، أوكا، السادات ومؤخراً شياطين الدخيلة بالإسكندرية. أسماء تشكل الموجة الأولى لموسيقي وإيقاع روح جديدة يزداد جمهورها يوماً بعد يوم..
البهجة وموسيقي المهرجان.. مستمرة.
مداخلة حول الألتراس
By AhmedNaje
أنا أحب الحرية. أنحاز للحرية. لكن على سبيل المثال دفاعى عن حق شخص كخالد يوسف في التعبير والوجود على سطح الكوكب لا يتناقض مع اعتباري كل ما يقدمه خالد يوسف من أفلام سينمائية منتهى العبط. كذلك فدفاعي عن حرية الألتراس وحقهم في التعبير لا يتناقض مع رؤيتى للمسألة كلها بأنها عبط في عبط. بداية من الانحياز إلى نادى محدد والسفر خلفه في جميع المباريات من أجل الهمبكة. وانتهاءاً بالجرافيتى الذي يقدمونه والذي يحمل عبارات رنانة مضحكة ليس فيها أى عمق مثل أفلام خالد يوسف.
ولا يتناقض هذا مع رؤيتى الخاصة للألتراس كتنظيم ذكورى فاشى في جوهره ومراهق في ممارسته لكل شيء، وابتعادهم عن السياسية المباشرة ليس أكثر من نتيجة طبيعية لجهلهم بها.
وهذا الجهل الذي يتحكم فيهم هو الذي يجعلنا لا نسمع لهم صوت سوى الجعير والصريخ عن حق الشهداء والثأر وحق أخويا إلى آخره من المفردات القبلية. والروابط التى تربط أفراد الألتراس في جوهرها بصراحة تذكرنى بروابط المراهقين حينما يكتبون على ورقة الخمس جنيه (سعاد وسامية حب وصداقة للأبد).
المؤسف أن هؤلاء الشباب قد وضعوا في قالب محدد بعد الثورة ورغم محاولتهم التمرد على هذا القالب الذي وضعهم فيه المجتمع والحراك السياسي في بعد الثورة لا يدركون أنه خارج ذلك القالب والصورة التى حصرهم فيها المجتمع ليس لهم أى كينونة أو وجود حقيقي. كل هذا لا يتنافي مع حبي الشديد وبالغ القوة للألتراس مثلما أحب شخصية اللمبي رغم غبائه وعبطه لكنه يضحكى كذلك الألتراس بيضحكونى.
عبد الحكم سليمان يكتب: أكثر من دى.جى..البهجة وموسيقي المهرجان مستمرة.
By AhmedNaje | 3 comments
3
هذا هو أحدث وجه من وجوه الأغنية الشعبية، إنها “المهرجانات ” والمهرجان هو الاسم الذي يطلق إجمالا علي الأغنية في هذا النوع الموسيقي مثل مهرجان الوساده الخاليه (هاتي بوسه يابت) ومهرجان سمكه علي بلطيه وكذلك الصحوبيه واسعه الانتشار هذه الأيام.
إذا أردت أن تعتمد التسلسل الزمني سبيلا، يمكنك أن تعتبر أن مغنيي المهرجانات هؤلاء هم الجيل الرابع من المغنيين الشعبين علي خلفيه أن المؤسس عدوية هو الجيل الأول وإذا كان لك أن تعتمد طريق التطور، فلك أن تتأكد أن هذا النوع من الأغنية الشعبية ما هو إلا اللحظة الراهنة في رحلة طويلة من محاولات التحرر من الآلات الموسيقية ومن شركات الإنتاج ومن الكلمات المؤلفة ومن الأصوات المميزة و من كل شيء إلا الحالة.
نظرة عامة
الأغنية الشعبية،كما هو متحقق لدي عدويه والأجيال التي تلته، هي لون غنائي حديث ومستقل وهي فن يتمتع بالحيوية والحرية الكافية ليظل عصيا علي التأطير والتدجين.
ليظل مناوئا ونقيضا لما يسمي بالتيار الرئيسي، وبصرف النظر عن أطراف إنتاجها المعروفين جيلا بعد جيل، وعن أماكن وخطوط إنتاجها، وعن أدواتها وخصوصيتها الجمالية، وعن تسميتها الاصطلاحية، وعن قدرتها الفائقة في الاستفادة من كل التطورات التكنولوجية، فإنها قد نجحت في تجاوز كل الحدود لتصبح فنا عاما صالحا للناس أجمعين.
يقال عن حق إن التطور التكنولوجي (الكاسيت) قد خلق أحمد عدويه، فالاسطوانة غير المدمجة التي كانت تدار من خلال الجرامافون أو البيك-أب فيما بعد، كانت محدودة الانتشار، وترك الشعب دهرا تحت وطأة الإذاعة والتليفزيون الرسمي، ومن خلالهما أخذ النظام الناصر ييحاول تنميط وتوحيد الذائقة وفرض وتسييد نمط محدد من الغناء والموسيقي والفلكلور رآها وكلاء النظام في الإعلام الذوق الرفيع ذاته، طبعا كان هناك غناء شعبي خارج عن الرقابة في مواقع العمل وفي الموالد والأفراح والمناسبات الاجتماعية المختلفة، ولكنه كان يفتقد لوسيلة للتبادل والانتشار ونقل الخبرات، أقل من الجرامافون.
كانت السينما تتمتع باستقلال نسبي ومع أنها كانت أكثر تأثيرا منه، إلا أنها لم تكن كافية لفرض ذائقة مختلفة، حتي ظهور الكاسيت مع بداية السبعينيات بما له من خاصية رخص الثمن علاوة علي إمكانية إعادة نسخه لمرات عديدة بدون أن يفقد أيا من قيمته، ومن ثم الانتشار، فشكل منفذا حاسما للذوق المحاصر باستمرار.
الذوق الشعبي.
مع بداية الثمانيات كان نظام الحكم قد تخلي عن بقايا هويته القومية، وبدأ يختار لنفسه هوية جديدة تقوم علي أساس خصخصة القطاع العام والاندماج في السوق العالمية ولذلك اضطر للسماح بدرجه ما من الممارسات الديمقراطية وترك هامش أوسع للحريات.
ومع دخول التسعينيات كان الفضاء قد فتح تماما وفقد النظام الرغبة بل والقدرة علي فرض أية خطاب أيديولوجي أو أية أنماط جمالية أو ثقافية وفي إطار تلك التطورات التي بدلت وجه الحياة في مصر تماما.
ازداد الاحتياج لهذا النوع من الغناء ازديادا كبيرا، هنا ظهر الجيل الثاني من المغنيين الشعبيين من أمثال شفيقة وعبد الباسط حمودة وحسن الأسمر وشعبان عبد الرحيم وغيرهم.
الآن يمكننا القول إن الإبداع الفني لهذا الجيل من المغنيين الشعبين، مع إنه قد نجح في إنعاش هذا اللون الغنائي،إلا أنه لم تكن له إضافات جمالية كبيرة.
تدور عجلة الحياة دائما تجسيدا لمخطط وحيد، إنه التطور،علي مستوي التكنولوجيا وعلي مستوي المجتمعات علي حد سواء، أصبحت الشبكة العكنبوتية واقعا معاشا ودخل الكمبيوتر معظم البيوت وغزت مقاهيالانترنت كل شوارع المناطق الشعبية وتطورت البرامج الخاصة بالتسجيل والمعالجة الرقمية للصوت تطورا عظيما ومن ثم ظهر جهاز مشغل ملفات الصوت الأم بيثري،الذي انتشر سريعا بسبب ثمنه القليل وكفاءته العالية وحجمه الذيلايتجاوز إصبعا واحدا من أصابع اليد وقدرته علي حمل الآلاف من ملفات الصوت من وإلي الكمبيوتر، وفي نفس الوقت كانت تغيرات اجتماعية عديدة قد بانت نتائجها كازدياد التباين بين الأفراد وازدياد الاختلاف بين طبقات وفئات المجتمع وأصبحت الحياة أكثر خصوصية وبنفس الدرجة أكثر صخبا و ثراء.
أصبح واضحا أنه إذا كانت سبل التطوير قد تقطعت بالاسطوانة المدمجة بظهور الام بيثري، فإن الجيل الثاني من المغنيين الشعبيين قد تمت مزاحمته أيضا بظهور محمود الحسيني ومحمود الليثي وعماد بعرور وسعد الصغير ومنار محمود سعد وأمينة وغيرهم، إنه الجيل الثالث، طبعا هي ليست موازاة تكنولوجية اجتماعية بحتة فالجيل الثالث لكي يمتطي موجة تلك التطورات، لكي يتسني له الظهور أصلا كجيل متمايز، لكي يقدر له أن يكون الجيل الذي انتقل معه الغناء الشعبي من مرحلة البدايات إلي مرحلة الانتشار والتمكن، كان عليه أن يتجاوز ما لم يفلح الجيل الثاني في تجاوزه، أقصد الإطار الإبداعي للأب المؤسس،أقصد سردية عدوية.
سرديات مختلفة
يتمحور عالم عدوية الغنائي حول عده محاور، بكائية الذات، بكائية الزمن، الاعتزاز بالأماكن، غزليات في المحبوبة، والتحريض علي اللذة.
طبعا الكلام هنا محفوف بالمخاطر، ولايمكن التعاطي مع أغنية ما باعتبارها كلمات فقط، ولكنه إجراء لايخلو من فائدة، وأعتقد أن هناك تباينات فيما بين الأجيال المختلفة علي هذا الصعيد، فبكائية الذات المميزة لعدويه والجيل الثاني مثلا ستختفي لاحقا، سنجد عند عدويه “البخت مال مع الأيام وأنا ساكت“، “كل اللي حبوا اتنين اتنين وأنا لوحدي مالياش حد“، “اللي راح راح“، وعند عبد الباسط حمودة “أنا توهت مني“، أما التحريض علي اللذة وإن تواجد بشكل ما عند عدويه، “والله ولعب الهوي“… تعالي نشوف الحب دا عملي سكر ولا شطة“، أصبح هذا المحور شديد الانتشار في الجيل الثالث، مثلا محمود الحسيني، “شارب تلاتة ستلا” و”شربت سيجاره تانيه“.
الاعتزاز بالأماكن من ناحية أخري، محور مميز للأغنية الشعبية بشكل عام ولكنه أخذ أشكالا متباينة، عند عدوية جرجا وسوهاج وقنا، كوبري عباس، سيدي إبراهيم والمرسي أبو العباس.
أما عند الأجيال الأحدث فنجد الوراق وإمبابة والمطرية وعين شمس والدخيلة وأبو قير وكلها أماكن شعبية قح، الملمح الذي أراه خاصا بالجيل الرابع، مغنو المهرجانات، ولم يكن له وجود يذكر فيما سبقه من أجيال هو ملمح اعتزاز الفنان بذاته ومنطقته.
مغنو المهرجانات
يتقاسم العمل هنا نوعان من المبدعين، المسئولين عن الموسيقي ويسمون دي جيهات والمغنون أو المؤدين، وعاده مايشترك في العمل الواحد أكثر من ديجي وأكثر من مغني، ولعل هذا هو السبب في تسمية الأغاني هنا بالمهرجانات، من المغنيين الأشهر في هذا اللون الغنائي السادات وعلاء فيفتي وميشو العويل ومن الديجيهات الأكثر شهرة هنا دي جي عمرو حاحا ودي جي فيجو ودي جي فيلو.
يعود أول ظهور لعمرو حاحا علي منتدي أصحاب كول إلي أكتوبر2009 فيمهرجان بالوراق مع محمود رشاد وتبعه الآخرون في الظهور بعد ذلك، طبعا لم يحتفظ هؤلاء المبدعون بلقب دي جي اعتباطا وهذا ما سوف يعيدنا لقصه التكنولوجيا وبالذات فكره اللووب الموسيقي التي تم من خلالها الإطاحة بكل الآلات الموسيقية تماما من فوق المسرح.
في إطار الاقتصاد في تكاليف الحفل، تم التخلي عن فكرة الفرقة الموسيقية وتم الاعتماد علي الوسائط الصوتية الأخري التي كانت قد تطورت كثيرا، من هنا ظهر الديجي، مبدل الاسطوانات، كمتخصص ملم بمعظم الأعمال الموسيقية، وملم أيضا بأجهزة تشغيل الصوت مثل مشغل الاسطوانات والاسطونات المدمجة أو تشغيل الصوت من خلال الكمبيوتر وكذلك أجهزة تلقي الصوت من أكثر من مصدر (المكسر) لدمجه وتوزيعه علي السماعات، في مرحلة تالية تطورت برامج معالجة الصوت وبرامج إنتاج الأصوات الكترونيا (التكنوميوزيك) وهنا ظهرت فكره اللووب.
واللووب أو الحلقة في لغة الموسيقي هو تراك أو مسار صوتي مدته تتراوح ما بين واحد وأربعة بارات تقريبا والبار أو المقياس عبارة عن زمن عدد قليل من الضربات، الملمح الأهم في تعريف اللووب هو نجاحه في العمل بدون نشاز إذا ما تم إعادته بدون توقف ليكون تراك صوتي طويل له إيقاع محدد.
بإنتاج عدد كافي من تلك التراكات أو المسارات الصوتية لآلات مختلفة أمكن التخلي عن كل الفرقة الموسيقية، طبعا يتم تجهيز تلك اللووبات مسبقا قبل الظهور علي المسرح، وباستمرار يقوم الفريق بتأليف وعزف لووبات جديدة تناسب كل حالة علي حده، وعند الظهور علي المسرح، يتم تشغيل أو إيقاف التراكات الصوتية وحتي التحكم في إيقاعها مع إيقاع المغني يقول فيجو في أحد مهرجاناته:
“المهرجانات بقت موضة والكل بيسجل في الاوضة“
بالتأكيد الرسالة واضحة، فالأمر ليس سهلا، والأمر ليس مجرد دي جي، المسألة هي من خلال مجموعة من الشطرات الموسيقية، كيف تعيد ضم تلك الفسيفساء لتدب فيها الروح؟
كيف تجمع ذلك الكولاج لتنتج إيقاعا هادرا؟
قال السادات
عندما أشرت إلي سيجارة كان يدخنها، قال السادات إنه مؤد وليس مغنيا، المقصود هنا طبعا أن حساسية صوت المغني تجاه الإيقاع هي الأهم، كلمات الأغاني، هي الأخري، شهدت ثورة لا تقل عن مثيلاتها في الموسيقي، فلم يعد هناك موضوع للأغنية في أغلب الأحيان حتي أن المهرجانات أصبحت تسمي بأسماء الأماكن أو المناسبات التي ظهرت فيها الكلمات في أحيان كثيرة هي عبارة عن شطرتين أو أربعة بينهم قافية ليتم تغير الموضوع لشطرات جديدة وموضوع آخر،
هذه امثله من مهرجانات مختلفه
“الدنيا ملهاش عازه والصحاب في إجازة“، “يا عم يلا عيش وأنا شارب حشيش“، “هات ياد المايك وأنا عملت شعري إسبايك“، “واللي يعجبه يدفع من جيبه“، “الدنيا ماهيش عافيه والناس بقت فاضيه“، “حاجتين مالهومش أمان الصحاب و الزمان“، “يا تعيش راجل يا بلاش عيش“، “الدنيا ياما بتعلم وجه وقتي وهاتكلم”
واحيانا يتم الإستعانة بشطرات من أغاني دارجة، طبعا تشكل تلك الشذرات في النهاية نسقا ما بمستويات متفاوتة من التوفيق، ويبدو لي أن هناك درجة ما من الحرية للمغني في اختيار مايريده، علي حسب مزاجه، وعلي حسب إحساسه بالإيقاع، أما الدي جي من ناحيته، فهو يتدخل ليس فقط من خلال تحكمه في الإيقاع، بل أيضا بصوته من خلال تكرار آخر كلمات المغني بسرعات مختلفة، المُحصلة النهائية هي إنتاج حالة فريدة في كل مرة، حيث يستحيل اعاده إنتاج نفس الحالة بنفس الروح مره اخري بسبب كثره العوامل والأحاسيس المتغيرة دوما.
المناطقية
يبدو لي أن مزيدا من الخبرة ربما سيؤدي لاهتمام اكبر بكلمات الأغاني،هذا من ناحية، ومن ناحية اخري، ألاحظ عدم وجود المرأة حتي الآن داخل هذه الموجه من المغنين، وأخيرا أعتقد أن ملمح اعتزاز الفنان بذاته هنا، علي جدته، إلا أنه يعكس وعيا بسيطا، “لا طب ولا جراحه دا الدكتور عمرو حاحا“، “يا رايحين قلوا للجايين دا حاحا أحلي الموزعين“، وهناك العديد من النماذج بالنسبة لكل واحد من الفريق، وعلي اختلاف المجموعات كذلك فكره الاعتزاز بالمكان الشخصي، “السلام بلد الكلام” ،و”عندنا كهرباء باللمس علشان إحنا ملوك عين شمس“، “بإسم الزاويجيه بلدنا العالميه“، “الدخلاويه ملوك إسكندرية“
وكذلك الاعتزاز المفرط بالمجموعة وكان ثمة تناحر تلمع نذره في الافق، “العصابة هاتفلبها خرابة“. للعلم العصابة هي مجموعة دي جي فيجو والسويسي كما تسمي نفسها في إحدي المهرجانات، أما دي جي فيلو والدخلاوية فهم يطلقون علي أنفسهم المافيا والكلام هنا قد ذهب بعيدا، “واقفين علي قمة حارة والمافيا هي الإدارة“، “أول كلامنا يكون بالأدب بعدين نسحبوا سكاكين“.
المتشبهون بالشعبي
بدخول هذه الموجة الأخيرة من المغنين الشعبيين إلي الساحة، يصبح لدينا ثلاثة أنماط من الإنتاج تتواجد معا، لتصبح الساحة أكثر زخما وتنوعا، جيل عبد الباسط حمودة، الأقرب لأحمد عدوية وجيل محمود الحسيني والليثي وهو الجيل المتصدر الآن، أما الجيل الأخير، جيل عمرو حاحا فهو جيل النقلة التكنولوجية الأكبر، جيل التخفف من الكثير من النواحي (الشكلية) إذا صح التعبير.
يغيب عن هذا التصنيف مغنون من أمثال محمد رشدي وحكيم وريكو، حيث أعتقد أن إبداعهم يقع في خانة المتشبه بالشعبي أو الشعبوي، وأظن أن هناك فارقا كبيرا بين أن تكون شعبيا، وان تقرر أن تكون شعبيا، إذ لابد أن هناك شيئا خاصا داخل تلك المناطق والحواري والحتت، داخل تلك البيوت الضيقة المتداخلة المتراصة في تكراريه مضنيه وتلك الشوارع المتشابكة التي لا تنتهي، في كل الأحوال لا تخضع تلك المناطق إلا لآليات الضبط الذاتي، حيث لايوجد هنا لا سيف المعز ولا ذهبه، هنا الرقابة خفيفة والحياة تكاد أن تكون عارية، طبعا يخرج من تلك الأماكن منينتمون تمام لذائقة التيار الرئيسي وكذلكيخرج من هنا من يدركون الحقيقة كاملة.
?What about Palestine
By AhmedNaje
Translated from Al-Masry Al-Youm by Aisha El-Awady
A couple of weeks ago, amid the boring and ridiculous drama of the NGO crisis and the possible end of US aid to Egypt, MP Essam al-Erian of the Freedom and Justice Party (FJP) and head of Parliament’s Foreign Affairs Committee made a bold statemement on the question of aid and peace with Israel.
“US economic aid is part of the [Camp David] Accords and if America decided to cut off [aid to Egypt], we will change or cancel the agreement,” said Erian. “Egypt is the first and final decision-maker and no one can pressure it.”
In this statement, Erian acknowledges that the Camp David Accord means nothing and has no importance to Egypt save for the US aid it comes with. However a few days later, FJP Chairman Mohammed Morsy said, “For the time being, talk of forgoing US aid disrupts the development of the state’s institutions.”
By combining the two statements, the FJP, which represents the majority in Parliament, finally gives us insight into the party’s explicit vision regarding the peace agreement with Israel; in other words, that Egypt is a poor country in need of aid and therefore it accepts the peace agreement with Israel in return for US money and weapons.
In media and political interviews since ousted President Hosni Mubarak stepped down, the Muslim Brotherhood (MB) always focused on and stressed two key points: First, their commitment to the treaty, and second, their commitment to free market policies.
But what about what lies beyond these two points?
And are Egyptian-Israeli relations limited to the peace agreement?
What about the Palestinian-Israeli question? Does the FJP recognize the Oslo Accords and what came after? Or does the FJP prefer to align with Hamas’ opposition to the accords and to the 1967 borders?
It is becoming clear that the FJP does not have any clear stance on the Arab-Israeli conflict apart from its firm position on the necessity of American aid and thus it holds on to the Egyptian peace agreement with Israel. What is more distressing it that the flow of international aid is not only a priority for the FJP or Egyptian authorities in general, but to the Palestinian authorities themselves. In other words, one could argue that many parties, including the Palestinian authorities, are not invested in ending the conflict, since its continuation keeps the aid coming.
A few years ago, Hamas came to power in Gaza through democratic elections and since then adopted a set of principles as part of its political platform, which included the non-recognition of Israel, refusing negotiations and continuing jihad as the sole means of liberating the country.
After coming to power, Hamas continued to refuse negotiations or to recognize Israel, but at the same time there has been no news of the jihad they referred to. In fact, Hamas’ security forces have been hunting down and arresting jihadist Salafi groups and individuals to prevent them from continuing jihad, sometimes in the form of firing locally-made rockets at Israel.
But what about the future of the Palestinian saga? There is no talk about the future; there are no plans and there is no vision for a conclusive solution to this lengthy conflict.
Hamas, however, is not the only party lacking a vision for a conclusive solution to the Arab-Israeli conflict; the MB also lacks such vision, as do all Arab regimes who are preoccupied by ensuring that they remain in power.
Thus, it seems true that no one will benefit from finding a solution to the Arab-Israeli conflict, since as long as the conflict and muffled tensions continue, the flow of military and financial aid to the Israeli and Egyptian military establishments continues, as will the flow of European aid to the Palestinian Authority in Ramallah.
As long as Hamas continues to adopt jihad through passionate songs and speeches, the Iranian and Syrian support will also continue, and as long as the peace negotiation rounds move between Riyadh and Doha so will the flow of financial aid from the Gulf States to the Gaza Strip.
Many will profit from the continuation of the Palestinian issue. It’s a vicious circle of regimes pretending to want peace or practicing verbal jihad. There is no peace but no war, no space to dream or hope for closure.
What’s more worrying than the lack of insight or vision with regard to the Palestinian issue by all political forces in Egypt is this lack of vision by the Palestinian forces themselves. Even more distressing is the fact that this comes at a time when all of the meanings of the Palestinian cause have changed; even the word ‘Palestine’ is difficult to define.
Arab Islamic Palestine has become Islamic Gaza, the West Bank pretends to be secular, issues such as the diaspora, the 1948 Arabs or the refugee situation have been marginalized. Returning to the homeland has become a distant dream, and for some of the new generations, it has become more of a myth passed down through the generations. Arab public opinion is only slightly provoked when news leaks about the construction of a new Israeli tunnel under the Aqsa Mosque, while the arrests of Palestinians, the conditions of Palestinian prisoners in Israeli jails, and the assassinations and slander do not raise concerns from Arab spectators.

وسع خيالك
عش كأنك تلعب Post-Plugin Library missing































خبر عن ما قال